مجتمع
١٢ أغسطس ٢٠٢٦
السوشال ميديا.. حين تتحول مقارنة الآخرين إلى ضغط نفسي

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، وتتيح للأفراد متابعة حياة الآخرين ومشاركة لحظاتهم وتجاربهم، إلا أن مشاهدة الصور والمقاطع التي تعرض حياة تبدو مثالية قد تدفع البعض إلى مقارنة واقعهم بما يرونه، ما قد ينعكس على نظرتهم لأنفسهم ومستوى رضاهم عن حياتهم، ومع تكرار هذه المقارنات، قد تظهر مشاعر مثل الإحباط والقلق وانخفاض تقدير الذات.


في هذا السياق، قال أحمد ضياء نحاس، اختصاصي في الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت في عصر السوشال ميديا جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، حيث يشارك الأفراد لحظاتهم ويتصفحون مختلف المواقع والأخبار اليومية، إلا أن هذه المنصات قد تحمل تأثيرات نفسية سلبية، خصوصاً عندما يبدأ الأفراد في مقارنة حياتهم الواقعية بتلك "المثالية" التي يعرضها الآخرون.


وأشار إلى أن هذه المقارنات المستمرة يمكن أن تخلق شعوراً بعدم الرضا، وتؤدي أحياناً إلى أعراض اكتئابية وانخفاض تقدير الذات، وأن فهم هذا التأثير يمثل الخطوة الأولى نحو استخدام السوشال ميديا بطريقة صحية ومتوازنة وحماية الصحة النفسية من الأثر السلبي للمقارنات غير الواقعية.


وأضاف أن رؤية الأشخاص لصور أو مقاطع فيديو تظهر حياة تبدو مثالية أو خالية من المشكلات على وسائل التواصل الاجتماعي، قد تجعلهم يشعرون بالدونية أو القلق، لأن واقعهم اليومي لا يشبه تلك الصور، موضحاً أن ذلك قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس وزيادة الشعور بالإحباط، وحتى ظهور أعراض اكتئابية.


وذكر نحاس أن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي يعزز فرص مقارنة النفس بالآخرين بشكل سلبي، ويقلل من الوقت الذي يمكن قضاؤه في أنشطة واقعية مفيدة للذات والتطوير الشخصي والمهني، لافتاً إلى أن ذلك يرفع من احتمال ظهور أعراض الاكتئاب أو انخفاض تقدير الذات بسبب الشعور بالعزلة أو الإحساس بالنقص.


ونوه إلى أن ميل بعض الأشخاص إلى مقارنة أنفسهم بالآخرين أكثر من غيرهم يرتبط بعدة عوامل، منها الشخصية، مثل الأشخاص الذين يعانون من قلة الثقة بالنفس، وتجاربهم السابقة، ومستوى الدعم الاجتماعي لديهم، وحتى حالتهم المزاجية اليومية، مبيناً أن بعضهم يبحث عن التحقق الذاتي من خلال المقارنة المستمرة، مما يجعلهم أكثر تأثراً.


ولفت إلى أن طبيعة المحتوى الذي يظهر حياة مثالية معدلة أو مبالغاً فيها تسهم في خلق معايير غير واقعية للجمال والنجاح، ما يجعل المشاهد يرى نفسه غير مواكب أو غير مقنع، ويزيد من الشعور بعدم الرضا والضغط النفسي.


وذكر الاختصاصي أحمد ضياء في تصريح خاص لـ شام، أن تحقيق التوازن بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والحفاظ على الصحة النفسية يمكن أن يتم من خلال وضع حدود زمنية لاستخدام التطبيقات، وتبني وعي نقدي تجاه المحتوى وعدم تصديقه كاملاً، وممارسة أنشطة خارجية ترفع المزاج، والتواصل الاجتماعي الحقيقي، إلى جانب الاهتمام بالصحة النفسية من خلال تقنيات الاسترخاء أو اللجوء إلى المساعدة التخصصية من قبل اختصاصيي علم النفس عند الحاجة.


وتحدث عن العلامات التي تشير إلى وجود تأثير سلبي لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الحالة النفسية، وقد تستدعي التدخل من قبل الاختصاصيين النفسيين، موضحاً أنها تشمل الشعور المستمر بالحزن أو القلق بعد التصفح أو استخدام المنصات، وانخفاضاً ملحوظاً في الثقة بالنفس، والانسحاب الاجتماعي أو تخفيف التواصل المباشر مع المحيط الاجتماعي، واضطرابات النوم بسبب استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليلاً.


