مجتمع
٧ يوليو ٢٠٢٦
المنازل المدمرة... عقبة أمام عودة النازحين والترميم يفوق قدرة المهجرين

رغم تزايد عودة السوريين إلى مناطقهم خلال الأشهر الماضية، لا تزال آلاف العائلات تصطدم بعقبة رئيسية تتمثل في المنازل المدمرة أو المتضررة، والتي تحتاج إلى مبالغ تفوق قدرة معظم الأسر، ما يجعل العودة الدائمة مؤجلة، ويجبر كثيرين على البقاء في مناطق النزوح أو استئجار مساكن بأسعار مرتفعة.

وتصطدم عودة شريحة واسعة من السوريين إلى مناطقهم بعائق انعدام المسكن الذي تحول بالنسبة لآلاف العائلات إلى حلم مؤجل بسبب ارتفاع تكاليف إعادة تأهيلها، في وقت لا تزال فيه القدرة الشرائية للمواطنين عند مستويات متدنية، وسط غياب مصادر تمويل تمكنهم من إعادة بناء حياتهم.

العودة مؤجلة بسبب منزل مدمر

في مدينة عربين بالغوطة الشرقية، يقول أحمد عياش لشبكة شام الإخبارية، إنه كان يأمل بالعودة للاستقرار في منزله بعد سنوات من النزوح، إلا أن حجم الأضرار التي لحقت به جعل ذلك مستحيلاً في الوقت الحالي.

وأوضح أن كلفة ترميم المنزل تقدر بنحو خمسة آلاف دولار أمريكي، وهو مبلغ يفوق قدرته المالية، الأمر الذي اضطره إلى مواصلة الإقامة في منطقة الباسوطة بريف عفرين، بعيداً عن منزله وأقاربه، بانتظار فرصة تمكنه من إعادة تأهيل منزله.

وتتكرر القصة ذاتها في مدينة حمص، حيث أكد ماجد عودة، لشبكة شام الإخبارية أنه لا يزال يعيش في أحد مخيمات أطمة في شمال غربي سوريا، ولا يزور منزله في حي الخالدية إلا لتفقده ثم العودة إلى المخيم.

وأشار إلى أن المنزل تعرض لأضرار تحتاج إلى أعمال ترميم واسعة، وأن دخله لا يسمح بتأمين تكاليف الإصلاح، ما يجعل العودة الدائمة أمراً مؤجلاً رغم رغبته في الاستقرار داخل مدينته.

الترميم... آلاف الدولارات لمنزل واحد

ويؤكد العاملون في قطاع البناء أن إعادة تأهيل المنازل أصبحت عبئاً مالياً كبيراً على الأسر السورية، وقال عبد المنعم عرنان، صاحب ورشة بناء في حمص، لشبكة شام الإخبارية إن تكلفة ترميم منزل متوسط الضرر تتراوح حالياً بين 3500 و6000 دولار أمريكي، بينما قد تتجاوز 10 آلاف دولار في حال كانت الأضرار كبيرة أو احتاج المنزل إلى إعادة تمديدات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، إضافة إلى أعمال الإكساء.

وأضاف أن أسعار مواد البناء وأجور العمال ارتفعت بصورة متواصلة خلال الفترة الماضية، ما جعل كثيراً من أصحاب المنازل يؤجلون الترميم أو ينفذونه على مراحل تمتد لسنوات.

مواد البناء تواصل الارتفاع

من جانبه، أوضح مصطفى جوخدار، العامل في مجال التعهدات، لشبكة شام الإخبارية، أن أسعار مواد البناء تشهد ارتفاعاً مستمراً، حيث يبلغ سعر متر البحص قرابة 130 ألف ليرة سورية، ومتر الرمل الجحاري نحو 250 ألف ليرة، ومتر النحاتة حوالي 190 ألف ليرة.

فيما يصل متر الرمل القرواني إلى نحو 330 ألف ليرة بينما يبلغ سعر متر السرك والبودرة نحو 130 ألف ليرة لكل منهما وأشار إلى أن هذه الأسعار لا تشمل أجور النقل والتحميل والتنزيل وأجور اليد العاملة، الأمر الذي يرفع الكلفة النهائية لأي عملية ترميم بصورة كبيرة.

الإيجارات... أزمة موازية

ومع تعذر إعادة تأهيل المنازل، تتجه آلاف الأسر إلى استئجار مساكن، إلا أن هذا الخيار لم يعد أقل كلفة، بل تحول إلى أزمة جديدة نتيجة الارتفاع غير المسبوق في الإيجارات.

ويرى مختصون أن زيادة الطلب على العقارات، بالتزامن مع عودة أعداد متزايدة من النازحين واللاجئين، وخروج أعداد كبيرة من المنازل عن الخدمة بسبب الدمار، أدت إلى تقلص المعروض وارتفاع الأسعار في معظم المدن السورية.

وتشهد العاصمة دمشق بصورة خاصة ارتفاعات متواصلة في بدلات الإيجار، رغم التحسن الذي شهدته الليرة السورية أمام العملات الأجنبية خلال الأشهر الماضية، وهو ما يثير تساؤلات حول آلية تسعير سوق العقارات.

وقال محمود المصري، أحد العاملين في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بدمشق، لشبكة شام الإخبارية، إنه اضطر لاستئجار منزل في العاصمة بسبب طبيعة عمله، مبيناً أن قيمة الإيجار تستهلك نحو نصف راتبه الشهري، الأمر الذي يفرض أعباء معيشية كبيرة على أسرته.

ويبلغ الحد الأدنى لاستئجار منزل متواضع في أطراف دمشق نحو 20 ألف ليرة سورية جديدة، فيما تصل الإيجارات في الأحياء المتوسطة إلى 50 ألف ليرة سورية جديدة شهرياً، مع اشتراط العديد من المالكين دفع ستة أشهر أو سنة كاملة مقدماً، وهو ما يزيد صعوبة الحصول على مسكن مناسب.

أرقام تكشف حجم التحدي

وبحسب بيانات سبق أن نشرتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان تجاوز عدد اللاجئين السوريين خارج البلاد منذ عام 2011 6.8 ملايين شخص حتى نهاية عام 2024، فيما تجاوز عدد النازحين داخلياً 6.9 ملايين شخص.

ومنذ نهاية عام 2024 وحتى الربع الأول من عام 2026، عاد أكثر من 1.5 مليون لاجئ من دول اللجوء، إضافة إلى أكثر من 1.8 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية.

ورغم ذلك، لا يزال أكثر من 9 ملايين سوري يعيشون في حالة نزوح أو لجوء، فيما يحتاج نحو 15.6 مليون شخص داخل البلاد إلى مساعدات إنسانية، في مؤشر على أن التعافي لا يزال يواجه تحديات كبيرة.

ويرى مختصون أن استمرار عودة السوريين إلى مناطقهم سيظل مرتبطاً بقدرة الأسر على إعادة تأهيل منازلها، إذ إن توفر الأمن وحده لا يكفي لتحقيق الاستقرار، في ظل الدمار الواسع الذي طال الأحياء السكنية وارتفاع تكاليف مواد البناء والإكساء.

ويؤكد هؤلاء أن توفير برامج تمويل ميسرة، وإطلاق مشاريع لإعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية، سيكون عاملاً حاسماً في تسريع عودة النازحين واللاجئين، وتخفيف الضغط عن أسواق الإيجارات، وإعادة الحياة إلى المدن والأحياء التي ما زالت آثار الحرب حاضرة فيها.

ومع استمرار عودة اللاجئين والنازحين إلى مختلف المحافظات السورية، تبرز أزمة السكن بوصفها أحد أبرز التحديات التي تواجه مرحلة التعافي، إذ يجد كثير من العائدين أنفسهم أمام منازل غير قابلة للسكن، أو تحتاج إلى أعمال ترميم تفوق إمكاناتهم المادية، ما يدفعهم إلى تأجيل العودة أو الاكتفاء بزيارات متقطعة لمنازلهم، مع البقاء في مناطق النزوح أو اللجوء إلى استئجار مساكن بأسعار مرتفعة.

وبين منزل مدمر لا يستطيع صاحبه ترميمه، وإيجار يلتهم معظم الدخل الشهري، تبقى أزمة السكن واحدة من أكثر الملفات إلحاحاً في سوريا، وعقبة رئيسية أمام عودة مئات آلاف الأسر إلى حياة مستقرة بعد سنوات طويلة من النزوح واللجوء.

اقرأ المزيد
٧ يوليو ٢٠٢٦
الطلاق والمخالعة الرضائية: فروقات قانونية وخيارات تُحيط بها مفاهيم متباينة

في ظل تزايد حالات إنهاء العلاقة الزوجية، يبرز كل من الطلاق والمخالعة الرضائية كمسارين قانونيين يختلفان من حيث الأسباب والإجراءات والآثار المترتبة على كل منهما.


وبين هذين الخيارين، تتداول أحياناً مفاهيم غير دقيقة، خاصة فيما يتعلق بالمخالعة الرضائية، إذ يعتقد البعض أنه الخيار الأسهل أو الأسرع دون الالتفات إلى نتائجه القانونية، كما يختلط على كثيرين الفرق بين الحقوق التي تترتب في كل حالة، ما يجعل توضيح هذه الفروق أمراً ضرورياً لفهم الإطار القانوني لكل منهما.


في هذا السياق، قالت المحامية سحر نجار، الحاصلة على إجازة في الحقوق وماجستير في علم النفس السريري، من خلال حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الفرق الأساسي بين الطلاق والمخالعة الرضائية يكمن في السبب والآثار القانونية لكل منهما، وأضافت أن الطلاق قد يتم بإرادة الزوج أو بحكم قضائي بناءً على أسباب يقرها القانون، وتحتفظ الزوجة فيه بحقوقها المالية المقررة قانوناً متى توافرت شروط استحقاقها.


وأشارت إلى أن المخالعة الرضائية هو إنهاء للعلاقة الزوجية بناءً على اتفاق بين الزوجين، أو وفق الإجراءات التي يجيزها القانون، مقابل عوض تقدمه الزوجة غالباً يتمثل في رد المهر أو التنازل عن بعض حقوقها المالية، ونوّهت إلى أنه في كلتا الحالتين تبقى حقوق الأطفال، مثل النفقة والحضانة، حقوقاً مستقلة لا تتأثر بنوع إنهاء العلاقة الزوجية، لأن المعيار الأساسي هو حماية مصلحة الطفل الفضلى.


وبيّنت أن بعض النساء يلجأن إلى المخالعة الرضائية عندما تصبح الحياة الزوجية غير قابلة للاستمرار، خاصة إذا تعذر الوصول إلى الطلاق بالتراضي أو كانت دعوى التفريق القضائي تتطلب وقتاً وإجراءات أطول، ولفتت إلى أن الرغبة في إنهاء النزاع بسرعة، وتجنب كثرة مراجعة المحاكم، وقلة الوعي بالحقوق والآثار القانونية لكل خيار، قد تدفع بعض النساء إلى اختيار المخالعة الرضائية.


وذكرت أن الاستشارة القانونية تبقى خطوة أساسية لاتخاذ القرار الأنسب وحماية الحقوق، وتحدثت عن أن لكل من الطلاق والمخالعة الرضائية مزايا وآثاراً قانونية تختلف باختلاف ظروف كل أسرة، وأوضحت أن الطلاق قد يتيح للزوجة الاحتفاظ بحقوقها المالية إذا توافرت أسبابها القانونية، لكنه قد يستغرق وقتاً أطول عندما يكون محل نزاع.


وأكدت أن المخالعة الرضائية قد يساهم في إنهاء العلاقة الزوجية بصورة أسرع، وشددت على أنه غالباً ما يرتب تنازل الزوجة عن بعض حقوقها المالية مقابل إنهاء العلاقة، وأفادت بأنه لا يمكن تفضيل أحد الخيارين بشكل مطلق، وإنما يعتمد الأمر على ملابسات كل حالة.


وقالت إن من أكثر المفاهيم الخاطئة اعتقاد بعض النساء أن المخالعة الرضائية هو الحل الأسهل أو الأسرع في جميع الحالات، أو أنه لا يترتب عليه آثار قانونية، وأضافت أن تنازل الأم عن حضانة أطفالها مقابل المخالعة الرضائية لا يمنعها نهائياً من المطالبة بالحضانة مستقبلاً، لأن مسائل الحضانة تبقى خاضعة لمصلحة الطفل، ويخضع أي اتفاق بشأنها لرقابة المحكمة ولا يجوز أن يخالف مصلحة المحضون.


وأشارت إلى أن بعض النساء يجهلن أن المخالعة الرضائية قد يترتب عليه التنازل عن بعض الحقوق المالية، ونوّهت إلى أن حقوق الأطفال، مثل النفقة، تبقى حقوقاً مستقلة لا تسقط بالمخالعة الرضائية.


وبيّنت أنها تنصح كل امرأة بعدم التسرع في اتخاذ قرار الطلاق أو المخالعة الرضائية قبل معرفة الآثار القانونية المترتبة على كل خيار، ولفتت إلى أهمية الحصول على استشارة قانونية، والاحتفاظ بجميع الوثائق التي تثبت الحقوق، وعدم التنازل عن أي حق قبل فهم نتائجه القانونية.


وذكرت ضرورة مراعاة مصلحة الأطفال، وأوضحت أن حقوقهم، مثل النفقة والحضانة، حقوق مستقلة يحميها القانون، وأكدت أن القرار الصحيح هو القرار المبني على المعرفة، وليس على ضغط الخلافات أو الرغبة في إنهائها بسرعة.


يؤكد أخصائيون اجتماعيون أن قرارات الطلاق أو المخالعة الرضائية تتأثر بطبيعة العلاقة بين الزوجين، وبالبيئة المحيطة داخل الأسرة، ويضيفون أن تدخلات العائلة أو استمرار التوتر في المنزل قد تلعب دوراً في تحديد شكل القرار النهائي.


ويشيرون إلى أن وجود أطفال يجعل المسألة أكثر تعقيداً، إذ ينعكس الانفصال على تفاصيل حياتهم اليومية واستقرارهم، ويلفتون إلى أن التعامل مع هذه الحالات يتطلب مراعاة الجوانب الاجتماعية إلى جانب الإجراءات القانونية.


ويؤكد الأخصائيون على أهمية الحوار الهادئ وتجنب تصعيد النزاع، إضافة إلى منح مساحة كافية للتفكير قبل اتخاذ قرارات مصيرية، كما يشددون من جهة أخرى على ضرورة فهم طبيعة الخلاف وأسبابه الحقيقية، والعمل على معالجته بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل السريعة.


وتبقى مسألة الاختيار بين الطلاق والمخالعة الرضائية مرتبطة بطبيعة العلاقة بين الزوجين والظروف المحيطة بهما، في ظل تداخل الجوانب الاجتماعية والقانونية في تحديد مسار كل حالة، وتُعد كيفية التعامل مع الخلافات واتخاذ القرارات المرتبطة بها جزءاً من السياق العام الذي تنعكس نتائجه على استقرار الأسرة وتفاصيل حياتها اليومية.

اقرأ المزيد
٧ يوليو ٢٠٢٦
التشهير عبر وسائل التواصل: من سهولة النشر إلى تبعات القانون

تُعدّ قضايا التشهير من الموضوعات التي تثير نقاشاً متزايداً، خاصة في ظل توسّع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وما أتاحته من سهولة في النشر والتداول، ومع هذا الانتشار، باتت الحدود بين حرية التعبير والتعدي على سمعة الآخرين محل تساؤل، في ظل تباين الفهم القانوني لدى الأفراد، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات قانونية.

وفي هذا السياق، يرتبط ازدياد الحديث عن دعاوى التشهير بجملة من العوامل المتداخلة، من أبرزها سرعة تداول المعلومات دون التحقق من صحتها، إضافة إلى تصاعد الخلافات الشخصية التي قد تنتقل من نطاقها الضيق إلى العلن، كما يبرز دور ضعف الوعي القانوني في عدم إدراك الحدود الفاصلة بين إبداء الرأي وتوجيه الاتهام.

