مجتمع
٨ أكتوبر ٢٠٢٦
الرستن تستعيد سكانها تدريجياً.. منازل متضررة ومدارس مكتظة واحتياجات خدمية متزايدة

تشهد مدينة الرستن في ريف حمص الشمالي عودة تدريجية للأهالي بعد سنوات من النزوح، وسط تحديات تتعلق بتوفر المساكن وارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية فرص العمل، إلى جانب احتياجات خدمية متراكمة تشمل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والمدارس والمرافق الصحية، في ظل استمرار آثار الدمار في عدد من أحياء المدينة.

وتشير تقديرات محلية إلى عودة نحو 60% من النازحين، بينما لا يزال قسم من السكان يقيمون في مناطق نزوحهم بسبب فقدان المنازل أو صعوبة تأمين مصدر دخل، ما يجعل استكمال العودة مرتبطاً بتحسين الخدمات وإعادة تأهيل المرافق المتضررة وتوفير ظروف معيشية تسمح للعائلات بالاستقرار.

السكن والعمل يحددان قرار العودة

قال رأفت فرزات، عضو المكتب التنفيذي في مجلس مدينة الرستن، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن نحو 60% من النازحين عادوا إلى المدينة، فيما لم يتمكن قرابة 40% من العودة لأسباب تتعلق بصورة رئيسية بعدم توفر مساكن مناسبة أو فرص عمل تضمن لهم دخلاً مستقراً.

وأوضح أن عدداً من العائلات استقر خلال سنوات النزوح في مدن الشمال السوري أو في مدينة حمص، وارتبط بأعمال ومصادر رزق يصعب التخلي عنها قبل توفر بدائل مناسبة في الرستن.

وأشار إلى أن تأمين المسكن والعمل يمثلان عاملين أساسيين في تشجيع الأهالي على العودة، إذ إن الرغبة في الاستقرار داخل المدينة لا تكفي وحدها عندما تكون المنازل مدمرة أو غير صالحة للسكن، أو عندما تفتقر الأسرة إلى مصدر دخل يغطي احتياجاتها.

البنية التحتية تحتاج إلى تأهيل واسع

وبيّن فرزات أن سنوات القصف التي تعرضت لها الرستن خلفت أضراراً كبيرة في البنية التحتية والمرافق العامة، شملت شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق، إضافة إلى المدارس ودور العبادة.

وأضاف أن مجلس المدينة، بالتعاون مع إدارة المنطقة والمجتمع المحلي، بدأ تنفيذ أعمال خدمية لمعالجة بعض الأضرار، شملت ترميم المنصفات في الطرق الرئيسية والأسواق، واستبدال أجزاء من شبكات الصرف الصحي المتهالكة في عدد من الأحياء.

وأوضح أن هذه الأعمال تأتي ضمن الإمكانات المتاحة، في حين تتطلب معالجة المشكلات بصورة أوسع دعماً مالياً وفنياً يتجاوز قدرة المجلس المحلي، ولا سيما في المشاريع التي تحتاج إلى استبدال شبكات كاملة أو إعادة تأهيل مرافق تعرضت لأضرار كبيرة.

المدارس في مقدمة الأولويات

وتبرز المؤسسات التعليمية ضمن المرافق التي تحتاج إلى تدخلات إضافية، سواء لإصلاح المباني المتضررة أو زيادة القدرة الاستيعابية للمدارس العاملة مع ارتفاع أعداد العائدين.

وأكد فرزات أن ترميم المدارس يمثل إحدى الأولويات الحالية لمجلس المدينة، نظراً إلى حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت التعليمية خلال سنوات الحرب وأهمية استعادة دورها في خدمة الطلاب.

وفي السياق ذاته، أوضح الناشط أحمد الشيخ علي، أحد أبناء الرستن، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أن عدد المدارس العاملة حالياً لا يتناسب مع الضغط القائم وأعداد الطلاب المتوقع التحاقهم بها خلال العام الدراسي.

وأشار إلى أن المدينة تحتاج إلى زيادة عدد المدارس وتأهيل المباني القائمة، لافتاً إلى أن آثار القصف لا تزال ظاهرة في بعض المدارس التي تستقبل الطلاب، ما يعكس استمرار الحاجة إلى أعمال ترميم تتجاوز الإصلاحات المحدودة.

احتياجات صحية تتجاوز الخدمات الحالية

ولا تقتصر مطالب الأهالي على قطاع التعليم، إذ يشكل تطوير الخدمات الصحية أحد الاحتياجات الرئيسية في الرستن، في ظل الحاجة إلى مرافق قادرة على خدمة سكان المدينة ومناطق ريف حمص الشمالي.

وقال فرزات إن المدينة تحتاج إلى مشفى يوفر خدمات صحية أوسع للأهالي، بالتوازي مع تحسين واقع المؤسسات الطبية القائمة.

من جانبه، أوضح الشيخ علي أن الرستن تضم حالياً مستوصفين يختلف مستوى الخدمات المتاحة فيهما، مشيراً إلى الحاجة لإنشاء مستوصف ثالث في منطقة أخرى من المدينة، بما يساعد على توسيع التغطية الصحية وتخفيف الضغط عن المراكز الحالية.

وتعكس هذه المطالب الحاجة إلى زيادة القدرة الاستيعابية للخدمات الصحية مع استمرار عودة السكان، ولا سيما في المناطق التي لا تتوفر فيها مرافق طبية قريبة أو خدمات كافية.

مبانٍ حكومية خارج الخدمة

وتحدث الشيخ علي عن استمرار الأضرار في عدد من المباني الحكومية التي لم تستعد وظائفها الخدمية، ومن بينها مبنى المصرف الزراعي والجمعية الفلاحية.

وأوضح أن المدينة شهدت خلال الفترة الماضية إزالة بعض آثار الدمار وتنفيذ أعمال تحسين، إلا أن أضراراً واسعة لا تزال قائمة في مبانٍ سكنية وحكومية، وتحتاج إلى مشاريع إعادة تأهيل أكثر شمولاً.

وأشار إلى وجود خطط ومشاريع تعتزم المحافظة والبلدية تنفيذها بالتعاون مع الأهالي خلال الفترة المقبلة، معتبراً أنها قد تسهم في تحسين المشهد الخدمي والعمراني، لكنها لا تزال محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات المتراكمة.

وتبرز إعادة تشغيل المؤسسات الحكومية المتضررة ضمن متطلبات استعادة الخدمات، إلى جانب إصلاح المساكن والبنية التحتية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.

مخلفات الحرب لا تزال ظاهرة

ومن بين القضايا التي أشار إليها الشيخ علي استمرار وجود مخلفات وآثار للقصف في بعض المواقع داخل المدينة، بما فيها الطرقات والمباني.

وقال إن بعض قذائف الهاون لا تزال ظاهرة ضمن طبقات الإسفلت في عدد من الطرق، موضحاً أن بعضها قد يكون فارغاً بعد انفجاره، بينما بقيت أجزاء المقذوفات في أماكنها.

وتستدعي هذه المشاهدات، وفق طبيعتها ومواقعها، إجراء كشف فني من الجهات المختصة لتحديد ما إذا كانت تشكل خطراً على السكان، خصوصاً في المناطق السكنية والطرق التي يستخدمها الأهالي والطلاب.

كما أن معالجة آثار الحرب في الفضاءات العامة ترتبط بأعمال التأهيل المطلوبة لإعادة المدينة إلى وضع يسمح باستخدام مرافقها وطرقاتها بصورة آمنة.

الإيجارات تضيف عبئاً على العائدين

وفي الجانب المعيشي، أشار الشيخ علي إلى أن ارتفاع تكاليف السكن يشكل إحدى أبرز العقبات أمام العائلات الراغبة في العودة، خصوصاً من فقدت منازلها أو لم تتمكن من ترميمها.

وأوضح أن إيجار المنزل في الرستن يبدأ، وفق الأسعار التي رصدها محلياً، من نحو 150 دولاراً شهرياً، فيما تتراوح إيجارات منازل أخرى بين 200 و300 دولار، تبعاً لموقع المنزل ومساحته وحالته.

وأضاف أن أسعار بيع المنازل تشهد بدورها ارتفاعاً ملحوظاً، إذ تتراوح الأسعار المطروحة في بعض الإعلانات العقارية بين 35 ألفاً و80 ألف دولار، وقد تصل طلبات بعض المالكين إلى 100 ألف دولار.

وتعكس هذه الأرقام تقديرات وأسعاراً متداولة في السوق المحلية، وليست متوسطات رسمية لجميع العقارات، لكنها توضح حجم الأعباء التي قد تواجه الأسر الباحثة عن مسكن بديل.

400 دولار لتغطية الاحتياجات الأساسية

ولفت الشيخ علي إلى أن تأمين الاحتياجات اليومية يمثل تحدياً إضافياً، في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء والمستلزمات المعيشية مقارنة بفرص العمل والدخول المتاحة.

وقدر أن الأسرة تحتاج إلى دخل شهري لا يقل عن 400 دولار لتغطية احتياجات الطعام والشراب ومستوى معيشة متوسط، من دون احتساب تكاليف إيجار المنزل.

وبناء على هذه التقديرات، فإن الأسرة التي لا تمتلك منزلاً قد تواجه نفقات شهرية تتجاوز قدرتها المالية، ولا سيما إذا كانت تعتمد على عمل غير مستقر أو دخل محدود.

وأوضح أن ظروف العودة تكون أسهل نسبياً بالنسبة إلى الأسر التي احتفظت بمنازل قابلة للإصلاح وتملك مصادر دخل، بينما تتزايد الصعوبات أمام العائلات التي تحتاج إلى استئجار مسكن أو إعادة بناء منزلها بالكامل.

مشاريع اقتصادية لتشجيع الاستقرار

ورأى فرزات أن معالجة أزمة العودة تتطلب إجراءات تتجاوز تحسين الخدمات، وفي مقدمتها توفير خيارات سكن مناسبة للأهالي الذين فقدوا منازلهم أو لا يستطيعون تحمل تكاليف السكن الحالية.

ودعا إلى العمل على مشاريع سكنية بأسعار تتناسب مع إمكانات السكان، مع إتاحة الشراء عبر أقساط ميسرة، بما يساعد العائلات النازحة على العودة والاستقرار.

كما شدد على أهمية تشجيع المشاريع التنموية والاقتصادية، وافتتاح المصانع والشركات التي يمكن أن توفر فرص عمل للشباب وتدعم الحركة الاقتصادية داخل المدينة.

وأشار إلى أن المجلس المحلي يعمل بالتعاون مع إدارة المنطقة والمجتمع المحلي على خطة لتحسين الواقع الخدمي والمعيشي، مؤكداً أن حجم الاحتياجات يتطلب مشاركة المؤسسات المعنية وجهات الدعم إلى جانب الجهود المحلية.

العودة مرتبطة بتحسن ظروف المعيشة

ويرى الشيخ علي أن بعض العائلات التي استقرت خارج الرستن خلال سنوات النزوح تفضل التريث قبل العودة، في ظل تفاوت مستوى الخدمات وفرص العمل بين المدينة وأماكن إقامتها الحالية.

وأوضح أن قرار العودة يرتبط بالنسبة إلى هذه الأسر بقدرتها على تأمين السكن والدخل والخدمات الأساسية، ما يدفع بعضها إلى انتظار تحسن الظروف قبل اتخاذ قرار الانتقال.

وتظهر المعطيات التي قدمها ممثل مجلس المدينة والناشط المحلي أن الرستن قطعت خطوات في استعادة سكانها وتنفيذ بعض أعمال التأهيل، لكنها لا تزال تواجه فجوة بين حجم الاحتياجات والإمكانات المتاحة لمعالجتها.

وتبقى زيادة أعداد العائدين مرتبطة بتوسيع مشاريع ترميم المنازل والمدارس والمرافق الصحية، وتحسين شبكات الخدمات وإعادة تشغيل المؤسسات المتضررة، بالتوازي مع توفير فرص عمل وخيارات سكن ميسرة تساعد الأسر على الانتقال من العودة المؤقتة أو الجزئية إلى الاستقرار المستدام.

اقرأ المزيد
٧ أكتوبر ٢٠٢٦
بعد تعذر العثور عليهم.. بلغاريا توقف البحث عن 12 بحاراً سورياً في البحر الأسود

أوقفت السلطات البلغارية، الأربعاء 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، عمليات البحث عن أفراد طاقم سفينة «ألفا وطن» المفقودين، بعد تعذر العثور عليهم، وفق الإدارة البحرية البلغارية، التي أكدت عدم وجود خطط لاستئناف عمليات البحث.