وأكد أن من بين المؤشرات أيضاً تقلب المزاج بسرعة أو الانفعال السريع المرتبط بالتفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع الأداء في الحياة الدراسية أو العملية، والشعور بالإجهاد النفسي أو الإرهاق بعد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الشعور بالضغط النفسي لتقديم صورة مثالية مصطنعة عن النفس أمام الآخرين.


وشدد نحاس على أن الانشغال المستمر بالأعداد والتفاعلات أو النشر كمصدر أساسي لتقدير الذات، واستخدام السوشال ميديا كوسيلة للهروب من المشكلات الشخصية بدلاً من مواجهتها، يعدان أيضاً من العلامات التي ينبغي الانتباه إليها، وأفاد بأنه عند ظهور هذه المؤشرات بشكل متكرر، لا ينبغي التردد في طلب المساعدة المهنية التخصصية من قبل الاختصاصيين النفسيين.


وتتضمن التأثيرات المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومقارنة الحياة الواقعية بالمحتوى المعروض مشاعر وانعكاسات مختلفة، من بينها القلق وانخفاض تقدير الذات والانسحاب الاجتماعي واضطرابات النوم، فيما يمكن ملاحظة هذه المؤشرات من خلال التغيرات في الحالة النفسية والأداء اليومي، خاصة عند تكرارها واستمرارها.

اقرأ المزيد
١٢ أغسطس ٢٠٢٦
أحكام إعدام بحق بشار الأسد وعاطف نجيب.. الأساس القانوني للمحاكمة ومسارات العدالة الانتقالية

أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، يوم الثلاثاء الماضي، 11 آب/أغسطس الجاري، أحكاماً بالإعدام بحق الإرهابي الفار بشار الأسد وعاطف نجيب وعدد من المسؤولين السابقين في نظام الأسد البائد، بعد إدانتهم بجرائم شملت القتل العمد والقصد والتعذيب المفضي إلى الموت، في قضية تتعلق بالجرائم المرتكبة بحق السوريين، ولا سيما خلال الاحتجاجات التي انطلقت من محافظة درعا.

عقدت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق جلستها التاسعة المخصصة للنطق بالحكم في الدعوى المقامة ضد عاطف نجيب وعدد من المتهمين الفارين، على خلفية اتهامهم بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري، وفق ما أوردته وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا".

وترأس الجلسة القاضي فخر الدين العريان، بحضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف وعدد من أعضاء الهيئة، إلى جانب ممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية، وعدد من ذوي الضحايا.

وعلق النائب في مجلس الشعب، المحامي عبد الناصر حوشان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، على الأحكام الصادرة، قائلاً إن الأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة لإصدار أحكام الإعدام بحق المتهمين هو القانون السوري، وتحديداً قانون العقوبات العام.


 وأوضح أن هناك نقطة مهمة يجب التركيز عليها لفهم السياق القانوني للمحكمة، وهي أن القانون الدولي يمنح القضاء الوطني الصلاحية الأصلية للنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وأشار إلى أن المحكمة استندت في نظرها في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة إلى هذا المبدأ القانوني، الذي يقضي بأن المحاكم الوطنية صاحبة الصلاحية الأصلية في النظر في هذه الجرائم.

وأضاف أن المحاكم الدولية، سواء المحكمة الجنائية الدولية أو المحاكم الأجنبية، تتدخل ضمن صلاحيات مكملة في حال إفلات أحد المتهمين من العقاب، بحيث يمكن ملاحقته ومحاكمته أمام هذه المحاكم، مع بقاء الاختصاص الأصلي للمحاكم الوطنية.

وبيّن أن العلاقة بين المحاكم الوطنية والمحاكم الأخرى، سواء المحكمة الجنائية الدولية أو المحاكم الوطنية الأجنبية، هي علاقة تكاملية، إذ يمكن ملاحقة أي متهم يفلت من العقاب في سوريا أمام محكمة في دولة أخرى تنظر في هذه الجرائم، استناداً إلى القانون الوطني الأجنبي الذي يمنحها صلاحية النظر فيها.

وأضاف أن جرائم القتل في قانون العقوبات السوري، ولا سيما القتل العمد أو القتل المشدد في ظروف مشددة، سواء ارتكبت بحق أكثر من شخص أو بحق قاصر، أو توافرت فيها ظروف التشديد، تصل عقوبتها إلى الإعدام، ولفت إلى أن الاستناد إلى هذه المواد من قانون العقوبات السوري كان أساساً في إصدار أحكام الإعدام.

