٣١ مارس ٢٠٢٦
تُعد ولادة طفل جديد لحظة هامة ومناسبة خاصة لدى العائلات في سوريا، إذ تستقبلها بجملة من التحضيرات الاجتماعية والعائلية التي تندرج ضمن العادات والتقاليد السائدة في المنطقة، تعبيراً عن فرحتها بقدوم المولود وحرصاً على الالتزام بالممارسات التي اعتادت الأسر القيام بها في مثل هذه المناسبات السعيدة.
ولا تقتصر التحضيرات لاستقبال المولود على الوالدين فقط، وإنما تمتد لتشمل الجدات وأفراد العائلة الممتدة من أعمام وعمّات وأخوال وخالات، إلى جانب الأصدقاء والمعارف، مع وجود بعض الاختلافات في طبيعة الأدوار التي يؤديها كل طرف بحسب صلته بالعائلة وقربه منها.
يحرص الوالدان على تجهيز مستلزمات الطفل الأساسية قبل ولادته مثل الملابس والسرير والأغطية المناسبة، إلى جانب ترتيب المنزل وتهيئته لاستقبال الضيوف الذين يتوافدون لتهنئتهم بعد الولادة، وفي بعض الحالات يقوم الأب بتزيين المنزل بطريقة جميلة تعبيراً عن فرحته بقدوم المولود وسلامة زوجته.
ويُطلق في اللهجة المحلية السورية على ملابس الطفل اسم "الديارة"، وهي من أولى المستلزمات التي يتم تجهيزها قبل الولادة، إذ تتولى الأم إعدادها في بعض العائلات، بينما تُسند هذه المهمة في عائلات أخرى إلى الجدة، سواء كانت والدة الأم أو والدة الأب، وذلك تبعاً للعادات والتقاليد السائدة في كل منطقة واختلاف الأعراف بين الأسر.
وتلعب الجدات دوراً مهماً في هذه المرحلة من خلال تقديم الخبرة والنصائح للأم، إذ يفضّل بعضهن البقاء إلى جانبها لمساعدتها، خاصة أنها تكون متعبة في هذه الفترة ويصاحبها الألم، ما يجعلها بحاجة إلى مساندة مستمرة من الجدات، بالإضافة إلى الزوج وأفراد العائلة الآخرين.
كما تميل بعض العائلات لتوزيع الحلويات على الجيران والأقارب والأصدقاء فرحا بمناسبة قدوم الطفل وتجاوز الأم مرحلة الولادة بسلام، بعد الولادة، يتوافد المهنئون لتهنئة العائلة ومشاركة فرحتهم بالمولود الجديد، حاملين هدايا تتنوع بحسب إمكانياتهم والمعروفة باسم "النقوط"، وقد تكون موجهة للأم أو للطفل، وتشمل الملابس أو المال أو أشياء أخرى ذات فائدة وأهمية، وتتراوح بين البسيطة والثمينة، لتعكس مشاعر الفرح والمودة بين العائلة والمحيطين بها.
رغم الظروف القاسية التي مرت بها سوريا من نزوح وقصف وتراجع الإمكانيات المادية، بقيت هذه العادات والتقاليد محافظة على حضورها في مناسبات استقبال المواليد، مع بعض التغيرات الطفيفة، وما تزال تمارسها العائلات لتعبّر عن فرحتها بالمولود الجديد.
حتى العائلات التي هجرت أو نزحت خارج البلاد كانت تحرص على المشاركة في فرحة استقبال المولود مع أقاربهم وأصدقائهم وأفراد العائلة الذين بقوا في سوريا، من خلال إرسال الحوالات المالية وتهنئتهم عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، ما يعكس استمرارية الروابط الاجتماعية والدعم المتبادل بين أفراد الأسرة رغم البعد والمسافات.
تساهم هذه العادات والتقاليد في تقديم العديد من الإيجابيات للعائلة، فهي توفر الدعم والمساعدة مباشرة بعد ولادة الطفل، خاصة في الحالات التي تواجه فيها الأسرة صعوبات مادية في تغطية احتياجات المولود، كما تمنح الأم مساندة معنوية وتؤكد لها وللأسرة أنهم ليسوا وحدهم في هذه المرحلة التي تتطلب تحضيرات وتجهيزات متعددة لاستقبال الطفل الجديد.
وتُقوي هذه العادات الروابط الاجتماعية والعلاقات بين أفراد الأسرة الممتدة والأقارب والأصدقاء، حيث يجتمع الجميع حول حدث فرح مشترك، ما يعزز تلاحم الأسرة والمجتمع المحلي، كما يساعد على حفظ التراث الثقافي واستمرار التقاليد السورية، ما يعكس صورة مميزة عن المجتمع وممارساته الاجتماعية، إضافة إلى تعليم الأجيال الجديدة قيم التعاون والاحترام ومساندة الآخرين في المناسبات السعيدة والحزينة من خلال المشاركة في هذه الطقوس.
يؤكد المختصون أن هذه العادات والتقاليد تعكس مدى حرص المجتمع السوري على المحافظة على هويته الثقافية والروابط الأسرية، فهي لا تقتصر على الاحتفال بالمولود، بل تعمل أيضاً كإطار اجتماعي يربط بين الأجيال وينقل القيم والتقاليد، كما تعكس المكانة الرمزية للطفل داخل الأسرة وتشجع على التفاعل والمشاركة بين أفراد العائلة والمجتمع المحيط، مما يجعل قدوم الطفل مناسبة تجمع بين البعد الشخصي والعائلي والمجتمعي في آن واحد.
٣٠ مارس ٢٠٢٦
تشتكي العديد من النساء السوريات من تعرضهن لسلسلة من العقبات الاجتماعية والعائلية بعد الطلاق، حيث وجدن أنفسهن أمام نظرات قاسية وأحكام مسبقة من المحيطين بهن، ما أثر على حالتهن النفسية وعلاقتهن بالآخرين، فبعضهن استسلم لهذه الضغوط، بينما عملت أخريات على البحث عن طرق لإعادة بناء حياتهن واستعادة ثقتهن بأنفسهن.
غالباً ما تنبع هذه التحديات من عدة عوامل، أبرزها ربط الطلاق بسلوك المرأة وتحميلها مسؤولية الانفصال، إذ تُنتقد بأنها لم تصبر على الظروف التي واجهتها وأنها اختارت إنهاء العلاقة الزوجية بدل محاولة تصحيح الأمور، كما يتدخل المجتمع المحيط في حياة المطلقة وقراراتها اليومية، فيصبح الطلاق ذريعة لتبرير أي سلوك يُفرض عليها أو يُنتقدها عليه، حتى في الأمور التي لا ترغب بالقيام بها.
تقول سلمى بيوش، 33 عاماً، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها أمضت عشر سنوات مع زوجها الذي كان يعتمد الضرب المبرح وسيلة للتعامل معها لأتفه الأسباب، وكثيراً ما كانت تلجأ إلى منزل أهلها، ليعيدها زوجها بعد وعود متكررة بتغيير سلوكه، إلا أنه لم يلتزم بذلك طوال تلك السنوات.
وتضيف أنها لم تعد تتحمل العيش تحت هذا الضغط فقررت الطلاق، لكنها سرعان ما واجهت تحديات جديدة، إذ صار إخوتها يتدخلون في تفاصيل حياتها اليومية ويفرضون قيوداً عليها، بينما يتحدث بعض الناس عنها بسلبية ويحملونها مسؤولية ما حصل، ما زاد من الضغوط النفسية عليها.
تعود الصعوبات التي تواجهها النساء بعد الطلاق إلى عدة عوامل، أبرزها العادات والتقاليد المجتمعية، إذ ينظر البعض إلى الطلاق على أنه وصمة ويحمل المرأة مسؤولية الانفصال حتى لو لم تكن السبب، كما تخشى بعض العائلات على سمعة الأسرة وتأثير طلاق الابنة على فرص زواج الأخريات أو على صورتها أمام المجتمع.
وفي بعض الحالات، تضطر المرأة إلى التنازل عن أطفالها، مما قد يُظهرها للبعض كأنها تخلت عنهم، في حين يعود السبب غالباً إلى غياب الدعم المالي، أو لارتباط الطلاق بشروط محددة من الزوج، أو لعدم توفر مسكن مستقل، ويزيد غياب الاستقلال المالي من اعتماد المرأة على أسرتها، ما يضاعف شعورها بالضغط والمعاناة.
تروي جليلة إسماعيل، 30 عاماً، أنه بعد طلاقها وعودتها إلى منزل أسرتها، واجهت معاملة قاسية من زوجة والدها، التي كانت مستاءة من وجودها، فبدأت تحرض والدها وإخوتها ضدها، ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ كانت تُكلف جليلة بأعمال المنزل كاملة دون أي مساعدة، وتتعرض يومياً لكلمات مؤذية، متهمةً إياها بأن طلاقها شوه صورة العائلة أمام الآخرين.
وتضيف جليلة أن هذه الضغوط والمعاملة القاسية دفعتها إلى الموافقة على أول خاطب تقدم لها، رغم أنها لم تكن ترغب في الزواج مرة ثانية، فقط لتجد مخرجاً يخفف من معاناتها اليومية ويحرّرها من الأجواء الصعبة التي كانت تعيشها في منزل أسرتها.
يشير أخصائيون نفسيون إلى أن المعاملة القاسية والضغوط اليومية التي تتعرض لها المرأة المطلقة تؤثر بشكل كبير على حالتها النفسية، فتولد لديها توتراً مستمراً وقلقاً شديداً نتيجة الكلمات المؤذية والشعور بعدم وجود دعم من الأسرة أو المجتمع، كما تؤدي الاتهامات المستمرة بأنها شوهت صورة العائلة أو أنها السبب في فشل الزواج إلى تراجع ثقتها بنفسها وتشكيكها في قدرتها على اتخاذ القرارات، كما يضاعف غياب الدعم العاطفي شعورها بالعزلة والوحدة ويزيد من معاناتها النفسية.
تقول نور محمد، عاملة دعم نفسي مع إحدى المنظمات الإنسانية، في حديث لـ شبكة شام، إن السيدة المطلقة بإمكانها مواجهة الصعوبات التي تعترض طريقها من خلال البحث عن مصادر دعم متنوعة، مثل إيجاد فرصة عمل مناسبة تتماشى مع العادات والتقاليد المجتمعية، مما يمكّنها من الاعتماد على نفسها وتحقيق الاستقلال المالي ويشغل وقتها بما يقلل شعورها بالوحدة.
كما تنصح السيدات بتعلم مهنة أو المشاركة في تدريبات وأنشطة تعزز خبراتها، إلى جانب التواصل مع أشخاص داعمين من العائلة والمجتمع، مع ضرورة عدم الاستسلام للكلام السلبي أو الانتقادات، والاستعانة بالاختصاصيين النفسيين والمستشارين عند الحاجة.
وتنوه نور محمد أن مهمة تجاوز المصاعب والتجارب القاسية تقع على عاتق السيدات المطلقات أنفسهن، لكنها في الوقت ذاته تتطلب دعماً من الأسرة والمجتمع المحيط، مشيرة إلى أن العديد من النساء نجحن بعد الطلاق في مواجهة هذه التحديات وبناء تجارب جديدة، وتمكنَّ من تحقيق تغيير إيجابي في حياتهن.