الإطار القانوني لدعاوى التشهير

وفي هذا الإطار، قالت المحامية رقية إبراهيم في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن مصطلح “التشهير” يُقسّم إلى الذم والقدح والتحقير، ويمكن تعريفه بأنه إسناد واقعة أو توجيه قول أو نشر خبر عن شخص يؤدي إلى المساس بشرفه أو كرامته أو سمعته أمام الغير.

وأضافت أن الفرق بين التشهير وحرية التعبير يكمن في أن حرية التعبير تسمح بانتقاد الأشخاص والأعمال والقرارات، بينما يبدأ التشهير عندما تتحول الآراء إلى اتهامات واقعية تمس الشرف وتُقدَّم على أنها حقيقة غير صحيحة.

وأشارت إلى أن الأفعال التي تُعد تشهيراً، خصوصاً عبر الإنترنت، تشمل ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثل نشر منشور يتهم شخصاً بالسرقة أو الاحتيال دون دليل، أو نشر فيديو أو بث مباشر يتضمن اتهامات تمس السمعة، أو كتابة تعليق عام يربط شخصاً بجريمة دون إثبات، أو إعادة نشر محتوى تشهيري مع العلم بأنه كاذب، إضافة إلى التقييمات أو المنشورات التي تسيء لسمعة شخص أو شركة بشكل غير صحيح.

ونوهت إلى أنه يحق للمتضرر رفع دعوى تشهير في سوريا عند توفر مجموعة من الشروط، منها وجود واقعة محددة منسوبة لشخص، وأن تكون هذه الواقعة مسيئة للسمعة أو الشرف، وأن يتم نشرها للآخرين سواء بشكل علني أو إلكتروني، وأن تكون كاذبة أو غير مثبتة في كثير من الحالات، إضافة إلى وجود نية الإساءة أو عدم وجود مصلحة عامة.

وبيّنت أن القضاء السوري يقبل عدة أنواع من الأدلة في قضايا التشهير، من بينها الأدلة الرقمية مثل صور الشاشة للمنشورات، وروابط المنشورات، والتسجيلات الصوتية أو المرئية، ومحادثات واتساب أو فيسبوك، إلى جانب الأدلة التقليدية كأقوال الشهود، وتقارير الخبراء لإثبات الحساب أو النشر، ومحاضر الشرطة أو الضبوط الرسمية.

ولفتت إلى أن العقوبات في جرائم التشهير تختلف بحسب نوع الجريمة، حيث إن الذم، وهو إسناد واقعة تمس الشرف، قد يعاقب عليه بالحبس أو الغرامة، بينما يُعد القدح، وهو الإهانة المباشرة، أقل من حيث العقوبة غالباً من الذم، أما التحقير، وهو الإهانة المباشرة أو اللفظية، فقد يؤدي إلى الحبس لفترات قصيرة أو الغرامة.

وذكرت أن الفرق بين النقد المشروع والتشهير يتمثل في أن النقد المشروع يعتمد على الرأي ولا يتضمن اتهاماً بوقائع غير مثبتة، ويكون مرتبطاً بعمل أو خدمة، مثل القول إن “الخدمة سيئة” أو “الأداء ضعيف”، في حين أن التشهير يتضمن اتهاماً يُقدَّم على أنه حقيقة، ويذكر أفعالاً مثل السرقة أو الفساد دون دليل، ويضر بشخص محدد ويمكن التحقق من كذبه.

وتحدثت عن قاعدة عامة في هذا السياق مفادها أن الرأي لا يُعاقب عليه، لكن الادعاء الكاذب يُعاقب عليه، وأوضحت مجموعة من النصائح لتجنب الوقوع في قضايا التشهير في سوريا، من بينها عدم نشر اتهامات دون دليل، والتفريق بين الرأي والحقيقة، وتجنب ذكر الأسماء في حالات الغضب، وعدم الاعتماد على الشائعات.

كما أشارت إلى ضرورة عدم إعادة نشر محتوى مجهول المصدر، واستخدام لغة نقدية بدلاً من لغة اتهامية، إضافة إلى استشارة قانونية قبل النشر في القضايا الحساسة.

القانون رقم 20 لعام 2022: تجريم الأفعال الإلكترونية وآليات الملاحقة

وفي سياق متصل، قال المحامي محمد هيثم فريجة في تصريح سابق لـ شام، إن القانون رقم 20 لعام 2022، لم يضع تعريفاً واحداً جامعاً للجريمة المعلوماتية، وإنما عرّف عدداً من المصطلحات مثل النظام المعلوماتي، والشبكة، والبيانات المعلوماتية، والموقع الإلكتروني، والحساب الإلكتروني، ثم جرّم كل فعل يُرتكب باستخدام هذه الوسائل أو يستهدفها.

وأضاف أن من أبرز الجرائم التي نص عليها القانون: الدخول غير المشروع إلى نظام معلوماتي أو موقع إلكتروني، واختراق الحسابات الإلكترونية، واعتراض البيانات أو الاتصالات الإلكترونية، وحذف أو تعديل أو إتلاف البيانات، وتعطيل المواقع والأنظمة، وانتحال الشخصية الإلكترونية، والاحتيال الإلكتروني، والابتزاز الإلكتروني، ونشر المحتوى المخالف للقانون، والاعتداء على الخصوصية، والتشهير والذم والقدح عبر الوسائل الإلكترونية.

وذكر أن التشهير الإلكتروني، في حال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو المواقع الإلكترونية للمساس بسمعة شخص أو كرامته أو اعتباره، يعرّض الفاعل للعقوبات المنصوص عليها في القانون رقم 20 لعام 2022، إضافة إلى التعويض المدني عند الاقتضاء.

وتحدث عن جرائم القدح والذم والتحقير الإلكتروني، موضحاً أن القانون السوري يعتبرها جرائم معاقباً عليها إذا ارتكبت عبر فيسبوك، وواتساب، وتلغرام، وإنستغرام، وإكس (تويتر سابقاً)، أو عبر المواقع الإلكترونية أو أي وسيلة معلوماتية، ويكفي أن يتضمن المنشور أو الرسالة عبارات تمس شرف المجني عليه أو اعتباره.

وأوضح أن إثبات هذه الجرائم أمام القضاء يعتمد على وسائل الإثبات الرقمية مثل لقطات الشاشة، والروابط الإلكترونية، وبيانات الحساب، وتقارير الخبرة الفنية، واستخراج البيانات من مزود الخدمة، والضبوط المنظمة من الجهات المختصة، إضافة إلى الشهادة والقرائن، مشدداً على ضرورة أن تكون الأدلة قد جُمعت بصورة قانونية حتى تكون منتجة أمام القضاء.

وأكد أن القانون يعاقب على التلاعب بالصور أو التسجيلات الصوتية، بما في ذلك تركيب الصور، وتعديل الفيديوهات، وفبركة التسجيلات، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتغيير المحتوى، ونشر صور خاصة دون موافقة أصحابها، أو نشر التسجيلات بقصد الإساءة أو الابتزاز أو التشهير.

وشدد على أنه قد تتعدد الجرائم في الواقعة الواحدة، فتقوم مثلاً جرائم انتهاك الخصوصية، والتشهير، والابتزاز، وانتحال الشخصية، وإساءة استعمال الوسائل المعلوماتية، ويحق للمتضرر المطالبة بإزالة المحتوى والتعويض عن الضرر.

وذكر المحامي محمد أن الآليات القانونية لملاحقة مرتكبي الجرائم الإلكترونية تبقى ممكنة رغم استخدام الحسابات الوهمية، وذلك من خلال تقديم شكوى إلى النيابة العامة المختصة، وتكليف فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية بإجراء التحريات الفنية، وتتبع عنوان IP، ومخاطبة شركات الاتصالات، وطلب البيانات من مزودي الخدمة وفق الأصول القانونية، والاستعانة بالخبرة الفنية الرقمية، والتعاون القضائي الدولي إذا كان الفاعل خارج سورية، مؤكداً أن استخدام اسم مستعار أو حساب وهمي لا يعني استحالة الوصول إلى الفاعل.

وفي جانب آخر، تمتد آثار قضايا التشهير إلى أبعاد اجتماعية ونفسية قد تكون عميقة على الأفراد المستهدفين، إذ إن المساس بالسمعة، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قد يؤدي إلى الإضرار بالعلاقات الاجتماعية والمهنية، ويضع الشخص في موضع شك أو إدانة أمام محيطه، حتى قبل التحقق من صحة ما يُنشر.

كما يمكن أن ينعكس ذلك على الحالة النفسية للمتضرر، من خلال الشعور بالضغط أو القلق أو العزلة، نتيجة انتشار المحتوى المسيء وصعوبة احتوائه أو تصحيحه في الفضاء الرقمي، وتبرز هذه التأثيرات بشكل أكبر مع سرعة تداول المعلومات واتساع نطاق انتشارها، ما يجعل من معالجة آثار التشهير أمراً لا يقتصر على الجانب القانوني فقط، بل يتطلب وعياً مجتمعياً بمسؤولية النشر وأثره على الآخرين.

وتبقى قضايا التشهير من الملفات التي تتداخل فيها الجوانب القانونية مع التحولات المرتبطة بوسائل التواصل وأنماط النشر الحديثة، ومع تنوع الحالات واختلاف سياقاتها، يستمر التعامل مع هذه القضايا ضمن أطر قانونية واجتماعية متشابكة، في ظل الحاجة إلى فهم أوضح للحدود الفاصلة بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية، وما يرافق ذلك من آثار تمتد إلى مستويات متعددة.

اقرأ المزيد
٦ يوليو ٢٠٢٦
بين الترقب والقلق… الطلاب يواجهون مرحلة انتظار النتائج

قبل أيام، أنهى طلاب شهادتي التعليم الأساسي (التاسع) والثانوية العامة (البكالوريا) في سوريا امتحاناتهم، بعد فترة طويلة من التحضير المكثف وما رافقها من جهد دراسي وضغط نفسي متواصل. ومع انتهاء هذه المرحلة، دخل الطلاب في فترة انتظار النتائج، وهي مرحلة لا تقل حساسية عن الامتحانات نفسها.

وتتسم هذه الفترة عادةً بمشاعر متباينة من القلق والترقب والارتباك، حيث يعيش كثير من الطلاب حالة من التوتر المرتبط بالمجهول، في ظل التفكير المستمر بالنتائج وما تحمله من انعكاسات على مستقبلهم الدراسي، وفي ظل هذه الأجواء، يواجه بعض الطلاب مستويات مرتفعة من الضغط النفسي، ما يستدعي توفير دعم حقيقي لهم، سواء من قبل الأهل لمساعدتهم على تجاوز هذه المرحلة.

في هذا السياق، قالت رهف قرنفل، أخصائية نفسية تعمل ضمن منصة «نفسجي»، من خلال تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن فترة انتظار نتائج الشهادة الثانوية تُعد من أكثر المراحل حساسية وضغطاً في حياة الطالب، ووصفتها بأنها حالة من "القلق المعلق" أو "الترقب الحذر"، موضحة أن الطلاب يمرون خلالها بتقلبات مزاجية حادة تتراوح بين لحظات من التفاؤل والهدوء المؤقت، ونوبات من الذعر والتوتر المفاجئ.

وأضافت قرنفل أن كثيراً من الطلاب يعانون خلال هذه الفترة من الأرق الليلي، وصعوبة التركيز، وفقدان الشغف بالقيام بالأنشطة اليومية، إلى جانب شعور عام بعدم الاستقرار، وكأن حياتهم متوقفة إلى حين صدور النتيجة.

وأشارت إلى أن مصادر القلق والتوتر بعد انتهاء الامتحانات متعددة، ولعل أبرزها في السياق السوري يتمثل في الخوف من المجهول، من حيث التفكير المستمر في شكل الأسئلة وطريقة التصحيح ومدى مطابقتها للإجابات التي قدمها الطالب.

ونوهت إلى أن ربط المصير بالنتيجة يشكل عاملاً ضاغطاً، إذ يشعر الطالب بأن مستقبله المهني والأكاديمي بأكمله يتوقف على علامة واحدة، ما يخلق لديه هاجس "الفشل" أو "النجاح".

وبينت أن مقارنة الطالب نفسه بالآخرين، من خلال متابعة آراء زملائه وتوقعاتهم حول أدائهم، تولد مقارنات سلبية تزيد من حجم الضغط النفسي، ولفتت إلى أن الاستنزاف النفسي التراكمي الناتج عن الإرهاق العصبي والجسدي خلال فترة التحضير والامتحانات يترك أثراً واضحاً في مرحلة الانتظار، ويضاعف من حدة التوتر.

وذكرت قرنفل أن التوقعات الأسرية والمجتمعية تلعب دوراً سلبياً كبيراً في مضاعفة الضغط، حيث يعكس بعض الأهالي مخاوفهم أو طموحاتهم غير المحققة على أبنائهم، ما يخلق بيئة منزلية مشحونة بالتوتر.

وتحدثت عن أن عبارات مثل "يجب أن ترفع رأسنا" أو التركيز على "المجموع العالي" كشرط للقبول الأسري، تحول الامتحان من مجرد تقييم أكاديمي إلى تهديد مباشر للقيمة الذاتية للطالب، الأمر الذي يجعله يخشى ليس النتيجة بحد ذاتها، بل نظرة المجتمع وخيبة أمل العائلة.

وأوضحت أن الدور المطلوب من الأهل يتمثل في تخفيف هذا العبء النفسي، من خلال الفصل بين القيمة الإنسانية والتحصيل الأكاديمي، بحيث يدرك الأبناء أن الحب والقبول غير مشروطين بالنتيجة.

وأكدت ضرورة توفير بيئة منزلية هادئة، عبر تجنب النقاشات المستمرة حول التوقعات والمعدلات، والابتعاد عن المقارنات مع الآخرين، وشددت على أهمية الاحتفال بجهد الطالب وتعبه طوال العام الدراسي، بدلاً من التركيز على النتيجة النهائية فقط، لما لذلك من أثر إيجابي في دعمه نفسياً.

وأفادت بضرورة فتح حوار هادئ وبنّاء حول الخيارات والخطط البديلة في حال لم تأتِ النتيجة كما يُتوقع، بما يسهم في تقليل حدة الصدمة المحتملة، وأشارت قرنفل إلى مجموعة من الاستراتيجيات التي يمكن للطلاب اتباعها للتعامل مع القلق والتفكير المستمر، من بينها إدارة الأفكار بشكل عقلاني، عبر تذكير الذات بأن الامتحان قد انتهى ولم يعد بالإمكان تغيير ما كُتب، وأن القلق لن يغير من النتيجة شيئاً.

وأضافت أن من المهم الحد من التفكير التوقعي، وتجنب محاولات استرجاع الإجابات أو توقع العلامات، لما في ذلك من استنزاف للطاقة وزيادة في مستويات التوتر، ونوهت إلى أهمية التفريغ الانفعالي، من خلال ممارسة التمارين الرياضية أو المشي أو الانخراط في الهوايات المفضلة، بهدف التخلص من شحنات القلق الزائدة.

وبينت كذلك أن الاسترخاء واليقظة الذهنية، عبر تخصيص وقت يومي لتمارين التنفس العميق والتأمل، تسهم في تهدئة الجهاز العصبي وتحسين الحالة النفسية.

وختمت قرنفل برسالة موجهة للطلاب، أكدت فيها أنهم ليسوا مجرد رقم في شهادة أو مجموع علامات، مشددة على أن الثانوية العامة محطة مهمة في الحياة، لكنها ليست المحطة الأخيرة، ولا تحدد قيمة الذكاء أو المستقبل المهني.