وأفادت هيئة الإذاعة الوطنية البلغارية «BNT» بأن السلطات تعتقد أن 12 بحاراً سورياً كانوا على متن السفينة عند تعرضها للهجوم، مشيرة إلى أن فرق الإنقاذ عثرت في موقع الحادث على قارب مقلوب وثلاثة أطواف نجاة وأجزاء من معدات السفينة، من دون العثور على أي من أفراد الطاقم

ويعود الحادث إلى فجر الثلاثاء 6 تشرين الأول/أكتوبر، عندما تعرضت «ألفا وطن» لهجوم بمسيّرات في البحر الأسود، ما أدى إلى غرقها داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا. وبحسب وكالة «رويترز»، غرقت السفينة التي ترفع علم توغو على بعد نحو 70 ميلاً بحرياً من الساحل البلغاري.

وعقب الحادث، شاركت طائرات ومروحيات وقطع بحرية في عمليات البحث عن الطاقم المفقود، قبل أن تقرر السلطات إنهاء المهمة بعد عدم العثور على ناجين. وأوضحت الإدارة البحرية أن عمليات البحث والإنقاذ تدخل ضمن مسؤولياتها، في حين لا تشمل مهمتها تفتيش حطام السفينة تحت الماء.

ويأتي وقف البحث فيما لا يزال مصير البحارة السوريين الـ12 مجهولاً، في حين لم تحدد السلطات البلغارية بصورة نهائية الجهة المسؤولة عن استهداف السفينة، بينما تتواصل التحقيقات بشأن ملابسات الهجوم.

اقرأ المزيد
٧ أكتوبر ٢٠٢٦
بلاغ اختطاف كاذب يثير التوتر في قبتان الجبل.. كيف كادت شائعة أن تتحول إلى مواجهة؟

أثار بلاغ عن اختطاف طفلة في بلدة قبتان الجبل بريف حلب الغربي حالة من التوتر والاستنفار، قبل أن تعلن قوى الأمن الداخلي أن التحقيقات أظهرت عدم صحة رواية الاختطاف، في واقعة أعادت تسليط الضوء على مخاطر تداول الاتهامات غير المثبتة وربط الحوادث الفردية بمكونات اجتماعية قبل اكتمال التحقيقات.

وتكتسب الحادثة بعداً إضافياً نتيجة ما رافق الرواية الأولى من اتهامات طالت أشخاصاً من مدينة نبل، وما تبع ذلك من تحركات وتهديدات، ما استدعى تدخلاً أمنياً لمنع التصعيد، قبل أن تكشف التحقيقات، بحسب الرواية الرسمية، أن الطفلة لم تكن مختطفة وأن البلاغ جرى اختلاقه لتحقيق مكاسب مادية.


الأمن الداخلي يكشف ملابسات البلاغ

وقالت قيادة الأمن الداخلي، في بيان نشرته عبر قناتها على «تلغرام»، إن التحقيق في البلاغ استدعى استنفار الدوريات وتنفيذ عمليات بحث وتحري مكثفة، أسفرت عن توقيف عدد من المشتبه بهم وأحد المتورطين الرئيسيين.

وأضافت أن التحقيقات أظهرت كذب ادعاء الاختطاف، مشيرة إلى توقيف والدي الطفلة على خلفية البلاغ الكاذب وتشتيت جهود الأجهزة الأمنية.

وتظهر الواقعة، وفق المعلومات المعلنة، كيف يمكن لبلاغ غير صحيح أن يتجاوز أطرافه المباشرين عندما يقترن باتهامات تطال جماعة أو منطقة بعينها، خصوصاً إذا انتقلت الرواية إلى المجال العام قبل التحقق منها.

اتهام مبكر يوسع دائرة التوتر

في السياق، قال الباحث والكاتب عمر منيب إدلبي، الحاصل على دكتوراه في القانون، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن حادثة قبتان الجبل بدأت بإبلاغ عائلة طفلة تبلغ نحو سبع سنوات عن تعرضها للاختطاف، مع الحديث عن مطالبة الخاطفين بفدية مالية.

وأضاف أن الرواية التي جرى تداولها تضمنت اتهام أشخاص من مدينة نبل ذات الغالبية الشيعية بالوقوف وراء عملية الاختطاف، وهو ما نقل القضية سريعاً من بلاغ جنائي يتعلق بطفلة إلى حالة من التوتر بين منطقتين.

وبحسب إدلبي، شهدت قبتان الجبل حالة استنفار شارك فيها عشرات من أبناء البلدة، وكان بعضهم يحمل السلاح، وسط تهديدات بالتوجه إلى نبل في حال عدم إعادة الطفلة.

وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية تحركت لمنع تطور الموقف إلى اشتباكات، وانتشرت في محيط البلدتين بالتوازي مع عمليات البحث والتحقيق في ملابسات البلاغ.


التحقيق يغير مسار القضية

وأوضح إدلبي أن عمليات البحث والتحري والاستجواب أظهرت، وفق نتائج التحقيق المعلنة، أن رواية الاختطاف غير صحيحة، وأن الطفلة كانت موجودة لدى أحد أقاربها في مدينة عفرين.

وأضاف أن الطفلة أعيدت إلى عائلتها، فيما أوقف والداها للاشتباه بتخطيطهما للقصة واختلاق واقعة الاختطاف بهدف تحقيق مصالح مادية وشخصية.

وتبقى المسؤولية القانونية النهائية عن الواقعة وما ينسب إلى الموقوفين من اختصاص الجهات القضائية المختصة، استناداً إلى نتائج التحقيق والأدلة المتوافرة.


من اتهام فردي إلى توتر جماعي

ويرى إدلبي أن أحد أخطر جوانب الحادثة تمثل في ربط الادعاء منذ بدايته بمدينة نبل وهويتها الاجتماعية، وهو ما ساهم في اتساع نطاق التوتر وتحويل واقعة لم تكن حقيقتها قد اتضحت بعد إلى مصدر لاستنفار بين مجموعات من السكان.

وقال إن المعلومات التي جرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي من دون تحقق ساهمت في تصاعد التوتر وظهور خطاب تحريضي، في وقت كان التحقيق الأمني لا يزال جارياً لكشف حقيقة ما حدث.

وحذر من أن تحويل الاتهام من أشخاص محددين إلى جماعة اجتماعية كاملة يمكن أن يفتح المجال أمام ردود فعل جماعية وعمليات انتقام أو اعتداءات لا تستند إلى مسؤولية فردية مثبتة.


المسؤولية فردية لا جماعية

وأشار إدلبي إلى أن ربط الجرائم أو الادعاءات الجنائية بمكونات اجتماعية من دون دليل يمثل خطراً على الاستقرار المجتمعي، خصوصاً في بيئة لا تزال متأثرة بتداعيات سنوات الحرب والانقسامات التي خلفتها.

وأكد أن المسؤولية عن أي فعل جنائي يجب أن تبقى فردية ومتصلة بمن تثبت مسؤوليته بالأدلة، وألا تنتقل الاتهامات إلى جماعة أو منطقة بأكملها بسبب هوية شخص مشتبه به أو رواية يجري تداولها قبل التحقق.

وتبرز هذه القاعدة بصورة خاصة في الحوادث التي تحمل طابعاً عاطفياً، مثل قضايا الأطفال والاختطاف، إذ يمكن لطبيعة الواقعة أن تدفع إلى ردود فعل سريعة قبل ظهور نتائج التحقيق.


الشائعة تستنزف أيضاً جهود التحقيق

ولا تقتصر آثار البلاغات الكاذبة والمعلومات المضللة على التوتر الاجتماعي، إذ يمكن أن تدفع الأجهزة المختصة إلى تخصيص موارد بشرية وأمنية للتحقيق في مسارات يتبين لاحقاً عدم صحتها.

وأوضح إدلبي أن الرواية المتداولة في قضية قبتان الجبل دفعت الأجهزة الأمنية إلى تحرك واسع، وكان من الممكن أن تقود التحقيق إلى مسارات غير صحيحة، في وقت يفترض فيه توجيه الجهود إلى معرفة مكان الطفلة والتحقق من سلامتها وحقيقة ما جرى.

وفي الحالات التي تنتشر فيها روايات متعددة عبر المنصات الرقمية، يصبح الفصل بين المعلومات المثبتة والادعاءات المتداولة ضرورياً لتجنب التأثير في مسار التحقيق أو توسيع دائرة التوتر.


مواقع التواصل وسرعة انتشار الرواية

وتكشف الحادثة كذلك عن تأثير منصات التواصل في نقل المعلومات خلال الأحداث الحساسة، إذ يمكن للخبر المرتبط باختفاء طفل أو وقوع جريمة أن ينتشر خلال وقت قصير مصحوباً باتهامات وتفسيرات لا تستند بالضرورة إلى معلومات موثقة.

وأكد إدلبي أن الانسياق وراء القصص المثيرة والعاطفية من دون التحقق منها يمكن أن يؤثر في الوعي المجتمعي ويزيد احتمالات التحريض، داعياً إلى التريث وانتظار المعلومات التي تكشفها التحقيقات وعدم بناء مواقف جماعية على روايات أولية.

ولا يعني ذلك تجاهل بلاغات الاختطاف أو التقليل من خطورتها، وإنما الفصل بين التعامل الجدي والسريع معها وبين توجيه اتهامات إلى أفراد أو جماعات قبل توفر الأدلة.


حادثة تتجاوز حدود البلاغ

وتعيد واقعة قبتان الجبل طرح أهمية التعامل المسؤول مع المعلومات في الحوادث الأمنية والاجتماعية الحساسة، إذ يمكن لاتهام غير مثبت أن يتجاوز صاحبه ويتحول، خلال فترة قصيرة، إلى عامل توتر بين مجتمعات محلية.

كما تظهر أهمية التدخل المبكر للتحقق من الادعاءات ومنع التصعيد، بالتوازي مع إبقاء المسؤولية مرتبطة بالأشخاص الذين تثبت صلتهم بالفعل، بعيداً عن التعميم على أساس الانتماء الديني أو المناطقي أو الاجتماعي.

وبين سرعة انتشار الروايات على مواقع التواصل والوقت الذي تحتاجه التحقيقات للوصول إلى نتائج، يبقى التحقق قبل النشر أو الاتهام عاملاً أساسياً في الحد من الشائعات وحماية الأفراد من الاتهامات غير المثبتة، وتجنب انتقال الحوادث الفردية إلى توترات أوسع تهدد السلم المجتمعي.

اقرأ المزيد
٦ أكتوبر ٢٠٢٦
الطيبة الغربية بعد سنوات النزوح.. عودة الأهالي تصطدم بتحديات السكن والخدمات

تواجه بلدة الطيبة الغربية بريف حمص، تحديات خدمية ومعيشية مع عودة قسم كبير من سكانها بعد سنوات من النزوح، في ظل أضرار طالت المنازل والبنية التحتية وشبكات الخدمات، إلى جانب صعوبات اقتصادية تؤثر في قدرة العائلات على إصلاح مساكنها واستعادة مصادر دخلها.

وتتركز الاحتياجات الحالية في تأهيل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق والمدارس، وتوفير الإمكانات اللازمة لعمل البلدية، بالتوازي مع حاجة عدد من العائلات إلى ترميم منازلها أو تأمين بدائل سكنية، بما يجعل تحسين الخدمات وإعادة تأهيل البنية التحتية من أبرز متطلبات استقرار العائدين في البلدة.


عودة نحو 70% من العائلات

قال رئيس بلدية الطيبة الغربية بريف حمص عبد الكريم المصطفى، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن نحو 70% من العائلات عادت إلى البلدة، فيما لم تعد النسبة المتبقية حتى الآن لأسباب تتعلق بصورة أساسية بالسكن والدراسة.

وأوضح أن مشكلة السكن تعد من أبرز التحديات التي تواجه العائدين، إذ تحتاج منازل متضررة إلى أعمال إصلاح وتأهيل، في وقت يتولى فيه الأهالي جانباً من أعمال صيانة مساكنهم بالتزامن مع محاولات استعادة حياتهم في البلدة.