يؤكد أخصائيون نفسيون أن دعم المرأة المطلقة بعد الطلاق يجب أن يكون متعدد الجوانب، ليس فقط على مستوى الاعتماد على النفس، بل يشمل التوعية المجتمعية والإرشاد النفسي والاجتماعي، موضحين أن الحلول تشمل تنظيم برامج توعية لتغيير النظرة السلبية تجاه المطلقات، وإنشاء مجموعات دعم نسائية لتبادل الخبرات وتقديم الدعم النفسي، بالإضافة إلى توفير ورش عمل ودورات تدريبية لتطوير المهارات الحياتية والمالية.
ويضيف الخبراء أن تقديم استشارات قانونية ونفسية مجانية، ودعم متابعة تعليم الأبناء، يمثل خطوة مهمة لتخفيف الضغط النفسي على المرأة، إلى جانب توجيه المجتمع والأسرة نحو احترام قرارات المرأة وعدم تحميلها تبعات الطلاق، مما يسهم في تعزيز ثقتها بنفسها وقدرتها على إعادة بناء حياتها بشكل سليم ومستقل.
لا تقل التحديات الاجتماعية والنفسية التي تواجهها المرأة بعد الطلاق قسوة عن تجربة الزواج الفاشل، وتتطلب مواجهتها، بحسب الأخصائيين، الاستفادة من الدعم الأسري والمجتمعي، والحصول على الإرشاد النفسي عند الحاجة، إلى جانب العمل على تحقيق الاستقلال المالي وإعادة تنظيم حياتها بما يعزز قدراتها على التعامل مع الضغوط اليومية واتخاذ قراراتها الشخصية بشكل مستقل.
٢٩ مارس ٢٠٢٦
تتميّز الخطوبة التقليدية في سوريا بجملة من العادات والتقاليد التي تحرص العائلات على الالتزام بها، وتُعدّ الرؤية الشرعية من أبرز مراحلها، إذ تمثّل اللقاء الأول بين الشاب والفتاة قبل إتمام الخطبة بشكل رسمي، تمهيداً لاتخاذ قرار الارتباط.
وغالباً ما تُرتّب هذه الجلسة بعد أن تكون والدة الشاب أو شقيقاته قد شاهدن الفتاة مسبقاً وأبدين موافقتهن المبدئية عليها، في حين تكون الفتاة قد اطّلعت على مواصفات الشاب وسمعته، فيجري اللقاء بحضور والد الفتاة ووالدتها وعدد من أفراد أسرتها، في أجواء عائلية تهدف إلى التعارف واتخاذ قرار أولي بشأن المضي في الخطبة.
وترتبط جلسة الرؤية الشرعية بعدد من الشروط التي تحكمها دينياً واجتماعياً، في مقدّمتها وجود نية جدّية للزواج ودراسة إمكانية الارتباط، لا أن تكون بدافع الفضول أو التعارف العابر، كما تُجرى الرؤية عادة بحضور أحد المحارم أو أفراد العائلة، إذ لا تقبل معظم العائلات أن يجلس الشاب والفتاة بمفردهما، وإن كانت بعض الأسر تسمح بحديث منفرد بينهما لفترة قصيرة، على أن يكون ذلك تحت إشرافها أو في مكان قريب من المنزل وتحت أنظارها.
ويُفترض أن يقتصر نظر الخاطب على القدر المباح شرعاً، وأن تظهر الفتاة بمظهرها المعتاد دون مبالغة في الزينة، حتى يكون القرار مبنياً على صورة واقعية، كما يُتاح للطرفين التحاور ضمن حدود الأدب والاحترام، وطرح أسئلة تتعلق بالجوانب الأساسية للحياة والتوقعات المستقبلية، في إطار رسمي وبحضور الأسرة.
وفي حال أبدى الشاب إعجابه بالفتاة بعد جلسة الرؤية الشرعية، ينتقل الأمر إلى مرحلة أكثر رسمية، حيث يتقدّم بطلب يدها للزواج من أسرتها، وقد يتم ذلك في جلسة لاحقة تُرتّب خصيصاً لهذا الغرض، أو في بعض الحالات خلال اللقاء ذاته إذا كان الانطباع إيجابياً لدى الطرفين، ما يمهّد لإعلان الخطبة بشكل رسمي.
وتحرص بعض العائلات في سوريا على التعبير عن إعجابها بالفتاة في نفس جلسة الرؤية الشرعية، من خلال عبارات متعارف عليها تحمل دلالات القبول، مثل قول والدة الشاب أو إحدى قريباته: "البنت من حصتنا" وغيرها من العبارات التي تشير إلى رغبة العائلة في المضي قدماً في إجراءات الخطبة.
كما يلجأ بعض الشباب إلى تقديم هدية خلال الجلسة فيما يُعرف بـ"حق الشوفة"، حيث يوضع مبلغ مالي في صينية القهوة أو هدية رمزية أو ثمينة تعبيراً عن إعجاب الشاب بالفتاة، فإذا كانت الفتاة موافقة على الارتباط، تحتفظ بالهدية، أما في حال عدم رغبتها في إتمام الزواج، فتُعيدها إليه في إشارة مهذبة إلى الرفض.
وبعد أن يعلن كلٌّ من الطرفين موافقته على الآخر، تنتقل العائلتان إلى مناقشة الإجراءات التالية: مثل تحديد قيمة المهر، والاتفاق على موعد الخطبة أو عقد القران، إضافة إلى الترتيبات المرتبطة بالسكن وتفاصيل حفل الزفاف وغيرها من الجوانب التنظيمية التي تسبق إتمام الزواج بشكل رسمي.
تروى رنا المصطفى، 25 عاماً من مدينة إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أنه عندما خطبها زوجها ضمن خطبة تقليدية، وخلال اللقاء الأول، الذي حضره والدها ووالدتها والعريس وعائلته، قدمت القهوة للعائلة وجلست معهم، وبعد أن شرب العريس فنجان القهوة، وضع مبلغاً من المال في صينية القهوة، وهو ما فهمته على أنه دلالة على موافقته ورغبته في إتمام الخطوبة والزواج.
وتضيف أنها شعرت بمزيج من الحرج والسعادة أمام أهلها، فحملت الصينية وذهبت إلى المطبخ، مشيرة إلى أنها تعتبر هذه اللحظة ذكرى جميلة من الخطوبة واللقاء الأول مع زوجها، وتحب أن تحكيها لأبنائها مستقبلاً، بل إنها تتباهى بها أحياناً أمام صديقاتها.
وتتباين الآراء حول تقليد "حق الشوفة" في المجتمع، إذ يرى البعض أنه يشكّل نوعاً من التكريم للفتاة وعائلتها ومبادرة لطيفة لإدخال الفرح إلى قلبها وإظهار جدية الشاب في الارتباط، كما يُنظر إليه على أنه عربون للموافقة.
في المقابل، يعتبر آخرون أنه قد يتحول إلى عبء إضافي على الشاب، خاصة في ظل الأوضاع المادية الصعبة، ولا سيما عندما تتنافس بعض العائلات في قيمة الهدية أو شكلها لإظهار مكانتها الاجتماعية، كما تعترض بعض الفتيات على هذه العادة، معتبرات أن ربط الهدية بالموافقة قد يضعهن تحت ضغط اجتماعي، ويرفضن أن يُحكم عليهن أو يُتخذ قرار الارتباط بناءً على الانطباع الأول أو المظهر الخارجي فقط.
في بعض الحالات تُختصر العادات التقليدية مثل الرؤية الشرعية، خصوصاً عندما يكون الشاب والفتاة على معرفة مسبقة، أو تربطهما صلة قرابة، أو تتقارب ظروفهما الاجتماعية مثل العيش في نفس الحي أو العمل في نفس المكان، فيتقدم الشاب مباشرة لأهل الفتاة، وينتظر موافقتهم قبل المضي في إجراءات الخطوبة، ويشمل هذا الإطار حالات الزواج عن حب والزواج غير التقليدي، حيث تُستبدل بعض المراحل التقليدية بما يتناسب مع ظروف الطرفين ورغباتهما الشخصية.
خلال سنوات الثورة السورية، ومع سفر العديد من الشباب خارج البلاد ورغبة عائلاتهم في تزويجهم فتيات من نفس الوسط المحيط، أصبح من الشائع إجراء الرؤية الشرعية عن بُعد، سواء عبر مكالمات الفيديو أو تبادل الصور أحياناً.
وفي بعض الحالات، يتواصل الطرفان عبر الهاتف قبل أي إجراءات رسمية للموافقة على الخطبة، ما أتاح لهما التعارف ضمن حدود الضوابط التقليدية رغم البعد الجغرافي، وقد امتد هذا التكيف ليشمل أحياناً إجراءات عقد القران، حيث ينوب عن الشاب أحد المحارم لإتمام العقد، على أن تسافر الفتاة لاحقاً للعيش مع زوجها.
وتبقى الرؤية الشرعية جزءاً من الزواج التقليدي السوري، إذ تتيح للشاب والفتاة التعرف على بعضهما ضمن حدود العائلة، لكنها قد تُختصر أو تُلغى في حالات الزواج عن حب أو عندما يكون الطرفان على معرفة مسبقة، كما ساهمت الظروف الحديثة، مثل سفر الشباب أو البعد الجغرافي، في انتقال الرؤية الشرعية أحياناً إلى تطبيقات التواصل، مع الحفاظ على إطار ضوابط العائلة.
٢٩ مارس ٢٠٢٦
تُعد علاقات الجيرة من أبرز الروابط الاجتماعية في سوريا، إذ لا تقتصر الصلة بين الجيران على التحية والاحترام والتعارف، بل تشمل مساندة بعضهم البعض، وتقديم الدعم المادي والمعنوي عند الحاجة، والمشاركة في شؤون الحياة اليومية بحلوها ومرها، ما يعكس عمق الترابط والتضامن بين الأفراد داخل الحي أو المنطقة الواحدة.
في هذا السياق، يعير السوريون اهتماماً كبيراً بسلوك وسمعة الجيران قبل الانتقال إلى أي حي أو منزل جديد، مسترشدين بالمثل الشعبي القديم "الجار قبل الدار"، الذي يؤكد أن معرفة الجيران لا تقل أهمية عن مواصفات السكن نفسه، لأن العلاقات معهم تؤثر مباشرة على حياتهم اليومية من الناحية الإيجابية أو السلبية، خاصة أنهم سوف يحتكون معهم بشكل متكرر.
أحياناً يكون الفرد بعيداً عن عائلته وأقاربه بسبب العمل أو ظروف الحياة المختلفة، ومن الطبيعي أن يواجه تحديات متعددة قد تخف وطأتها أو تزول تماماً حين يحظى بجيران ودودين ومحبين يهتمون به ويساعدونه عند تعرضه لأي ظرف، ما يساهم في ملء الفراغ الناتج عن غيابه عن أهله، وهو ما يعكس ثقة السوريين بمثلهم الشائع: "جارك القريب أفضل من شقيقك البعيد".
يمضي الجيران أوقاتاً طويلة معاً نظراً للقرب المكاني، حيث يتبادلون الأحاديث والهموم والقصص، ويقدمون الاستشارات والنصائح، كما يقضون لحظات ترفيهية تخفف عنهم الضغوط النفسية الناتجة عن مشكلات الحياة اليومية والتزاماتها.
يتجلّى الدعم بين الرجال في أوجه عملية متعددة، منها المساعدة في البناء والترميم والزراعة ونقل الأغراض، والمشاركة في حماية الحي وصيانة الممتلكات المشتركة، والمساهمة في حل النزاعات، إلى جانب تقديم الدعم عند الضائقات المالية ومساندة بعضهم في مختلف الظروف، ما يعكس روح التعاون والتكافل ويقوّي روابط الأمان الاجتماعي في الحي.