ولفتت إلى أن الفرص في الوقت الحالي متعددة، وأن النجاح يصنعه الشغف والإصرار والتعلم المستمر، وليس العلامات فقط، داعية الطلاب إلى تبني قناعة أن النجاح في الحياة له أكثر من طريق، وأن تحقيق النتيجة المرجوة أمر إيجابي، أما في حال جاءت النتيجة مختلفة، فإن ذلك لا يلغي وجود فرص أخرى قد تكون أكثر ملاءمة لقدراتهم واهتماماتهم.

يرى مختصون نفسيون أن دور الأهل في هذه المرحلة يتطلب قدراً عالياً من الوعي بطبيعة الحالة التي يمر بها الأبناء، حيث ينصحون بتجنب توجيه الأسئلة المتكررة حول الامتحان أو النتيجة، لما لذلك من أثر في إعادة استحضار القلق، مقابل أهمية إتاحة مساحة مريحة يشعر فيها الطالب بالهدوء دون ضغط إضافي.

ويشير المختصون إلى ضرورة اعتماد أسلوب تواصل داعم يقوم على الاستماع دون إصدار أحكام، إلى جانب تشجيع الأبناء على ممارسة أنشطة يومية تساعدهم على كسر حالة الانتظار، مؤكدين أن حضور الأهل بطريقة متزنة وهادئة يسهم في تعزيز شعور الأمان النفسي لدى الطالب خلال هذه الفترة.

 تُعدّ فترة انتظار النتائج من المراحل التي قد يمرّ فيها الطلاب بحالة من التوتر والقلق، نتيجة ترقبهم لنتائج قد لا تتوافق دائماً مع توقعاتهم وطموحاتهم، وقد ينعكس هذا الشعور أحياناً على حالتهم النفسية، خاصة مع طول فترة الانتظار وما يرافقها من تفكير مستمر بالنتيجة، في وقت يشير فيه مختصون إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه المحيط الأسري في دعم الطلاب خلال هذه المرحلة.

اقرأ المزيد
٦ يوليو ٢٠٢٦
تراجع اللعب والحوار الأسري وانعكاساته على النمو النفسي والسلوكي لدى الطفل

في ظل تزايد المسؤوليات الملقاة على عاتق الأهل، تتراجع لدى بعض الأطفال مساحات اللعب والحوار، ما ينعكس على مجموعة من الخصائص النفسية والسلوكية، مثل ضعف التعبير عن المشاعر، وازدياد القلق والتشتت، وصعوبات التكيف مع المحيط الاجتماعي، ومع غياب هذه المساحات التشاركية، قد يلجأ الطفل إلى بدائل أقل توازناً، الأمر الذي يؤثر على نموه الانفعالي وتكوينه الداخلي، ويجعل الحاجة إلى استعادة التفاعل الأسري أكثر إلحاحاً.

في هذا السياق، قال بيرم جمعة، الأخصائي النفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنّه في زحمة انشغالاتنا اليومية وإيقاع الحياة المتسارع، قد تتراجع مساحات الحوار واللعب العفوي مع أطفالنا لصالح مهام تبدو أكثر إلحاحاً، مضيفاً أن الحقيقة تؤكد أن اللعب ليس وسيلة لملء وقت فراغ الطفل فحسب، وإنما لغته الأولى ومختبره النفسي والذهني الأهم.

 وأشار إلى أنه عبر اللعب المشترك والحر، يصوغ الطفل روايته الداخلية، ويتعلم كيف يفكك طلاسم العالم، ويعبر عن انفعالاته ورغباته في بيئة آمنة، مؤكداً أن تهميش هذه اللحظات التشاركية تحت وطأة الضغوط، يُفقد الطفل مرونته النفسية التي تؤسس لثقته بنفسه ولنجاحه الاجتماعي والتعليمي.

 وبيّن أن استعادة وقت اللعب والحوار ليست رفاهية تربوية، بل هي استثمار عميق في تشكيل هوية الطفل وتوازنه الداخلي، ولفت إلى أنه في كل لحظة يبتكر فيها الطفل سيناريو خيالياً أو يلعب بحرية، هو في الواقع يبني دعائم شخصيته القادرة على مواجهة تحديات الحياة بثبات.

وذكر، في إجابته عن سؤال حول كيف تنعكس قلة تفاعل الأهل مع أطفالهم، خاصة في جانب اللعب والحوار، على الحالة النفسية للطفل، أن حين يغيب تفاعل الأهل، يفقد الطفل "المرآة النفسية" التي يرى من خلالها قيمته وأمانه، وتحدث عن أن غياب اللعب والحوار المشترك لا يعني فقط فراغاً في الوقت، بل يعني حرمان الدماغ من تفاعلات حركية وانفعالية واجتماعية تشبه التغذية العصبية، وأوضح أن التواصل المتناغم يوفر بيئة كيميائية مثالية لبناء مسارات عصبية جديدة تساعد الطفل على تنظيم انفعالاته.

وأكد أن في غياب هذا التفاعل، تزداد مستويات الإثارة الانفعالية السلبية، وشدد على أن الطفل قد يدخل في حالة دفاع أو هروب مستمرة نتيجة شعوره المكتوم بالتهديد أو الإهمال، وأفاد بأن ذلك يترجم لاحقاً على شكل تشتت، نشاط زائد، وصعوبة في التكيف، وهي أعراض قد تُشخَّص خطأً في المدارس على أنها اضطرابات سلوكية، بينما هي في عمقها نداء استغاثة انفعالي.

وقال، في معرض إجابته عن سؤال حول ما أهمية اللعب المشترك بين الأهل والطفل في بناء شخصية الطفل وتعزيز ثقته بنفسه، إن اللعب المشترك ليس مجرد وسيلة تسلية، بل هو الفضاء الآمن الذي يصوغ من خلاله الطفل روايته النفسية الأولى عن نفسه وعن العالم، وأضاف أنه حين يشارك الأهل طفلهم اللعب دون تقييد أو تصحيح مستمر، يمنحونه إحساساً أصيلاً بالمقدرة والسيطرة، فيشعر أن أفكاره وخياله ذوا قيمة.

وأشار إلى أن هذه التجربة التشاركية تتيح للطفل تقمص أدوار متعددة وإعادة تمثيل الأحداث التي يمر بها، وبيّن أن ذلك يمنحه بذور "التنظيم الداخلي للهوية"، ويرفع كفاءته في فهم العلاقات الاجتماعية والتنبؤ بها، مما ينعكس بشكل مباشر على ثقته بنفسه وقدرته على المبادرة في البيئات الخارجية كالمدرسة والمجتمع.

ونوّه، في إجابته عن سؤال حول إلى أي مدى يسهم الحوار اليومي مع الطفل في تنمية قدرته على التعبير عن مشاعره والتعامل مع مشكلاته، إلى أن الحوار اليومي هو الحاضنة الأساسية لتطوير ما نسميه بـ الاستبصار والوعي الانفعالي وهو قدرة الطفل على فهم حالته الذهنية، وإدراك مشاعره الداخلية، واستيعاب دوافع من حوله، ولفت إلى أن الأطفال غالباً ما يملكون قدرة محدودة على التعبير اللفظي المباشر عن مخاوفهم أو تجاربهم المؤلمة.

وذكر أن دور الحوار المبني على الاستماع والتقبل يساعدهم على تفكيك التناقضات الانفعالية، وتحدث عن أنه عندما يجد الطفل مساحة للحوار يقل فيها الكبت والاستبعاد، يتكامل لديه الجانب الفكري مع الجانب العاطفي، فيتعلم كيف يضع الكلمات المناسبة لمشاعره بدلاً من تفريغها عبر سلوكيات عنيفة أو انسحابية، مما يبني لديه مرونة نفسية عالية في مواجهة مشكلات الحياة.

وأوضح، في إجابته عن سؤال حول ما أبرز الآثار السلبية التي قد تظهر على الأطفال نتيجة انشغال الأهل المستمر عنهم، أن أبرز الأخطار تكمن في لجوء الأطفال إلى "البدائل التكنولوجية" لتعويض الفراغ العاطفي والتفاعلي، وأضاف أن الإدمان الإلكتروني يزداد بشكل ملحوظ كلما تضيقت مساحات التعبير الحر والآمن في محيط الطفل.

وأكد أن الانشغال المستمر يضعف قدرة الطفل على "التكامل الذهني والعاطفي"، وشدد على أن ذلك يؤدي إلى تراكم التوترات وصعوبة في تنظيم الانفعالات، وأفاد بأن هذه الحالة تظهر على شكل قلق، ضعف في التركيز والمثابرة، وتراجع في المهارات الاجتماعية والتعاونية، فضلاً عن نشوء تصورات سلبية لدى الطفل حول موقعه في العالم ومدى تقبل المحيطين به له.

وقال، في معرض إجابته عن سؤال حول في ظل ضغوط الحياة اليومية، ما النصائح التي يمكن تقديمها للأهل للحفاظ على تواصل فعّال مع أطفالهم، إن التركيز على جودة الوقت لا مدته: ليس المطلوب التفرغ التام، بل تخصيص مساحة ولو قصيرة يومياً تكون خالية تماماً من المشتتات والتقييم، مساحة نمنح فيها الطفل "حق اللعب بحرية وكرامة".

وأشار إلى الاستثمار في البيئة الطبيعية والمفتوحة: الخروج مع الطفل إلى الطبيعة أو مساحات مفتوحة يتيح استكشافاً تلقائياً عالي القيمة النفسية والبيولوجية، وبيّن أنه يقلل من مستويات التوتر لدى الأهل والطفل معاً، ولفت إلى الابتعاد عن دور "الموجه الدائم": أثناء اللعب أو التحدث مع الطفل، يجب تجنب ربط النشاط بالثواب والعقاب، أو إقرانه بتوقعات صارمة، وترك القيادة للطفل ليعبر عن ذاته بعفوية.

وذكر، في إجابته عن سؤال حول كيف يمكن للأهل تحقيق توازن بين متطلبات الحياة واحتياجات أطفالهم النفسية والعاطفية، أن التوازن يبدأ من إدراك أن الاستثمار الانفعالي داخل الأسرة هو مسؤولية مشتركة تبدأ بين الزوجين، وتحدث عن أنه ليس عبئاً إضافياً بل هو "أداة وقائية" تحمي الموارد النفسية للعائلة حتى في ظل الأزمات المادية أو ضغوط العمل.

وأوضح أنه يمكن تحقيق هذا التوازن عبر بناء روتين يومي مرن يدمج الأنشطة الطبيعية والحوار في تفاصيل الحياة اليومية (مثل مشاركة الأبناء في تفاصيل بسيطة كإعداد الطعام أو الحديث العفوي قبل النوم)، وأكد أنه عندما يفهم الأهل أن اللعب الحر والتواصل ليس سلعاً تُشترى بكثرة الألعاب بل هي مناخ نفسي يُصنع بالتلقائية والقبول، يصبح من السهل إيجاد هذا التوازن دون الشعور بالذنب أو الضغط الإضافي.

وشدد على أن مراجعة علمية شاملة أجرتها 4 جامعات بريطانية تكشف أن التعرض المتعمد للشاشات قبل عامين قد يضعف الترابط مع الوالدين، ويؤخر اكتساب اللغة، ويزيد اضطرابات النوم والسمنة، وأفاد أنه رغم عدم إثبات علاقة سببية مباشرة دعا الباحثون لمراجعة عاجلة للسياسات الحالية.

يرتبط التفاعل الأسري، ولا سيما في مجالي اللعب والحوار، بجملة من الجوانب النفسية والسلوكية لدى الطفل، كما تُطرح هذه المساحات التشاركية ضمن البيئة المرتبطة بنموه الانفعالي وتكوينه الداخلي، في سياق يمتد فيه ما يجري داخل الأسرة إلى جوانب من شخصية الطفل.

اقرأ المزيد
٦ يوليو ٢٠٢٦
العنف الأسري في المجتمع السوري: ما الذي يدفع إلى الصمت؟

تواجه بعض النساء في المجتمع السوري أشكالاً متعددة من العنف الأسري، في ظل تداخل عوامل اجتماعية وثقافية ونفسية، ما ينعكس على أساليب التعامل مع هذه القضايا داخل الأسرة، ومع استمرار بعض الممارسات المرتبطة بالصمت أو التستر، تبرز تساؤلات حول الأسباب التي تدفع إلى ذلك، ومدى تأثيره على الضحية، إلى جانب دور المفاهيم السائدة في تكريس هذه الظاهرة أو الحد منها.

أسباب الصمت داخل الأسرة: بين الضغوط الاجتماعية والخوف

في هذا السياق، قالت سُميّة محمد عبد الفتّاح، اختصاصية نفسية ومحاضِرة في قسم الإرشاد النفسي بجامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأسباب التي تدفع بعض العائلات إلى إجبار المرأة على الصمت تجاه العنف الذي تتعرض له، سواء من قبل الزوج أو أحد أفراد الأسرة، ترتبط من منظور نفسي بمنظومة معقدة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية، مشيرةً إلى أن الصمت على العنف لا يعني الرضا به. 

وأضافت أن بعض الأسر تخشى الوصمة الاجتماعية أو انهيار صورة الأسرة أمام الآخرين، وتعتقد أن الحفاظ على "سمعة العائلة" بدلاً من حماية الضحية هو الحل الأكثر صحة، كما بينت أن بعض النساء يعانين من الخوف من تصاعد العنف إذا أبلغن عنه، أو من فقدان الدعم المادي، أو من حرمانهن من الأطفال، أو من التعرض للوم بدلاً من الحصول على المساندة، وبالتالي غياب الأمان العاطفي لديهن.

وأشارت إلى أن الخصوصية الأسرية قيمة مهمة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لانتهاك الحقوق أو إيذاء الإنسان وإهانة كرامته، لاسيما عندما يصل الأمر إلى العنف الجسدي أو النفسي أو الجنسي أو الاقتصادي، إذ إن القضية لم تعد شأناً خاصاً، بل أصبحت تمس سلامة الإنسان وكرامته وصحته النفسية والجسدية. 

ولفتت إلى أنه من الناحية النفسية والاجتماعية، فإن استمرار الصمت يسمح باستمرار دائرة العنف، ويزيد من حدته مع مرور الوقت، ومع استمرار التعنيف قد تصل المرأة إلى حالة تُعرف في علم النفس بـ"العجز المتعلَّم"، حيث تشعر بأن محاولاتها لحماية نفسها لن تغير الواقع، فتفقد الإحساس بالقدرة على المواجهة، ويصبح الصمت بالنسبة إليها وسيلة للبقاء لا دليلاً على القبول، بينما يفتح طلب المساعدة الباب للحماية والعلاج وإيقاف الضرر. 

ونوهت إلى أنه لا يجوز أن تكون عبارة "البيوت أسرار" مبرراً لإخفاء الأذى أو منع الضحية من الوصول إلى الدعم، لاسيما الدعم المهني المرتبط بمعايير السرية والخصوصية، كما تحدثت الاختصاصية سمية عن دور العادات والتقاليد في هذا السياق، موضحةً أن بعض المعتقدات الاجتماعية الموروثة قد تمنح العنف شرعية غير مباشرة عندما تخلط بين القوامة أو السلطة وبين السيطرة والإيذاء.

وأكدت أن الخوف من كلام الناس أو من الوصمة قد يدفع الأسرة إلى مطالبة المرأة بالصبر، حتى وإن كان ذلك على حساب صحتها وسلامتها وأمانها، وذكرت أن الدراسات النفسية تشير إلى أن تطبيع العنف داخل الأسرة يؤدي إلى انتقاله عبر الأجيال، فالطفل الذي ينشأ في بيئة يعتبر فيها الضرب أو الإهانة وسيلة طبيعية لحل الخلافات قد يعيد إنتاج هذا السلوك مستقبلاً، سواء كمعنّف أو ضحية، مشددةً على أن جميع الأديان والقيم الإنسانية قامت على الرحمة والعدل وصون الكرامة، ولم تجعل العنف وسيلة للتربية أو لإدارة الحياة الزوجية والأسرية.