المياه بحاجة إلى توسعة الشبكة

وفيما يتعلق بالخدمات الأساسية، وصف المصطفى واقع المياه بأنه جيد نسبياً، موضحاً أن المياه تصل إلى الأهالي مرة كل خمسة أيام، إلا أن بعض الشوارع لا تزال خارج نطاق الشبكة.

وأشار إلى حاجة البلدة إلى حفر بئر ثانٍ لرفد الشبكة بالمياه، إضافة إلى توسعتها لتشمل المناطق غير المخدمة، بما يساعد على تحسين انتظام وصول المياه إلى جميع السكان.

أما الكهرباء، فوصف واقعها بالمقبول، مع تطبيق برنامج يقوم على ثلاث ساعات وصل مقابل ثلاث ساعات قطع، إلا أن عدداً كبيراً من الشوارع لا يزال يعاني من نقص في الخدمة بسبب عدم توفر الأسلاك اللازمة لاستكمال الشبكة.


40% من البلدة خارج شبكة الصرف الصحي

ويبرز الصرف الصحي بين الملفات الخدمية التي تحتاج إلى تدخل، إذ أوضح المصطفى أن أجزاء من الشبكة الحالية متهالكة وتحتاج إلى الصيانة وإعادة التأهيل.

وأضاف أن نحو 40% من البلدة غير مخدم بشبكة الصرف الصحي، ما يفرض الحاجة إلى توسيع الشبكة القائمة بالتوازي مع إصلاح الأجزاء المتضررة منها.

ولا يختلف واقع الطرق كثيراً، بحسب رئيس البلدية، إذ تحتاج الطرق الداخلية والطرق التي تربط الطيبة الغربية بالقرى المجاورة إلى أعمال إعادة تأهيل.


مدارس متضررة وحاجة إلى الترميم

وتشمل آثار الأضرار قطاع التعليم، إذ قال المصطفى إن مدارس البلدة تعرضت للقصف وتحتاج إلى أعمال ترميم، مشيراً إلى وجود مبنى مدرسي كامل مؤلف من طابقين لا يزال خارج الخدمة.

وتشكل إعادة تأهيل المدارس جزءاً من الاحتياجات المرتبطة بعودة العائلات، ولا سيما مع ارتباط قرار بعض السكان بالعودة بمدى توفر الخدمات التعليمية والسكن المناسب لأسرهم.


إمكانات محدودة للبلدية

وفي مقابل حجم الاحتياجات، أشار المصطفى إلى أن البلدية تواجه نقصاً في الإمكانات اللازمة لتنفيذ أعمالها اليومية، وفي مقدمتها الوقود المخصص لأعمال النظافة.

وأوضح أن البلدية بحاجة أيضاً إلى سيارة نظافة، إلى جانب المعدات والاحتياجات اللازمة للتعامل مع الواقع الخدمي في البلدة مع ارتفاع عدد السكان بعد عودة العائلات.


آثار اقتصادية ممتدة

من جانبه، قال الإعلامي عبد اللطيف الخطيب، في تصريح خاص لـ«شام»، إن سنوات القصف والنزوح تركت آثاراً واسعة على الواقع الاجتماعي والمعيشي والسكني في الطيبة الغربية، ولا تزال انعكاساتها مستمرة رغم عودة قسم من السكان ومحاولاتهم استعادة الاستقرار.

وأوضح أن الأضرار طالت المنازل والمرافق العامة والبنية التحتية، وانعكست على توفر الخدمات الأساسية، ومنها المياه والكهرباء والخدمات الطبية.

وأضاف أن الظروف الاقتصادية للعائلات تأثرت أيضاً بفقدان فرص العمل وتراجع الموارد الزراعية التي كان يعتمد عليها قسم من السكان، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة والمحروقات، ما جعل إصلاح المنازل وتأمين الاحتياجات اليومية أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض العائدين.


منازل مدمرة تعيق العودة

وبحسب الخطيب، واجهت عائلات عائدة مشكلة إضافية تتمثل في حجم الضرر الذي أصاب مساكنها، مشيراً إلى أن نحو 25% من العائدين وجدوا منازلهم مدمرة بالكامل.

وأضاف أن بعض هذه العائلات اضطرت إلى الإقامة لدى أقاربها، فيما لجأت عائلات أخرى إلى استئجار مساكن، وهو ما أضاف أعباء مالية جديدة في ظل محدودية الدخل وارتفاع تكاليف الإيجار والمعيشة.

ويجعل واقع السكن من العودة خطوة أولى لا تكفي وحدها لتحقيق الاستقرار، إذ يرتبط بقاء العائلات بقدرتها على تأمين منزل قابل للسكن والوصول إلى الخدمات الأساسية ومصادر الدخل.


من العودة إلى الاستقرار

وتظهر المعطيات التي قدمها رئيس البلدية وشهادات أبناء المنطقة أن التحدي في الطيبة الغربية لم يعد مقتصراً على عودة السكان، بل يمتد إلى توفير الظروف التي تساعدهم على الاستقرار بعد العودة.

فمع وصول نسبة العائلات العائدة إلى نحو 70%، تزداد الحاجة إلى توسيع شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وتأهيل الطرق والمدارس، ودعم قدرة البلدية على تقديم الخدمات، إلى جانب معالجة الأضرار التي لحقت بالمساكن.

وبين عودة السكان واستعادة البلدة لخدماتها بصورة كاملة، تبقى الأولويات مرتبطة بإعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين واقع السكن والخدمات ومصادر الدخل، بما يوفر للعائلات العائدة مقومات الاستقرار واستئناف حياتها في الطيبة الغربية.

اقرأ المزيد
٦ أكتوبر ٢٠٢٦
إتلاف الممتلكات أثناء الخلاف.. متى يتحول الغضب إلى مسؤولية قانونية؟

تتحول الخلافات اليومية في بعض الحالات إلى أفعال تتجاوز حدود النقاش أو المشاجرة، لتطال ممتلكات أحد الأطراف بالكسر أو الإتلاف، وهو ما ينقل الواقعة من إطارها الشخصي إلى مسألة قد تترتب عليها مسؤولية قانونية. وفي مثل هذه الحالات، تبرز أهمية توثيق الضرر وتحديد كيفية وقوعه والأدلة المتاحة، باعتبارها عوامل أساسية في إثبات المسؤولية وحفظ حق المتضرر في المطالبة بالتعويض.


الانفعال لا يلغي المسؤولية

قال المحامي حسن المحمد، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن حالات إتلاف ممتلكات أحد الأطراف تحدث كثيراً أثناء الخلافات والمشاجرات، موضحاً أن إتلاف مال الغير يمثل فعلاً غير مشروع يمكن أن يرتب مسؤولية مدنية وجزائية.

وأشار إلى أن المادة 164 من القانون المدني السوري تنص على أن «كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض»، موضحاً أن وقوع الإتلاف في حالة انفعال أو خلال مشاجرة لا ينفي المسؤولية عن الضرر ولا يشكل، بحد ذاته، عذراً قانونياً يعفي مرتكب الفعل منها.

وبحسب المحمد، فإن المتضرر يحتاج لإثبات ثلاثة عناصر أساسية، هي وقوع الفعل الضار من الطرف الآخر، ووجود ضرر مادي يمكن تحديده وتقدير قيمته، ووجود علاقة سببية بين الفعل والضرر الذي أصاب الممتلكات.


هل يختلف الإتلاف المتعمد عن غير المقصود؟

وأوضح المحمد أن الوصف الجزائي للواقعة يختلف بحسب ما إذا كان الإتلاف مقصوداً ومتعمدًا، أو وقع أثناء المشاجرة دون وجود قصد مباشر لإتلاف الممتلكات.

فإذا ثبت أن الشخص تعمد إتلاف مال الغير، أوضح المحمد أن الواقعة قد تشكل جرماً جزائياً يستوجب العقوبة، إلى جانب حق المتضرر بالمطالبة بالتعويض المدني عن الأضرار التي لحقت به.

أما إذا وقع الضرر خلال المشاجرة دون قصد مباشر إلى الإتلاف، فأشار إلى أن المسؤولية المدنية عن الضرر تبقى قائمة، فيما يمكن أن تختلف المسؤولية الجزائية والعقوبة وفق ظروف الواقعة وما يثبت أمام القضاء.

وبذلك لا يكفي القول إن الضرر وقع «في لحظة غضب» لحسم المسؤولية، وإنما ينظر إلى الفعل نفسه وكيفية وقوعه والقصد المرتبط به والنتيجة التي ترتبت عليه.


كيف يثبت المتضرر ما حدث؟

ويشكل إثبات الواقعة أحد أهم جوانب هذا النوع من النزاعات، خصوصاً عندما يقدم كل طرف رواية مختلفة لما حدث أثناء المشاجرة.

وقال المحمد إن القضاء يمكن أن يستند في إثبات الواقعة إلى تسجيلات كاميرات المراقبة، والصور ومقاطع الفيديو الملتقطة عقب الحادث، وشهادات الأشخاص الذين حضروا الخلاف، إضافة إلى الضبط الشرطي المنظم بشأن الواقعة.

كما تدخل الفواتير والمستندات المرتبطة بالممتلكات المتضررة ضمن الأدلة الممكن تقديمها، فيما يمكن الاعتماد على الخبرة الفنية لتحديد طبيعة الضرر وتقدير قيمة الممتلكات المتلفة أو تكلفة إصلاحها.

وتكتسب سرعة توثيق الضرر أهمية خاصة، لأن حالة الممتلكات قد تتغير بعد الحادث، ولا سيما إذا جرى إصلاحها أو استبدالها قبل معاينتها وتقدير الضرر الذي أصابها.


لا تتسرع في إصلاح الممتلكات

ولفت المحامي حسن المحمد، في تصريح خاص لـ«شام»، إلى أهمية تنظيم ضبط شرطي في وقت قريب من وقوع الحادث، بما يسمح بتوثيق الواقعة والأضرار وتحديد الشهود المتاحين.

ونصح المتضرر بالاحتفاظ بالممتلكات المتضررة وعدم إصلاحها قبل إجراء الخبرة عند الحاجة، حتى لا تضيع إمكانية معاينة حالتها الأصلية وتقدير الضرر بصورة دقيقة.

كما تبرز أهمية الاحتفاظ بالصور ومقاطع الفيديو والفواتير والمراسلات أو أي مواد أخرى يمكن أن تساعد في إثبات ما جرى وربط الضرر بالواقعة.


شكوى جزائية أم مطالبة بالتعويض؟

وأوضح المحمد أن أمام المتضرر مسارات قانونية للمطالبة بحقه، إذ يمكنه إقامة دعوى مدنية للمطالبة بالتعويض عن قيمة الإصلاح أو قيمة المال في حال هلاكه، كما يمكن تقديم شكوى جزائية عند توافر عناصر جرم إتلاف مال الغير.

وأشار إلى إمكانية المطالبة بالتعويض المدني ضمن الدعوى الجزائية، بحسب طبيعة القضية والإجراءات المتبعة، مؤكداً أن تحديد المسار المناسب يرتبط بوقائع كل حالة والأدلة المتوافرة فيها.

وشدد المحمد على أهمية توثيق جميع التفاصيل المتعلقة بالحادث، مع إمكانية محاولة تسوية النزاع ودياً، وفي حال تعذر الوصول إلى حل، يمكن للمتضرر اللجوء إلى الجهات المختصة للمطالبة بحقه.


التعويض يحتاج إلى إثبات الضرر

ولا تتوقف القضية عند إثبات أن شخصاً كسر أو أتلف شيئاً يملكه الطرف الآخر، بل تبرز أيضاً مسألة تحديد قيمة الضرر الذي ترتب على الفعل.

وهنا تظهر أهمية الفواتير والخبرة الفنية، خصوصاً في الممتلكات التي يمكن إصلاحها، إذ يختلف الضرر بين حالة تستوجب إصلاح جزء من الممتلكات وحالة أخرى تؤدي إلى فقدانها أو تعذر استخدامها بصورة كاملة.

وبحسب ما أوضحه المحمد، يرتبط التعويض بالضرر المثبت، ما يجعل توثيق حالة الممتلكات وقيمتها وتكلفة إصلاحها جزءاً أساسياً من المطالبة القانونية.


الخلاف لا يبرر إتلاف الممتلكات

ومن الناحية القانونية، فإن وجود خلاف سابق بين الطرفين لا يلغي المسؤولية عن الأفعال التي تقع خلاله، كما أن تحديد الطرف الذي كان محقاً في أصل النزاع يختلف عن تحديد المسؤولية عن إتلاف الممتلكات.