كما تتعاون السيدات داخل الحي أو المبنى في مختلف الظروف والمناسبات، فعند ولادة إحداهن أو تعرضها لطارئ مرضي، على سبيل المثال، تبادر جاراتها إلى الاهتمام بها، فيساعدن في تنظيف المنزل وإعداد الطعام والاعتناء بأطفالها الآخرين والاطمئنان عليها حتى تتعافى.
ويساعدن بعضهن بعضاً في التحضير للمناسبات الاجتماعية كحفلات الزفاف أو الخطوبة، وفي إعداد الموائد والطهي وغير ذلك من التجهيزات، كما تلجأ بعض الموظفات إلى ترك أطفالهن لدى جارات موثوقات أثناء غيابهن عن المنزل، ما يعكس وجود شبكة دعم متبادلة تخفف الأعباء اليومية وتعزز روح المساندة بين الجيران.
خلال سنوات الثورة السورية، اضطر آلاف السوريين إلى النزوح من قراهم ومدنهم نتيجة القصف والمعارك وسيطرة قوات النظام على مناطقهم، فاتجه بعضهم إلى مناطق أخرى داخل البلاد، سواء إلى مخيمات أو قرى أو مدن أكثر أماناً، فيما فضّل آخرون الهجرة إلى خارج سوريا بحثاً عن ظروف معيشية أفضل ومستقبل أكثر استقراراً.
وأثناء فترة النزوح الطويلة، بنى السوريون علاقات جيرة جديدة مع أشخاص قد يختلفون معهم في العادات والتقاليد وطريقة التفكير، إلا أنهم اجتمعوا على المحبة ومشاعر الأخوّة والرغبة في إنشاء روابط قائمة على المساندة والمشاركة، ما أتاح تبادلاً للثقافات والأفكار في مختلف جوانب الحياة.
ومن الأمثلة على تبادل الثقافات والأفكار بين الجيران، تعرفت العائلات على عادات غذائية وأنماط معيشة جديدة، إذ اطلعت كل عائلة على الأطباق وعادات الطهي وأساليب حفظ الطعام التي اعتادت عليها العائلات الأخرى، وشاركت بعضها تجاربها الخاصة في إدارة المنزل وتنظيمه.
كما تبادل الجيران خبراتهم حول التأقلم مع ظروف النزوح، والتعامل مع فقدان العمل، وإدارة الموارد المحدودة، وتعرّف كل طرف على تقاليد الطرف الآخر في المناسبات والأعراس والطقوس الاجتماعية.
جعلت العلاقات القوية والدعم المتبادل بين الجيران خلال سنوات النزوح عودة السوريين إلى مناطقهم الأصلية بعد تحرير البلاد لحظات مختلطة بين الفرح والألم، فالبعض شعر بالحزن لفراق الجيران الذين اعتاد عليهم خلال سنوات الغربة، وتمنوا لو أمكنهم العودة معهم إلى نفس الأماكن، لكن ذلك أمر غير ممكن.
انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي فيديوهات تظهر بكاء الأطفال عند مغادرتهم الأماكن التي اعتادوا عليها، ووداع أشخاص سوريين لجيرانهم، حاملةً مشاعر الحزن والدموع، وتعكس عمق التأثير العاطفي لهذه العلاقات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مصوراً لسيدة أردنية زارت بلدة الحراك في ريف درعا كي تلتقي بعائلة سورية كانت تجاورها خلال فترة تواجدهم في الأردن، وقالت معبرة عن تعلقها بهم: "ما قدرت على فراقكم، الحقتكم على السريع".
تقول سمر عدنان، أم لأربعة أطفال من إحدى بلدات ريف دمشق، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها خلال سنوات النزوح أقامت في مخيم في بلدة كفرلوسين بريف إدلب الشمالي حيث تعرفت على جارات من مناطق مختلفة، من ريف إدلب وريف حلب، وكانت تتبادل معهن القصص والذكريات وتمضي أوقاتاً ممتعة بعد الانتهاء من أعمال المنزل من تنظيف وطهي.
وتضيف أن هؤلاء الجارات كن بالنسبة لها أكثر من أخوات إذ وقفن إلى جانبها في لحظات المرض والولادة والحزن والفرح، وحتى بعد عودة كل واحدة منهن إلى مسقط رأسها بعد التحرير، ما زلن يتواصلن مع بعضهن البعض باستمرار.
يعكس حرص السوريين على الحفاظ على علاقات الجيرة قوة الروابط بين الأفراد والمجتمع، لا سيما أن الجيران يتعاونون مع بعضهم في مواجهة الأزمات اليومية ويقدمون الدعم في مختلف الظروف، مما يعزز الشعور بالانتماء والهوية الجماعية.
كما يظهر نجاحهم في إقامة صلات وثيقة مع جيران جدد بعد النزوح والغربة مدى قدرتهم على التكيف مع الظروف المتغيرة، إذ تمكنوا من بناء شبكات دعم متينة رغم اختلاف الخلفيات والبيئات، وهو ما يدل على حرصهم على استمرار الروابط المجتمعية وتعزيز التواصل مع الآخرين.
وفي الوقت ذاته، تدل هذه العلاقات على سعي السوريين للحصول على الأمان الاجتماعي والنفسي عبر الجيران الموثوقين، الذين يشكلون شبكة دعم تساعد في تخفيف شعور الوحدة أو العزلة، خصوصاً في الأوقات الصعبة مثل المرض، فقدان أحد أفراد الأسرة، أو الأزمات الاقتصادية.
تُعتبر العلاقات الاجتماعية التي تنشأ مع الجيران من أبرز الروابط التي يحافظ عليها السوريون في حياتهم اليومية، إذ تمنح الفرد فوائد متعددة تشمل التعارف وتبادل الخبرات والاستفادة المتبادلة، كما توفر هذه العلاقات ملجأ يمكن للفرد أن يجد فيه الدعم والحماية في مختلف الظروف، سواء في أوقات الفرح أو الحزن، بما يعكس الدور الحيوي للجيرة في تعزيز التضامن الاجتماعي والشعور بالأمان ضمن المجتمع.
٢٧ مارس ٢٠٢٦
تواجه العديد من السيدات السوريات مشكلة انشغال أزواجهن بالتواصل مع نساء أخريات عبر منصات التواصل الاجتماعي، في علاقات تتراوح بين التعارف والصداقة، وأحياناً تتخذ طابعاً عاطفياً قد يهدد استقرار العلاقة الزوجية، سواء إذا تطورت إلى اتفاق على الزواج أو أدى انشغال الزوج إلى إهمال أسرته وواجباته لصالح الطرف الآخر.
مع انتشار تطبيقات التعارف والدردشة وصفحات التواصل بشكل واسع، برزت ظاهرة "الخيانة الإلكترونية"، إذ صار بعض الأزواج يميلون إلى إقامة علاقات افتراضية مع نساء أخريات، ما ترك آثاراً سلبية على الزوجة والأبناء، وفي بعض الحالات وصل الأمر إنهاء العلاقة الزوجية بالطلاق، ما جعل التعامل مع هذه الظاهرة أمراً ضرورياً للحد من أضرارها.
أسباب انخراط الرجال في علاقات افتراضية عبر وسائل التواصل
تقول المعالجة النفسية صهباء الخضر في تصريح خاص لـ شبكة شام الإخبارية، إن هناك عدة أسباب قد تدفع بعض الرجال إلى الحديث مع نساء أخريات أو إقامة علاقات عبر منصات التواصل الاجتماعي، منها الشعور بنقص الاهتمام أو التقدير داخل العلاقة الزوجية، إلى جانب البحث عن الإعجاب أو تأكيد الذات من الآخرين، بالإضافة إلى الملل أو الروتين في العلاقة الزوجية.
وتضيف أن سهولة التواصل عبر صفحات التواصل دون رقابة أو حدود واضحة ساهمت في ازدياد هذه الظاهرة، إلى جانب ضعف مهارات التواصل لدى البعض أو عدم القدرة على التعبير عن الاحتياجات داخل العلاقة في بعض الحالات.
متضررات يروين معاناتهن
تقول آمال حسين، 29 عاماً من مدينة إدلب لـ "شام"، إنها واجهت هذه المشكلة مع زوجها، إذ كان يمضي أغلب وقته على الهاتف يتحدث مع نساء أخريات، أحياناً يدعي أنه أعزب ويبحث عن علاقة جدية، وأحياناً أرمل، وأحياناً أخرى زوج يشكو لهن من تقصير وإهمال زوجته له، مدعياً أنه باقٍ معي من أجل ابنتنا فقط، بينما الحقيقة كانت عكس ذلك تماماً.
وتضيف أنها كانت تشعر بالحزن والضيق عند رؤية المحادثات على هاتفه، مشيرة إلى أنها تركت المنزل عدة مرات وهددته بالانفصال بعدف جعله يتوقف عن هذه التصرفات، لكن دون جدوى، حتى وصل به الأمر إلى إهمال واجباته المنزلية وتحويل مبالغ مالية للنساء اللواتي يتحدث معهن، فقررت في النهاية طلب الطلاق وأخذ ابنتها معها.
في حين تروي ميسم الإبراهيم، 35 عاماً لـ "شام"، تقيم في ريف حلب، تجربتها مع الخيانة الإلكترونية، قائلة إن زوجها كان يقضي وقته في الحديث مع إحدى الشابات عبر الإنترنت أمامها، دون أي احترام لمشاعرها، وكان متعلقًا بالفتاة التي يتحدث معها بشدة، ما أدى إلى إهماله لها ولابنته الثلاثة.
وتضيف أنها صبرت على هذا الوضع رغم شعورها بالألم والضغط النفسي، من أجل بناتها والحفاظ على العلاقة الزوجية، إلا أن العلاقة تطورت لتصل إلى مرحلة التخطيط للزواج، حيث اشترطت الفتاة أن يطلق زوجته، فلبّى طلبها.
تداعيات الخيانة الإلكترونية
غالباً هذا النوع من تصرفات الزوج يثير لدى الزوجة مشاعر سلبية قوية تجاهه، إذ تتولد لديها مشاعر الغضب أو الكراهية، كما تفقد ثقتها به وينعدم شعورها بالاستقرار النفسي معه، ما ينعكس على حياتها اليومية وطريقة تعاملها مع الأسرة.
في هذا السياق، تشير المعالجة النفسية صهباء الخضر إلى أن هذا السلوك يترك أثراً نفسياً عميقاً على الزوجة، مثل الشعور بالجرح أو الخيانة وفقدان الثقة، وانخفاض تقديرها لذاتها، والتساؤل إن كانت مقصّرة، إلى جانب الشعور بالقلق والتوتر، وربما الحزن أو الغضب المستمر، بالإضافة إلى الشعور بعدم الأمان العاطفي داخل العلاقة.
وتؤكد أن الخيانة الإلكترونية قد تؤثر على العلاقة بعدة طرق، منها تراجع الثقة بين الزوجين، وزيادة الخلافات والتوتر داخل المنزل، إلى جانب ضعف التواصل العاطفي بين الزوجين، بالإضافة إلى تأثر الجو الأسري بشكل عام، وقد ينعكس ذلك حتى على الأطفال إذا استمرت المشكلة دون معالجة.