المسؤولية الجنائية للمجرم بشار الأسد
وذكر حوشان في تصريح خاص لـ شام أن المسؤولية الجنائية لبشار الأسد تأتي أولاً من صفته قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة، ورئيساً للبلاد، ومسؤولاً عن مرؤوسيه، مشيراً إلى أن هذه المسؤولية مقررة في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.


وأوضح أن مسؤولية الرؤساء تشمل الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم، سواء كانوا يعلمون بها أو لم يعلموا بها وكان من المفترض أن يعلموا بها، لتبقى المسؤولية الجنائية قائمة بحق الرؤساء عن تصرفات مرؤوسيهم.

وأضاف أن بشار الأسد كان صاحب القرار في قرارات المداهمات والاعتقالات، والتعامل الأمني واستخدام القوة المفرطة والأسلحة، ولا سيما الأسلحة المحرمة دولياً، لافتاً إلى أن مثل هذه القرارات لا تُتخذ إلا على مستوى القيادة العليا، وبالتالي فإن بشار الأسد يتحمل المسؤولية عن هذه الجرائم.

وأشار إلى أن بشار الأسد كان أيضاً رأس السلطة السياسية في البلاد، وبالتالي فهو مسؤول عن السياسة العامة، ومنها السياسة التي اتبعها في قمع الثورة، أو الخيار الذي اختاره لمواجهتها، والذي تمثل في خيار الحرب واستخدام الأسلحة الكيميائية والأسلحة المحرمة دولياً.

وأكد النائب في مجلس الشعب أن المحكمة لا تكتمل إلا بوجود أصحاب الحقوق وأولياء الدم والمتضررين من هذه الجرائم، الذين لهم صفة أساسية في المحاكمة، مشدداً على أن وجود أهالي الضحايا يشكل ركيزة أساسية في هذه المحاكمات.


وأوضح أن هناك جانباً معنوياً أيضاً، إذ يشعر الضحايا بالإنصاف وجبر الضرر عندما يصدر القاضي حكماً بالعقوبة الجزائية، لأن ذلك يمنحهم شعوراً بأن المجرم لقي عقابه، وأن المحاكمة جرت وفق مبادئ العدالة الدولية.

وأوضح أن من ضمانات المحاكمة العادلة حضور المتهم وتمكينه من الدفاع عن نفسه من خلال توكيل محامٍ، وأشار إلى أن المحكمة كانت علنية، مع إتاحة بث مجريات المحاكمة عبر وسائل الإعلام والشاشات التلفزيونية، إلى جانب سماع شهود الادعاء وشهود الدفاع.


 وأضاف أن من ضمانات المحاكمة العادلة أيضاً أن الأحكام الصادرة ليست نهائية، إذ تقبل الطعن بطريق النقض خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدور الحكم.

وقال  إن المحاكمات التي جرت اليوم تأتي ضمن مسار العدالة الانتقالية، مشيراً إلى أن التركيز على المحاسبة وحدها لا يمثل كامل مسارات العدالة الانتقالية، لأن المحاكمة تشكل جزءاً من خمسة أو ستة مسارات تتكامل في إطار هذا المسار.

وأوضح حوشان أن الإصلاح المؤسساتي، سواء على مستوى القطاع الأمني أو قطاع الدفاع أو حتى قطاع القضاء، يمثل جزءاً من العدالة الانتقالية، لافتاً إلى أن الإصلاحات التي تجري على مستوى المؤسسات تدخل ضمن هذا المسار.

 وأضاف أن توقيف بعض المجرمين والتحقيقات التي تجريها المحاكم الخاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تشكل أيضاً جزءاً من مسار العدالة الانتقالية.

وأشار إلى أن جبر الضرر يشكل مساراً آخر، موضحاً أن بعض لجان الصلح تعمل حالياً على عدد من القضايا التي لا تتعلق بالدماء، إلى جانب العفو النهائي والجرائم الكبيرة، حيث تؤدي لجان الصلح دوراً ضمن مسارات العدالة الانتقالية لتحقيق السلم الأهلي.

وذكر أن هناك أيضاً الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي تتولى قضايا حفظ الذاكرة وتخليد الذكرى، وهي قضايا ذات جانب معنوي ضمن مسارات العدالة الانتقالية، وأكد أن مسار العدالة الانتقالية مع هذه المحاكم هو مسار متكامل، مشيراً إلى أن الهيئات القائمة، سواء كانت قضائية أو هيئات مستقلة، تعمل بالتوازي ضمن مسار العدالة الانتقالية.