الآثار النفسية للعنف الأسري: تداعيات تمتد لسنوات

وبينت أن العنف الأسري يُعد من أكثر التجارب الصادمة التي تؤثر على الصحة النفسية للمرأة، إذ تمتد آثاره إلى الجوانب الانفعالية والمعرفية والسلوكية والاجتماعية، وقد تستمر لفترات طويلة حتى بعد توقف العنف، وأفادت بأن الأدبيات النفسية تشير إلى أن شدة هذه الآثار تتأثر بنوع العنف ومدته وتكراره، إضافة إلى مستوى الدعم الاجتماعي الذي تتلقاه المرأة أو مدى غيابه عنها.

وأوضحت أن من أبرز هذه التداعيات الاكتئاب، حيث يُعد من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً لدى النساء المعرضات للعنف الأسري، ويتجلى في الحزن المستمر، وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، والشعور باليأس، وانخفاض الدافعية، واضطرابات في النوم تشمل الأرق والكوابيس، وصعوبة التركيز، مما ينعكس على مختلف جوانب حياتها، وقد يؤدي إلى أفكار انتحارية أو إيذاء الذات في الحالات الشديدة. 

وأضافت أن اضطرابات القلق من بين الآثار الشائعة أيضاً، وتشمل القلق المعمم، ونوبات الهلع، والخوف المستمر، والتوتر المفرط، والشعور بعدم الأمان، والترقب الدائم لحدوث اعتداء جديد، وأشارت إلى اضطراب ما بعد الصدمة، موضحةً أنه يتمثل في استرجاع متكرر للأحداث المؤلمة، والكوابيس، وتجنب المواقف المرتبطة بالعنف، وفرط اليقظة والاستثارة الانفعالية.

ولفتت إلى أن العنف المتكرر يؤدي كذلك إلى انخفاض تقدير الذات، وتكوين صورة سلبية عنها، والشعور بالدونية، وفقدان الثقة بالنفس والقدرات الشخصية، إذ تميل بعض النساء إلى تحميل أنفسهن مسؤولية ما تعرضن له نتيجة الضغوط الاجتماعية أو التلاعب النفسي من قبل المعنّف، مما يزيد من معاناتهن النفسية. 

ونوهت إلى إمكانية تشكل حالة من "العجز المتعلَّم"، حيث تصل المرأة إلى مرحلة تعتقد فيها أن محاولات تغيير واقعها أو طلب المساعدة غير مجدية، فتستسلم للعنف وتفقد الشعور بالقدرة على السيطرة على حياتها، وتابعت أن من الآثار أيضاً العزلة الاجتماعية، حيث تنسحب المرأة من محيطها الاجتماعي، وتقل مشاركتها في الأنشطة بسبب الخوف أو الشعور بالخجل أو نتيجة سيطرة المعتدي، إضافة إلى انخفاض جودة الحياة والرفاه النفسي، وتأثر قدرتها على التكيف وإقامة علاقات صحية وتحقيق الشعور بالأمان والرضا عن الحياة.

وأكدت أن الحد من العنف الأسري يتطلب اتباع نهج متكامل يجمع بين الجوانب النفسية والاجتماعية والقانونية، ويتطلب اعتماد مجموعة من الآليات الوقائية والعلاجية التي تستند إلى مبادئ علم النفس والإرشاد الأسري، وشددت على أنه من الناحية النفسية، يسهم تعزيز الوعي بمهارات التواصل الفعّال، وتنظيم الانفعالات، وإدارة الغضب، وحل النزاعات بصورة بنّاءة في تقليل السلوكيات العنيفة داخل الأسرة، كما يؤدي تقديم خدمات الإرشاد والعلاج النفسي للأفراد والأسر إلى معالجة المشكلات النفسية والسلوكية التي قد تزيد من احتمالية وقوع العنف.

وبيّنت أنه من الناحية الاجتماعية، تساهم برامج التوعية، وتعزيز ثقافة الاحترام المتبادل، ودعم الأسرة في تخفيف العنف بكافة أشكاله، وأوضحت أنه من الناحية القانونية، فإن تطبيق القوانين الرادعة وتوفير آليات فعّالة للإبلاغ عن حالات العنف، وضمان حماية الضحايا، تُعد إجراءات ضرورية للحد من هذه الظاهرة. 

كما أشارت إلى أن التعاون بين المؤسسات الصحية والنفسية والاجتماعية والتعليمية والقضائية يمثل عنصراً أساسياً في الوقاية من العنف الأسري والحد من آثاره على الأفراد والأسرة والمجتمع.

يرتبط التعامل مع العنف الأسري بجملة من العوامل المتداخلة ذات الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية، في ظل استمرار النقاش حول حدود الخصوصية الأسرية ودورها في مثل هذه الحالات، مع تباين المقاربات المطروحة للتعامل معها.

اقرأ المزيد
٥ يوليو ٢٠٢٦
التهيئة المبكرة لطلاب الشهادات… خطوات نحو عام دراسي أفضل

مع انقضاء العام الدراسي وبداية العطلة الصيفية، يقضي الطلاب هذه الفترة بين الراحة واستعادة النشاط بعد عام دراسي طويل، في وقت يستعد فيه عدد منهم للانتقال إلى مراحل مفصلية، مثل صف الشهادة الثانوية (البكالوريا) أو شهادة التعليم الأساسي (التاسع)، وهما من أبرز المحطات التعليمية وأكثرها أهمية في المسار الدراسي.


لذلك يوصي عدد من المعلمين بضرورة استثمار العطلة بشكل متوازن، عبر البدء بتهيئة بسيطة ومتدرجة تسبق انطلاق العام الدراسي، بما يساعد طلاب هاتين المرحلتين على الدخول في أجواء الدراسة دون ضغط مفاجئ، ويتيح لهم فرصة لمعالجة نقاط الضعف وتعزيز المهارات الأساسية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على مستواهم خلال العام الدراسي.


في هذا السياق، قال الأستاذ محمد عساف، مدرس مادة اللغة الإنجليزية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التهيئة المبكرة لطلاب الشهادات لا تندرج ضمن إطار السعي لتحصيل علامات أعلى فحسب، بل تمثل عملية ضبط للمسار النفسي والذهني للتعامل مع عام دراسي استثنائي، موضحاً أن أهميتها تكمن في كسر حاجز الرهبة عبر إزالة الغموض المحيط بـ"سنة الشهادة" وتحويلها في ذهن الطالب من "عقبة مخيفة" إلى "مرحلة دراسية منظمة".


وأضاف عساف أن هذه التهيئة تسهم في تنظيم الإيقاع الحيوي للطالب، من خلال الانتقال التدريجي من العشوائية المرتبطة بالعطلة الصيفية إلى حالة من الانضباط، الأمر الذي يجنّب الطلاب ما وصفه بـ"الصدمة الزمنية والنفسية" التي قد تظهر في الأسبوع الأول من الدوام.


وأشار إلى أن التهيئة المبكرة تتيح كذلك فرصة لترميم الفجوات التعليمية، ولا سيما في المهارات التأسيسية المرتبطة باللغات والرياضيات، والتي تُبنى عليها المناهج الجديدة، ما يجعل هذه المرحلة فرصة ذهبية لإعادة تثبيت الأساسيات.


ونوه عساف، في معرض حديثه عن بدء دراسة المنهاج خلال العطلة، إلى أن القاعدة التربوية في هذا السياق تقوم على مبدأ "الاستكشاف الذكي لا الاستنزاف المبكر"، مبيناً أنه يُنصح الطلاب بالتعرّف على المنهاج واستكشافه دون التوغل في حفظه أو دراسته بشكل مكثف.


وبين أن هذا التعرف، من خلال تصفح العناوين ومعرفة توزيع الوحدات وقراءة النصوص العامة، يمنح العقل ما سماه "خريطة ذهنية" مريحة، تساعد الطالب على الشعور بالألفة عند شرح الدروس لاحقاً داخل الصف.


ولفت إلى أن البدء بالدراسة المكثفة خلال العطلة قد يؤدي إلى نتائج سلبية، من بينها الفهم الخاطئ لبعض المفاهيم نتيجة غياب التوجيه التربوي، أو وصول الطالب إلى منتصف العام وهو يعاني من "الإنهاك النفسي" وفقدان الشغف.


وذكر عساف أنه من الضروري التفريق بين التهيئة المسبقة والدراسة المبكرة المكثفة لضمان سير العملية التعليمية بشكل سليم، موضحاً أن التهيئة تهدف إلى بناء الأساسيات وتنظيم الوقت وتحضير الذهن، في حين تسعى الدراسة المكثفة إلى إنهاء الفصول والوحدات بشكل مبكر.


وتحدث عن الفارق في الجهد المبذول بين الحالتين، حيث تعتمد التهيئة على جهد خفيف إلى متوسط قائم على الذكاء، بينما تتطلب الدراسة المكثفة جهداً عالياً وساعات طويلة في غير وقتها الطبيعي.


وأوضح أن الأثر النفسي لكل منهما يختلف بشكل واضح، إذ تمنح التهيئة المسبقة الطمأنينة وتعزز الثقة بالنفس، في حين تخلق الدراسة المكثفة ضغطاً مبكراً وتزيد من مستويات القلق والملل لدى الطالب.


وأكد عساف أن الحالة النفسية تمثل الوقود الحقيقي لطلاب الشهادات، مشدداً على أهمية الاستعداد النفسي دون خلق ضغط مبكر، وذلك من خلال تفكيك ما وصفه بالمألوف السلبي، كالتوقف عن الاستماع لقصص الفشل أو تضخيم صعوبات التجارب السابقة.


وشدد على ضرورة تركيز الطالب على المجهود بدلاً من النتيجة، عبر ترسيخ قناعة أن النجاح هو عملية تراكمية يومية، وليس حدثاً مفاجئاً في نهاية العام الدراسي.


وأفاد بأن الحفاظ على مساحة للترويح عن النفس يُعد جزءاً أساسياً من الاستعداد النفسي، موضحاً أن ذلك لا يعني حرمان الطالب من هواياته، بل يتطلب جدولة أوقات للراحة والرياضة ضمن خطة متوازنة تساعد على امتصاص القلق.


وأشار عساف إلى أن محاولات الاستعداد المبكر قد تتحول أحياناً إلى عوائق نتيجة بعض الأخطاء الشائعة، سواء من جانب الأهالي أو الطلاب، لافتاً إلى أن الضغط والمقارنة من قبل الأهل قد يحولان المنزل إلى ما يشبه "ثكنة عسكرية"، ويؤديان إلى شحن الطالب بضغط سلبي مدمر.


وأضاف أن بعض الطلاب يقعون في خطأ "البدايات المحرقة"، من خلال الاندفاع لدراسة طويلة تصل إلى 8 أو 10 ساعات يومياً خلال العطلة الصيفية، ما يؤدي إلى استنزاف طاقتهم قبل بدء العام الدراسي فعلياً.


ونوه إلى أن تعدد المصادر التعليمية، بين كتب خارجية ومدرسين ونوطات مختلفة، قبل بداية العام، يسبب تشوشاً في التلقي ويشتت تركيز الطالب.


وبين عساف أن بناء العادات الدراسية لا يتم بشكل مفاجئ، بل يحتاج إلى تدرج مدروس، يبدأ بتنظيم النوم كخطوة أساسية، من خلال تعديل الساعة البيولوجية تدريجياً لتتوافق مع متطلبات العام الدراسي.


ولفت إلى ما يُعرف بقاعدة الـ 20 دقيقة، من خلال البدء بالقراءة أو المراجعة لمدة تتراوح بين 20 و30 دقيقة يومياً فقط، ثم زيادتها بمعدل ربع ساعة أسبوعياً، بهدف تعويد العقل على التركيز لفترات أطول بشكل تدريجي.


وأشار إلى أهمية تهيئة مكان الدراسة، عبر تخصيص ركن هادئ وثابت داخل المنزل، بعيداً عن المشتتات والسرير، بحيث يرتبط هذا المكان في العقل الباطن بحالة التركيز والإنتاجية.


يظل التعامل مع فترة العطلة الصيفية واستثمارها بين الراحة والاستعداد الدراسي أحد العوامل التي تختلف من طالب لآخر، تبعاً لظروفه واحتياجاته التعليمية، في وقت تتنوع فيه الآراء التربوية حول أفضل السبل للتهيئة للعام الدراسي المقبل، خاصة طلاب التاسع والبكالوريا.

اقرأ المزيد
٥ يوليو ٢٠٢٦
هدم مبنى بلدية القامشلي التاريخي يشعل موجة غضب واسعة ويثير جدلاً حول مصير ذاكرة المدينة

تحول مبنى بلدية القامشلي التاريخي في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، إلى محور جدل واسع بعد مباشرة الآليات الهندسية التابعة لميليشيا "قوات سوريا الديمقراطية" "قسد"، أعمال هدم المبنى الذي يعد من أقدم المعالم الإدارية والعمرانية في المدينة، وسط اعتراضات شعبية وحقوقية وسياسية اعتبرت الخطوة استهدافاً لذاكرة القامشلي وتراثها التاريخي.

وبدأت أعمال الهدم مطلع شهر تموز/ يوليو الجاري، بعد معلومات متداولة تحدثت عن بيع الموقع لمستثمر مقرب من قيادات ميليشيا "قسد" بهدف إقامة مشروع تجاري في مكانه، الأمر الذي أثار استياءً واسعاً بين الأهالي والناشطين والمهتمين بالتراث العمراني.

ويعود تاريخ المبنى إلى عام 1935، حيث شيد خلال فترة الانتداب الفرنسي على سوريا، وشكل على مدى عقود أحد أبرز رموز الإدارة المحلية في المدينة، كما ارتبط بمراحل تأسيس القامشلي وتطورها العمراني والخدمي.

من لوحة تاريخية إلى جرافات الهدم

قبل أيام قليلة من بدء أعمال الإزالة التي بدأت بها "قسد" أعادت أعمال ترميم وتجديد واجهة المبنى تسليط الضوء على تاريخه، بعدما كشف عن لوحة حجرية قديمة كانت مخفية خلف واجهة حديثة أضيفت في سنوات لاحقة.

وتحمل اللوحة عبارة "دار بلدية القامشلية 1935" باللغة العربية، فيما تعلوها كلمة "MAIRIE" باللغة الفرنسية، في إشارة إلى فترة الانتداب الفرنسي وأثار ظهور اللوحة اهتماماً واسعاً بين أبناء المدينة والباحثين في تاريخ المنطقة، باعتبارها شاهداً مادياً على المراحل الأولى من نشأة القامشلي وتطور مؤسساتها الإدارية.

كما اعتبر كثيرون أن اللوحة توثق التسمية التاريخية للمدينة بصيغة "القامشلية"، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشاً واسعاً حول هوية المدينة وتاريخها العمراني، لكن الاحتفاء الشعبي باللوحة لم يدم طويلاً، إذ تحولت القضية خلال أيام إلى ملف ساخن بعد بدء عمليات هدم المبنى بالكامل.

معلومات عن بيع المبنى واستثماره

بحسب معلومات متداولة بين ناشطين في المنطقة الشرقية جرى بيع المبنى مقابل نحو 1.3 مليون دولار لمستثمر مقرب من قيادات ميليشيا "قسد"، تمهيداً لإقامة برج تجاري أو مشروع استثماري في الموقع.

وأثارت هذه المعلومات موجة انتقادات واسعة، خاصة في ظل اعتبار المبنى جزءاً من الممتلكات العامة المرتبطة بتاريخ المدينة، فضلاً عن ارتباطه بذاكرة أجيال متعاقبة من أبناء القامشلي.

كما تداول ناشطون معلومات تفيد بأن أعمال الهدم جاءت بعد فترة وجيزة من إعادة اكتشاف اللوحة التاريخية، وهو ما دفع بعضهم إلى الربط بين الحدثين واعتبار الهدم محاولة لإزالة أحد أبرز الشواهد التاريخية المرتبطة بهوية المدينة.