ويشير أخصائيون نفسيون إلى أن الخيانة الإلكترونية لا تؤثر فقط على الزوجة، بل تمتد آثارها إلى الأسرة بأكملها، فتضعف الروابط العاطفية بين الزوجين وتخلق فجوة في التواصل والثقة داخل المنزل، هذا التوتر المستمر قد يؤدي إلى صراعات متكررة، ويجعل الأطفال يعيشون في بيئة مليئة بالقلق والخلافات، ما ينعكس على شعورهم بالأمان داخل المنزل.
إرشادات للتعامل مع الخيانة الإلكترونية
ذكرت النساء اللواتي تحدثنا معهن أنهن لجأن إلى أساليب متنوعة لمواجهة ظاهرة الخيانة الإلكترونية، فمنهن من اختارت مواجهة الزوج مباشرة، ومنهن من تواصلت مع أفراد آخرين من العائلة للحديث معه، بينما فضلت أخريات تجاهل الموضوع في حال لم يؤثر على الأبناء واستقرار الحياة الزوجية.
في حين لجأت بعض السيدات إلى زيادة الاهتمام بالزوج، محاولةً تعزيز التواصل والرعاية، أو مراقبة تصرفاته بشكل أكبر، بهدف حماية العلاقة والحفاظ على استقرار الأسرة.
كما تنصح المعالجة صهباء الزوجات بالتعامل مع الموقف بهدوء قدر الإمكان في حال اكتشافهن أن أزواجهن يقيمون علاقات أو محادثات ذات طابع عاطفي مع أخريات عبر الإنترنت، مشددة على ضرورة عدم اتخاذ قرارات متسرعة في لحظة الغضب، ومحاولة فتح حوار صريح وواضح مع الزوج لفهم ما يحدث، إلى جانب التعبير عن المشاعر بصدق دون اتهام أو إهانة، ووضع حدود واضحة لما هو مقبول وما هو غير مقبول في العلاقة.
وتنوه إلى أن الخطوات الصحيحة التي يمكن أن يتبعها الزوجان معاً لمعالجة هذه المشكلة وتفادي تفاقمها تتمثل في التحدث بصراحة عن أسباب ما حدث دون تبرير السلوك الخاطئ، والعمل على إعادة بناء الثقة تدريجياً، إلى جانب تحسين التواصل العاطفي بينهما وقضاء وقت مشترك أكثر.
وتشدد على ضرورة وضع حدود واضحة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وفي بعض الحالات قد يكون من المفيد اللجوء إلى مختص أسري أو نفسي لمساعدة الطرفين على تجاوز الأزمة بطريقة صحيحة.
ويشير مختصون إلى أن مواجهة ظاهرة الخيانة الإلكترونية تتطلب جهوداً مجتمعية وتوعوية، تبدأ بتثقيف المجتمع حول مخاطر هذه الممارسات على الأسرة والعلاقات الاجتماعية، وينوهون إلى أهمية الحملات الإعلامية وورش العمل التي توضح حدود الحرية الرقمية وحقوق الأفراد، إضافة إلى تعزيز ثقافة الاحترام الرقمي والأمانة في التعامل عبر الإنترنت.
تُظهر الخيانة الإلكترونية والشتائم الرقمية تأثيراً سلبياً لا يقتصر على الزوجة، بل يمتد ليطال الأسرة بأكملها، فالإساءة العاطفية عبر الإنترنت تهدد استقرار العلاقة الزوجية، وتزرع الشك والخوف في نفوس الزوجة والأبناء، وتؤثر على الثقة المتبادلة بينهم، ما يجعل التعامل مع هذه الظاهرة أمراً ضرورياً للحفاظ على سلامة الأسرة واستقرارها النفسي والاجتماعي.
٢٧ مارس ٢٠٢٦
مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي وتحولها إلى فضاء يومي للتفاعل بين آلاف المستخدمين، أصبحت الشتائم والعبارات الجارحة حاضرة في كثير من النقاشات والمنشورات، حيث تتحول الخلافات أحياناً إلى تراشق بالألفاظ واتهامات علنية سواء عبر التعليقات أو المنشورات العامة، في مشهد يتكرر بشكل ملحوظ على مختلف المنصات.
وتترك هذه الممارسات آثاراً سلبية على الأشخاص المتعرضين لها، إذ يشعر بعضهم بالإحراج أو الغضب أو التوتر نتيجة التعليقات المسيئة أو الاتهامات العلنية، خاصة عندما تكون منشورة أمام جمهور واسع، ما يزيد من حدة الموقف ويجعل تأثيرها أكبر مقارنة بالخلافات الواقعية المباشرة.
كما قد تؤدي إلى تشويه سمعة المتضرر، إذ تنتشر أحياناً معلومات كاذبة أو مبالغ فيها عن حياته أو سلوكه، ما ينعكس سلباً على علاقاته الاجتماعية والمهنية ويضاعف من وطأة التأثير النفسي لهذه التجاوزات.
التعدد المعنوي للجرائم
يقول المحامي باسل موسى في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن القصور في فهم طبيعة "العلنية" في وسائل التواصل الاجتماعي أدى إلى استباحة كرامات الأشخاص، ظناً من الفاعلين أن الشاشة حاجز يمنع الملاحقة.
ويضيف أنه بصفته متخصصاً في القانون الجزائي والمدني، يؤكد أن الفعل الجرمي المرتكب عبر الشبكة يقع تحت طائلة "التعدد المعنوي للجرائم"، حيث يمس الحق العام (العقوبة) والحق الخاص (التعويض).
العقوبات الجزائية للجرائم الإلكترونية في القانون السوري
وأوضح أن الشق الجزائي، المتمثل في قانون العقوبات وقانون مكافحة الجريمة المعلوماتية، ولا سيما القانون رقم 20 لعام 2022، والمتكامل مع قانون العقوبات العام، يحدد المسؤولية الجزائية وفق الآتي: جرم الذم الإلكتروني المنصوص عليه في المادة 25، والذي يُقصد به نسبة أمر محدد إلى شخص من شأنه أن ينال من شرفه أو كرامته، وتصل عقوبته إلى الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة، إضافة إلى غرامة تتراوح بين 500 ألف ومليون ليرة سورية.
كما أشار إلى جرم القدح الإلكتروني المنصوص عليه في المادة 24، والذي يتمثل في توجيه عبارات إهانة أو تحقير إلى شخص دون نسبة أمر محدد إليه، وتصل عقوبته إلى الحبس من شهر إلى ستة أشهر، إضافة إلى غرامة تتراوح بين 200 ألف و500 ألف ليرة سورية.
أما النيل من الكرامة المنصوص عليه في المادة 26، فيشير إلى الحالات التي تتجاوز فيها الإساءة حدود القدح لتصبح تحقيراً يمس الصميم الأخلاقي أو الاجتماعي للمجني عليه، وتصل العقوبة فيها إلى الحبس من ستة أشهر إلى سنتين، إضافة إلى غرامة قد تصل إلى مليوني ليرة سورية.
وتشدد العقوبة وفق قواعد قانون العقوبات في حال ارتكب الجرم ضد موظف عام أثناء ممارسة وظيفته أو بسببها، أو إذا كان الدافع وراء الفعل هو الابتزاز، ما يزيد من حجم المسؤولية القانونية والعقوبة المترتبة على الفاعل.
المسؤولية المدنية والتعويض عن الجرائم الإلكترونية
يشير موسى لـ "شام" إلى الشق المدني (المسؤولية التقصيرية والتعويض)، مضيفاً أنه بموجب المادة 164 من القانون المدني، لا تُبرَّأ ذمة الجاني بمجرد قضاء العقوبة الحبسية، بل يظل ملزماً بجبر الضرر الناتج عن جريمته. ويشمل ذلك التعويض المعنوي، الذي يُقدَّر بقيمة نقدية تتناسب مع حجم الإساءة ومكانة المجني عليه الاجتماعية والمهنية.
والتعويض المادي: في حال ترتب على الإساءة خسارة تجارية أو وظيفية (خاصة في القضايا التجارية التي تدخل في صلب اختصاصي)، إلى جانب نشر الحكم: إلزام المحكوم عليه بنشر خلاصة حكم الإدانة على نفقته الخاصة في الوسيلة ذاتها التي استخدمها للإساءة، كنوع من رد الاعتبار المدني.
إجراءات التقاضي وحماية الحقوق الرقمية
وفيما يتعلق بالإجراءات والقواعد الإجرائية (قانون أصول المحاكمات الجزائية)، ينوه المحامي باسل إلى أن تحريك الدعوى يتطلب إجراءات فنية وقانونية دقيقة، فبالنسبة للخبرة الفنية يتطلب الأمر مراجعة إدارة مكافحة الجريمة المعلوماتية لإجراء الخبرة الرقمية وتحديد هوية الفاعل (عن طريق IP Address) وضمان عدم التنصل من التهمة بحجة "سرقة الحساب".
والادعاء بالحق الشخصي: تقديم الادعاء أمام قاضي التحقيق أو محكمة الجنح المختصة بالجرائم المعلوماتية، مع التمسك بكافة وسائل الإثبات الرقمية، ويعطي موسى قاعدة بأن "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"، مشيراً إلى أن التوعية القانونية هي السد المنيع؛ والمجتمع الواعي يدرك أن "حرية التعبير" تنتهي عند حدود "حرية الآخرين وكرامتهم".
ويؤكد باسل موسى أن تلازم العقوبة الجزائية الزاجرة مع التعويض المدني الرادع هو الكفيل بالحد من هذه الظاهرة، ويشدد بصفته محامياً مختصاً، على أن القانون السوري أصبح اليوم أكثر حزماً في حماية الخصوصية الرقمية، وأن حق المتضرر لن يضيع طالما سلك الطرق القانونية الصحيحة.
الآثار النفسية والاجتماعية للشتائم الرقمية
يشير أخصائيون نفسيون إلى أن التعرض للشتائم والقذف على منصات التواصل الاجتماعي يترك آثاراً سلبية واضحة على الأفراد، إذ يؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس، وزيادة التوتر والقلق، وأحياناً مشاعر الاكتئاب والإحباط، فهذه الممارسات الرقمية، رغم كونها غير مباشرة، قد تكون مؤذية بقدر كبير خاصة إذا تكررت أو كانت مستهدفة السمعة الشخصية والمهنية للفرد.
ويؤكدون أن لهذه الظاهرة انعكاسات اجتماعية، إذ يمكن أن تحد من قدرة الشخص على التعبير عن رأيه بحرية، وتؤثر في علاقاته الأسرية والاجتماعية، لذلك يشددون على أهمية التوعية بالقوانين الخاصة بحماية الحقوق الرقمية، إلى جانب الدعم الاجتماعي والنفسي، كخطوات أساسية للتقليل من تأثير الشتائم والقذف على الصحة النفسية للأفراد.
وتبقى ظاهرة الشتائم والقذف على منصات التواصل الاجتماعي أحد المشاكل التي تؤثر سلباً على الأفراد نفسياً واجتماعياً، ما يجعل الوعي بالقوانين الرقمية وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي من الأدوات الضرورية للحد من آثارها وحماية كرامة المستخدمين.
٢٧ مارس ٢٠٢٦
ما تزال بعض العائلات في سوريا تتمسك بأساليب تقليدية عند البحث عن زوجات لأبنائها، إذ تلجأ الأمهات في كثير من الأحيان إلى زيارة عدة منازل والاطلاع على أكثر من فتاة قبل الاستقرار على من يرين أنها الأنسب من حيث الصفات والشروط التي يضعنها مسبقاً.