الأحكام الغيابية.. ملاحقة الفارين واستردادهم عبر الإنتربول
وأوضح النائب في مجلس الشعب عبد الناصر حوشان أن الأحكام الغيابية تشكل حجة على المتهمين الفارين، وتتيح للسلطات السورية مطالبة الجهات المختصة بتسليمهم عن طريق الإنتربول.


 وبيّن أنه لفهم وضع المتهم الفار أو المحكوم غيابياً، فإنه عند صدور قرار اتهام من قاضي التحقيق وإحالته إلى قاضي الإحالة، ثم رفع الدعوى إلى محكمة الجنايات، توجد ما تسمى بمذكرتي القبض والنقل، اللتين توجبان توقيف المتهم المحال من قاضي الإحالة أمام محكمة الجنايات، أي أن الأصل أن يكون المتهم موقوفاً أثناء محاكمته.

وأشار إلى أنه في حال عدم تبليغ المتهم أو عدم تسليمه نفسه للمحكمة، وبعد التبليغ الأولي العادي، تصدر المحكمة قرار مهلة تمنحه عشرة أيام لتسليم نفسه، وفي حال عدم حضوره خلال هذه المدة، يعتبر فاراً من وجه العدالة ويحاكم غيابياً.

ولفت إلى أن الحكم الغيابي يشكل حجة على المتهم الغائب إلى حين تسليم نفسه أو إلقاء القبض عليه، وعندها تعاد محاكمته، موضحاً أن الحكم الغيابي يسقط إما بتسليم المحكوم غيابياً نفسه أو بالقبض عليه، وأضاف أنه في كلتا الحالتين يتم توقيف المتهم ومحاكمته وهو موقوف، ولا يُفرج عنه حتى انتهاء المحاكمة.

وذكر أن مذكرات الحكم الغيابي ومذكرات القبض والنقل تعمم على كافة الوحدات الشرطية والمنافذ البرية والبحرية والجوية لمنع إفلات المجرمين من العقاب، كما يمكن إرسالها إلى الإنتربول الدولي لملاحقة المحكومين غيابياً وإلقاء القبض عليهم.


 وأكد حوشان في ختام حديثه أنه في حال وجود اتفاقيات تعاون قضائي بين سوريا وأي دولة يوجد فيها أحد المحكومين، يمكن تفعيل هذه الاتفاقيات والعمل على استرداد مرتكبي جرائم الحرب.

اقرأ المزيد
١٢ أغسطس ٢٠٢٦
كفرزيتا.. عودة إلى الديار وسط تحديات السكن والخدمات

تواجه مدينة كفرزيتا في ريف حماة الشمالي تحديات متراكمة مع عودة آلاف العائلات إليها بعد سنوات من النزوح، في ظل واقع ترك آثاراً واسعة على الحياة السكنية والخدمية والاقتصادية، فيما لا تزال أسر أخرى تنتظر تحسن الظروف التي تمكنها من العودة والاستقرار في منازلها.

الصرف الصحي والمياه وترميم المنازل يتصدران احتياجات كفرزيتا

في هذا الإطار، قال عبد المالك أحمد الفرج، رئيس اللجنة المجتمعية الخدمية في مدينة كفرزيتا، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن عدد سكان المدينة يبلغ حالياً نحو 32 ألف نسمة، معظمهم من العائدين من الشمال، مبيناً أن أغلب الأهالي يعيشون في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية، ولا سيما الصرف الصحي ومياه الشرب، إلى جانب عدم توفر مأوى لدى عدد كبير منهم.

وأضاف أن من أكبر المشكلات التي يعاني منها أهالي المدينة واقع الصرف الصحي، وما ينتج عنه من حوادث مرورية وأوبئة صحية، مثل داء الليشمانيا، فضلاً عن انتشار الروائح الكريهة، ما يؤثر في قدرة المدينة على استقطاب الأهالي من مخيمات الشمال.

وأشار إلى أن مياه الشرب تمثل تحدياً آخر، في ظل تهالك الشبكة، ما يضطر أغلب الأهالي إلى شراء المياه عن طريق الصهاريج، التي تشكل العبء الأكبر على مصروفهم اليومي، ولا سيما مع قلة الدخل في الوقت الحالي.

وأوضح الفرج أن أكبر احتياجات أهالي المدينة تتمثل في إصلاح شبكة الصرف الصحي وتأهيل شبكة المياه، إلى جانب ترميم المنازل المهدمة جزئياً، لافتاً إلى سوء حال الطرقات التي تنتشر فيها الحفر نتيجة القصف بالبراميل والصواريخ الروسية، وما ينتج عنها حالياً من تلوث للبيئة بسبب الغبار والأتربة على أطراف الطرقات.