اتهامات بنقل محتويات البلدية

بالتزامن مع الجدل الدائر حول المبنى، أفادت مصادر محلية بقيام عناصر تابعة لما يعرف بـ"الشبيبة الثورية" المرتبطة بميليشيا "قسد" بنقل محتويات مبنى البلدية ومرآب الشاحنات الواقع قرب دوار الفلاح في حي الكورنيش بالقامشلي.

وبحسب المصادر، شملت العملية معدات وتجهيزات وأثاثاً ومحتويات مختلفة موجودة داخل المبنى والمرافق التابعة له، وسط استياء من الأهالي الذين اعتبروا أن هذه الممتلكات تعود للمصلحة العامة وتخدم سكان المدينة.

وأشارت المصادر إلى أن عمليات النقل جرت خلال ساعات النهار دون صدور توضيحات رسمية بشأن طبيعة المواد المنقولة أو مصيرها، الأمر الذي دفع ناشطين إلى المطالبة بفتح تحقيق للكشف عن ملابسات الحادثة.

منظمات المجتمع المدني تدخل على الخط

مع اتساع الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، أصدرت 21 منظمة من منظمات المجتمع المدني بيان موقف طالبت فيه بوقف إزالة المبنى التاريخي والحفاظ عليه بوصفه جزءاً من الذاكرة العمرانية والهوية البصرية للقامشلي.

وأكد البيان أن الحفاظ على اللوحة التاريخية وحدها لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحفاظ على المبنى نفسه، مشيراً إلى أن البلدية تُعد أحد المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة إلى جانب الأسواق القديمة ومحطة تل زيوان ودور العبادة والمباني التراثية الأخرى، ورأت المنظمات أن أي مشروع تطوير عمراني يجب أن ينطلق من مبدأ حماية المعالم التاريخية وصونها وإعادة تأهيلها دون المساس بطابعها التراثي.

ودعت الجهات المعنية إلى وقف أي إجراءات قد تؤدي إلى إزالة المبنى أو تغيير طابعه التاريخي، وإشراك المختصين في التراث العمراني والمؤرخين ومنظمات المجتمع المدني وأهالي المدينة في القرارات المتعلقة بالمعالم التاريخية، كما طالبت بإعداد سجل رسمي للمباني والمعالم التراثية في القامشلي ووضع آليات قانونية تضمن حمايتها مستقبلاً.

وأشار البيان إلى أن اقتراب الذكرى المئوية لتأسيس القامشلي في 20 آب 2026 يجعل من الحفاظ على معالمها التاريخية مسؤولية مضاعفة، مؤكداً أن مئوية المدينة تمثل فرصة لتعزيز التمسك بذاكرتها وتراثها المتنوع.

وضمت قائمة الموقعين على البيان كلاً من: بيل – الأمواج المدنية، مبادرات نسائية، تاء مربوطة، هيز لمساندة مرضى السرطان، مؤسسة جيان لحقوق الإنسان، سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، منظمة Artist للثقافة والتنمية، منظمة روني بيوند، منظمة أحلام صغيرة لدعم وتمكين المرأة، شبكة قائدات السلام، جمعية شاوشكا للمرأة، مؤسسة الصليب السرياني، مؤسسة شار للتنمية، جمعية Yekpar للثقافة والفن، منظمة روز للدعم والتمكين، مؤسسة آشتي، مؤسسة التعاون الإنساني والإنمائي HDC، منظمة مالفا للفنون والثقافة، مؤسسة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة، منظمة وايت هوب، ومؤسسة سمارت للتنمية المجتمعية.

المنظمة الآثورية الديمقراطية: هدم المبنى خسارة للإرث الحضاري

وفي موقف منفصل، أعربت المنظمة الآثورية الديمقراطية في سوريا عن قلقها الشديد من قرار هدم مبنى بلدية القامشلي التاريخي، مؤكدة أنه يمثل أحد أبرز المعالم العمرانية والثقافية في المدينة، واعتبرت المنظمة أن أهمية القضية تتضاعف لكونها تأتي بالتزامن مع الذكرى المئوية الأولى لتأسيس القامشلي، وهي مناسبة كان من المفترض أن تشكل فرصة للحفاظ على المعالم التاريخية والاحتفاء بالإرث الثقافي للمدينة.

وأكدت أن هدم المبنى يمثل خطوة مؤسفة تلحق الضرر بالهوية المعمارية والتاريخية للقامشلي، مشددة على أن حماية المعالم التراثية والثقافية مسؤولية جماعية تقع على عاتق المؤسسات الرسمية والمجتمع المحلي.

وطالبت المنظمة بفتح تحقيق شفاف ومستقل لكشف ملابسات قرار الهدم وآليات تنفيذه، ومحاسبة الجهات المسؤولة عنه وفق الأطر القانونية، داعية القوى المجتمعية والمنظمات الحقوقية وأهالي القامشلي إلى العمل من أجل حماية ما تبقى من المعالم التاريخية والحفاظ على الإرث الثقافي والعمراني للمدينة.

وأكدت في ختام بيانها أن الحفاظ على التراث التاريخي والعمراني هو حفاظ على هوية الشعوب وذاكرتها، وأن القامشلي ستبقى مدينة للتنوع والإرث الحضاري المشترك مهما واجهت من تحديات.

بلدية القامشلي تبرر: المبنى استنفد عمره الافتراضي والهدم جزء من مشروع تطويري

في مواجهة موجة الانتقادات المتصاعدة، أصدرت الرئاسة المشتركة لبلدية قامشلي التابعة لميليشيا "قسد"، بياناً مطولاً ذكرت فيه إن القرار لم يكن آنياً أو غير مدروس، بل جاء نتيجة سنوات من الدراسات والتقييمات الفنية والإدارية، واستند إلى الواقع الإنشائي للمبنى والاحتياجات المتزايدة للمدينة ومبادئ التخطيط العمراني والمصلحة العامة.

وأوضحت أن المبنى شيد عام 1935 خلال فترة الانتداب الفرنسي، عندما كان عدد سكان القامشلي يقارب خمسة آلاف نسمة فقط، في حين يقترب عدد سكان المدينة اليوم من مليون نسمة، الأمر الذي جعل المبنى غير قادر على تلبية الاحتياجات الخدمية والإدارية الحالية.

وحسب البلدية فإن الشركة الفرنسية التي نفذت المبنى أبلغت الحكومة السورية رسمياً عام 2008 بأن المبنى بلغ نهاية عمره الافتراضي من الناحيتين التقنية والاقتصادية، وأكدت أنها لا تتحمل أي مسؤولية عن استمرار استخدامه.

وبحسب البيان، كانت الحكومة السورية قد اتخذت آنذاك قراراً بإنشاء مبنى جديد للخدمات البلدية في موقع آخر، وتم تخصيص أرض للمشروع، إلا أنه لم ينفذ لأسباب مختلفة، ما أدى إلى استمرار الاعتماد على المبنى القديم وإضافة حاويات ومنشآت مؤقتة لتغطية النقص في المساحات الخدمية.

وأشارت البلدية إلى أنها بدأت منذ نيسان 2025 إعداد دراسة شاملة لمشروع مبنى خدمات بلدي جديد، تضمنت استطلاع آراء الجهات الفنية المختصة ودراسة البدائل من منظور التخطيط العمراني وتقييم الاحتياجات الفعلية للمدينة.

وأكدت أن الموقع الحالي لا يسمح بإقامة مجمع بلدي حديث يتناسب مع احتياجات المدينة بسبب محدودية المساحة والكثافة السكانية العالية والازدحام المروري والحاجة المتزايدة إلى مواقف السيارات.

وفيما يتعلق بالمعلومات المتداولة حول بيع العقار، شددت البلدية على أن المشروع لا يعني نقل ملكية أصول البلدية أو بيع العقار، موضحة أن الاتفاقية المبرمة تنص على إنشاء مبنى خدمي حديث للبلدية مع الإبقاء على ملكية العقار والمشروع التجاري للبلدية، وتحويل إيرادات إيجار المشروع إلى البلدية سنوياً بما يوفر مورداً مالياً دائماً لتحسين الخدمات.

الجدل حول الصفة التاريخية للمبنى

ورداً على المطالبات باعتبار المبنى معلماً أثرياً، قالت البلدية إن عمر المبنى وحده لا يمنحه صفة المعلم التاريخي أو الأثري وذكرت أن المعايير الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي تتطلب وجود قيمة تاريخية أو معمارية أو فنية أو اجتماعية استثنائية، إضافة إلى صدور قرارات رسمية تمنحه الحماية القانونية اللازمة.

وأكدت أنه لم يصدر حتى الآن أي قرار رسمي بتسجيل مبنى بلدية قامشلو القديم كمعلم تاريخي أو وضعه تحت الحماية القانونية كما أشارت إلى أنها خاطبت وزارة الثقافة ومديرية حماية الآثار التاريخية في الإدارة الذاتية للاستفسار عن وجود أي مانع قانوني أو أثري يمنع إزالة المبنى، مؤكدة أن الردود الرسمية لم تتضمن أي اعتراض على تنفيذ المشروع.

مصير اللوحة التاريخية

وتطرقت البلدية إلى الجدل الذي أثارته اللوحة التاريخية المكتشفة خلال أعمال الترميم، مؤكدة أنها لم تتعرض لأي ضرر وأنها فُككت وحُفظت بعناية في مكان آمن بإشراف فريق مختص وقالت إن اللوحة ستعاد إلى مكان يليق بها عند الانتهاء من إنشاء مبنى البلدية الجديد، سواء على واجهته الخارجية أو ضمن مرافقه الداخلية، بما يحافظ على قيمتها الرمزية والتاريخية.

اتفاق 29 كانون الثاني والجدل القانوني

كما ردت البلدية على الانتقادات التي اعتبرت أن المشروع يتعارض مع اتفاق 29 كانون الثاني، مؤكدة أن مدينة قامشلو تُدار ضمن إطار الإدارة الذاتية وأن البلديات تعمل وفق القوانين واللوائح النافذة لديها وقالت إن المشروع أعد واعتمد وفق الأصول القانونية المعمول بها، بعد استطلاع آراء الجهات المختصة وموافقة المجلس البلدي.

وأضافت أن اتفاق 29 كانون الثاني ينص على استمرار العقود والمعاملات القانونية الصادرة خلال فترة الإدارة الذاتية، وأن القرارات والعقود المتعلقة بالمشروع دخلت حيز التنفيذ خلال عام 2025، وبالتالي لا يوجد أي التزام قانوني بالحصول على موافقات إضافية من الحكومة السورية الحالية.

واعتبرت البلدية أن إزالة المبنى لا تمثل تجاهلاً للتراث، بل تأتي ضمن مشروع تطويري يهدف إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الذاكرة التاريخية وتطوير البنية الخدمية للمدينة.

القامشلي والبلدية.. قرن من التحولات

تعيد قضية مبنى البلدية إلى الواجهة تاريخ القامشلي الحديث، الذي بدأ عام 1926 مع تأسيس النواة الأولى للمدينة بعد إنشاء الثكنة العسكرية الفرنسية فوق تلة البدن.

وفي 24 أيلول 1926 بدأ تخطيط المدينة الحديثة على الضفة اليمنى لنهر جغجغ وفق مخطط عمراني منتظم وخلال عام 1927 ارتفع عدد سكان القامشلية إلى نحو ثلاثة آلاف نسمة، وفي 25 تموز من العام نفسه صدر القرار رقم 698 القاضي بإحداث بلدية القامشلية إلى جانب بلديتي رأس العين وعامودا.

وتولى عبد الرزاق آغا آل كوزي رئاسة البلدية الأولى، حيث شهدت المدينة أعمال ردم المستنقعات وتعبيد بعض الطرق وإنشاء حديقة عامة وتحسين الخدمات الأساسية وفي عام 1928 توسعت الحركة التجارية في المدينة ووصل عدد المحال التجارية إلى نحو 450 محلاً، بالتزامن مع إنشاء أول مدرسة وأول محكمة وأول مسجد وأول كنيسة.

وخلال الفترة الممتدة بين 1930 و1940 تولى ميشيل دوم رئاسة البلدية، وشهدت المدينة مزيداً من التوسع العمراني والإداري وفي عام 1935 أُعيد بناء مبنى البلدية الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز معالم القامشلي، بالتزامن مع توسع شبكة الخدمات وربط المدينة بخطوط السكك الحديدية.

وبحلول عام 1937 صُنفت القامشلي رسمياً ضمن المدن الكبرى بعد تجاوز عدد سكانها عشرة آلاف نسمة، قبل أن تدخل الكهرباء إليها عام 1939 وبقي مبنى البلدية طوال العقود التالية شاهداً على التحولات السياسية والاجتماعية والعمرانية التي مرت بها المدينة، إلى أن بدأت عمليات هدمه مطلع تموز 2026.

معركة على الذاكرة والهوية

تحولت قضية مبنى بلدية القامشلي من ملف خدمي وعمراني إلى قضية رأي عام شغلت الأوساط الشعبية والسياسية والحقوقية في محافظة الحسكة وخارجها فبينما تزعم بلدية القامشلي أن قرار الإزالة يستند إلى اعتبارات فنية وقانونية وتخطيطية تهدف إلى تطوير الخدمات العامة، يرى معارضو القرار أن ما جرى يمثل خسارة لأحد أهم الشواهد العمرانية المرتبطة بتاريخ المدينة وذاكرتها الجماعية.

ومع استمرار الجدل، تبرز القضية بوصفها نموذجاً للصراع القائم بين متطلبات التحديث العمراني من جهة، والحفاظ على التراث والهوية التاريخية من جهة أخرى، في مدينة تستعد للاحتفال بمرور مئة عام على تأسيسها، بينما يختفي أحد أبرز معالمها التاريخية تحت أنقاض الجرافات.

الفريق الرئاسي: اعتداء على معلم تاريخي وأي تصرف بالأملاك العامة لا يترتب عليه أثر قانوني

دخلت القضية مرحلة جديدة بعد صدور موقف رسمي من الفريق الرئاسي المكلّف بمتابعة تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني مع ميليشيا "قسد"، حيث أكد المتحدث باسم الفريق أحمد الهلالي أن الفريق يتابع ما جرى من هدم لمبنى البلدية الأثري في القامشلي من قبل ما يسمى بـ"الإدارة الذاتية".

واعتبر الهلالي أن الخطوة تمثل اعتداءً على أحد المعالم التاريخية والعمرانية للمدينة، وإضراراً بالإرث الحضاري الذي يشكل جزءاً من ذاكرة أبناء محافظة الحسكة، وأكد أن الأملاك العامة والأبنية الحكومية هي ملك لجميع السوريين، ولا يجوز التصرف بها أو تغيير واقعها أو توصيفها القانوني والإداري أو إجراء أي تعديلات عليها خارج الأطر القانونية ومؤسسات الدولة المختصة.

وشدد على أن أي إجراءات أو تصرفات تتم بهذا الشأن لا يترتب عليها أي آثار قانونية، وأن جميع هذه الملفات ستخضع للمراجعة والمعالجة وفق القوانين والأنظمة النافذة، ودعا الفريق الرئاسي المؤسسات والجهات التابعة لميليشيا "قسد" التي لم تستكمل إجراءات الاندماج إلى التوقف الفوري عن أي تصرفات تتعلق بالأملاك العامة أو الأبنية الحكومية، وعدم فرض وقائع جديدة على الأرض.

كما دعا المواطنين والمستثمرين إلى عدم الدخول في أي استثمارات أو تعاقدات تتعلق بالأملاك العامة خارج الأطر القانونية، محذراً من التعويل على إجراءات وصفها بغير المشروعة، ومؤكداً أن جميع الملفات ستعود إلى مسارها القانوني الصحيح.

غضب سياسي وبرلماني

أثارت عملية الهدم ردود فعل واسعة بين الشخصيات السياسية والبرلمانية في محافظة الحسكة، وأكد عضو مجلس الشعب إبراهيم الحبش أن قيام ميليشيا "قسد" بهدم مبنى بلدية القامشلي الأثري المشيد عام 1935 بهدف استثماره كمشروع تجاري يشكل انتهاكاً واضحاً للممتلكات العامة واعتداءً على أحد أبرز المعالم التاريخية في المدينة.