وفي بعض الحالات، تتبع بعض السيدات أساليب في تقييم الفتاة تشبه تلك التي تُعرض في المسلسلات الشعبية، مثل فحص نظرها وسمعها وطولها وجمالها الطبيعي، وهي ممارسات قد تُشعر بعض الفتيات بعدم الارتياح أو الحرج، خاصة عندما تتم بصورة مباشرة.
وجهات نظر النساء حول هذه العادات
ويعود سبب قيام بعض النسوة بهذه الممارسات إلى اعتقادهن بأنها جزء من العادات الاجتماعية المتوارثة، إذ ترى كثيرات أن هذا الأسلوب أثبت نجاحه في إتمام زيجات مستقرة على مدى سنوات طويلة.
وتقول بعض السيدات إنهن تعلمن هذه الطريقة من الأمهات والجدات، اللواتي كنّ يعتبرنها الوسيلة المفضلة لاختيار زوجة مناسبة من المواصفات المميزة، في ظل معتقدات اجتماعية قديمة ما تزال حاضرة في أذهان عدد من العائلات حتى اليوم.
في هذا السياق تقول سماح الحمود (60 عاماً)، أم لـ 8 أولاد، من ريف إدلب الجنوبي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن هذه العادة موجودة منذ زمن طويل، وتعد من الأساليب المألوفة التي تستخدمها النساء عند البحث عن عروس مناسبة.
وتوضح أنها اتبعت هذه الطريقة في تزويج أبنائها، كما خُطبت بناتها بالطريقة نفسها، معتبرة أن الأمر طبيعي ولا يسبب حرجاً، منوهة إلى أنها كانت تستقبل أي سيدة تزور منزلها باحترام، سواء كانت قادمة للتعارف فقط أو بغرض خطبة ابنتها، مؤكدة أن هذا الأسلوب جزء من الأعراف الاجتماعية المتعارف عليها في بيئتها.
اختلاف وجهات النظر حول أساليب الخطبة التقليدية
وتتباين الآراء حول هذه الأساليب التقليدية في الخطبة والزواج، فبينما ترى بعض الفتيات أنها جزء من عادات اجتماعية مألوفة في المنطقة، ترفضها أخريات وتعتبرنها انتقاصاً من شأن الفتاة، خاصة عندما تتصرف بعض السيدات بتعالٍ أو غرور أثناء الزيارة، أو يقمن بزيارة منزل الفتاة دون موعد مسبق، أو يحاولن تفقد تفاصيل المنزل للتأكد من نظافته دون إذن، وهو ما تراه بعض الأسر تجاوزاً لخصوصيتها، وغيرها من التصرفات غير الجيدة.
الآثار النفسية للفتيات
يشير أخصائيون نفسيون إلى أن الأساليب التقليدية في البحث عن العرائس قد تترك أثراً نفسياً على الفتيات، إذ يجدن أنفسهن موضع تقييم مستمر، سواء من خلال التركيز على مظهرهن أو صفاتهن الشخصية، أو المقارنات مع فتيات أخريات، ما قد يولد شعوراً بالحرج والضغط النفسي، ويؤدي أحياناً إلى انخفاض الثقة بالنفس، خصوصاً إذا تم رفضهن بشكل متكرر دون تفسير واضح، وهو ما يبين أن هذه الممارسات لا تقتصر على كونها تقليد اجتماعي فحسب، بل تمتد لتؤثر على الحالة النفسية للفتيات اللواتي يمررن بها.
في الوقت ذاته يرفض العديد من الشباب الزواج عن طريق تدخل أمهاتهم ولا يهتمون بالوسائل التقليدية، ويفضلون اختيار شريكة حياتهم بأنفسهم بناءً على معايير يحددونها هم شخصياً، مثل المستوى التعليمي، السمعة، الجمال، وغيرها من الصفات التي يرغبون بوجودها في الزوجة.
تأثير الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي
أدى دخول الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في إحداث تغيير نوعاً ما على أساليب التعارف والزواج التقليدية، إذ أتاح للشباب فرصاً للتعارف والدردشة وبناء علاقات قبل اتخاذ قرار الزواج، كما ساهم في توسيع دائرة الاختيار لتشمل مناطق وأشخاصاً أبعد من الدائرة التقليدية للأهل والمعارف، وقد أسفرت هذه الوسائل عن العديد من الزيجات الناجحة التي تمت عن طريق الإنترنت.
تراجع تقبل هذه الممارسات لدى الجيل الأصغر
كما يؤكد الأخصائيون الاجتماعيون أن تغير أنماط الحياة وارتفاع مستوى التعليم وازدياد وعي الفتيات بحقوقهن أدى إلى تراجع تقبل هذه الممارسات لدى الجيل الأصغر، الذي بات يميل إلى علاقات تقوم على التعارف المباشر والاحترام المتبادل قبل اتخاذ قرار الزواج.
تقول علا قطيش، طالبة في السنة الثالثة بكلية التربية، في حديث لـ شام، إنه من المستحيل أن تقبل بالزواج بالطريقة التقليدية التي تأتي فيها سيدة لتعاينها وكأنها بضاعة، حسب وصفها.
وتشير إلى أنها عندما تفكر في الزواج ترغب في شاب يعرفها مسبقاً ويكون مقتنعاً بها تماماً من حيث شخصيتها ومظهرها، ويكون هو من اختارها وليس والدته، مؤكدة رفضها لفكرة أن يقرر لقاء عابر أو نظرة قصيرة مصيرها.
رغم تغير أنماط الحياة ودخول منصات التواصل الاجتماعي التي أتاحت فرصًا أوسع للتعارف، ما تزال بعض العائلات السورية متمسكة بعاداتها وتقاليدها في البحث عن عروس لأبنائها، محافظة على أساليب تقليدية متوارثة، فيما يقبل بعض الفتيات بها بينما ترفضها أخريات.
٢٦ مارس ٢٠٢٦
يحافظ المجتمع السوري على تراث غني بالأمثال الشعبية التي تُستعمل في مواقف متنوعة من الحياة اليومية، بعضها يعكس الحكمة والخبرة، وبعضها الآخر يُستخدم للترفيه والكوميديا، بينما تشير أخرى إلى مشكلات اجتماعية متكررة أو تحكي قصصاً قديمة تنتقل عبر الأجيال.
وفي هذا السياق، تُعد عبارة "يقول المثل" تعبيراً تقليدياً شائعاً بين كبار السن للتأكيد على رأي معين أو حدث سابق، فيما تُستعمل جملة "أهل أول ما في شي ما قالوه" للدلالة على أن ما قيل في الماضي أصبح حقيقة تحمل عبرة في الحاضر، ويُوظف هذا النوع من العبارات لتعزيز موقف المتحدث أو دعم وجهة نظره في أمر ما.
وتُعتبر الأمثال جزءاً من ثقافة وهوية المجتمع في سوريا، نقلها الأجداد عبر التاريخ شفهياً من جيل إلى ٱخر، وتوجد أيضاً في المجتمعات العربية الأخرى وحتى في الغربية، مع بعض التعديلات الطفيفة في الصياغة، بينما يبقى جوهرها وفكرتها ومعناها كما هي.
وعادة تقال في لحظة تكون تتناسب مع معناها وحكمتها، سواء ضمن مواقف كوميدية، أو أخرى جدية، لتعكس جوانب مختلفة من الحياة اليومية في المجتمع السوري، مثل علاقة الحماة بالكنة أو علاقة الزوج بزوجته، أو النشاط والعمل، البخل والكرم والثقة، وغيرها.
فعلى سبيل المثال، يُقال "الطريقة الوحيدة إلى قلب الرجل طريق معدته" للدلالة على أن إرضاء الزوج يبدأ بطهو الأطعمة اللذيذة له، ومثل آخر "الطيور على أشكالها تقع" يوضح أن الشخص عادةً يشبه من يصادقه، أو يُقال "ذلك الشبل من ذلك الأسد" أو بمعنى ٱخر "فرخ البط عوام"، الدلالة على أن الابن يشبه والده في كثير من الصفات والتفاصيل، وغيرها.
ومن الأمثال ما تتحدث عن الصراعات العائلية التي تندلع بين الحماية والكنة، مثل: "مكتوب على باب الجنة، ما في حماية بتحب كنة"، "ياما تحت السواهي دواهي" تعكس حقيقة أن المظهر الخارجي لبعض الأشخاص قد يخفي ما في داخلهم، سواء كان ذكاءً، مواهب، أو حتى خبثا وأمورا أخرى.
كما يوجد أمثال أخرى لها علاقة بالثقة والرجال، مثل: "يا مٱمنة بالرجال يا مٱمنة بالمي بالغربال"، في إشارة إلى أن الرجال لا يمكن الوثوق بهم خاصة فيما يتعلق بموضوع الإخلاص للزوجة والتفكير بالزواج مرة أخرى، وأحياناً يقدم هذا المثل كنصيحة السيدات كي لا يثقن بأزواجهن بطريقة مطلقة.
بعض الأمثال تتناول الأمور المستحيلة إخفاؤها أو أخطاء الإنسان التي لا يراها، كمثل "ثلاث أشياء ما بتتخبى: الحب والحبل وحردبة الجمل"، في إشارة إلى أن هذه المواضيع بالذات لا يمكن أن تبقى سرية، إضافة إلى المثل القائل "الجمل ما بشوف حردبته"، الذي يوضح غياب وعي الشخص بأخطائه، إلى جانب عشرات الأمثال الأخرى التي تحمل دروساً وملاحظات حياتية دقيقة.
غالباً ما يكون خلف كل مثل حكاية وسبب لقوله، فلمثل المتداول "طب الجرة ع تمها بتطلع البنت لأمها" في إشارة إلى أن الابنة تشبه والدتها بكثير من التفاصيل، ويقال إن قصة المثل تعود إلى رواية جلب الماء، التي تحكي أن امرأة كانت تعود من النبع متعثرة وتكسر جرّتها، وفي أحد الأيام طلبت من ابنتها (الموصوفة بالجمال والمهارة) جلب الماء، إلا أن البنت تعثرت في نفس الطريق وكسرت الجرة، فقالت الجدة: "طب الجرة على تمها، تطلع البنت لأمها".
وفي رواية أخرى قيل إن قديماً في المجتمع السوري، لم يكن مسموحاً للفتيات الصعود إلى السطح، فكن يقضين وقتهن في ساحة المنزل، والأمهات تنشر الغسيل على السطح، وعندما تريد من ابنتها أمر ما دون إثارة انتباه الجيران أو تضطر لمناداتها باسمها، كانت الأم تستخدم وسيلة ذكية، عن طريق وضع جرة على السطح وقلبها على فوهتها، فيصدر صوت يصل إلى الابنة، فتعرف أن والدتها تريد منها شيئاً فتأتي لتلبية طلبها.
ولا يقتصر حضور الأمثال على الحياة اليومية فحسب، بل يمتد إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تنشأ صفحات متخصصة بالتراث والعادات والتقاليد الشعبية السورية، وتشارك الأمثال مع قصصها أحياناً على سبيل الفكاهة أو الحكمة، وغالباً تبدأ بعض الأمثال بعبارة "قالت جدتي" و"خبرتني ستي"، ما يضفي طابعاً شخصياً وحياً على المحتوى.
تقول منار الأسود، طالبة جامعية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن هذه الأمثال مميزة لأنها تحمل حكمة الأجيال، وغالباً ما تسمعها من النسوة المعروفات بحكمتهن أو من الجدات، مضيفة أن بعض السيدات يربطن كل حديث بمثل مناسب، ما يجعل الحوار ممتعاً ومسلياً ويعكس خبرة عملية في التعامل مع المواقف اليومية.