ونوه إلى أن أغلب شوارع المدينة غير مزودة بإنارة ليلية تعمل على الطاقة، ما يثير الخوف لدى الأهالي خلال ساعات الليل، ويحد من خروج الأطفال من منزل إلى آخر، وذكر أن هناك حالياً مشروعاً لترميم مدرستين، هما مدرسة الحي الشرقي والمدرسة الريفية، إلى جانب مشروع لتركيب بئر مياه عن طريق الزكاة لخدمة الحي المجاور للبئر.

وتحدث عن وضع الكهرباء، فأوضح أن هناك مشروعاً لتمديد الأعمدة والأسلاك بالتعاون مع شركة كهرباء حماة، إضافة إلى مبادرة شعبية أسهمت في شراء عدد من الأعمدة، على أن يتم تركيبها في الأماكن الأكثر ضرورة، وأكد أن من أساسيات الحياة بالنسبة للفرد في المدينة توفر منزل يأويه ويحميه من حر الصيف وبرد الشتاء، وأن يعيش بأمن وأمان، ومكتفياً من الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الصرف الصحي والمياه والكهرباء.

وفي سياق متصل، قال السيد قصي أحمد الصطوف رئيس المجلس المحلي في مدينة كفرزيتا، في تصريح خاص لـ شام، إن عودة الأهالي إلى مدينة كفرزيتا بريف حماة الشمالي بدأت منذ الأيام الأولى لتحرير المدينة، إلا أن العائدين واجهوا خلال تلك المرحلة تحديات وصعوبات متعددة، في مقدمتها الدمار الواسع الذي لحق بالقطاع السكني والبنية التحتية والخدمات الأساسية.

وأوضح أن غالبية المنازل والأبنية السكنية تضررت بنسب مرتفعة، إذ تصل نسبة الدمار إلى أكثر من 80 بالمئة بين دمار كامل وأبنية غير صالحة للسكن، نتيجة العمليات العسكرية والقصف السابق، ما تسبب بأزمة إيواء دفعت العديد من العائلات العائدة إلى السكن في أجزاء غير آمنة من منازلها المدمرة، أو مشاركة السكن مع أقاربها، أو نصب خيام وشوادر مؤقتة، في ظل عدم قدرة معظمها على تحمل تكاليف الترميم.

وأشار إلى أن العائدين واجهوا نقصاً حاداً في الخدمات الأساسية، ولا سيما المياه، إذ تعرضت الآبار ومحطات وشبكات المياه لأضرار واسعة، ما أدى إلى أزمة حادة في مياه الشرب، دفعت الأهالي واللجان المحلية والمنظمات إلى اللجوء لحلول إسعافية، مثل حفر آبار جديدة أو الاعتماد على الطاقة الشمسية لتشغيلها.

ولفت الصطوف إلى أن شبكة الكهرباء تعرضت لدمار شبه كامل تجاوزت نسبته 90 بالمئة، وشمل ذلك سرقة وتضرر الكابلات والمحولات والمولدات الرئيسية، فيما لحقت أضرار كبيرة بشبكة الصرف الصحي، إلى جانب سرقة بعض أغطية المطريات «الريجارات»، ما شكل خطراً على السلامة العامة وزاد من مخاطر انتشار الأمراض، ولا سيما داء الليشمانيا.

ونوه إلى أن البنية التحتية والمرافق العامة تعرضت بدورها لأضرار كبيرة، إذ تنتشر الأنقاض والحفر الناتجة عن القصف في الطرقات، ما أعاق الحركة والتنقل ونقل البضائع، كما تضررت المدارس والنقاط الطبية والمستشفيات بدرجات كبيرة، الأمر الذي أدى إلى غياب أو ضعف الخدمات الصحية والتعليمية المنتظمة للعائلات والأطفال العائدين.

وذكر أن مخلفات الحرب كانت من التحديات التي واجهها الأهالي خلال العودة، إذ كانت موجودة في بعض المنازل والأراضي الزراعية، موضحاً أنه وبمساعدة الدفاع المدني السوري تم التخلص من قسم كبير منها.

وتحدث قصي الصطوف عن الصعوبات الاقتصادية والمعيشية التي واجهها السكان، مبيناً أن النشاط الزراعي والحرفي والتجاري الذي كانت تتميز به كفرزيتا قبل النزوح تراجع، بالتزامن مع ارتفاع أسعار مواد البناء وقلة فرص العمل وتردي الأوضاع المادية للعائلات القادمة من المخيمات.