فقد يكون هناك نزاع شخصي أو مالي أو عائلي بين شخصين، لكن إتلاف أحدهما ممتلكات الآخر ينشئ واقعة منفصلة يجري تقييمها وفق الفعل والضرر والأدلة المرتبطة بها.

ويصبح التمييز بين أصل الخلاف والفعل الناتج عنه مهماً عند النظر في القضية، إذ تتركز المسؤولية عن الإتلاف على إثبات من تسبب بالضرر وكيف وقع وما النتائج التي ترتبت عليه.


التوثيق يحفظ الحق

وتختلف حالات إتلاف الممتلكات من واقعة إلى أخرى، فلا يمكن التعامل مع جميع المشاجرات وفق وصف قانوني واحد، خصوصاً مع اختلاف القصد وحجم الضرر وطريقة وقوعه والأدلة المتوافرة.

لكن العامل المشترك، وفق المحمد، يبقى في أهمية توثيق الواقعة منذ بدايتها، وعدم الاكتفاء بالاتهامات الشفهية، وحفظ الأدلة التي يمكن أن تساعد الجهات المختصة في معرفة ما حدث وتقدير الضرر.

وتبقى معالجة حالات إتلاف الممتلكات مرتبطة بظروف كل واقعة وما يتوافر بشأنها من أدلة، إذ إن تحديد المسؤولية وقيمة الضرر والتعويض المستحق يخضع للتقييم القانوني والقضائي. ويشكل توثيق الواقعة والأضرار منذ وقوعها خطوة أساسية لحفظ حقوق الأطراف، بعيداً عن التصعيد أو محاولة استيفاء الحق بصورة فردية خارج الأطر القانونية.

اقرأ المزيد
٦ أكتوبر ٢٠٢٦
أكتوبر الوردي.. الكشف المبكر عن سرطان الثدي يرفع فرص العلاج والشفاء

يتجدد خلال شهر أكتوبر من كل عام الاهتمام بالتوعية بسرطان الثدي، مع التركيز على أهمية معرفة النساء بالتغيرات التي قد تطرأ على الثدي، وإجراء الفحوص المناسبة، وعدم تأجيل مراجعة الطبيب عند ظهور أي علامة غير معتادة.

ورغم أهمية التشخيص المبكر في تحسين فرص العلاج، قد تتردد بعض النساء في إجراء الفحوص الدورية أو مراجعة الطبيب نتيجة الخوف من التشخيص أو ضعف الوعي بالعلامات التي تستدعي التقييم الطبي، ما قد يؤدي إلى اكتشاف المرض في مراحل أكثر تقدماً.

وتبرز أهمية التوعية هنا إلى جانب توفر الخدمات الطبية، إذ إن معرفة العلامات ومراجعة الطبيب في الوقت المناسب تساعدان على اكتشاف الحالات مبكراً وتحديد طبيعتها، خصوصاً أن وجود كتلة في الثدي لا يعني بالضرورة الإصابة بالسرطان.


متى تستدعي التغيرات مراجعة الطبيب؟

قالت الدكتورة دانية معتصم حمدوش، أخصائية طب النساء والتوليد، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن سرطان الثدي يُعد من أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين النساء، وينتج عن نمو غير طبيعي لخلايا الثدي.

وأوضحت أن من العلامات التي قد تظهر وجود كتلة صلبة غير مؤلمة في الثدي أو تحت الإبط، أو حدوث تغير في حجم الثدي أو شكله، أو غؤور الحلمة، أو تغير ملمس الجلد ليصبح شبيهاً بقشر البرتقال، إضافة إلى خروج إفرازات من الحلمة قد تكون دموية.

وأكدت حمدوش أن ملاحظة أي كتلة أو تغير في شكل الثدي أو حجمه أو جلده، أو ظهور إفرازات غير طبيعية من الحلمة، تستدعي مراجعة الطبيب لتقييم الحالة وتحديد سببها، بدلاً من محاولة تحديد طبيعة التغير اعتماداً على المظهر وحده.


معظم الكتل ليست سرطانية

ولفتت حمدوش إلى أن معظم كتل الثدي، بنسبة تصل إلى 85 بالمئة، تكون حميدة، وقد ترتبط بتغيرات هرمونية أو تكيسات، موضحة أن الكتل الحميدة غالباً ما تكون متحركة وناعمة وقد تكون مؤلمة أحياناً.

وفي المقابل، قد تكون الكتل الخبيثة صلبة وثابتة وغير منتظمة الشكل والحواف، وغالباً غير مؤلمة، وقد تترافق مع تغيرات أخرى مثل غؤور الحلمة أو تغير الجلد أو ظهور إفرازات دموية.

ولا يكفي الاعتماد على هذه الصفات وحدها للحكم على طبيعة الكتلة، إذ أوضحت حمدوش أن التشخيص الطبي يعتمد على الفحص السريري، إلى جانب وسائل التصوير مثل الماموغرام أو الأمواج فوق الصوتية، وقد يتطلب أخذ خزعة من الكتلة وإرسالها إلى التشريح المرضي لتحديد طبيعتها.


كيف يتم الكشف؟

وأشارت حمدوش إلى أهمية وعي المرأة بالشكل الطبيعي للثدي وملاحظة أي تغير جديد يطرأ عليه، إلى جانب الالتزام بالفحوص الطبية المناسبة.

وذكرت أن الفحص الذاتي يمكن إجراؤه شهرياً بعد خمسة أيام من انتهاء الطمث، من خلال ملاحظة الثديين أمام المرآة، ثم فحصهما باليد أثناء الاستلقاء بحركات منتظمة، مع جس منطقة تحت الإبط والانتباه إلى وجود أي كتلة أو تغير أو إفرازات غير معتادة.

وأوضحت أن الفحص الدوري لدى الطبيب يمثل إجراءً مهماً للكشف عن التغيرات والكتل، مشيرة إلى إمكانية إجرائه سنوياً بعد سن الأربعين، أو في عمر أصغر بحسب عوامل الخطورة، على أن يحدد الطبيب الحاجة إلى الماموغرام أو الأمواج فوق الصوتية وفق الحالة.


التشخيص المبكر يصنع الفارق

وأكدت حمدوش أن سرطان الثدي من السرطانات ذات القابلية العالية للعلاج عند اكتشافه في مرحلة مبكرة، مشيرة إلى أن فرص الشفاء قد تتجاوز 90 بالمئة في المراحل المبكرة.

ويفسر ذلك أهمية عدم تأجيل التقييم الطبي بسبب الخوف من نتيجة الفحص، إذ إن اكتشاف المرض مبكراً يتيح البدء بالعلاج في مرحلة تكون فيها فرص الاستجابة والشفاء أعلى.

وروت حمدوش حالة مريضة تبلغ من العمر 38 عاماً راجعتها بسبب تورم في الثدي وتغير في شكله، فأُجري لها تصوير بالأمواج فوق الصوتية، ثم أخذت خزعة أظهرت وجود سرطان في مرحلة مبكرة.

وأوضحت أن المريضة حُولت إلى طبيب الأورام لتلقي العلاج المناسب، وتمكنت من الوصول إلى الشفاء، معتبرة أن الحالة تعكس أهمية التعامل المبكر مع التغيرات وعدم انتظار تفاقمها.


العلاج يختلف من حالة إلى أخرى

وبيّنت حمدوش أن علاج سرطان الثدي لا يتبع مساراً واحداً لجميع المريضات، وإنما يتحدد بحسب نوع الورم ومرحلته ومدى انتشاره.

وتشمل الخيارات العلاجية الجراحة والعلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي، إضافة إلى العلاج الهرموني أو العلاج الموجه بحسب خصائص الورم، وقد يحتاج بعض المرضى إلى الجمع بين أكثر من خيار علاجي وفق تقييم الفريق الطبي.

ويجعل ذلك التشخيص الدقيق جزءاً أساسياً من اختيار العلاج، فلا تقتصر أهمية الكشف على إثبات وجود الورم، وإنما تمتد إلى معرفة نوعه وخصائصه ومرحلته لتحديد الخطة الأنسب للمريضة.


الخوف من التشخيص قد يؤخر المراجعة

ولا تتوقف تحديات سرطان الثدي عند الجانب الجسدي، إذ يمكن أن يرافق الاشتباه بالمرض أو تشخيصه قلق وخوف مرتبطان بالعلاج ومستقبل الحالة والتغيرات التي قد تطرأ على الجسم والحياة اليومية.

ويبرز هنا دور الأسرة والرعاية الصحية في توفير الدعم للمريضة خلال مراحل التشخيص والعلاج، ومساعدتها على التعامل مع الضغوط النفسية والاستمرار في الخطة العلاجية.

كما أن الخوف من معرفة نتيجة الفحص لا يلغي وجود المشكلة إن كانت موجودة، بينما يمنح التشخيص المبكر فرصة أكبر للتعامل معها في الوقت المناسب.


التوعية ليست موسمية

ومع حلول «أكتوبر الوردي»، تتجدد حملات التوعية بسرطان الثدي، إلا أن أهمية الانتباه إلى التغيرات وإجراء الفحوص ومراجعة الطبيب لا تقتصر على شهر واحد من العام.

وتقوم الوقاية المرتبطة بالكشف المبكر على وعي المرأة بالتغيرات التي تطرأ على جسدها، وعدم تجاهل العلامات غير المعتادة، والاستفادة من الفحوص الطبية المناسبة وفق العمر وعوامل الخطورة.

ووجهت الدكتورة دانية حمدوش في ختام حديثها رسالة إلى النساء، شددت فيها على أهمية الفحص والمتابعة وعدم إهمال أي تغير، قائلة: «لا تنسي أهمية دورك في الكشف المبكر عن سرطان الثدي، من خلال الفحص الذاتي الشهري والفحص السنوي الوقائي عند الطبيب، وانتبهي جيداً لصحتك، إذ إن نسب الشفاء مرتفعة بإذن الله، فلا تهملي دورك في حماية نفسك من هذا المرض».

اقرأ المزيد
٦ أكتوبر ٢٠٢٦
حين يحتاج الطالب وقتاً إضافياً للفهم.. كيف نحمي ثقته بنفسه داخل الصف؟

يختلف الطلاب في سرعة استيعاب المعلومات وإنجاز المهام، وقد يحتاج بعضهم إلى وقت أطول لفهم الدرس أو الوصول إلى الإجابة، دون أن يعني ذلك بالضرورة ضعف قدرتهم على التعلم، إلا أن طريقة التعامل مع هذا الاختلاف قد تحدد ما إذا كان الطالب سيواصل المحاولة بثقة أم سيبدأ بالنظر إلى نفسه على أنه أقل من زملائه.

وتضع هذه الفروق المعلم أمام مسؤولية مزدوجة، تتمثل في اكتشاف حاجة الطالب إلى دعم إضافي دون تصنيفه أو إحراجه، وتوفير مساحة زمنية وأساليب تعليمية تساعده على التقدم، مع الحفاظ على مشاركته ومكانته الطبيعية داخل الصف.


كيف نكتشف حاجته إلى وقت إضافي؟

قالت آمنة حاج إبراهيم، معاونة المديرة في مدرسة ترمانين المحدثة ف2، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن اكتشاف حاجة الطالب إلى وقت أطول في التعلم يبدأ من الملاحظة الهادئة والتقييم المستمر، بعيداً عن لفت انتباه زملائه إلى الصعوبة التي يواجهها.

وأوضحت أن المعلم يستطيع استخدام أوراق عمل قصيرة أو أسئلة سريعة في نهاية الدرس لمعرفة مستوى فهم كل طالب بصورة فردية، إلى جانب مراقبة طريقة تعامله مع المهام المكتوبة.

وقد تظهر الحاجة إلى وقت إضافي من خلال التردد قبل البدء بالمهمة، أو كثرة محو الإجابات، أو استغراق وقت أطول في نقل المطلوب عن السبورة، إضافة إلى تجنب المشاركة الطوعية أو التزام الصمت عند طرح الأسئلة.

كما قد يلاحظ المعلم ظهور علامات التشتت أو التعب الذهني لدى الطالب عندما يكون الشرح سريعاً، وهي مؤشرات تساعد على فهم احتياجاته التعليمية دون اللجوء إلى تصنيفه أمام بقية الطلاب.