وقال إن الحفاظ على إرث المدن هو أساس بنائها واستمرار هويتها، محذراً من أن طمس هذه المعالم لا يمكن تبريره تحت أي ظرف لما له من أثر مباشر على ذاكرة أبناء القامشلي وتاريخ المنطقة، ودعا إلى الوقف الفوري لأعمال الهدم وفتح تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين عنها والعمل على حماية ما تبقى من المواقع التاريخية في المدينة.

كما أدان عضو مجلس الشعب عن محافظة الحسكة الدكتور علوان العلي هدم المبنى التاريخي الذي يعود إلى السنوات الأولى من تأسيس المدينة، معتبراً أن الحفاظ على المعالم التاريخية يمثل جزءاً من الحفاظ على هوية القامشلي وتاريخها.

بدوره أكد عضو مجلس الشعب إبراهيم مصطفى العلي أن هدم المبنى الأثري المشيد عام 1935 بهدف إقامة مشروع تجاري يمثل انتهاكاً صارخاً للممتلكات العامة وتعدياً على أحد المعالم التاريخية التي تشكل جزءاً من ذاكرة أبناء القامشلي.

وأضاف أن المدن تُبنى بالحفاظ على إرثها لا بطمس معالمها، داعياً إلى الوقف الفوري لأعمال الهدم وفتح تحقيق ومحاسبة المسؤولين عنها.

عبد الله الفارس: من يملك حق بيع ذاكرة مدينة؟

من جانبه أعرب الدكتور عبد الله الفارس عن استنكاره الشديد لعملية هدم مبنى بلدية القامشلي التاريخي، معتبراً أن القضية لا تتعلق بإزالة بناء قديم فحسب، بل تمس ذاكرة المدينة وإرثها التاريخي، وتساءل الفارس عن الجهة التي منحت حق التصرف بالمبنى التاريخي، ومن وفر الغطاء السياسي والقانوني لاتخاذ مثل هذا القرار.

وأضاف أن القضية تتجاوز الجوانب الإدارية والقانونية لتطرح تساؤلات جوهرية حول المسؤولية عن التفريط بمعلم تاريخي ارتبط بتاريخ المدينة لعقود طويلة، معتبراً أن التصرف بذاكرة مدينة وكأنها سلعة قابلة للبيع والشراء يشكل مساساً بالإرث الحضاري المشترك لأبناء القامشلي.

عبد العزيز الخليفة: لا يمكن القبول ببيع مرافق الدولة

ورأى الناشط عبد العزيز الخليفة أن حادثة الهدم جاءت بعد أيام فقط من احتفاء أبناء الحسكة بظهور اسم "القامشلية" على مبنى البلدية التاريخي، وقال إن من غير المعقول القبول بالنهج الذي تتبعه إدارة "قسد" في بيع أو تأجير مرافق الدولة لمستثمرين مقربين منها دون وجود مسار شفاف وقبل استكمال عملية الاندماج.

نوار رهاوي: محاولة جديدة لاستهداف هوية المكان

أما مدير مديرية إعلام الحسكة نوار رهاوي فاعتبر أن هدم المبنى جاء بعد أيام من انتشار صورة واجهة بلدية القامشلية التاريخية التي أعادت التذكير بجذور المدينة وهويتها، وقال إن الاحتفاء لم يكن بحجر أو بناء فقط، بل بذاكرة مدينة رفضت أن تُقتلع من تاريخها.

وأضاف أن منح المبنى لمستثمر مقرب من "قسد" لا يمكن فصله عن سلسلة استهداف معالم المنطقة، معتبراً أن تغيير العناوين من العمليات العسكرية إلى الاستثمار لا يغيّر الهدف المتمثل في محو الشواهد التاريخية وتغيير هوية المكان، وأكد أن تاريخ القامشلية لا يمكن هدمه بالجرافات وأن هوية أبنائها لا تُمحى بعقود الاستثمار.

مهند الكاطع: رسالة سياسية وثقافية خطيرة

واعتبر الباحث مهند الكاطع أن هدم دار بلدية القامشلية التاريخي يحمل رسالة سياسية وثقافية خطيرة، ويثبت - بحسب وصفه - فشل فكرة الاندماج التي جرى الترويج لها خلال الأشهر الماضية، وتساءل عن دور مؤسسات الدولة في مواجهة ما وصفه بتغوّل الميليشيات على مؤسسات الدولة والاعتداء على اختصاصاتها، مشيراً إلى أن استمرار مثل هذه الممارسات يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الدولة و"قسد".

حسين شعبو: الاعتداء على الذاكرة لا تعالجه بيانات الاستنكار

من جهته قال الصحفي حسين شعبو إن التباكي على الأطلال وبيانات الاستنكار لن تعيد ما هُدم، واعتبر أن ما جرى بحق مبنى بلدية القامشلي التاريخي ليس مجرد هدم لبناء قديم، بل اعتداء على ذاكرة مدينة ومعلم ارتبط بتاريخها وهويتها، وأضاف أن الحل الحقيقي يكمن في عودة مؤسسات الدولة السورية إلى أداء دورها الكامل بما يضمن إدارة المرافق العامة وحمايتها ومنع العبث بالرموز التاريخية للمدن.

ناشطون وإعلاميون: جريمة بحق تاريخ القامشلي

ووصف الناشط الإعلامي حمودي الحسكاوي هدم مبنى بلدية القامشلية بأنه جريمة بحق إرث المدينة التاريخي، مؤكداً أن المبنى يمثل أول شاهد عمراني على نشأتها الحديثة في ثلاثينيات القرن الماضي، كما أكد أن أعمال الهدم جاءت بعد بيع المبنى لشخص مقرب من قياديين في "قسد" بهدف تحويله إلى برج تجاري حديث.

أما الناشط الإعلامي أحمد المبرد فاعتبر أن ما حدث يشكل جريمة بحق تاريخ المدينة وتراثها ومحاولة لطمس هويتها ورمزية أحد أبرز معالمها، مطالباً بفتح تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين عن الهدم.

بدوره أكد الناشط الإعلامي إبراهيم حجي الحلبي أن هدم مبنى بلدية القامشلية، الذي يعد من أقدم الأبنية البلدية في سوريا، لا يمثل إزالة بناء قديم فحسب بل مساساً بذاكرة المدينة وتاريخها وإرثها الحضاري.

ووصف الناشط الإعلامي حسام القس عملية الهدم بأنها محاولة لمحو تاريخ القامشلية المشرق وفرض واقع جديد مشوه لا يمت إلى تاريخ المدينة وجمالها بصلة، كما اعتبر متعب الحسين، مدير الإنتاج في مديرية إعلام الحسكة، أن البدء بهدم المبنى يشكل جريمة بحق المدينة وإرثها التاريخي.

وقال الناشط مهند أبو هتون إن متعهداً مقرباً من قيادات ميليشيا "قسد" بدأ بهدم المبنى التاريخي الذي يزيد عمره على مئة عام بعد بيعه بهدف إنشاء برج تجاري مكانه، وأضاف أن أي جهة أمر واقع ليست مخولة قانونياً ببيع أملاك الدولة أو التصرف بها أو هدمها، مطالباً المؤسسات الحكومية والمديرية العامة للآثار والمتاحف بالتدخل لوقف الهدم ومحاسبة المتورطين.

أما الناشط الإعلامي صهيب اليعربي فاعتبر أن هدم مبنى بلدية القامشلية التاريخي يأتي في سياق محاولات طمس هوية المدينة وذاكرتها العمرانية، مؤكداً أن اللوحة الحجرية التي ظهرت مؤخراً وتحمل اسم "القامشلية" ستبقى شاهداً على جذور المكان مهما جرت محاولات إزالة معالمه التاريخية.

وبينما تتواصل أعمال إزالة المبنى الذي رافق نشأة القامشلي الحديثة منذ عام 1935، تتجاوز القضية حدود الخلاف حول مشروع استثماري أو قرار إداري لتتحول إلى نقاش أوسع يتعلق بمصير الذاكرة العمرانية للمدينة وآليات إدارة الممتلكات العامة والمعالم التاريخية في مرحلة تشهد تحولات سياسية وإدارية في شمال شرقي سوريا.

وفي الوقت الذي تتمسك فيه ميليشيا قسد بروايتها القائمة على الاعتبارات الفنية ومتطلبات التطوير العمراني، ترى جهات سياسية وحقوقية ومدنية واسعة أن هدم المبنى يمثل خسارة لأحد أبرز الشواهد التاريخية المرتبطة بذاكرة المدينة وهويتها، ويستدعي مراجعة شاملة لآليات التعامل مع المواقع ذات القيمة التراثية.

ومع اقتراب الذكرى المئوية لتأسيس القامشلي، يبقى مصير مبنى البلدية التاريخي عنواناً لجدل مستمر بين دعاة التحديث العمراني والمدافعين عن الإرث التاريخي، فيما تتصاعد المطالبات بفتح تحقيق شفاف في ملابسات القرار، وتحديد المسؤوليات القانونية المرتبطة به، ووضع رؤية واضحة لحماية ما تبقى من المعالم التاريخية التي توثق مسيرة المدينة وتحفظ ذاكرتها للأجيال القادمة.

اقرأ المزيد
٥ يوليو ٢٠٢٦
حيش: مدارس بحاجة إلى تأهيل لمواكبة الضغط الطلابي المتزايد

يبرز الواقع التعليمي في بلدة حيش بريف إدلب الجنوبي، كأحد أبرز التحديات مع عودة الأهالي وازدياد أعداد الطلاب، في ظل وجود عدد من المدارس التي لا تزال بحاجة إلى ترميم وتأهيل لاستيعاب الضغط المتزايد على العملية التعليمية.

وقد أدى نقص البنية التحتية المدرسية والتجهيزات الأساسية إلى اكتظاظ داخل الصفوف خلال العام الفائت، ما انعكس بشكل مباشر على سير الدروس وجودة التعليم، وفرض الحاجة إلى مواصلة أعمال الترميم وتحسين الواقع التعليمي في البلدة.

في هذا السياق، قال المدرس علي السلوم، مدرس مادة الرياضيات في ثانوية حيش، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن عدد المدارس في بلدة حيش يبلغ 11 مدرسة، مشيراً إلى أنه تم ترميم 5 منها حتى اللحظة، فيما لا تزال بقية المدارس بحاجة إلى ترميم لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الطلاب بعد عودة النازحين.

وأضاف أن عودة عدد كبير من الأهالي إلى بلدة حيش أعادت معها الحاجة الملحّة لإعادة تأهيل المدارس بشكل يواكب الأعداد المتزايدة من الطلاب، في ظل عدم قدرة بعض المدارس القائمة على استيعاب هذا الضغط.

وأشار إلى أن في البلدة مدرستين بحاجة ماسة إلى الترميم، وهما مدرسة الإمام الشافعي ومدرسة الشهيد حمزة حلبي، مشيراً إلى أن ترميمهما إلى جانب المدارس التي تم تأهيلها سابقاً من شأنه أن يسهم في تحسين القدرة الاستيعابية للقطاع التعليمي وتمكين الطلاب من متابعة تحصيلهم الدراسي بشكل أفضل.

وذكر أن العام الماضي شهد اكتظاظاً كبيراً في المدارس العاملة، حيث تراوح عدد الطلاب في كل شعبة بين 50 و60 طالباً، وهو ما انعكس سلباً على جودة العملية التعليمية.

وأشار إلى وجود نقص في اللوجستيات الأساسية داخل المدارس، مثل المقاعد والسبورات والوسائل التعليمية، لافتاً إلى أن هذا النقص كان أحد العوامل التي أثرت على سير العملية التعليمية، ونوّه إلى أن العام السابق شهد ترميم بعض المدارس من قبل الحكومة والمنظمات، إلا أن هذه الجهود لم تكن كافية على مستوى البلدة لتغطية الحاجة الفعلية.

وبيّن أن استمرار الحاجة لترميم بقية المدارس بات ضرورياً للوصول إلى بيئة تعليمية أفضل تستوعب أعداد الطلاب وتخفف من الاكتظاظ، ولفت إلى ضرورة استكمال عمليات الترميم بما يضمن تحسين الواقع التعليمي في البلدة، معبّراً عن أمله في تحقيق ذلك خلال الفترة المقبلة.


من جهته، قال المشرف التربوي صالح السوادي في مجمع خان شيخون، في تصريح خاص لـ شام، إن العام السابق شهد ضغطاً كبيراً في أعداد الطلاب نتيجة عودة النازحين ونقص عدد المدارس غير المدمرة، ما اضطر الكوادر التعليمية إلى اتباع سياسة إسعافية لاستيعاب الأعداد الكبيرة.

وأضاف أن من بين الإجراءات التي تم اعتمادها استخدام بعض المدارس المتضررة بشكل جزئي، من خلال وضع شوادر مكان المناطق المهدمة وترميمها بجهود أهلية وتعاون أبناء البلدات، إلى جانب مضاعفة عدد الطلاب في الشعبة الواحدة، حيث وصل عدد بعض الشعب إلى 50 أو 60 طالباً.

وأشار إلى الاستعانة ببعض المنظمات لإجراء ترميمات جزئية، إضافة إلى ما توفر من إمكانيات الدولة رغم محدوديتها، لافتاً إلى استخدام بعض المباني الخاصة مثل بيوت الأهالي أو مستودعات مهجورة كحلول مؤقتة.

ونوّه إلى أنه تم أيضاً اعتماد نظام تقسيم الدوام عبر دوام الفوجين، بهدف التخفيف من الضغط داخل المدارس، وبيّن أن هذه الإجراءات كان لها تأثير واضح على جودة التعليم، حيث إن الاكتظاظ داخل الصفوف حدّ من وصول المعلومة لجميع الطلاب بشكل كامل.

ولفت إلى أن العوامل الجوية مثل الأمطار والرياح أدت إلى توقف التعليم لأيام، ما انعكس على سير العملية التعليمية وأدى إلى تأخر تطبيق الخطة الدرسية والانتهاء منها خلال العام الدراسي، وذكر أن سوء البناء في بعض المدارس تسبب بانتشار أمراض الشتاء، ما أثر على شريحة واسعة من الطلاب خلال العام.

وتحدث عن وضع بلدة حيش باعتبارها مركز ناحية وتضم 11 مدرسة، موضحاً أنه تم تجهيز ثلاث مدارس مع بداية العام الدراسي، إضافة إلى استخدام مدرستين بشكل جزئي نتيجة دمارهما الجزئي، وأوضح أن أعداد الشعب كانت ضخمة، ما اضطر أغلب الطلاب للجلوس على الأرض نتيجة نقص المقاعد، رغم أن عدد الطلاب في هذه المدارس تجاوز 4000 طالب.

وأكد أن المحافظة قدمت مجموعة من المساعدات ضمن إمكانياتها المتواضعة، إلى جانب الجهود الشعبية، مشدداً على ضرورة أن تكون الأولوية خلال هذا العام للقطاع التعليمي باعتباره الأساس في بناء المجتمع وإعداد الكفاءات التي ستسهم في إعادة إعمار الوطن.

وأفاد أنه مع نهاية العام الدراسي تم ترميم نحو ثلاث مدارس ساهمت في تخفيف الضغط، إلا أن الحاجة ما زالت قائمة لترميم بقية المدارس المدمرة بهدف استيعاب الأعداد الكبيرة وتحسين جودة التعليم.

ولفت إلى أهمية البدء بطباعة الكتب المدرسية منذ الآن وبأعداد مناسبة تتوافق مع أعداد الطلاب، لضمان جاهزية العملية التعليمية في العام القادم.


في ظل استمرار الضغط على القطاع التعليمي في بلدة حيش، تتواصل الحاجة إلى أعمال الترميم وتأمين التجهيزات الأساسية داخل المدارس، بما يساهم في تحسين ظروف التعليم داخل الصفوف وتنظيم سير العملية التعليمية، كما ترتبط هذه الجهود بمدى القدرة على معالجة النقص القائم في البنية التحتية المدرسية، بما يخفف من التحديات التي ظهرت خلال الفترة الماضية ويعزز استمرارية العملية التعليمية في مختلف المراحل الدراسية.