وأكد  أن أزمة السكن وإعادة الإعمار من أبرز الاحتياجات التي تفتقدها المدينة حالياً، موضحاً أن نسبة المباني والبيوت المدمرة بشكل جزئي وكامل تقدر بأكثر من 80 بالمئة، فيما تفتقر المنازل المتبقية إلى التأهيل الصالح، نتيجة تعرض محتوياتها وإكسائها للسرقة والتعفيش، وأضاف أن غالبية العائلات العائدة عاجزة عن تحمل تكاليف ترميم منازلها بجهود شخصية، في ظل انعدام المساعدات الإغاثية الشاملة لإعادة البناء، ما يزيد من صعوبة استقرارها والعودة إلى مساكنها.

وأشار إلى أن بعض المبادرات الأهلية والمنظمات تعمل على إصلاح وتأهيل بعض الآبار وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلا أن هذه الجهود لا تزال غير كافية لتلبية احتياجات المدينة، إذ يبلغ معدل تزويد كل حي بالمياه يوماً مقابل يومين من الانقطاع، فضلاً عن استمرار الأضرار والانقطاعات في شبكات التوزيع داخل الأحياء، ما يمنع وصول المياه إلى جميع المنازل، ويجبر بعض العائلات على تحمل تكاليف إضافية لشراء خزانات المياه.

وأوضح الصطوف أن مشكلة الصرف الصحي تعد من أبرز الصعوبات التي تعاني منها المدينة، في ظل تلف المقاطع الرئيسية للشبكة وتراكم الردم والأتربة وانسداد الخطوط، إضافة إلى سرقة وتلف أغطية «الريكارات» وفتحات التفتيش، ما يشكل مخاطر بيئية وصحية على الأهالي.

ولفت إلى أن الكهرباء والطاقة تمثلان أيضاً من الاحتياجات الأساسية، في ظل تعرض المحولات والأعمدة والكابلات للتلف الشديد، واعتماد أغلب الأسر على منظومات الطاقة الشمسية الفردية أو المبادرات المحلية التي توفر إنارة محدودة، لكنها غير كافية لتشغيل الورش الاقتصادية أو ضخ المياه بشكل منتظم.

تراجع الزراعة والخدمات يعرقلان استقرار أهالي كفرزيتا

ومن جهته، نوه حسين الحسن عضو اللجنة المجتمعية في مدينة كفرزيتا في تصريح خاص لـ شبكة شام الإخبارية، إلى تراجع الإنتاج الزراعي الذي تعتمد عليه كفرزيتا بالدرجة الأولى، ولا سيما الفستق الحلبي والزيتون والمحاصيل الحقلية، مبيناً أن قطع الأشجار ونقص مستلزمات الإنتاج أديا إلى فقدان معظم السكان مصدر دخلهم الرئيسي، بالتزامن مع شح الموارد الاقتصادية وضعف الحركة التجارية، ما ينعكس على الاستقرار المادي للعائلات.

وأكد أن القطاع الصحي يواجه تحديات كبيرة، بعد تعرض المنشآت الطبية لمستويات متقدمة من التدمير وخروجها عن الخدمة، موضحاً أن المدينة تضم حالياً مركزاً صحياً يعاني من نقص الكوادر المتخصصة والمستلزمات الطبية ونقص حاد في الأدوية، ما يجبر المرضى على الانتقال إلى المراكز الصحية في المدن البعيدة أو اللجوء إلى المشافي الخاصة، التي لا يستطيع قسم كبير من الأهالي تحمل تكاليف العلاج فيها.

وأشار إلى حاجة شوارع المدينة إلى تأهيل الطرقات الحيوية وتنفيذ إنارة ليلية للحد من حوادث السير وتسهيل حركة النقل والتجارة، لافتاً إلى أن الطرقات لا تزال مليئة بالحفر والمطبات، وشدد على أن غياب التأهيل الشامل للبنية التحتية، إلى جانب ضعف الاستجابة الإنسانية وتراجع الفرص الاقتصادية، يمثل التحدي الأكبر أمام تثبيت استقرار العائدين وتشجيع باقي المهجرين على العودة إلى المدينة.