تبسيط المهمة لا يعني خفض مستواها

وأوضحت حاج إبراهيم أن مساعدة الطالب الذي يتعلم بوتيرة أبطأ يمكن أن تبدأ من تبسيط المحتوى وتجزئة المهمة، دون تقليل قيمتها أو خفض المستوى التعليمي المطلوب منه.

ويعتمد ذلك على تقسيم المفهوم المعقد أو التمرين الطويل إلى خطوات صغيرة ومتدرجة، بحيث يتمكن الطالب من استيعاب كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية، بدلاً من مواجهته بمهمة كاملة قد تزيد شعوره بالعجز أو التردد.

ويمكن للمعلم كذلك دعم الشرح الشفهي باستخدام الصور والمخططات البصرية والأنشطة العملية التي تقدم المعلومة بأكثر من طريقة، إلى جانب توفير أمثلة محلولة بوضوح يستطيع الطالب الاستناد إليها عند الانتقال إلى أداء المهمة بصورة مستقلة.

ولفتت حاج إبراهيم إلى أهمية منح الطلاب وقتاً مناسباً بعد طرح السؤال، والانتظار لعدة ثوانٍ قبل طلب الإجابة، بما يسمح لمن يحتاج إلى وقت أطول بمعالجة المعلومة وصياغة رده، بدلاً من أن تقتصر المشاركة بصورة متكررة على الطلاب الأسرع في الإجابة.


صف واحد واحتياجات مختلفة

ولا تعني مراعاة الطالب الذي يحتاج وقتاً إضافياً تعطيل بقية الطلاب، وفق حاج إبراهيم، إذ يمكن التعامل مع الفروق الفردية من خلال التعليم المتمايز وتنظيم البيئة الصفية بطريقة تسمح لكل طالب بالتقدم وفق مستواه.

ويمكن تقديم أنشطة تتضمن مستويات مختلفة، بحيث يحصل الطلاب الأسرع على مهام تتيح لهم التوسع في المعرفة، بينما يمتلك الطلاب الذين يحتاجون إلى وقت إضافي فرصة لاستكمال المهارة الأساسية دون ضغط.

كما يشكل التعلم التعاوني إحدى الأدوات الممكنة، من خلال توزيع الطلاب ضمن مجموعات صغيرة متنوعة القدرات، وإعطاء كل طالب دوراً واضحاً يضمن مشاركته، بدلاً من أن تتحول المجموعة إلى مساحة يعتمد فيها الطالب على زميله الأسرع.


خطر المقارنة بالزملاء

وحذرت حاج إبراهيم من المقارنة المباشرة بين الطالب وزملائه أو استخدام تفوق الآخرين وسيلة لدفعه إلى تحسين أدائه، لما قد تتركه هذه الطريقة من آثار سلبية على ثقته بنفسه وعلاقته بالتعلم.

وأوضحت أن تكرار المقارنة قد يدفع الطالب إلى الاعتقاد بأن جهده لا يحقق نتيجة طالما أنه لا يصل إلى مستوى زملائه بالسرعة نفسها، ما قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع محاولاته ومشاركته.

وقد تتشكل لديه قناعة بأنه غير ذكي أو غير قادر، ويتزايد خوفه من الخطأ والتجربة، فيما يمكن أن تظهر مشاعر الغيرة تجاه بعض زملائه أو يتجه إلى الانزواء والانسحاب من الأنشطة الصفية.


قارنه بنفسه لا بغيره

وترى حاج إبراهيم أن البديل يتمثل في قياس تقدم الطالب مقارنة بمستواه السابق، بحيث يصبح السؤال الأساسي هو مقدار التطور الذي حققه، وليس موقعه في ترتيب زملائه.

ويشمل ذلك تقدير الجهد والمحاولة، وعدم حصر التشجيع بالنتيجة النهائية، مع إبراز نقاط القوة التي يمتلكها الطالب في مجالات أخرى، وإسناد بعض المهام التنظيمية أو الصفية إليه بما يعزز حضوره وثقته بنفسه وشعوره بأنه عضو فاعل في المجموعة.

كما يساعد هذا النهج على الفصل بين سرعة إنجاز المهمة وبين قيمة الطالب وقدرته على التطور، فلا تتحول حاجته إلى عشر دقائق إضافية مثلاً إلى حكم دائم على مستواه الدراسي.


وقت إضافي وليس توقعات أقل

وبحسب تربويين، فإن اختلاف وتيرة التعلم يتطلب النظر إلى العملية التعليمية باعتبارها مساراً لا يسير فيه جميع الطلاب بالسرعة نفسها، إذ قد تظهر قدرات بعضهم في مجالات أو أنشطة لا تكشفها سرعة الإجابة أو إنجاز الواجب داخل الصف.

ولا يعني منح الطالب وقتاً إضافياً خفض مستوى التوقعات منه، وإنما تغيير الطريق الذي يصل من خلاله إلى المهارة أو المعرفة المطلوبة، مع استمرار تشجيعه على التطور وتحمل المسؤولية والاستقلال في أداء مهامه.

وتزداد أهمية هذا التعامل عندما يبدأ الطالب نفسه بملاحظة الفارق بينه وبين زملائه، لأن استمرار شعوره بأنه «متأخر» قد يجعل المشكلة تتجاوز صعوبة درس أو مهمة معينة إلى تراجع ثقته بقدرته على التعلم.


دعم يحافظ على الاندماج

ويبرز دور المعلم في هذه المرحلة في توفير الدعم دون تحويل الطالب إلى حالة منفصلة داخل الصف، بحيث يحصل على الوقت والمساعدة اللذين يحتاجهما مع استمرار مشاركته في الأنشطة والعمل الجماعي والتفاعل مع زملائه.

فالحفاظ على اندماج الطالب لا يقل أهمية عن مساعدته أكاديمياً، خصوصاً أن عزله أو معاملته بصورة مختلفة بشكل ظاهر قد يعزز لديه الشعور بالفارق الذي تسعى العملية التعليمية أساساً إلى الحد منه.

ويقوم التعامل الأكثر توازناً، وفق ما تطرحه حاج إبراهيم، على ملاحظة احتياجات الطالب بهدوء، وتجزئة المهام، وتنويع طرق الشرح، ومنحه وقتاً كافياً للتفكير، وتقييم تقدمه مقارنة بنفسه، بما يسمح له بالتعلم بوتيرته دون أن تتحول سرعة الاستيعاب إلى معيار لقيمته أو قدرته على النجاح.

اقرأ المزيد
٥ أكتوبر ٢٠٢٦
حين يقرر الأهل كل شيء.. كيف تؤثر كثرة الأوامر في شخصية الطفل؟

يحتاج الطفل خلال مراحل نموه إلى التوجيه ووضع حدود واضحة لسلوكه، إلا أن اتخاذ الأهل القرارات نيابة عنه في معظم تفاصيل حياته قد يقلل المساحة المتاحة أمامه للتجربة والاختيار، ويؤثر تدريجياً في قدرته على تحمل المسؤولية واتخاذ قرارات تتناسب مع عمره.

ولا تعني تنمية استقلالية الطفل تركه يقرر كل شيء دون ضوابط، وإنما إيجاد توازن بين دور الأسرة في الحماية والتوجيه وبين منحه مساحة آمنة للاختيار والتعلم من النتائج، بما يساعده على تطوير ثقته بنفسه وقدرته على المبادرة.


مهارة تُكتسب بالممارسة

قالت ميس أمرير، عميد كلية التربية والعلوم الاجتماعية في جامعة باشاك شهير، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن اتخاذ القرار مهارة تتطور من خلال الممارسة، موضحة أن تلقي الطفل أوامر جاهزة في مختلف تفاصيل حياته، من اختيار ملابسه إلى أوقات الدراسة وطريقة اللعب، يحرمه من فرص التفكير في البدائل والاختيار بينها وتوقع النتائج.

وأضافت أن استمرار هذا الأسلوب قد يضعف ثقة الطفل بقدرته على الاختيار، ويرسخ لديه شعوراً بأن الآخرين أكثر قدرة منه على معرفة ما يناسبه، ما قد يدفعه إلى التردد والشك في قراراته والاعتماد المستمر على توجيهات المحيطين به.


بين التوجيه والسيطرة

وأوضحت أمرير أن هناك فارقاً بين التوجيه التربوي والسيطرة، رغم أن الحدود بينهما قد تبدو دقيقة في بعض المواقف، مشيرة إلى أن التوجيه يهدف في النهاية إلى مساعدة الطفل على بناء استقلاليته والاعتماد على نفسه تدريجياً.

أما السيطرة المستمرة، فتركز على امتثال الطفل للأوامر دون أن تمنحه مساحة كافية لفهمها أو المشاركة في اتخاذ القرارات المرتبطة به.

وبحسب أمرير، فإن نشوء الطفل في بيئة تتخذ القرارات عنه بصورة مستمرة قد يؤدي إلى ما يعرف بـ«العجز المتعلم»، بحيث يصبح أكثر انتظاراً لمن يخبره بما ينبغي فعله، وهو نمط يمكن أن يمتد إلى المدرسة والعمل والعلاقات الشخصية في مراحل لاحقة.


من الخضوع إلى التمرد

ولفتت إلى أن الاعتماد المفرط على توجيه الآخرين قد يجعل الطفل أكثر تأثراً بضغط الأقران خلال المراهقة، خصوصاً إذا لم يعتد التعبير عن موقفه أو رفض ما لا يناسبه واتخاذ خياراته بصورة مستقلة.

وأشارت إلى أن كثرة الأوامر قد تنعكس على الأطفال بطرق مختلفة، فقد يميل بعضهم إلى الخضوع وتنفيذ التعليمات دون نقاش، مع ضعف المبادرة والثقة بالنفس، بينما قد يتجه آخرون إلى العناد والتمرد في مرحلة المراهقة سعياً إلى إثبات استقلاليتهم وكسر القيود التي اعتادوا عليها.


خيارات بدلاً من الأوامر

وحول الأساليب العملية التي تساعد الأهل على توجيه الطفل دون إلغاء دوره في اتخاذ القرار، تحدثت أمرير عن «الاختيار المقيد»، الذي يقوم على تقديم بدائل محددة ومناسبة لعمر الطفل بدلاً من إصدار أمر مباشر.

وضربت مثالاً باختيار الملابس، إذ يمكن بدلاً من مطالبة الطفل بارتداء قطعة محددة أن يُمنح خياراً بين قطعتين مناسبتين، بما يحافظ على الحدود التي يحددها الأهل ويمنحه في الوقت نفسه فرصة اتخاذ القرار.

كما دعت إلى استخدام الأسئلة التي تدفع الطفل إلى التفكير، فبدلاً من مطالبته بترتيب ألعابه فوراً، يمكن سؤاله عن خطته لترتيب الغرفة قبل موعد النوم، بما يشجعه على التفكير في المشكلة والوصول إلى طريقة لمعالجتها بنفسه.


التعلم من النتائج

ونوهت أمرير، في تصريحها لشبكة شام، إلى أهمية السماح للطفل أحياناً بمواجهة النتائج الطبيعية لاختياراته، عندما لا يشكل ذلك خطراً على سلامته أو صحته.

وأوضحت أن التجربة يمكن أن تساعد الطفل على فهم العلاقة بين القرار ونتيجته بصورة أفضل من تكرار الأوامر، على أن يبقى تدخل الأهل ضرورياً عندما يتعلق الأمر بمواقف قد تعرضه للخطر.

كما أكدت أهمية شرح الأسباب التي تقف خلف القواعد الأسرية، بحيث يفهم الطفل الغاية من السلوك المطلوب منه بدلاً من تنفيذه لمجرد صدور أمر من والديه، ما يساعد على الانتقال من الامتثال المباشر إلى فهم القاعدة وتبنيها تدريجياً.


مسؤولية تتدرج مع العمر

وشددت أمرير على أهمية التفويض التدريجي للمسؤوليات، من خلال منح الطفل مهاماً بسيطة تتناسب مع عمره، مثل ترتيب سريره أو تجهيز حقيبته المدرسية، مع التركيز على تقدير جهده والتعامل بهدوء مع الأخطاء التي قد يرتكبها أثناء التعلم.

وبحسب أمرير، فإن تحمل المسؤولية لا يُكتسب بمجرد مطالبة الطفل بأن يكون مسؤولاً، وإنما من خلال إتاحة الفرصة له لممارستها تدريجياً ضمن بيئة توفر التوجيه والدعم.