اقرأ المزيد
٣ يوليو ٢٠٢٦
الطفل في مواجهة الصدمة النفسية: الأعراض والتداعيات وسبل الاحتواء

في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها الأطفال، تبرز الصدمة النفسية كأحد أخطر التحديات التي قد تؤثر على نموهم وسلوكهم وحياتهم اليومية، إذ لا تقتصر آثارها على الجانب النفسي فقط، بل تمتد لتشمل الجوانب الجسدية والاجتماعية والتعليمية، ما يجعل فهمها والتعامل معها بشكل صحيح أمراً بالغ الأهمية.


في هذا السياق، قالت الاخصائية النفسية فاطمة الزهراء حبيب، ماجستير في الإرشاد النفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الصدمة النفسية لدى الطفل تُعد استجابة نفسية أو رد فعل ينتج عن تعرضه لحادث أو موقف يفوق قدرة جهازه العصبي على الاستيعاب والتكيف.


وأوضحت أن أسباب الصدمة قد تكون مباشرة، مثل التعرض للتحرش أو الاختطاف أو الحروب أو الجرائم أو الإهمال أو الضرب العنيف، وقد تكون غير مباشرة، كالتعرض لمشاهد عنيفة أو مشاهدة أحداث صادمة، أو المرور بتجارب مثل الانفصال، دون أن يكون الطفل طرفاً مباشراً فيها.


وأضافت أن الصدمة النفسية تنعكس على الطفل بمجموعة من الأعراض، أبرزها الخوف وتجنب كل ما يرتبط بالحدث الصادم، إضافة إلى استرجاع الذكريات المؤلمة بصورة متكررة، فيما يُعرف بـ"الفلاش باك".


وأشارت إلى أن الطفل قد يرفض العودة إلى المكان الذي تعرض فيه للأذى، كمدرسة شهد فيها حادثة عنف، أو يشعر بالخوف عند المرور بالمكان المرتبط بالحادثة، كما أن الطفل الذي يتعرض للتحرش أو الاختطاف قد يرفض اقتراب الآخرين من مساحته الشخصية، ويميل إلى الانعزال، مؤكدة أن هذه من الآثار النفسية الخطيرة للصدمة.


وبيّنت أن من أبرز هذه العلامات حدوث تغيرات في نمط النوم أو الشهية، إضافة إلى ظهور بعض السلوكيات الجسدية التي لم تكن موجودة سابقاً، وأفادت أن الطفل قد يتعرض لما يعرف بالنكوص أو الانتكاس إلى مراحل نمو سابقة، فتظهر لديه سلوكيات مثل مص الإصبع أو الحبو أو التأتأة، رغم تجاوزه هذه المراحل العمرية.


ولفتت إلى أن اضطرابات النوم قد تتخذ أشكالاً مختلفة، مثل النوم لساعات طويلة أو الإصابة بالأرق وقلة النوم، كما قد تطرأ تغيرات واضحة على الشهية، مؤكدة أن جميع هذه المظاهر قد تكون مؤشرات جسدية تدل على تأثر الطفل بالصدمة النفسية.


وذكرت فاطمة حبيب أن الطفل قد يُظهر أيضاً أعراضاً جسدية لا ترتبط بسبب عضوي واضح، وإنما تكون ذات منشأ نفسي، موضحة أن من أبرزها آلام المعدة والصداع، إضافة إلى التعرق والرعشة، مؤكدة أن هذه الأعراض تعد من العلامات الجسدية التي قد ترافق الصدمة النفسية.


ونوهت إلى أن الطفل قد يعيش حالة من فرط اليقظة، فيصبح شديد الانتباه لأي حركة أو صوت يدور حوله، نتيجة شعوره المستمر بالخطر، وأكدت أن الصدمة النفسية قد تؤثر أيضاً على الأداء الدراسي، إذ قد يظهر تراجع في التحصيل والسلوك داخل المدرسة، وهو ما يعد من أبرز المؤشرات السلوكية التي تستدعي الانتباه والتعامل معها بشكل مناسب.


وتحدثت حبيب عن أن الصدمة النفسية قد تظهر أيضاً من خلال أعراض وانفعالات عاطفية، تتمثل في نوبات غضب شديدة أو خوف مفرط، وقد يشعر الطفل بتأنيب الذات، فيحمّل نفسه مسؤولية ما تعرض له من حدث صادم، مشيرة إلى أن طبيعة هذه المشاعر تختلف باختلاف عمر الطفل ومرحلته العمرية.


وأوضحت أن بعض الأطفال قد يعانون ما يُعرف بالخدر العاطفي، وهو فقدان القدرة على إظهار ردود الفعل الطبيعية تجاه المواقف المختلفة، بحيث لا يبدي الطفل مشاعر الحزن أو الغضب أو الفرح، ويبدو متبلد المشاعر تجاه ما يحدث حوله.


وشددت على أن شدة هذه الأعراض وتكرارها تختلف من طفل إلى آخر، تبعاً لطبيعة الصدمة التي تعرض لها ومدى قسوتها، وأردفت أن آثار الصدمة النفسية لا تقتصر على الأعراض الظاهرة، وإنما قد تمتد لتؤثر في وظائف الدماغ، ولا سيما الانتباه والتركيز والذاكرة، مشيرة إلى أن الطفل قد يعاني اضطرابات نفسية وسلوكية مختلفة.


وأضافت أن هذه الاضطرابات قد تظهر على شكل سلوك عدواني أو انسحابي، أو خجل شديد، أو رهاب اجتماعي، كما قد تتطور إلى مشكلات نفسية، حتى وإن كانت لفترات قصيرة، ولفتت إلى أن الصدمة النفسية تنعكس أيضاً على العلاقات الاجتماعية للطفل، فتؤثر في علاقاته مع أقرانه ومعلميه، كما تمتد آثارها إلى الجانب الأكاديمي، فتنعكس على تحصيله الدراسي وأنشطته اليومية وقدرته على اللعب والتفاعل.


وشددت على أن الطفل قد يشهد تراجعاً في مختلف جوانب حياته، سواء على الصعيد الأسري أو الأكاديمي أو الذهني أو النفسي، وقد يكون هذا التراجع شاملاً أو يتركز في جانب معين أكثر من غيره، إلا أن الصدمة تؤثر في مجمل جوانب حياته.


وأوضحت حبيب أن من أكثر الأخطاء الشائعة التي يرتكبها الأهل عند التعامل مع الطفل بعد تعرضه لصدمة نفسية هو لومه وتحميله مسؤولية ما حدث، مشيرة إلى أن بعض الأهالي قد يوجهون للطفل عبارات مثل: لماذا ذهبت إلى هذا المكان؟ ولماذا لم تخبرنا؟ ولماذا لم تخبرنا في وقت سابق؟


وأضافت أن بعض الأسر قد تلجأ إلى أساليب خاطئة أخرى، مثل الضرب أو التعامل مع الطفل بعنف، لافتة إلى أن هذه التصرفات تزيد من معاناته بدلاً من مساعدته، وبيّنت أن بعض الحالات، وخصوصاً عند تعرض الأطفال للتحرش، قد تواجه ردود فعل اجتماعية خاطئة، مثل عزل الطفل عن المدرسة أو إبقائه في المنزل، أو اتخاذ قرارات قاسية بحقه، مشددة على أن هذه الأساليب لا تعالج المشكلة بل قد تزيد آثارها النفسية.


وأكدت أن من الأخطاء أيضاً التسرع في اتخاذ حلول غير مناسبة للتعامل مع آثار الصدمة، موضحة أن بعض الأسر قد تلجأ إلى قرارات خاطئة، مثل تزويج الطفلة في سن صغيرة أو حرمانها من التعليم، بدلاً من تقديم الدعم النفسي المناسب لها ومساعدتها على تجاوز التجربة التي مرت بها.


وأشارت حبيب إلى أن الأسرة السليمة تلعب دوراً أساسياً في دعم الطفل عند تعرضه لصدمة نفسية أو مشكلة معينة، موضحة ضرورة احتواء الطفل بكل مشاعره ومساعدته على استعادة الشعور بالأمان والطمأنينة من خلال أساليب سلوكية وكلامية فعالة.


وبيّنت أن من المهم وجود تواصل فعّال بين الطفل وأسرته، عبر الاستماع إليه وعدم الحكم عليه أو توبيخه، ومنحه مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره، إضافة إلى احتضانه وتقديم الدعم النفسي المناسب له، وأضافت أن الأسرة يجب أن تعمل على توفير بيئة متوازنة للطفل، من خلال الحوار الآمن، ومشاركته اللعب بطريقة مناسبة، وفهم احتياجاته والاستماع إليه، مع الحفاظ على روتينه اليومي.


ولفتت إلى أهمية متابعة الجوانب الأساسية في حياة الطفل، مثل نظامه الغذائي، وشربه، ونومه، وطريقة لعبه وسلوكه، والانتباه إلى أي تغيرات تطرأ عليه، إضافة إلى دعم علاقاته مع أصدقائه وجيرانه ومدرسته، وأكدت في ختام حديثها أن الهدف من ذلك هو خلق بيئة مستقرة تساعد الطفل على تجاوز آثار الصدمة النفسية وتمنحه الشعور بالاحتواء والأمان.

اقرأ المزيد
٣ يوليو ٢٠٢٦
جرائم التعذيب وآليات الملاحقة والمساءلة في القانون الدولي

أحيا العالم، يوم الجمعة الفائتة، اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي يصادف السادس والعشرين من حزيران من كل عام، والذي يمثّل محطةً عالمية لتسليط الضوء على خطورة هذه الجريمة التي تستهدف كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، وفرصة لتجديد الالتزام الدولي بمحاسبة مرتكبيها، وتعزيز الجهود الرامية إلى دعم الضحايا والناجين وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.

يُعدّ التعذيب أحد أبرز الأساليب التي استخدمها نظام الأسد البائد بحق آلاف السوريين، بهدف انتزاع الاعترافات، وقمعهم، وإخضاعهم، والانتقام منهم، وقد أودى التعذيب بحياة آلاف المعتقلين خلال سنوات الثورة، في صورة تعكس حجم الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت بحق السوريين على مدى سنوات حكمه. 

وتشكل هذه الممارسات خرقاً صارخاً للقيم الإنسانية، وانتهاكاً واضحاً للاتفاقيات الدولية التي تكفل حماية حقوق الإنسان وتحظر التعذيب تحت أي ظرف.

في هذا السياق، قالت المحامية أسماء نعسان في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التعذيب لا يعد مجرد انتهاك لحق من حقوق الإنسان، وإنما يعد اعتداءً مباشراً على الكرامة الإنسانية، ولهذا السبب جاء حظره في القانون الدولي حظراً مطلقاً لا يقبل أي استثناء أو تبرير، سواء في حالات الحرب أو الطوارئ أو مكافحة الإرهاب أو حتى بحجة حماية الأمن القومي، وأضافت أن القانون الدولي واضح في هذه المسألة، ولا يجيز لأي دولة أو جهة رسمية التذرع بأي ظرف لتبرير ممارسة التعذيب.

وأشارت إلى أنه من منظور القانون الدولي الإنساني، يُصنّف التعذيب ضمن الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف، ويعد جريمة حرب إذا ارتُكب أثناء نزاع مسلح بحق الأشخاص المحميين، كالمدنيين أو أسرى الحرب أو الجرحى، وبيّنت أنه إذا ارتُكب بصورة واسعة النطاق أو بشكل منهجي ضمن سياسة تستهدف السكان المدنيين، فإنه قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، بما يرتب مسؤولية جنائية دولية بحق مرتكبيه وكل من أمر به أو ساهم فيه أو سهّل ارتكابه.

ولفتت إلى أن خطورة التعذيب لا تقتصر على ما يخلّفه من أذى جسدي أو نفسي للضحية، وإنما تمتد إلى تقويض سيادة القانون، وإضعاف الثقة بمؤسسات العدالة، وترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، وهو ما يجعل مكافحته ومحاسبة المسؤولين عنه ضرورة قانونية وأخلاقية في آن واحد.

وأضافت أن استخدام التعذيب لانتزاع الاعترافات أو المعلومات يرتب مسؤولية قانونية على أكثر من مستوى، فمن الناحية الجنائية يُسأل كل من مارس التعذيب أو أمر به أو حرّض عليه أو ساهم في ارتكابه، ولا تقتصر المسؤولية على المنفذ المباشر، بل تمتد إلى القيادات التي أصدرت الأوامر أو سمحت باستمرار هذه الممارسات أو امتنعت عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنعها أو محاسبة مرتكبيها، وذلك استناداً إلى مبدأ مسؤولية القيادة، وأفادت بأن الدولة نفسها تتحمل مسؤولية دولية إذا أخفقت في منع التعذيب أو التحقيق فيه أو ملاحقة المسؤولين عنه، باعتبار أن حماية الأفراد من التعذيب التزام يقع على عاتقها.

وأكدت أنه فيما يتعلق بالاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، فإن القانون الدولي يحسم هذه المسألة بشكل واضح، إذ تعتبر هذه الاعترافات باطلة ولا يجوز الاستناد إليها كدليل أمام القضاء، وذكرت أن المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب أكدت هذا المبدأ، فنصت على عدم جواز الاحتجاج بأي أقوال ثبت أنها انتُزعت نتيجة التعذيب، إلا إذا استُخدمت كدليل ضد الشخص المتهم بارتكاب التعذيب نفسه.

وشددت نعسان لـ "شام" على أن هذا المبدأ يعد من أهم ضمانات المحاكمة العادلة، لأنه يؤكد أن العدالة لا يمكن أن تُبنى على وسائل غير مشروعة، وأن أي اعتراف يُنتزع بالإكراه أو التعذيب يفقد قيمته القانونية مهما كان مضمونه، لأن إضفاء المشروعية على مثل هذه الأدلة يعني منح التعذيب غاية قانونية، وهو ما يرفضه القانون الدولي رفضاً قاطعاً.

وتحدثت عن أن القانون الدولي ينظر إلى الانتهاكات المنهجية داخل أماكن الاحتجاز أو السجون باعتبارها أخطر بكثير من الحالات الفردية، لأن تكرار التعذيب بشكل منظم أو واسع النطاق يدل على أن الأمر لا يتعلق بتصرفات شخصية أو تجاوزات معزولة، وإنما بسياسة أو ممارسة ممنهجة، وبيّنت أنه في مثل هذه الحالات قد يرتقي التعذيب إلى جريمة ضد الإنسانية إذا ارتُكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين، وهو ما يرتب مسؤولية جنائية دولية بحق المسؤولين عنه.

وأوضحت أن تقييم الطابع المنهجي لا يقتصر على عدد الضحايا فقط، وإنما يستند أيضًا إلى مجموعة من المؤشرات، مثل تكرار الوقائع، وتشابه أساليب التعذيب في أماكن احتجاز مختلفة، ووجود أوامر أو تعليمات مباشرة أو غير مباشرة، أو تغاضي السلطات عن هذه الممارسات، إلى جانب استمرار الإفلات من العقاب وعدم إجراء تحقيقات جدية بشأنها.

وأكدت أن المسؤولية القانونية في هذه الحالة لا تقتصر على الأشخاص الذين باشروا التعذيب، وإنما تمتد إلى كل من ساهم في وضع السياسات أو أصدر الأوامر أو وفّر الحماية أو الغطاء لاستمرار هذه الانتهاكات، لأن القانون الدولي لا يحاسب فقط من ينفذ الجريمة، وإنما أيضًا من يخطط لها أو يسمح باستمرارها أو يتقاعس عن منعها ومحاسبة مرتكبيها.