وبين الحسن أن نسبة الدمار في المدينة تقارب 80 بالمئة من المنازل، بين تدمير كلي وجزئي، فيما تعرضت 100 بالمئة من منازل المدينة لسرقة الأبواب والنوافذ والتمديدات الكهربائية والصحية، وذكر أن بعض العائدين، ومعظمهم كانوا يقيمون في المخيمات، تمكنوا من ترميم أقسام من منازلهم بشكل جزئي بما يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، وتبلغ نسبتهم نحو 40 بالمئة، فيما اضطر معظمهم إلى بيع جزء من أراضيهم التي كانوا يقطنون فيها خلال فترة النزوح من أجل تحمل تكاليف جزء من أعمال الترميم، بينما تمكن نحو 10 بالمئة من بناء منازل بسيطة من جديد.

وأشار في ختام حديثه إلى أن نحو 50 بالمئة من المنازل لا تزال فارغة وتحتاج إلى الترميم، بانتظار عودة أصحابها الذين لا يملكون القدرة على تأهيل ولو جزء بسيط منها للإقامة فيه، مشيراً إلى أنهم بأمس الحاجة إلى العودة من المخيمات التي تنقطع فيها الخدمات تدريجياً.

اقرأ المزيد
١١ أغسطس ٢٠٢٦
ما لا يقوله الطفل.. كيف تظهر آثار التجارب المؤلمة في سلوكه؟

قد يمر الطفل بتجارب مؤلمة تترك أثراً في مشاعره وسلوكه، حتى عندما لا يمتلك القدرة على التعبير عما عاشه أو وصفه بصورة واضحة، وقد تظهر آثار هذه التجارب في صور مختلفة، مثل تغير السلوك أو النوم أو طريقة تفاعل الطفل مع الأشخاص والمواقف المحيطة به، ما يجعل ملاحظة هذه التغيرات أمراً مهماً لفهم ما يمر به الطفل.


آثار التجارب المؤلمة على الطفل
في هذا السياق، قالت الأخصائية النفسية مروة السيد علي، من خلال تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الطفل يمكن أن يتأثر بتجربة مؤلمة حتى لو لم يكن قادراً على وصفها بالكلمات، موضحةً أن الطفل قد لا يتذكر الحدث بالطريقة نفسها التي يتذكر بها الشخص البالغ موقفاً حدث له.


وأشارت إلى أنه، على سبيل المثال، قد يتعرض طفل لموقف مخيف في المستشفى، وبعد ذلك يصبح شديد الخوف كلما رأى طبيباً أو دخل مكاناً يشبه المستشفى، من دون أن يستطيع شرح سبب خوفه، موضحةً أن الطفل قد يكون محتفظاً بأثر التجربة حتى لو لم يستطع سردها بشكل واضح.


وبينت أن التجارب المؤلمة لا تُخزّن في الذاكرة بطريقة واحدة، إذ يمكن أن تترك آثاراً في الذاكرة والانفعالات والجسم والسلوك، وبدرجات مختلفة من طفل إلى آخر، وأضافت، على سبيل المثال، أن طفلاً تعرض لموقف عنيف بين أشخاص بالغين في المنزل قد لا يستطيع لاحقاً وصف ما حدث، لكنه قد يصبح شديد التوتر عندما يسمع أصواتاً مرتفعة أو يبدأ شخصان أمامه في الجدال، وقد يحاول الهروب أو الاختباء أو البكاء.


وتحدثت السيد علي عن التأثيرات النفسية التي قد تظهر على الطفل لاحقاً نتيجة هذه التجارب المؤلمة، موضحةً أن التأثير يختلف من طفل إلى آخر، ويتأثر بعوامل كثيرة، منها شدة التجربة وتكرارها وعمر الطفل ومدى شعوره بالأمان والدعم الذي حصل عليه بعد التجربة، ولفتت إلى أن بعض التأثيرات قد تتمثل في القلق والخوف والكوابيس واضطرابات النوم وصعوبة التركيز والانفعال السريع أو الانسحاب من الآخرين.


وذكرت مثالاً على ذلك بطفل كان اجتماعياً ويحب اللعب مع زملائه، ثم أصبح بعد تجربة مؤلمة أكثر انعزالاً، ولا يرغب في الذهاب إلى المدرسة، ويغضب بسرعة أو يبكي لأسباب بسيطة، مشيرةً إلى أن هذا التغير يحتاج إلى الانتباه، خصوصاً إذا استمر وأصبح يؤثر في حياته اليومية، وأوضحت أن هذه الذكريات يمكن أن تؤثر في شخصية الطفل وثقته بنفسه في مراحل عمرية متقدمة، عندما يعيش الطفل لفترة طويلة في بيئة تفتقر إلى الأمان والدعم.