وتضيف منار أن قبل انتشار الأجهزة الذكية، كان البعض يعرف لكل مثل معنى واحداً فقط، أما الآن، فمع توفر البحث عبر التكنولوجيا، أصبح بالإمكان الاطلاع على القصة الكاملة وراء كل مثل، وأسباب تداوله، وأبعاده ومعانيه المختلفة، مما منح الأمثال قيمة أكبر بحسب رأيها.
رغم أن استخدام الشباب للأمثال أصبح أقل شيوعاً، إلا أن حضورها في الذاكرة الشعبية ما زال قوياً ومميزاً، حيث تختصر خبرات الحياة وحِكمها، وتمزج بين فصاحة التعبير وعاميته ما يجعلها تصل إلى النفوس مباشرة دون الحاجة إلى شرح أو تفصيل.
ويعكس تمسك السوريين بالأمثال الشعبية وتداولها في حياتهم اليومية، وفق المواقف التي تناسبها، حرصهم على الحفاظ على هويتهم الثقافية، خاصة أن هذه الأمثال تحمل خبرات الأجداد، وتُظهر الرغبة في الاحتفاظ بالتراث والارتباط بالهوية السورية رغم التغيرات والظروف المتقلبة.
كما تمثل وسيلة لنقل الخبرة والحكم إلى الأجيال الجديدة، وتقديم دروس الحياة بطريقة مبسطة، مثل نصائح حول العلاقات الاجتماعية والحياة الزوجية وغيرها، عدا عن كونها تُستخدم للتعبير عن الرأي في الموقف بطريقة مقبولة تسهّل التواصل والفهم بين الناس، إذ تمزج بين الطرافة والحكمة، ما يجعلها جذابة للذكر والاستماع سواء في المواقف الجدية أو اليومية.
٢٦ مارس ٢٠٢٦
عاشت آلاف الأمهات السوريات مرارة فقدان أبنائهن خلال سنوات الثورة السورية، بعدما طالتهم حملات الاعتقال أو القصف على يد قوات النظام البائد، وبينما كانت كثيرات ينتظرن أن يكبر أبناؤهن ويحققوا أحلامهم في مستقبل أكثر أماناً، وجدن أنفسهن يواجهن فراغاً قاسياً خلّفه غيابهم وذكريات لا تغيب عن تفاصيل حياتهن اليومية.
في هذا السياق تبرز قصة السيدة غادة محمد العبار، الملقبة بـ “أم غياث”، البالغة من العمر 63 عاماً والمقيمة في مدينة داريا بريف دمشق، والتي فقدت أربعة من أبنائها؛ أحدهم توفي وهو طفل، فيما اعتُقل ثلاثة من أبنائها الشباب على يد قوات النظام البائد، إذ تسلّمت جثمان أحدهم، بينما وصلتها ورقة رسمية تفيد بوفاة الثاني، في حين لا تزال لا تعلم حتى اليوم مصير ابنها الثالث.
وتقول أم غياث في حديث لـ شبكة شام الإخبارية، إنها أم لستة أولاد، أربعة ذكور وابنتين، هم شادي وأنس وحازم وغياث، إضافة إلى إيناس وسوزان، موضحة أن ابنها البكر شادي توفي وهو في الرابعة من عمره، لكنها بقيت تُعرف منذ ذلك الحين بلقب “أم شادي”، وبعد أن استشهد ابنها غياث صارت تكنى بأم غياث.
وتضيف أن لديها أربعة أحفاد، اثنان من ابنها أنس وهما هادي وشادي مطر، وابن من حازم اسمه رامي، فيما أطلقت على ابن غياث اسم والده نفسه، إذ وُلد بعد وفاة أبيه بثلاثة أشهر، أي عاش اليتم حتى قبل مجيئه إلى الدنيا.
بدايات الثورة
وتعود أم الشهداء الثلاثة بذاكرتها إلى بدايات الثورة، مستذكرة ابنها الأصغر غياث الذي كان أول من تشجع للمشاركة فيها، مشيرة إلى أنه منذ صغره كان يتسم بالشجاعة والشهامة ويتمتع بعزة نفس ومبادئ واضحة، مضيفة أنها منذ البداية لم تكن ترغب في مشاركته خوفاً عليه من قوات النظام المخلوع المعروفة ببطشها، خاصة أنهم لم يكونوا يملكون ما يمكنهم من مواجهتها.
"لا أريد أن يحصل لأولادي ما حصل مع أطفال درعا".
وتردف أم غياث أن ابنها غياث ومجموعة من أصدقائه اختاروا طريق السلمية خوفاً من إراقة الدماء، ظناً منهم أن النظام البائد قد يستجيب لمطالبهم التي كانت مطالب حق بسيطة يمكن تحقيقها للعيش بسلام وأمان، وتشير إلى أن عبارة غياث المأثورة لا تغيب عن ذهنها، حيث كان يقول دائماً: "لا أريد أن يحصل لأولادي ما حصل مع أطفال درعا".
وتتابع أن ابنها غياث ورفاقه تعرضوا لمضايقات مستمرة وعمليات بحث ومداهمات لمنازلهم من قبل قوات النظام البائد، وكان السبب أن كتيبة دخلت داريا ومع حرص غياث ورفاقه على سلامة المدينة وسكانها استقبلوها بالورد وزجاجات الماء، لكن النظام اعتبر هذا التصرف خطراً كبيراً، أخطر من السلاح نفسه.
قوات الأسد سرقوا أعضاء غياث
وتشير إلى أنه تم نصب كمين لغياث واعتقاله في صحنايا مع رفيقيه معن ويحيى الشربجي في السادس من أيلول عام 2011، وقد استمر اعتقاله لفترة قصيرة للغاية، ثلاثة أيام فقط، قبل أن تتسلم جثته وعليها آثار التعذيب، وتم تشييعه وسط تضييق على البلد وأهله، في محاولة لإخفاء جريمة سرقة أعضائه، ما زاد من إصرار أشقائه أنس وحازم على متابعة الطريق الذي اختاره.
اعتقال حازم وأنس ومرارة الإخفاء القسري
تكمل أم غياث سرد مأساة أسرتها، مشيرة إلى أن ابنها حازم تم اعتقاله عام 2012، ولم تعرف مكان احتجازه إلا بعد خمس سنوات حين علمت أنه محتجز في صيدنايا، وزارته لمدة سنتين، كل سنة سبع مرات، مقابل دفع مبالغ مالية لكل زيارة.
وفي عام 2017 تسلمت رقم جثته وتاريخ وفاته، مؤكدة أنه لم يكن على الجبهة ولم يحمل سلاحاً، وأن اعتقاله تم أثناء تواجده في الشارع بسيارته، بينما كانت التهمة الموجهة إليه توزيع معونة وسلال غذائية على ما وصفه النظام البائد بـ “الإرهابيين”.
أما ابنها الثالث أنس فتم اعتقاله عام 2013 وكان هذا اعتقاله الثاني ولم تسمع عنه أي خبر منذ ذلك الحين وقد جرى اعتقاله من المنزل فقط لأنه شقيق غياث، تشير إلى أنها بحثت بكل الأفرع لم تجد له اسم لابين الأحياء ولا الأموات.
هذا الوضع جعلها تعيش مرارة الاختفاء القسري، خاصة أنها لم تستلم جثمان ابنها ولا تعلم مكان دفنه، مؤكدة أن ذلك زاد من معاناتها، كما أنها لم تتسلم جثة ابنها حازم أيضاً، بل وصلت إليها ورقة صغيرة تحتوي على تاريخ الوفاة ورقم الجثة فقط، وتم تحويلها إلى مشفى تشرين لاستلام شهادة وفاة، لكنها لم تذهب لأنها لم تكن مقتنعة.
اللقاء مع الرئيس الشرع ومطالب أمهات الشهداء
مؤخراً استضاف الرئيس أحمد الشرع مجموعة من أمهات الشهداء والمختفين قسراً بمناسبة عيد الأم، وكانت أم غياث من بين الحاضرات، خلال اللقاء ركزت على مطلبها الأساسي بعدم التراجع عن حق العدالة ومحاسبة المجرمين، مؤكدة أن تحقيق العدالة يشمل إعادة البيوت والأراضي المنهوبة وإعمار المنازل المهدمة وتأمين حياة كريمة لأبناء الشهداء وذويهم.
واعتبرت أن إحقاق العدالة هو النصر الحقيقي للثورة، وأشارت في ختام حديثها إلى أن هذا المطلب لا يخصها وحدها فقط بل يمثل صوت كل الأمهات: العدالة ثم العدالة، والكشف عن مصير المعتقلين وتأمين العيش الكريم لأسرهم.
٢٦ مارس ٢٠٢٦
تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي برامج تهدف إلى تقديم المساعدة للمحتاجين مباشرة عبر الدعم النقدي والغذائي والطبي وغيره، كما تعتمد العديد من الفرق التطوعية والمنظمات على تغطية نشاطاتها عبر عدسات الكاميرات، ورغم دور هذا التوثيق في إيصال الدعم وتحفيز المجتمع على المشاركة، فإن نشر الصور والفيديوهات التي تظهر المستفيدين يضعهم أحياناً في مواقف محرجة ما يترك أثراً نفسياً واجتماعياً على حياتهم.
تتنوع مصادر تمويل هذه البرامج بين تبرعات مقدمة من فاعلي خير أو مطاعم ومحلات تجارية أو منظمات محلية وغيرها، وتحظى في الوقت ذاته بمتابعة ملحوظة على منصات التواصل الاجتماعي لطابعها الإنساني، كما يسهم نشرها عبر حسابات صانعي محتوى أو ناشطين لديهم جمهور كبير في زيادة انتشارها ووصولها إلى عدد أكبر من المتابعين.
بين هدف التوثيق وردود الفعل الاجتماعية
ورغم أن القائمين على هذه البرامج ينشرون الصور والفيديوهات لدوافع إيجابية تتعلق بتوثيق النشاطات وتشجيع الآخرين على المشاركة والتبرع، فإن ظهور المستفيدين على منصات التواصل قد يعرضهم أحياناً لردود فعل نقدية من بعض أفراد المجتمع، ما يترك أثراً نفسياً واجتماعياً، رغم أن طلب المساعدة في أوقات الأزمات والحاجة يعد أمراً طبيعياً جزءاً من التكاتف المجتمعي والهدف من تقديم الدعم يظل إنسانياً.
تجنب المشاركة لتفادي الحرج
تختلف وجهات النظر حول هذه المبادرات، فبينما يشيد البعض بها ويعتبرها وسيلة نبيلة لدعم المحتاجين والفئات الهشة في المجتمع كالفقراء والمرضى والمتضررين خلال السنوات السابقة، يدعو آخرون إلى إعادة النظر في أسلوب تقديم المساعدة، والبحث عن طرق أخرى تحفظ كرامة المستفيد وتجنبه التعرض للانتقادات اللاذعة داخل مجتمعه.
وأكد بعض الأشخاص الذين تحدثنا معهم أنهم يميلون إلى تجنب المشاركة في مثل هذه البرامج، رغم حاجتهم الفعلية للدعم، خشية التعرض لردود فعل سلبية من المحيط الاجتماعي، فيما يلجأ آخرون خلال عمليات التوزيع الإغاثية أو المبادرات الميدانية للفرق التطوعية والمنظمات إلى إخفاء وجوههم، وتجنب الكاميرات، أو إرسال أبنائهم بدلاً عنهم، حفاظاً على خصوصيتهم وتقليل أي إحراج محتمل.