وتبقى المساحة التي يمنحها الأهل للطفل في تفاصيل حياته اليومية جزءاً من عملية تعلم طويلة تتغير مع العمر والقدرات، إذ لا تقوم التربية على الاختيار المطلق أو الأوامر المستمرة، وإنما على توسيع مساحة الاستقلال تدريجياً كلما أصبح الطفل أكثر قدرة على فهم قراراته وتحمل نتائجها.

اقرأ المزيد
٥ أكتوبر ٢٠٢٦
كفرلاها بعد عودة الأهالي.. ضغط متزايد على السكن والخدمات والبنية التحتية

تشهد مدينة كفرلاها في ريف حمص عودة واسعة للأهالي بعد سنوات من النزوح، ما يضع المدينة أمام تحديات تتعلق بتأمين السكن والخدمات والبنية التحتية وفرص العمل، في ظل الأضرار التي لحقت بالمنازل وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق خلال سنوات الحرب.

ومع تحسن عدد من الخدمات وبدء تنفيذ مشاريع لإعادة تأهيل بعض الشبكات والمرافق، تبرز فجوة بين حجم الاحتياجات والإمكانات المتاحة، خصوصاً مع ارتفاع عدد السكان وزيادة الضغط على البنية التحتية، فيما ترتبط استدامة العودة بقدرة العائلات على تأهيل مساكنها وتأمين مصادر دخل مستقرة.


العودة لا تعني الاستقرار

قال المهندس هاني الأحمد، رئيس مجلس مدينة كفرلاها، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التحدي الأساسي أمام المدينة لم يعد تشجيع الأهالي على العودة بقدر ما أصبح توفير الظروف التي تجعل هذه العودة مستقرة ومستدامة.

وأوضح أن ذلك يتطلب العمل بالتوازي على ترميم المساكن وتأمين حلول للعائلات التي فقدت منازلها أو تعرضت منازلها للدمار، إلى جانب تحسين المياه والكهرباء والطرق والمدارس والمراكز الصحية، وتوفير فرص العمل ومعالجة مسائل الملكية والوثائق.

وبحسب الأحمد، يبلغ عدد سكان كفرلاها حالياً أكثر من 60 ألف نسمة، فيما لا تزال نسبة تقدر بنحو 10 بالمئة من إجمالي السكان خارج المدينة، ما يعني أن القسم الأكبر من الأهالي عاد بالفعل، بينما تحول التحدي إلى تأمين متطلبات استقرارهم.


السكن أبرز عوائق العودة

حدد الأحمد مجموعة من العوامل التي تحول دون عودة بقية العائلات، في مقدمتها أزمة السكن، إذ توجد منازل قديمة أو متضررة لم تعد صالحة للسكن، في حين تغير حجم بعض الأسر خلال سنوات النزوح.

وأشار إلى أن الأسرة التي غادرت المدينة قبل سنوات قد تكون تحولت اليوم إلى عدة أسر بعد زواج الأبناء، ما يجعل المنزل القديم غير قادر على استيعاب جميع أفرادها، حتى عندما يكون قابلاً للترميم.

ويرتبط بذلك عامل آخر يتمثل في ضعف القدرة المالية، إذ استنزفت سنوات النزوح مدخرات العديد من العائلات، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف البناء والترميم، ولذلك فإن امتلاك منزل أو قطعة أرض لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على العودة والسكن.

وأضاف أن بعض الأسر استقرت اقتصادياً واجتماعياً في مناطق النزوح أو بلدان اللجوء، وأصبحت لديها أعمال ومدارس وترتيبات معيشية جديدة، ما يجعل العودة من دون مصدر دخل ثابت خطوة تحمل أعباء اقتصادية إضافية.


الخدمات تتحسن والضغط يتزايد

وفيما يتعلق بواقع الخدمات، أوضح الأحمد أن قطاع المياه شهد تحسناً من خلال توسعة المصادر وتأهيل عدد من الآبار، إلا أن ارتفاع الطلب مع عودة السكان يفرض الحاجة إلى زيادة مصادر المياه وضمان استمرار الطاقة اللازمة لعمليات الضخ.

أما الكهرباء، فهي متوافرة لكنها ما تزال بحاجة إلى مزيد من الاستقرار والصيانة وتأهيل الشبكة وزيادة قدرتها على تحمل الطلب، خصوصاً أن انتظام التغذية ينعكس بصورة مباشرة على تشغيل آبار المياه والمرافق العامة.

وفي قطاع الصرف الصحي، أشار الأحمد إلى تشغيل محطة الصرف وتحسن الخدمة، مع بقاء مناطق وشوارع تحتاج إلى استكمال الشبكة ومعالجة تصريف مياه الأمطار، مقدراً نسبة الاحتياج المتبقي بنحو 30 بالمئة.

وبالنسبة إلى الطرق، بدأت مشاريع التأهيل فعلياً، إلا أن حجم الأضرار ما يزال أكبر من حجم التمويل وسرعة التنفيذ، وفق الأحمد، الذي أشار إلى أن نحو 90 بالمئة من شوارع المدينة تحتاج إلى درجات متفاوتة من إعادة التأهيل.


مشاريع مترابطة

رأى رئيس مجلس المدينة أن احتياجات كفرلاها لا يمكن التعامل معها كمشاريع منفصلة، نظراً إلى الترابط بين القطاعات الخدمية، إذ يؤثر ضعف الكهرباء في ضخ المياه، فيما تؤثر الطرق المتضررة في حركة السكان والوصول إلى الخدمات، وترتبط مشاريع الطرق بدورها بشبكات الصرف وتصريف مياه الأمطار.

وتشمل الأولويات الحالية تأهيل الشوارع والمحاور الرئيسية والطرق الرابطة مع المناطق المحيطة، وإصلاح العبّارات ومصارف مياه الأمطار، إلى جانب استكمال أعمال المياه من خلال إصلاح الآبار والشبكات ومحطات الضخ وزيادة المصادر.

وذكر الأحمد أن آباراً أُعيد تأهيلها، فيما دخل بئر جديد في كفرلاها الخدمة خلال عام 2026، بالتوازي مع استخدام الطاقة الشمسية لتأمين الضخ وتقليل تأثير اضطرابات الكهرباء.

وتشمل الاحتياجات كذلك إعادة تأهيل شبكة الكهرباء وزيادة عدد المحولات واستبدال المقاطع المتضررة، واستكمال شبكات الصرف الصحي، إلى جانب إعادة تأهيل المدارس والمراكز الصحية والمباني والمرافق العامة بما يتناسب مع أعداد السكان العائدين.


من الخدمات إلى فرص العمل

ولا تقتصر متطلبات الاستقرار، وفق الأحمد، على إعادة تأهيل البنية التحتية، إذ تحتاج المدينة إلى مشاريع تنموية تساعد العائلات على تأمين مصادر دخل، ولا سيما في القطاعات الزراعية والحرفية والتجارية والمشروعات الصغيرة.

وأوضح أن توفير المياه والكهرباء والطرق والخدمات يمثل جزءاً أساسياً من العودة، لكن استمرار الأسر في المدينة يحتاج أيضاً إلى فرص اقتصادية تقلل احتمالات اضطرارها إلى النزوح مجدداً بحثاً عن العمل.


مشاريع قائمة وفجوة تمويلية

أكد الأحمد أن عدداً من المشاريع نُفذ أو بدأ تنفيذه خلال عامي 2025 و2026 في قطاعات المياه والآبار والطرق والصرف الصحي والإنارة بالطاقة الشمسية، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بتحسين الطرق التي تصل كفرلاها بالمناطق المحيطة.

وأشار إلى وجود أعمال مرتبطة بطريق تلدو–كفرلاها–تلذهب وتحويله باتجاه مصياف، بما يخفف الضغط عن الطرق الواقعة داخل التجمعات السكنية.

ورغم ذلك، أكد أن حجم الاحتياجات ما يزال أكبر من المشاريع المنفذة، معتبراً أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تمويل مستدام يسمح بالانتقال من التدخلات الإسعافية والجزئية إلى إعادة تأهيل أكثر شمولاً للشبكات والبنية التحتية.


عودة تحتاج إلى مقومات الاستمرار

وشدد رئيس مجلس مدينة كفرلاها على أن المجلس يحتاج إلى العمل في عدة مسارات بالتوازي، تشمل تأهيل المنازل والمرافق العامة، وتوسعة شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وإصلاح الطرق، ودعم المدارس والمراكز الصحية، وتوفير فرص العمل.

كما أشار إلى الحاجة إلى الآليات والكوادر الفنية اللازمة لتنفيذ أعمال الصيانة والمتابعة، موضحاً أن التحديات لا ترتبط بالتمويل وحده، وإنما أيضاً بالقدرة التنفيذية على متابعة المشاريع والمحافظة على الخدمات.

ومع عودة القسم الأكبر من سكان كفرلاها، تنتقل الأولوية تدريجياً من تأمين العودة نفسها إلى تثبيت الاستقرار، وهو ما يرتبط بقدرة مشاريع إعادة التأهيل على مواكبة الزيادة السكانية ومعالجة آثار سنوات من تضرر المساكن والبنية التحتية، بالتوازي مع توفير مقومات اقتصادية وخدمية تساعد العائلات على البقاء في مدينتها.

اقرأ المزيد
٤ أكتوبر ٢٠٢٦
الأم بعد عودة الأبناء من المدرسة.. متابعة دراسية وأعباء تحتاج إلى شراكة الأسرة

تواجه أمهات مع عودة أبنائهن من المدرسة سلسلة من المسؤوليات اليومية، تبدأ بمتابعة الواجبات والدروس والتواصل مع المعلمين، وتتداخل مع إعداد الطعام وأعمال المنزل ورعاية الأطفال، فيما تصبح المهمة أكثر صعوبة لدى الأمهات العاملات اللواتي ينتقلن من دوامهن الوظيفي إلى مهام منزلية وتربوية تمتد حتى نهاية اليوم.

ولا ترتبط المتابعة المنزلية بمساعدة الطفل على إنجاز واجباته فقط، بل تشمل معرفة المطلوب منه، ومتابعة مستواه والصعوبات التي يواجهها، وهو ما يجعل توزيع المسؤوليات داخل الأسرة، إلى جانب وضوح التواصل بين المدرسة والأهل، عاملاً مهماً في تخفيف الضغط عن الأم ومنع تراكم الأعباء عليها.


أربعة أطفال ومسؤوليات متزامنة

قالت محاسن العمر، وهي أم لأربعة أطفال، بينهم طفل في مرحلة الروضة وطفلة في الصف الثالث وطفل في الصف الرابع، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الساعات التي تلي عودة أبنائها من المدرسة تكون من أكثر فترات اليوم ازدحاماً بالنسبة إليها.

وتتنقل العمر بين متابعة الدروس والواجبات وأعمال المنزل ورعاية طفلها الرضيع، وتعتمد على مجموعات «واتساب» التي تجمع المعلمين بالأهالي لمعرفة الواجبات المطلوبة والاطلاع على الملاحظات والشروحات المتعلقة بالتمارين.

لكن المتابعة لا تكون سهلة دائماً، إذ تواجه أحياناً معلومات أو دروساً لا تعرفها، ما يدفعها إلى البحث عبر الإنترنت لفهمها قبل أن تتمكن من شرحها لأبنائها ومساعدتهم على إنجاز المطلوب منهم.

وأوضحت أن انشغال زوجها بعمله يحد من قدرته على مشاركتها متابعة الأطفال، ما يجعل الجزء الأكبر من المسؤولية اليومية يقع عليها.


من المدرسة إلى المنزل

تزداد صعوبة المهمة لدى الأم العاملة التي يتزامن التزامها الوظيفي مع مسؤولياتها المنزلية، وهو ما تعيشه مريم حاج موسى، وهي معلمة وأم لثلاثة أطفال، بينهم طفلة في الصف الأول، إلى جانب طفلتين تحتاجان إلى رعاية خاصة، إحداهما تعاني من إعاقة ذهنية والأخرى من الضمور.

وقالت موسى إن دوامها المسائي يجعل يومها موزعاً بين مهام متلاحقة، إذ تبدأ قبل ذهابها إلى المدرسة بترتيب المنزل وتنظيفه وتجهيز وجبة الطعام، ثم تعود لتستكمل أعمالها وتتابع واجبات ابنتها، بالتزامن مع تحضير الدروس التي ستقدمها لطلابها في اليوم التالي.