وأشارت إلى أن آليات المحاسبة عن جرائم التعذيب لا تقتصر على المحكمة الجنائية الدولية، وإنما تشمل مجموعة من الآليات القضائية وغير القضائية التي تهدف إلى ضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب، وذكرت أن المحكمة الجنائية الدولية تختص بالنظر في جرائم التعذيب عندما ترقى إلى جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية، وذلك وفقاً للشروط التي حددها نظام روما الأساسي.

ونوهت إلى بروز مبدأ الولاية القضائية العالمية كإحدى أهم الأدوات القانونية في ملاحقة مرتكبي التعذيب، خاصة في الحالة السورية، حيث يتيح هذا المبدأ لبعض الدول محاكمة مرتكبي الجرائم الدولية أمام محاكمها الوطنية، حتى وإن ارتُكبت الجرائم خارج إقليمها ودون اشتراط أن يكون الجاني أو الضحية من رعاياها، باعتبار أن جرائم التعذيب تمس المجتمع الدولي بأسره.

ولفتت إلى أنه تم تطبيق هذا المبدأ عملياً في عدد من الدول الأوروبية، ومن أبرز الأمثلة محاكمة الضابط السوري السابق أنور رسلان أمام المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز بألمانيا، والتي انتهت بإدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، من بينها التعذيب داخل مراكز الاحتجاز، والحكم عليه بالسجن المؤبد. 

وأضافت أنه أُدين إياد الغريب في القضية نفسها، إلى جانب فتح تحقيقات ومحاكمات في ألمانيا وفرنسا والسويد وهولندا بحق أشخاص يشتبه بتورطهم في جرائم تعذيب وانتهاكات جسيمة ارتُكبت في سوريا، وأكدت أن هذه القضايا تؤكد أن الجرائم الدولية لا تتوقف ملاحقتها عند حدود الدولة التي ارتُكبت فيها، وأن مبدأ الولاية القضائية العالمية أصبح يشكل نافذة مهمة لتحقيق العدالة للضحايا السوريين.

وأفادت بأن الآليات الدولية التابعة للأمم المتحدة تؤدي دوراً محورياً في دعم العدالة، وفي مقدمتها الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا، التي تتولى جمع الأدلة وحفظها وتحليلها، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، التي وثّقت في تقاريرها أنماطاً متكررة ومنهجية من التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز، وهو ما أسهم في تعزيز الملفات القضائية أمام عدد من المحاكم الأوروبية.

وشددت على أن فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعدد من الدول عقوبات فردية على مسؤولين سوريين يشتبه بتورطهم في جرائم تعذيب وانتهاكات جسيمة، شملت حظر السفر وتجميد الأصول، ورغم أن هذه التدابير لا تعد بديلاً عن المحاسبة الجنائية، إلا أنها تشكل أداة مهمة للحد من الإفلات من العقاب، وتؤكد أن الجرائم الجسيمة تظل محل ملاحقة ومساءلة على المستوى الدولي.

وأكدت أن الأصل في القانون الدولي أن جرائم التعذيب، متى ارتقت إلى مستوى جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، تُعد من الجرائم غير القابلة للتقادم، أي أن مرور الزمن لا يسقط الحق في ملاحقة مرتكبيها أو محاسبتهم مهما طالت المدة منذ ارتكابها، وذلك نظراً لخطورة هذه الجرائم وطبيعتها الاستثنائية.

وأضافت أن الاتفاقيات الدولية والاجتهادات القضائية كرّست هذا المبدأ، وهو ما انعكس عملياً في عدد من القضايا التي حوكم فيها مسؤولون عن جرائم تعذيب وانتهاكات جسيمة بعد سنوات طويلة من ارتكابها، ما يؤكد أن مرور الزمن لا يمكن أن يكون وسيلة للإفلات من العقاب في الجرائم الدولية.

وأشارت إلى أن هذا المبدأ برز بشكل واضح في الحالة السورية من خلال المحاكمات التي أُجريت في عدد من الدول الأوروبية استنادًا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، حيث نظرت المحاكم في جرائم تعذيب ارتُكبت قبل سنوات، وأصدرت أحكاماً بحق عدد من المسؤولين والمتورطين، وهو ما يؤكد أن هذه الجرائم تظل قابلة للملاحقة متى توافرت الأدلة والإرادة القانونية.

ولفتت إلى أن عدم خضوع هذه الجرائم للتقادم يمثل إحدى أهم الضمانات القانونية لحقوق الضحايا، لأنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تسقط بمرور الزمن، وأن مرتكبي جرائم التعذيب سيظلون عرضة للمساءلة كلما توفرت الفرصة القانونية لذلك.

وتحدثت عن أن التوثيق القانوني والإعلامي يعد حجر الأساس في أي مسار جاد للمساءلة عن جرائم التعذيب، لأن أي ملاحقة قضائية لا يمكن أن تقوم دون أدلة موثوقة ومستوفية للمعايير القانونية، وبيّنت أن التوثيق القانوني لا يقتصر على تسجيل الانتهاكات، وإنما يهدف إلى بناء ملف إثبات متكامل يمكن الاستناد إليه أمام المحاكم الوطنية أو الدولية، من خلال جمع شهادات الضحايا والشهود وفق الأصول القانونية، وتوثيق التقارير الطبية، وحفظ الأدلة الرقمية والمادية بطريقة تضمن سلامتها وسلسلة حفظها.

وأوضحت أنه في الجرائم الدولية لا تقتصر أهمية التوثيق على إثبات وقوع التعذيب بحق شخص معين، وإنما تمتد إلى إثبات وجود نمط ممنهج من الانتهاكات وربط الوقائع الفردية بالجهات المسؤولة عنها وتسلسل القيادة، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في إثبات جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية.

وأفادت بأن هذا الأمر برز بوضوح في الحالة السورية، حيث اعتمدت المحاكم الأوروبية، ولا سيما في قضية أنور رسلان، على شهادات الناجين والتقارير الطبية والصور والوثائق، إضافة إلى تقارير المنظمات الحقوقية والآليات الدولية، لإثبات أن التعذيب لم يكن حوادث فردية، وإنما جزءاً من سياسة ممنهجة داخل مراكز الاحتجاز.

وأكدت في ختام حديثها أن التوثيق الإعلامي يؤدي دوراً مكملاً للتوثيق القانوني، إذ يسهم في كشف الانتهاكات للرأي العام، ودعم جهود المناصرة، والحفاظ على ذاكرة الضحايا، ومنع طمس الأدلة أو إنكار الجرائم، لكنها شددت على ضرورة أن يتم ذلك بمهنية ومسؤولية، مع مراعاة حماية الضحايا والشهود، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، حتى لا يؤدي النشر غير الدقيق إلى الإضرار بالضحايا أو إضعاف فرص المحاسبة.

اقرأ المزيد
٢ يوليو ٢٠٢٦
رحلة الأمهات مع أطفالهن ذوي الإعاقة بين التحديات اليومية والحاجة للدعم المجتمعي

تشكل رعاية الأطفال، ولا سيما ممن يحتاجون إلى متابعة صحية خاصة، تحدياً متشابكاً يفرض على الأسرة أعباء متعددة، تبدأ من لحظة التشخيص وتمتد إلى مراحل المتابعة اليومية والتأهيل، في ظل ظروف معيشية قد تزيد من صعوبة التعامل مع هذه الحالات.

تبرز تجارب الأمهات كمصدر مهم لفهم ما يرافق هذه الرحلة من تفاصيل دقيقة، سواء على مستوى الملاحظة المبكرة للتغيرات الصحية، أو السعي للحصول على التشخيص، وصولاً إلى التكيف مع متطلبات الرعاية والبحث عن الدعم الطبي والتأهيلي.

في هذا السياق، روت سلمى مصطفى (اسم مستعار)، لسيدة تبلغ من العمر 38 عاماً، وتقيم في دير حافر بريف حلب، قصتها لشبكة شام الإخبارية، قائلة إن لديها أربعة أطفال، الأصغر اسمه محمد، وُلد بعد حمل صعب ومرهق، واجهت خلاله مشاكل صحية كثيرة، ثم انتهى بولادة مبكرة.

وأضافت أنها شعرت منذ اليوم الأول بأن طفلها غير طبيعي، وذلك من خلال رضاعته وبكاءه وملامحه، ما أثار قلقها، فيما بعد اصطحب زوجها الطفل برفقة شقيقتها إلى الطبيب، وهي لم تكن معهم بسبب وضعها الصحي، فطلب منهم إجراء تحاليل كروموسومات للطفل.

وبعد ظهور نتيجة التحليل، امتنع الزوج عن إخبارها خوفاً عليها من تأثير الصدمة، ولأنها كانت منجبة حديثاً ووضعها الصحي متعب، ثم بعد مرور أربعة أشهر، ازدادت شكوكها، خاصة مع تكرار ملاحظات الأشخاص من حولها بأن الطفل يبدو غير طبيعي، ما دفعها للإصرار على عرضه على الطبيب مجدداً.

وأشارت سلمى إلى أنه في تلك المرحلة أخبرها زوجها بأن طفلها مصاب بمتلازمة داون، لتعيش أقسى لحظة مرت عليها في حياتها حسب وصفها، إلا أنها حاولت التماسك والتحلي بالقوة لتتمكن من مساعدة طفلها والاعتناء به، وانطلاقاً من مسؤوليتها كأم تجاه عائلتها.

ونوهت إلى أنها بدأت رحلة السعي المستمر للبحث عن أطباء ومراكز طبية وعلاجية لمساعدة طفلها، وأكدت أنها كرّست وقتها للاطلاع على المعلومات المتعلقة بمتلازمة داون، والتنقل بين المراكز والأخصائيين بهدف دعمه، إلا أنها واجهت صعوبات تتعلق بالتكاليف المرتفعة والمواصلات وغيرها من التحديات، لكنها أصرت على متابعة الوقت تطورات طفلها، وبذل كل جهد ممكن لمساعدته.

تعكس هذه التجربة جانباً من التحديات التي تواجهها الأسر، وهو ما يفسره مختصون من خلال قراءة الأثر النفسي والاجتماعي لمثل هذه الحالات على توازن الأسرة.

وفي سياق متصل، قالت الأخصائية الاجتماعية الأسرية صفاء الصالح في تصريح خاص لـ شام، إن الإعاقة أو الصعوبات النمائية تنعكس بشكل مباشر على توازن الأسرة، حيث تتحول إلى ما يشبه حالة طوارئ دائمة تعيد من خلالها ترتيب أدوارها ومسؤولياتها.

ولفتت إلى أن ذلك قد يؤدي إلى اختلال في توزيع الاهتمام بين الأبناء، وما قد يرافقه من مشاعر غيرة أو انسحاب لدى الإخوة، إضافة إلى زيادة الضغوط المالية والعاطفية التي قد تنعكس على العلاقة بين الزوجين أو على أساليب التعامل مع الطفل، فضلاً عن تغير توقعات الأسرة تجاه المستقبل وما يرافقه من قلق مستمر.

وأوضحت أن الأهل يمرون عند اكتشاف الحالة بمشاعر متعددة تبدأ بالصدمة والإنكار، يليها بحث مكثف عن تفسير أو علاج، إلى جانب الخوف من المستقبل ونظرة المجتمع، والشعور بالذنب أو لوم الذات، خاصة لدى الأمهات، مشيرة إلى أن هذه المرحلة قد تؤثر على الاستقرار الأسري، فتتراوح ردود الفعل بين التقارب الشديد أو الانسحاب العاطفي بحسب قدرة الأسرة على التكيف.

وأضافت أن الأسر تواجه تحديات اجتماعية متعددة، من بينها الوصمة المجتمعية ونظرة الشفقة أو التقليل من قدرات الطفل، إلى جانب نقص الوعي في المدارس حول آليات التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وصعوبة الوصول إلى خدمات تأهيلية مناسبة، فضلاً عن التعرض لتعليقات أو أسئلة قد تزيد من الضغط النفسي، وضعف السياسات الداعمة لدمج هؤلاء الأطفال في المجتمع.

وبيّنت أن التعامل مع الضغوط اليومية يتطلب اعتماد روتين ثابت يمنح الطفل شعوراً بالأمان، وتوزيع الأدوار بين الوالدين لتخفيف الإرهاق، إلى جانب طلب الدعم من المحيط الاجتماعي، وممارسة مهارات التنظيم الانفعالي، والتركيز على نقاط القوة لدى الطفل، مع تخصيص وقت للحفاظ على توازن العلاقة بين الوالدين.

وفيما يتعلق بتعزيز دمج الطفل، أشارت إلى أهمية التحدث عنه بثقة وإيجابية، وإشراكه في الأنشطة المناسبة لعمره وقدراته، والتعاون مع المدرسة لضمان خطة دعم واضحة، إضافة إلى تنمية مهاراته في التواصل والاستقلال تدريجياً، ونشر الوعي في المحيط القريب حول طبيعة حالته، مع العمل على تعزيز ثقته بنفسه وحمايته من الوصمة داخل الأسرة والمجتمع.

يرى مختصون في المجال النفسي والاجتماعي أن الأمهات اللواتي يرعين أطفالاً من ذوي الإعاقة يواجهن ضغوطاً نفسية مركبة، تبدأ من لحظة اكتشاف الحالة وما يرافقها من صدمة وقلق، وتمتد إلى مراحل طويلة من المتابعة اليومية التي تتطلب جهداً عاطفياً وجسدياً مستمراً. 

ويشيرون إلى أن هذه الضغوط قد تنعكس على الحالة النفسية للأم، فتظهر على شكل توتر دائم، أو إرهاق نفسي، أو شعور بالعزلة، خاصة في حال غياب الدعم الكافي من المحيط.

ويؤكد المختصون على أهمية الدور الذي يلعبه الوسط المحيط، سواء الأسرة الممتدة أو المجتمع، في التخفيف من هذه الأعباء، من خلال تقديم الدعم النفسي والمعنوي، وتفهم طبيعة التحديات التي تواجهها الأم، إضافة إلى تعزيز بيئة داعمة تقلل من الوصمة الاجتماعية وتشجع على الاندماج.

كما يشددون على أن وجود شبكات دعم، سواء عبر الأقارب أو المختصين أو مجموعات الأهالي، يسهم في تحسين التوازن النفسي للأم ويخفف من شعورها بالضغط، بما ينعكس إيجاباً على قدرتها في رعاية طفلها.

تُظهر رعاية الأطفال ذوي الإعاقة تداخلاً بين الجوانب الصحية والاجتماعية والنفسية، وما يرتبط بها من تحديات تواجهها الأسر في المتابعة اليومية، كما تعكس تجارب الأمهات وما أورده المختصون واقعاً يتصل بطبيعة الخدمات المتوفرة، ومستوى الوعي المجتمعي، والعوامل التي تؤثر في التعامل مع متطلبات الرعاية على المدى الطويل.

اقرأ المزيد
1 2 3 4 5

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
٢ يوليو ٢٠٢٦
من القطيعة إلى الانفتاح .. كيف تبدّل المشهد اللبناني تجاه سوريا مع زيارة الشيباني ..؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١٣ يونيو ٢٠٢٦
تكنولوجيا ا بنك أهداف من 13 ألف موقع.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد الحرب الأمريكية على إيران؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
٣١ مايو ٢٠٢٦
العدالة ضماد جراح السوريين.. لأن الوجع لا يموت بالنسيان
محمد العلي
● آراء ومقالات
٢١ مايو ٢٠٢٦
تكنولوجيا ا كيف غيّرت الروبوتات والذكاء الاصطناعي مستقبل إزالة ركام الحروب؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٤ مايو ٢٠٢٦
حين تقود التكنولوجيا الحرب.. كيف غيّرت الدرونز موازين القتال؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٠ مايو ٢٠٢٦
عن حب الحماصنة لحمص..!!
محمد العلي
● آراء ومقالات
٧ مايو ٢٠٢٦
تكنولوجيا ا غوغل تعيد تشكيل البحث.. الذكاء الاصطناعي "يستعين بالبشر" لإظهار نتائج أفضل
فريق العمل