في هذا السياق، يقول محمود العبد الله، أب لطفلين ومقيم في إحدى قرى ريف إدلب الجنوبي، في حديثه لشبكة شام الإخبارية، إن ابنه بعد ولادته عانى من مشاكل في النمو ونقص الأكسجة وكان بحاجة إلى علاج، موضحاً أن البعض نصحه بنشر حالة الطفل المريض على منصات التواصل، لكنه رفض ذلك خوفاً من التعليقات السلبية.
ويضيف أنه تابع علاج ابنه عند طبيب عصبية في مدينة إدلب، وتطلب الأمر زيارات متكررة بشكل شهري، مما كبده نفقات مالية تشمل تكاليف النقل والكشف والدواء، مشيراً إلى أن الأعباء المالية مؤقتة، بينما الصورة أو الفيديو المنشور قد يبقى لسنوات ويترك أثراً مستمراً على حياته وربما على حياة طفله.
عندما تتحول المساعدة إلى موقف محرج
يقول أحد الأشخاص، الذي فضل عدم الإفصاح عن اسمه في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه قبل سنوات صوّره ناشط إعلامي أثناء حديثه عن معاناة ابنيه من مرض وحاجتهما إلى دواء لم يكن قادراً على تأمينه بسبب الوضع الاقتصادي وظروف النزوح القاسية، مشيراً إلى أن هدف الناشط كان إيصال صوته إلى الجهات التي من الممكن أن تساعده.
ويضيف أن بعد انتشار الفيديو تواصلت معه إحدى المنظمات الإنسانية وقدمت له المستلزمات الطبية وهناك أشخاص دعموه بمبالغ مالية، إلا أن بعض أهالي قريته انتقدوه لاحقاً، متهمين إياه باستغلال حالة أبنائه للحصول على المال، ما سبب له إحراجاً كبيراً خاصة بعد تداول الفيديو فيما بينهم وتعليقاتهم المبالغ فيها.
الفرق بين توثيق المنظمات والتصوير الإعلامي
ومن وجهة نظر الصحفية أميمة محمد في حديث لشبكة شام الإخبارية، فإن تصوير الأهالي خلال تقديم المساعدات من قبل المنظمات يختلف عن تصويرهم بواسطة الإعلاميين، مشيرة إلى أن توثيق المنظمات للمساعدات من أجل دعم المانحين أو متابعة المشاريع أمر طبيعي، أما عندما يقوم الإعلاميون بتصوير الحالات ونشرها على نطاق واسع، فإن ذلك يخلق وضعاً مختلفاً قد يضع المستفيدين في مواقف محرجة.
وتضيف، أن بعض المستفيدين يفضلون عدم انتشار صورهم أو فيديوهاتهم على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة النساء اللواتي قد لا يكنّ على دراية كاملة بتداعيات ظهور صورهن أو صور أطفالهن أثناء تلقي المساعدة، مما قد يؤدي لاحقاً إلى شعورهن بالحرج أو الندم، الأمر الذي قد يجعل العواقب السلبية تفوق الفوائد في هذا المجال.
وتشير إلى أن عمل المنظمات يحمل إيجابيات واضحة، من بينها توثيق الدعم المقدم للداعمين لضمان استمراريته، والتركيز على الحالات الأكثر احتياجاً، خاصة في المناطق المتضررة التي تتطلب إعادة إعمار، كما يشجع هذا التوثيق على إطلاق مشاريع إعادة الإعمار، مع التأكيد على أن المنظمات تعمل وفق نظام الموافقة المستنيرة قبل التصوير.
وتردف أن التصوير عبر الإعلاميين يختلف عن عمل المنظمات، مؤكدة أنها لا تشجع على نشر جميع الحالات، بل فقط تلك التي يكون للنشر هدف واضح، مشيرة إلى أن من سلبياته تعرض الأشخاص للشعور بالحرج بعد النشر، وأن الأطفال قد يشعرون لاحقاً بالندم لكونهم تم تصويرهم في وقت لم يكن بإمكانهم منح موافقة مستنيرة.
وتقترح وضع حلول للتقليل من آثار هذه الممارسات، مثل توعية الصحفيين عبر ورش عمل متخصصة تنظمها جهات معنية كاتحاد الصحفيين أو وزارة الإعلام، لمناقشة هذا الموضوع وتسليط الضوء على النقاط الإيجابية والسلبية، بما يساعدهم على الموازنة واتخاذ قرارات مدروسة عند تصوير ونشر مثل هذه الحالات.
مراعاة الخصوصية عند توثيق العمل الإنساني
يؤكد مختصون في العمل الإنساني إلى أن حماية خصوصية المستفيدين يجب أن تكون أولوية عند توثيق المبادرات الإنسانية على منصات التواصل، مؤكدين أن الهدف من التوثيق هو توضيح أثر الدعم وتحفيز الآخرين على المشاركة، لا تعريض المستفيدين للإحراج أو الانتقادات.
ويرون أن الحلول العملية تشمل استخدام زوايا تصوير لا تكشف الهوية، أو تغطية الوجه بالبلور، أو التركيز على تفاصيل المساعدة نفسها بدل الشخص، كما يؤكدون على أهمية الحصول على موافقة مستنيرة من المستفيد قبل النشر، وتوضيح الهدف والفترة الزمنية التي سيبقى فيها المحتوى متاحاً.
ويشير المختصون أيضاً إلى أن التدريب والتوعية لصانعي المحتوى والإعلاميين على هذه الممارسات يمكن أن يقلل من أي أثر سلبي، ويضمن توثيق المبادرات الإنسانية بطريقة تحترم كرامة المستفيدين وتحافظ على الأثر الإيجابي للمبادرات في المجتمع.
٢٦ مارس ٢٠٢٦
تشكل المنافسة بين الطلاب ظاهرة طبيعية داخل المدرسة، إذ يسعى كل طالب إلى إثبات قدراته وتحقيق التفوق الدراسي مقارنة بأقرانه، وبينما ينظر البعض إلى التنافس على أنه وسيلة فعّالة لتحفيز الطلبة على الاجتهاد والدراسة بجد، يرى آخرون أنه قد يتحول إلى مصدر ضغط نفسي إذا لم يُوجَّه بشكل صحيح.
وفي ظل أهمية هذه الظاهرة وتأثيرها المباشر على التحصيل العلمي والسلوك الاجتماعي للطلاب، يبرز دور المدرسة والمعلم في ضبط المنافسة وتحويلها من صراع فردي قد يخلق التوتر والعدائية، إلى أداة تربوية إيجابية تعزز التعاون، وتنمي روح المبادرة، وتدفع الطلبة إلى تطوير قدراتهم بشكل بناء وهادف.
المنافسة الإيجابية وفوائدها
يقول صالح السوادي، مشرف تربوي في المجمع التربوي بمدينة خان شيخون، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن المنافسة الإيجابية تمثل نمطاً من التفاعل بين الأفراد أو الجماعات يسعى إلى تحقيق التميز والنجاح بأسلوب أخلاقي يقوم على التعاون والاحترام وتكافؤ الفرص، بحيث تشكل حافزاً للتطور والتقدم، لا سبباً للصراع أو الإحباط.
ويضيف أن المنافسة الإيجابية تسهم في تحفيز الدافعية الداخلية لدى المتعلمين أو العاملين، وتنمّي روح المبادرة والإبداع لديهم، كما تعزز الثقة بالنفس والشعور بتحقيق الذات، إلى جانب دورها في خلق بيئة نشطة يسودها التفاعل والحيوية، وتشجيع الأفراد على التعلم من الآخرين بدلاً من إقصائهم.
ويردف أنها تقوم على مجموعة من الأسس، في مقدمتها العدالة وتكافؤ الفرص، بحيث يشعر الجميع بأن لديهم فرصة حقيقية للنجاح والتفوق، إضافة إلى وضوح الأهداف والمعايير حتى تكون المنافسة قائمة على أسس مفهومة، إلى جانب التركيز على التطور بدل المقارنة السلبية، واحترام الآخرين وتقدير جهودهم، وتعزيز التعاون داخل المنافسة فيما يُعرف بالتنافس التعاوني.
التنافس السلبي وتداعياته
في المقابل، أحياناً تتسم المنافسة بطابع سلبي ينعكس على الطلاب والجو العام في الصف، مما يضعهم أمام تحديات نفسية، يشير السوادي إلى أن المنافسة السلبية هي نمط من التفاعل يسعى فيه الفرد إلى التفوق على الآخرين بأي وسيلة، حتى لو كانت غير أخلاقية، ويغلب عليها الحسد والإقصاء وإضعاف الآخرين بدل تطوير الذات.
ويتابع أن مظاهرها تتمثل في التقليل من جهود الآخرين أو السخرية منهم، والغش أو التحايل لتحقيق الفوز، إلى جانب نشر الشائعات أو إعاقة الآخرين، والغيرة المفرطة والحسد، إضافة إلى الشعور بالإحباط عند نجاح الآخرين، والتركيز على هزيمة الآخر بدل تحسين الأداء.
وتعود أسباب هذه الظاهرة إلى ضعف الوعي القيمي والأخلاقي، والتربية القائمة على المقارنة المستمرة بين الطلاب، إلى جانب الضغوط الزائدة التي يتعرضون لها لتحقيق النتائج فقط، فضلاً عن غياب العدالة أو الشفافية في بعض البيئات التعليمية، وتدني الثقة بالنفس، إضافة إلى وجود بيئة تعليمية أو عملية غير ملائمة.
لذلك، يؤكد صالح السوادي أن هناك أخطاء يجب على المعلم تجنبها كي لا تتحول المنافسة إلى سلبية، مثل تحويلها إلى صراع أو سبب لضغط نفسي، التركيز المفرط على النتائج فقط، تفضيل بعض الطلاب بشكل واضح، إلى جانب استخدام المقارنات السلبية أو السخرية.
ويضيف أن المنافسة السلبية تؤدي إلى انتشار التوتر والعداوة بين الأفراد، وانخفاض الدافعية الحقيقية للتعلم، إلى جانب ضعف روح التعاون والعمل الجماعي، وظهور سلوكيات غير أخلاقية، كما تؤثر سلباً على جودة الأداء على المدى الطويل.
استراتيجيات المعلم لتعزيز المنافسة البنّاءة في الصف
وينوه إلى أنه يمكن تلافي تحول المنافسة من السلبية إلى الإيجابية من خلال تعزيز القيم الأخلاقية، وترسيخ الصدق والأمانة واحترام الآخرين، إلى جانب ربط النجاح بالأخلاق وليس بالنتائج فقط، وتشجيع الطالب على التركيز على تقدمه الفردي ومقارنة نفسه بنفسه بدلاً من مقارنة الآخرين، والاحتفاء بتحسن الأداء الشخصي.
ويؤكد على أهمية دور المعلم في بناء بيئة داعمة عبر نشر ثقافة التعاون بدل الصراع، وتشجيع العمل الجماعي والمشاريع المشتركة، إلى جانب تحقيق العدالة والشفافية، ووضع معايير تقييم واضحة، والتعامل مع الجميع دون تمييز، فضلاً عن استخدام التعزيز الإيجابي، ومكافأة السلوك الجيد والتعاون، وتقدير الجهد المبذول وليس الفوز فقط.