وبذلك يمتد يومها بين التدريس ورعاية الأطفال ومتابعة الدراسة والأعمال المنزلية، في محاولة يومية للتوفيق بين مسؤوليات يصعب فصل إحداها عن الأخرى.


حين يتحول الضغط إلى حالة مستمرة

قالت الأخصائية النفسية هيفين هوري، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الأم التي تدير المنزل وتتابع أبناءها وتعمل خارجه تؤدي عدة أدوار في الوقت نفسه، ولا يقتصر العبء على الجهد الجسدي، بل يشمل ما يعرف بـ«الحِمل الذهني».

وأوضحت أن هذا الحمل يعني بقاء الأم مسؤولة بصورة مستمرة عن التذكر والتخطيط والمتابعة، بدءاً من مواعيد الأطفال وصولاً إلى الواجبات المدرسية والاحتياجات اليومية للمنزل.

وبحسب هوري، فإن شعور الأم بأنها تتحمل هذه المسؤوليات وحدها قد يحول الضغط اليومي إلى ضغط مزمن، تظهر آثاره في صورة إرهاق مستمر رغم النوم، وسرعة انفعال، وتوتر، وصعوبة في التركيز، واضطراب في النوم أو الشهية، وشعور بالوحدة وفقدان المتعة، وقد تتطور الحالة إلى أعراض قلق أو اكتئاب إذا استمرت لفترة طويلة.


الاحتراق الوالدي

حذرت هوري من أن استمرار الضغوط قد يقود إلى ما يعرف بـ«الاحتراق الوالدي»، وهو حالة من الاستنزاف يمكن أن تؤثر في قدرة الأم على التفاعل العاطفي مع أطفالها رغم محبتها لهم.

وأشارت إلى أن استنزاف طاقة الأم قد يظهر في قلة الصبر أو ارتفاع الصوت أو الانشغال الذهني المستمر، فتكون موجودة جسدياً مع أطفالها، لكنها غير قادرة على منحهم القدر نفسه من الانتباه والتفاعل.

وقد تختصر العلاقة اليومية عندها بسلسلة من الأوامر المتعلقة بالطعام والدراسة والنوم، مع تراجع مساحة الحديث واللعب، ثم تشعر الأم بالذنب بعد مواقف الانفعال، ما يضيف ضغطاً جديداً إلى الضغوط القائمة.

ولفتت هوري إلى أن الأطفال يلتقطون الحالة النفسية للأم، وقد تظهر لديهم استجابات مختلفة مثل القلق أو العناد أو زيادة التعلق بها، فيما قد يحاول بعضهم كتمان مشاعره تجنباً لإضافة أعباء جديدة عليها.


الخطأ يمكن إصلاحه

أكدت هوري أن انفعال الأم في موقف عابر لا يعني بالضرورة إحداث أثر دائم في الطفل، مشيرة إلى أهمية العودة إليه بعد هدوء الموقف والاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه.

وأوضحت أن قول الأم لطفلها إنها كانت متعبة وإن صراخها كان خطأ منها يساعده على فهم المشاعر وتعلم تحمل المسؤولية، بدلاً من تركه يعتقد أنه المسؤول عن توتر والدته أو غضبها.

وشددت على أن الطفل لا يحتاج إلى صورة مثالية للأم، وإنما إلى حضور عاطفي وعلاقة تسمح بوقوع الخطأ ثم إصلاحه.


تنظيم المسؤوليات بدلاً من ملاحقتها

ترى هوري أن تخفيف الضغط يبدأ بتنظيم المهام وإخراجها من ذاكرة الأم إلى قائمة مكتوبة على الورق أو الهاتف، ويمكن أن تكون ضمن برنامج أسبوعي تشارك فيه الأسرة، بما يقلل من الحاجة إلى تذكر كل التفاصيل طوال الوقت.

كما دعت إلى ترتيب الأولويات والتركيز على الضروري يومياً، وتأجيل بعض الأعمال أو تبسيطها أو الاستغناء عنها عندما لا تكون أساسية.

ويمكن إشراك الأطفال أنفسهم في مسؤوليات تناسب أعمارهم، مثل ترتيب ألعابهم وتجهيز حقائبهم المدرسية، بما يساعدهم على تعلم الاعتماد على النفس ويخفف في الوقت ذاته جزءاً من الأعباء المنزلية.

واقترحت تخصيص فترة قصيرة لكل طفل، تتراوح بين عشر و15 دقيقة يومياً، يكون فيها التواصل مباشراً من دون هاتف أو تعليمات أو واجبات، باعتبار أن جودة الوقت الذي يقضيه الطفل مع والديه قد تكون أكثر أهمية من مدته.


الأب شريك لا مساعد

أكدت هوري أن دور الأب لا ينبغي أن يقتصر على تقديم المساعدة عند الحاجة، وإنما يقوم على الشراكة في التربية وإدارة المنزل، بحيث يتولى مسؤوليات كاملة من التخطيط إلى التنفيذ.

وأوضحت أن مجرد مطالبة الأم بتذكير الأب باستمرار بما ينبغي فعله لا يخفف عنها «الحِمل الذهني»، حتى لو شارك لاحقاً في تنفيذ المهمة.

وأشارت إلى أهمية الاتفاق الواضح على توزيع المسؤوليات، إلى جانب إصغاء الزوج إلى الضغوط التي تواجهها الأم وتقدير جهودها، ومنحها مساحة للراحة، وقضاء وقت مباشر مع الأطفال، بما يعزز علاقته بهم ويخفف جانباً من الضغط عنها.


المتابعة المنزلية لا تعني أداء الواجب عن الطفل

من جانبها، قالت هبة الرّحوم، معلمة لطلاب الصف الثالث الابتدائي ومشرفة في منصة VIP التعليمية لـ "شام"، إن المتابعة الدراسية في المنزل تساعد الطفل على بناء روتين يومي يوازن بين وقت الدراسة والراحة، وتتيح للأهل اكتشاف الصعوبات التعليمية قبل تراكمها.

وأضافت أن المتابعة تعزز ثقة الطفل بنفسه وتدعم العلاقة بين المنزل والمدرسة، كما تساعده على تعلم المسؤولية والالتزام بدلاً من اقتصار الدراسة على الحفظ استعداداً للامتحان.

وأشارت إلى أن غياب المتابعة قد يؤدي إلى تراكم الدروس والواجبات وتراجع التحصيل والدافعية، كما قد يؤخر اكتشاف مشكلات تتعلق بالنظر أو التركيز أو صعوبات التعلم.

لكن دور الأسرة، وفق الرّحوم، لا يعني القيام بالواجب بدلاً من الطفل، وإنما مساعدته على فهم المطلوب وتوفير البيئة المناسبة حتى يتمكن تدريجياً من تحمل مسؤوليته الدراسية.


ماذا تستطيع المدرسة أن تفعل؟

أوضحت الرّحوم أن المدرسة والمعلم يستطيعان تخفيف جزء من العبء الواقع على الأهالي من خلال تواصل واضح ومنتظم، ونشر الواجبات والمهام أولاً بأول بطريقة لا تترك مجالاً للالتباس.

كما يمكن تقديم إرشادات مبسطة للأهل حول طريقة مساعدة الطفل، وإعداد تقارير دورية توضح نقاط القوة والضعف بدلاً من الاقتصار على العلامات، إلى جانب عقد اجتماعات مرنة لأولياء الأمور حضورياً أو عبر الإنترنت وتحديد أوقات واضحة للاستفسارات.

وأشارت إلى أن الواجبات المنزلية البسيطة، مثل أوراق العمل القصيرة أو المراجعة الشفهية، يمكن أن تجعل المتابعة أكثر سهولة من تكليف الطفل بمهام تحتاج إلى وقت طويل ومشاركة مستمرة من والديه.


مسؤولية لا ينبغي أن تتحملها الأم وحدها

تكشف تجارب الأمهات أن متابعة الأبناء بعد المدرسة ليست مهمة منفصلة عن بقية تفاصيل الحياة المنزلية، وإنما جزء من شبكة مسؤوليات تتداخل فيها التربية والعمل والرعاية والأعمال اليومية.

ومع أهمية دور الأم في متابعة أبنائها، فإن تحويل هذه المسؤولية إلى مهمة تقع عليها وحدها يمكن أن يزيد احتمالات الإرهاق ويؤثر في علاقتها بأطفالها وفي قدرتها على الاستمرار بأدوارها المختلفة.

ويصبح تخفيف العبء أكثر ارتباطاً بالشراكة داخل الأسرة، واستقلال الطفل تدريجياً في أداء مسؤوليات تناسب عمره، وتواصل المدرسة بصورة واضحة مع الأهل، بما يحافظ على أهمية المتابعة الدراسية من دون أن تتحول ساعات ما بعد المدرسة إلى دوام آخر تتحمله الأم وحدها.

اقرأ المزيد
٤ أكتوبر ٢٠٢٦
سرطان الثدي الأكثر انتشاراً بين السوريات.. 48% من الحالات وفرص الشفاء ترتفع مع الكشف المبكر

انطلقت في سوريا فعاليات شهر التوعية بسرطان الثدي، المعروف بـ"أكتوبر الوردي"، تحت شعار "الكشف المبكر بداية العلاج"، بهدف تعزيز الوعي بأهمية الفحص الدوري والكشف عن المرض في مراحله المبكرة، بالتزامن مع أنشطة توعوية وفحوص مجانية تقدمها مراكز ومشافي تابعة لوزارة الصحة في عدد من المحافظات.

وقال الدكتور جميل الدبل، مدير إدارة أمراض السرطان في وزارة الصحة، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن سرطان الثدي يعد السرطان الأكثر انتشاراً بين النساء في سوريا، ويمثل نحو 48% من مجموع السرطانات لديهن، وفق الإحصائيات الرسمية المتعلقة بالمرض.

وأوضح الدكتور أن الكشف المبكر يرتبط بشكل مباشر بارتفاع فرص الشفاء، مبيناً أن نسبة الشفاء في الحالات المكتشفة خلال المرحلة الأولى قد تتجاوز 80%، فيما قد تتجاوز 70% في المرحلة الثانية، ما يؤكد أهمية الوصول إلى التشخيص في المراحل المبكرة وعدم تأخير الفحص عند ظهور أي مؤشرات غير معتادة.

وبيّن أن الفئة العمرية الأكثر تأثراً بسرطان الثدي في سوريا هي السيدات فوق سن الخمسين، إلا أن الوزارة لاحظت خلال العامين الماضيين ظهور حالات لدى شابات دون سن الأربعين بوتيرة أعلى من المعتاد، الأمر الذي يعزز أهمية التوعية بالفحص الذاتي والسريري وعدم تجاهل التغيرات التي قد تطرأ على الثدي.

نقص أجهزة الماموغرام يدفع الوزارة إلى بدائل متنقلة

وحول الوصول إلى خدمات الكشف المبكر في مختلف المحافظات، أوضح الدبل أن هناك نقصاً حالياً في أجهزة التصوير الشعاعي للثدي "ماموغرام"، ولا سيما في المحافظات والأرياف والمناطق البعيدة، لافتاً إلى أن الإمكانات الحالية لا تسمح بتغطية جميع المدن والأرياف السورية بهذه الأجهزة.

وأشار إلى أن الوزارة تعمل ضمن خططها المستقبلية على معالجة هذا النقص، في حين يجري خلال شهر التوعية إرسال سيارات إلى المناطق التي يصعب فيها الوصول إلى أجهزة الماموغرام، تضم سيدات مدربات على الفحص السريري وقابلات، إضافة إلى طبيبات أشعة مزودات بأجهزة إيكوغرافي، لإجراء الفحوص المناسبة كبديل متاح في المناطق التي لا تتوفر فيها أجهزة الماموغرام.

ولفت إلى وجود مراكز ومستشفيات تابعة للوزارة تقدم فحوص الماموغرام مجاناً خلال شهر أكتوبر، على أن تنشر الوزارة رابطاً يتضمن أماكن تقديم هذه الخدمات، مؤكداً أن السيدات الراغبات بإجراء الفحص خلال الشهر لا يحتجن إلى حجز مسبق في المراكز التي ستعلن عنها الوزارة، وإنما يمكنهن التوجه مباشرة لإجراء التصوير عند توفر الوقت.

شراكات لدعم الكشف والتشخيص والعلاج

وأشار مدير إدارة أمراض السرطان إلى وجود شراكات بين وزارة الصحة وعدد من الجمعيات والمنظمات لدعم حملة التوعية بسرطان الثدي، تشمل مجالات التوعية والكشف المبكر والتشخيص والعلاج.