ويشدد المشرف التربوي صالح السوادي على أن دور المعلم يكمن في اتباع الأساليب والطرق التي تعزز المنافسة الإيجابية في الصف، ومنها تقديم التعزيز الإيجابي عبر مكافآت معنوية مثل شهادات التقدير وكلمات التشجيع، مع التركيز على الجهد المبذول وليس فقط على النتيجة.
وينصح بتنويع مجالات التنافس لتشمل الجانب الأكاديمي (التحصيل العلمي)، والمهاري (الرسم، الكتابة، الإلقاء)، والسلوكي (الالتزام، التعاون)، مؤكداً أن ذلك يمنح كل فرد فرصة للتميز في مجال معين، مع التأكيد على أهمية العمل ضمن فرق خلال النشاطات الصفية، وتحويل المنافسة من فردية إلى جماعية، بما يعزز روح الفريق والتعاون نحو تحقيق هدف مشترك.
ويشير إلى ضرورة وضع أهداف فردية لمقارنة أداء الطالب بتقدمه السابق، وتجنب المقارنات المحبطة بين الأفراد، إلى جانب استخدام الألعاب التعليمية وإدخال عناصر التحدي والنقاط والمستويات لجعل التعلم ممتعاً ومحفزاً، مع تقديم تغذية راجعة بنّاءة عبر ملاحظات تساعد على التحسن، وتجنب النقد الجارح أو المحبط.
كما يجب أن يُظهر المعلم أو القائد روح التنافس الشريف، و تعزيز قيم النزاهة والاحترام، إلى جانب أهمية الاحتفاء بالجميع، وتكريم الفائزين، وتقدير المشاركين أيضاً لرفع المعنويات، مؤكداً أن المنافسة الإيجابية ليست مجرد سباق نحو الفوز، بل هي وسيلة تربوية راقية لبناء الشخصية وتنمية القدرات، خاصة عندما تُدار بوعي، تتحول إلى أداة قوية لإطلاق الطاقات وتحقيق التميز في بيئة يسودها الاحترام والتعاون.
ويشير خبراء التعليم إلى أن المنافسة الإيجابية تعزز دافعية الطلاب وتنمّي مهاراتهم وتغرس قيم التعاون والاحترام، بينما تؤدي المنافسة السلبية إلى الإحباط والتوتر والعداوة بين الطلاب وتضعف روح الفريق وتؤثر سلبًا على جودة التعلم، لذلك يؤكدون أنه من الضروري توجيه التنافس نحو أسلوب إيجابي ليصبح حافزاً للتطور الشخصي والتفوق الأخلاقي بدل أن يتحوّل إلى مصدر ضغط وصراع.
٢٥ مارس ٢٠٢٦
رغم التقدم العلمي والتطور التكنولوجي والأبحاث التي تؤكد أن تحديد جنس المولود لا يعتمد على المرأة، ما تزال العديد من العائلات في المجتمع السوري تلقي على النساء مسؤولية عدم إنجاب المولود الذكر، وتجبرهن على تكرار محاولات الحمل، ما يضعهن أمام تحديات صحية وضغوط اجتماعية ونفسية قاسية.
وتؤكد الدراسات العلمية أن الرجل هو المسؤول عن تحديد جنس المولود، فالحيوان المنوي يحمل كروموسوم X أو Y، بينما تحمل البويضة كروموسوم X فقط، فإذا خُصّبت البويضة بحيوان منوي يحمل Y يكون المولود ذكراً، وإذا خُصّبت بـ X تكون أنثى.
قصص واقعية تعكس حجم الضغوط الاجتماعية
تقول كفى المحمود، 32 عاماً وأم لأربع بنات وتقيم في إحدى قرى ريف حماة الشمالي، إنها تزوجت منذ نحو ست سنوات وأنجبت خلال هذه الفترة أربع بنات، وتشير إلى أن حماتها، السبعينية، بدأت في انتقادها منذ ولادة ابنتها الأولى، مؤكدة لها أن "المرأة الأصلية يجب أن تنجب أول مولود ذكر ليعين والده مستقبلاً في المسؤوليات والواجبات"، وفق تعبيرها.
وتضيف في حديث لشبكة شام الإخبارية أن الأمر تفاقم مع ولادة ابنتها الثانية والثالثة والرابعة، إذ صارت حماتها تعاملها بقسوة وتطلق عليها لقب "أم البنات"، وتحرض الزوج على الزواج مرة ثانية، تنوه كفى إلى أنها طلبت من معلمة العلوم في الحي الحديث مع حماتها بأن المرأة لا ذنب لها بتحديد جنس الجنين، إلا أن والدة الزوج لم تقتنع وأصرت على موقفها.
أسباب اجتماعية واقتصادية لتفضيل الذكور
تميل بعض العائلات في سوريا إلى إنجاب الذكور أكثر من الإناث لاعتقادهم أن الذكور أكثر قدرة على دعم الأسرة مادياً في المستقبل، خاصة في البيئات التي تعاني من ضعف فرص العمل وعدم الاستقرار الاقتصادي، كما يُعتقد أن الذكور يظلون قريبين من الأسرة ويقدمون الرعاية للوالدين عند الكبر، في حين أن الإناث بعد الزواج قد يبتعدن عن أسرة الوالدين لتنشغلن بعائلة الزوج، ما يضاعف الميل النفسي لإنجاب الذكر.
تقول رائدة المحمد، حائزة على إجازة جامعية من كلية التربية في إدلب، إن بعض المجتمعات في سوريا تنظر إلى الذكر باعتباره حافظاً لاسم العائلة وإرثها وممتلكاتها، بينما تنتقل البنات إلى عائلات أخرى بعد الزواج، مما يقلل من مساهمتهن المباشرة في الأسرة الأصلية وفق العادات والتقاليد.
وتشير في حديث لـ شام إلى أن هذا ليس صحيحاً دائماً، لا سيما أنها لاحظت أن كثيراً من الفتيات يسهمن في دعم أهاليهن بعد الزواج، سواء من الناحية المادية إذا كان لديهن وظيفة أو المعنوية من ناحية الاهتمام بهم في وقت المرض أو الظروف الطارئة، أكثر من أشقائهن الذكور.
مخاطر تكرار الحمل وحرمان النساء من تنظيم الأسرة
وتضطر كثير من النساء، عند عدم إنجاب مولود ذكر، إلى تكرار تجربة الحمل مرات متتالية في محاولة لتحقيق رغبة الأسرة، ما يحرم بعضهن من حقهن في تنظيم الأسرة والمباعدة بين الولادات، الأمر الذي ينعكس سلباً على صحتهن الجسدية والنفسية ويزيد من شعورهن بالإرهاق والتعب المستمر.
وتشير دراسات طبية إلى أن الحمل المتقارب دون فواصل زمنية كافية قد يعرّض الأم لمضاعفات صحية، مثل فقر الدم وضعف التغذية ومشكلات الحمل والولادة، كما يزيد من مخاطر الولادة المبكرة وانخفاض وزن المولود، لذلك توصي الجهات الصحية بوجود فاصل زمني لا يقل عن عامين بين الحمل والآخر لضمان تعافي جسم المرأة والحفاظ على صحة الأم والطفل.
الزواج الثاني كأحد تداعيات تفضيل الذكور
ولم تتوقف التداعيات السلبية لهذه الظاهرة عند حدود المعاناة النفسية أو تحميل المرأة مسؤولية عدم إنجاب المولود الذكر وإجبارها على تكرار تجارب الحمل، بل تجاوزت ذلك في بعض الحالات إلى زواج الزوج من امرأة أخرى أملاً في إنجاب الذكر.
وغالباً ما يحدث هذا القرار تحت ضغط من عائلة الزوج أو بدافع رغبة شخصية منه، ما يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الزوجة الأولى ويزيد من هشاشة استقرار الأسرة.
مختص نفسي: تفضيل الذكور يخلّف آثاراً عميقة على النساء والأطفال
يقول براء الجمعة، مختص في الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، إنه في المجتمع السوري لا يزال البعض ينظر إلى إنجاب الذكر كنوع من 'الاستمرارية' أو 'الأمان'، وهي نظرة متوارثة تخلق عبئاً نفسياً واجتماعياً لا يُستهان به، وتتحمل النساء ضريبته الأكبر.
ويضيف في حديث لشبكة شام الإخبارية أن ذلك يؤدي إلى الاستنزاف النفسي والجسدي، خاصة عندما يتحول الإنجاب من فعل حب واستقبال لحياة جديدة إلى 'مهمة' لإنتاج جنس معين، فتدخل المرأة في دوامة من القلق والترقب، ومع تكرار المحاولات التي لا تأتي بالنتيجة المرجوة اجتماعياً، تبدأ المرأة بالشعور بالتقصير أو 'الخذلان'، رغم أنها لا تملك أي تدخل بيولوجي في تحديد جنس المولود، هذا الشعور يؤدي تدريجياً إلى انخفاض تقدير الذات والشعور بالاغتراب داخل الأسرة.
ويردف أن تفضيل إنجاب الذكور يفضي إلى الضغط الاجتماعي وتفكك الروابط، فتكرار الإنجاب بحثاً عن الذكر يضع الأسرة أمام ضغوط اقتصادية ومعيشية تزيد من تعقيد الحياة اليومية، واجتماعيًا، قد تواجه المرأة تلميحات بالزواج الثاني أو اللوم المستمر، مما يجعل بيتها مكاناً للتوتر بدلاً من السكينة، مشيرا إلى أن هذا 'التنميط' للمولودة الأنثى كخيار ثانٍ يزرع في وعي البنات الصغيرات منذ الطفولة شعوراً بأنهنّ 'أقل'، مما يؤثر على نمو شخصياتهنّ مستقبلاً.
ويؤكد الجمعة أن المجتمع بحاجة اليوم لإعادة صياغة المفاهيم حول قيمة الإنسان؛ فالقيمة لا تُحدد بجنس المولود بل بكونه كائناً حياً يحتاج الرعاية والاحتواء، فالقوة الحقيقية للأسرة تكمن في تماسكها ومحبتها لأفرادها بغض النظر عن كونهم ذكوراً أو إناثاً.
ويشدد على ضرورة التوقف عن معاملة النساء كمجرد أدوات لتحقيق سرديات اجتماعية قديمة، والبدء برؤيتهنّ كشريكات في بناء المجتمع وحمايته، منوها إلى أن الطفل، ذكراً كان أم أنثى، هو حياة تستحق الاحتفاء، والوعي يبدأ عند الإدراك أن 'الأمان' الحقيقي يُبنى بالتربية السليمة والعدالة والمحبة، لا بنوع المولود.
ويشير مختصون في مجالي الصحة والتوعية المجتمعية إلى أن تصحيح المفاهيم الخاطئة حول تحديد جنس المولود يبدأ بنشر الوعي العلمي بين الأسر، من خلال المدارس ووسائل الإعلام والبرامج المجتمعية، مؤكدين أن استمرار تحميل المرأة مسؤولية هذا الأمر يعكس فجوة معرفية لا بد من معالجتها عبر حملات توعوية مستمرة تستهدف مختلف الفئات العمرية.
وتبقى عادة تفضيل إنجاب الذكور على الإناث إحدى التحديات القاسية التي تواجهها النساء في بعض المجتمعات السورية، إذ يُحمَّلن مسؤولية عدم إنجاب المولود الذكر، ويُجبرن في كثير من الأحيان على تكرار تجربة الحمل، كما يواجهن تهديداً دائماً بزواج الزوج مرة أخرى، ما يعرّضهن لضغوط نفسية واجتماعية قاسية.