وأكد أن هذا الدعم يتضمن تأمين بعض أجهزة الإيكو والعيادات المتنقلة، إضافة إلى أجهزة الماموغرام التي تساهم بعض المنظمات في تأمينها، إلى جانب تقديم الدعم لعلاج مرضى السرطان، بما يجعل التعاون ممتداً من مرحلة التوعية وصولاً إلى التشخيص ثم العلاج.

وفيما يتعلق بتأمين الأدوية، أشار الدبل إلى أن الظروف الاقتصادية واللوجستية التي مرت بها البلاد منذ التحرير فرضت صعوبات على تأمين أدوية السرطان، إلا أن وزارة الصحة أجرت خلال العام الحالي مناقصة كبرى بقيمة ملايين الدولارات لاستجرار مختلف أدوية السرطان، بما فيها الأدوية المستخدمة في علاج سرطان الثدي.

وأضاف أن إجراءات المناقصة أُنجزت وأُرسلت إلى المستودعات والشركات، وبدأت الشركات التي جرى التعاقد معها فعلياً بتوريد الأدوية، متوقعاً توفر مخزون كبير من أدوية السرطان في سوريا خلال الشهرين القادمين.

الفحص لا يجب أن يقتصر على أكتوبر

وشدد الدبل على أن الرسالة الأساسية للحملة تتمثل في أن "الفحص المبكر يعني أملاً أكبر"، داعياً السيدات إلى عدم حصر الاهتمام بسرطان الثدي خلال شهر أكتوبر فقط، وإنما اعتماد الفحص الدوري على مدار العام.

وأوضح أن الوزارة تركز على استمرارية الفحص وعدم الاكتفاء بإجراء فحص لمرة واحدة، مع التوصية بإجراء فحص الماموغرام سنوياً للسيدات فوق سن الأربعين، إلى جانب التأكيد على أهمية الفحص الذاتي والسريري للسيدات تحت سن الأربعين.

كما أشار إلى ضرورة أن تخضع السيدات اللواتي لديهن عوامل خطورة مرتفعة أو قصة عائلية قوية لفحص الماموغرام في عمر أبكر، ابتداءً من سن 35 عاماً وحتى ما دون سن الأربعين، وفق تقييم الحالة وعوامل الخطورة.

ودعا إلى اعتماد موعد سنوي ثابت للفحص، مقترحاً ربطه بتاريخ ميلاد السيدة، بحيث يتحول هذا التاريخ إلى تذكير سنوي بإجراء فحص الثديين، بدلاً من اقتصار المتابعة على شهر أكتوبر.

التوعية تبدأ من ملاحظة التغيرات

وتؤكد الحملة أهمية الانتباه إلى أي تغير غير معتاد في الثدي، بما في ذلك ظهور كتلة جديدة، أو تغير في الشكل أو الحجم، أو حدوث تغيرات في الجلد أو الحلمة، مع ضرورة عدم تأجيل الاستشارة الطبية عند ملاحظة أي من هذه العلامات.

وبالتزامن مع فعاليات "أكتوبر الوردي"، أعلنت جهات صحية في المحافظات عن أنشطة وخدمات مرتبطة بالكشف المبكر؛ ففي دمشق تفتح مشفى الزهراوي أبوابها أمام السيدات لإجراء الفحوص ضمن فعاليات الشهر العالمي لسرطان الثدي، فيما شهدت دير الزور للمرة الأولى تفعيل خدمة الكشف المبكر عن سرطان الثدي من خلال تزويدها بجهاز ماموغرافي، بالتزامن مع حملة "فحص أبكر.. أمل أكبر"، إلى جانب استلام مجهر عمليات مخصص للجراحة العينية.

هذا وتسعى وزارة الصحة من خلال هذه الفعاليات إلى تعزيز ثقافة الفحص الدوري، وتوسيع الوصول إلى خدمات الكشف المبكر، وربط التوعية بالتشخيص والعلاج، باعتبار أن اكتشاف سرطان الثدي في مراحله الأولى يرفع فرص الاستجابة للعلاج ويقلل من تداعيات تأخر التشخيص.

اقرأ المزيد
٤ أكتوبر ٢٠٢٦
عندما يمنع أحد الوالدين الآخر من رؤية أطفاله بعد الطلاق .. ماذا يقول القانون؟

ينظم القضاء الشرعي حق رؤية الأطفال بعد الطلاق أو الانفصال عندما يكونون في حضانة أحد الوالدين، إذ يمكن للطرف الآخر اللجوء إلى المحكمة لطلب الإراءة وتحديد مدتها، فيما تترتب إجراءات تنفيذية على الامتناع عن الالتزام بالقرار القضائي الصادر بهذا الشأن.

وتختلف المدة التي يمكن أن يقضيها الطفل مع والده أو والدته بحسب عمره ومصلحته وظروف كل حالة، في حين تبقى المحكمة الشرعية المرجع المختص بتحديد الإراءة، ولا يملك الطرف الحاضن حرمان الوالد الآخر منها بصورة منفردة.


من يحدد مدة الإراءة؟

قال المحامي أحمد خبو، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن من حق الوالد رؤية أبنائه الموجودين في حضانة الطرف الآخر، موضحاً أن الإراءة يمكن أن تكون لمدة يوم واحد على الأقل أسبوعياً، وفق ما يحدده القرار القضائي.

وأوضح أن المدة قد تمتد في بعض الحالات إلى يومين أسبوعياً تبعاً لمصلحة المحضون وعمره، مشيراً إلى أن الطفل الصغير قد تكون إقامته لدى والده لفترة أقصر أكثر ملاءمة، بينما يمكن للأطفال في سن السادسة أو السابعة وما فوق قضاء مدة تصل إلى 48 ساعة، إذا كان الوالد مؤهلاً لرعايتهم.

وأكد أن تحديد المدة في النهاية يعود إلى القاضي الشرعي الذي ينظر إلى مصلحة الطفل وظروف الحالة قبل إصدار القرار.


كيف تبدأ الإجراءات؟

أوضح خبو أن الوالد الذي يُمنع من رؤية أطفاله يستطيع مراجعة المحكمة الشرعية وتقديم طلب لإراءتهم، مستنداً إلى الوثائق التي تثبت صلته بهم ووجودهم في حضانة الطرف الآخر.

وأضاف أن مقدم الطلب يستطيع الحصول على إخراج قيد مدني وبيان عائلي، ثم يتقدم إلى القاضي الشرعي بطلب يوضح فيه أن الأطفال موجودون في حضانة والدتهم أو والدهم، ويطلب تمكينه من رؤيتهم يوماً أو يومين أسبوعياً وفق مصلحتهم.

وبحسب خبو، ينظر القاضي في الطلب ويحدد الإراءة ومدتها، ليصبح القرار بعد صدوره قابلاً للتنفيذ وفق الإجراءات القانونية.


قرار قابل للنفاذ المعجل

أشار خبو إلى أن قرار إراءة الطفل يدخل، وفق ما ذكره، ضمن القرارات المشمولة بالنفاذ المعجل بموجب المادة 292 من قانون أصول المحاكمات المدنية، إلى جانب الأحكام المتعلقة بالنفقة وأجرة الحضانة والرضاعة والمسكن وتسليم الصغير.

وأوضح أن القرار يمكن وضعه في ملف التنفيذ مباشرة بعد صدوره، ليجري تبليغ الطرف الملزم بتنفيذه وفق الإجراءات المعتمدة.

وبعد التبليغ ومضي المدة القانونية التي حددها خبو بخمسة أيام، يمكن الانتقال إلى إجراءات أخرى إذا استمر الطرف المعني في رفض تنفيذ قرار الإراءة.


ماذا يحدث عند رفض التنفيذ؟

بين خبو أن امتناع أحد الوالدين عن تنفيذ القرار القضائي وتمكين الطرف الآخر من رؤية أطفاله يمكن أن يؤدي إلى اللجوء إلى الحبس الإكراهي أو التنفيذي بهدف إلزامه بتنفيذ القرار.

وأوضح أن الجهة المختصة تتولى إجراءات التنفيذ، ويمكن مخاطبة قسم الشرطة المختص في منطقة إقامة المنفذ عليه لاتخاذ الإجراءات المترتبة على استمرار الامتناع.

وأضاف أن الغاية من الحبس الإكراهي ليست معاقبة الطرف على الخلاف بين الوالدين بحد ذاته، وإنما إجباره على الالتزام بالقرار القضائي، مشيراً إلى أن تنفيذ ما يترتب عليه بشأن الطفل يؤدي إلى إخلاء سبيله وفق الإجراءات المتعلقة بالحالة.


المادة 439 والحبس التنفيذي

استند خبو إلى المادة 439 من قانون أصول المحاكمات المدنية رقم 1 لعام 2016، موضحاً أنها تتناول حالات يستطيع فيها رئيس التنفيذ تقرير الحبس التنفيذي أو الإكراهي بحق المنفذ عليه.

وأشار إلى أن الفقرة الرابعة، وفق ما ذكره، تشمل تسليم الطفل إلى الشخص الذي عُهد إليه بحفظه وتأمين إراءة الصغير لوليه.

وبناء على ذلك، أوضح أن الامتناع عن تسليم الطفل إلى حاضنه، أو رفض تمكين الوالد الآخر من رؤيته وفق القرار القضائي، يمكن أن يؤدي إلى تقرير الحبس التنفيذي بحق الممتنع عن التنفيذ.

وأضاف أن رئيس التنفيذ يستطيع أيضاً اتخاذ قرار بمنع سفر المنفذ عليه في الحالات التي يستمر فيها الامتناع عن تنفيذ القرارات المتعلقة بالإراءة أو النفقة أو الحضانة.


حق للوالد والطفل

أكد خبو أن الإراءة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حقاً للوالد فقط، وإنما هي أيضاً حق للطفل في الحفاظ على علاقته بكلا والديه بعد الانفصال.

وأشار إلى أن الخلافات الناتجة عن الطلاق وما قد يترتب عليها من أضرار بين الزوجين لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لحرمان الأطفال من أحد والديهم، أو استخدام الإراءة وسيلة في النزاع القائم بين الطرفين.

واعتبر أن رؤية الطفل لوالديه تحمل بعداً إنسانياً واجتماعياً إلى جانب بعدها القانوني، فيما تبقى مصلحته العامل الأساسي الذي ينبغي أن يحكم تنظيم العلاقة بعد الانفصال.


المحكمة الشرعية هي المرجع

شدد خبو على أن المحكمة الشرعية والقاضي الشرعي يمثلان المرجع المختص في النزاعات المتعلقة بالإراءة والحضانة، بينما تتولى دوائر التنفيذ تطبيق القرارات الصادرة واتخاذ الإجراءات اللازمة عند الامتناع عنها.

وبذلك، لا يرتبط حق رؤية الأطفال بإرادة الطرف الحاضن وحده، وإنما ينظمه قرار قضائي يحدد المدة وآلية الإراءة وفق مصلحة الطفل، مع إمكانية اللجوء إلى إجراءات التنفيذ عند رفض الالتزام به.

ويبقى الفصل بين الخلاف القائم بين الوالدين وحق الأطفال في استمرار علاقتهم بكليهما أساسياً في مثل هذه القضايا، فيما يوفر القضاء الشرعي المسار القانوني لتنظيم الإراءة وحسم النزاع عندما يتعذر على الطرفين التوصل إلى تفاهم.

 

اقرأ المزيد
1 2 3 4 5

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
٦ أكتوبر ٢٠٢٦
مواجهة خطاب الكراهية في سوريا.. كيف نوازن بين حرية التعبير والمسؤولية عن المحتوى؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٤ أكتوبر ٢٠٢٦
بين العقيدة والمصلحة.. هل تحكم الرواية الدينية الإسرائيلية مسار التفاوض مع سوريا؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
ماذا قدمت «الممانعة» لسوريا؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
التفاهم لا يعني التطبيع.. لماذا تحتاج سوريا إلى تحييد الجبهة الإسرائيلية في مرحلة إعادة البناء؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
العدالة فوق الجميع.. قضية محمد غميرة تختبر جدية الدولة في محاسبة التجاوزات الأمنية
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
أوروبا تضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر.. فهل يمتد تأثيرها إلى العالم؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
هل كان الفرح بالعقوبة أم بانتهاء زمن الإفلات من العقاب؟
أحمد نور الرسلان