وأفادت بأنه، على سبيل المثال، إذا كان الطفل يتعرض باستمرار للإهانة أو التقليل من شأنه، فقد يبدأ في تكوين فكرة عن ذاته أو اعتقاد مثل: «أنا لا أستطيع» أو «أنا أقل من الآخرين»، ومع مرور الوقت قد يظهر ذلك في صورة تردد أو خوف من الخطأ أو حساسية شديدة تجاه النقد.


وفي المقابل، أكدت الأخصائية مروة أن الطفل إذا كان يعيش تجربة صعبة لكنه يجد شخصاً بالغاً يستمع إليه ويحميه ويؤكد له أنه محبوب وآمن وأنه ليس مسؤولاً عما حدث، فإن هذا الدعم يساعد في تقليل الآثار السلبية، وشددت على أن من العلامات التي قد تدل على تأثر الطفل بتجربة مؤلمة لم يُفصح عنها، التغير الواضح والمستمر في سلوكه مقارنة بما كان عليه سابقاً، موضحةً أن ذلك قد يظهر في عدد من الصور.


وأشارت إلى أن من بين هذه العلامات تغيراً مفاجئاً في النوم أو ظهور كوابيس متكررة، وخوفاً شديداً أو غير معتاد من أشخاص أو أماكن أو مواقف معينة، إضافة إلى التعلق الزائد بأحد الوالدين والخوف من الانفصال عنه، ونوهت إلى أن انسحاب الطفل من اللعب أو الأصدقاء، والتراجع الدراسي أو صعوبة التركيز، ونوبات الغضب أو البكاء المتكررة، قد تكون أيضاً من العلامات التي تستدعي الانتباه.


وأضافت أن السلوك العدواني غير المسبوق، والتبول اللاإرادي في بعض الحالات، إلى جانب التغير الواضح في الشهية أو النشاط، قد تظهر كذلك ضمن التغيرات التي تطرأ على الطفل، وفيما يتعلق بكيفية مساعدة الأهل أو المربين للطفل على تجاوز هذه التجارب والتعامل معها بشكل صحي، قالت إن الطفل يحتاج إلى الشعور بالأمان، لذلك من المهم أن يستمع الأهل إليه من دون ضغط أو استجواب.


وأوضحت  السيد علي أنه بدلاً من أن يقول الأهل للطفل: «ماذا حدث لك؟ أخبرنا الآن»، يمكنهم القول: «نشعر أنك لست مرتاحاً، وإذا أردت أن تتحدث فنحن موجودون لنسمعك»، ولفتت إلى أن اللعب والرسم والقصص يمكن أن تكون وسائل مناسبة لعمر الطفل للتعبير عن مشاعره، إلى جانب الحفاظ على الروتين والنوم والنشاط البدني والعلاقات الاجتماعية الآمنة.


وأكدت أهمية ألا يشعر الطفل بأنه مذنب فيما حدث، وأن يسمع رسائل واضحة مثل: «من الطبيعي أن تشعر بالخوف بعد موقف مخيف»، و«أنا هنا لمساعدتك»، ونبهت أنه إذا استمرت الأعراض أو كانت شديدة أو أثرت في الدراسة والنوم والعلاقات والحياة اليومية، فمن الأفضل الاستعانة بأخصائي نفسي للأطفال لديه خبرة في التعامل مع الصدمات.

تبقى آثار التجارب المؤلمة لدى الأطفال متفاوتة بحسب طبيعة التجربة والظروف المحيطة بالطفل، وقد تظهر بعض التغيرات بشكل مؤقت أو تستمر لفترة أطول. ويظل الانتباه إلى التحولات المستمرة في سلوك الطفل وتفاعله ونمط حياته من الجوانب التي تساعد على فهم احتياجاته، إلى جانب توفير الدعم المناسب له عند الحاجة.

اقرأ المزيد
١١ أغسطس ٢٠٢٦
من سطوة الأمن إلى قاعة المحكمة.. الإعدام لعاطف نجيب و8 فارين ضمن محاكمات رموز النظام البائد

شكلت محاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي لدى نظام الأسد البائد في درعا، واحدة من أبرز المحطات القضائية في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، بعدما انتهت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، اليوم الثلاثاء 11 آب/أغسطس 2026، إلى الحكم بالإعدام على نجيب حضورياً، وعلى ثمانية متهمين فارين، بينهم بشار الأسد وماهر الأسد، في قضية تتصل بجرائم حرب وجرائم قتل وتعذيب وجرائم ضد الإنسانية بحق السوريين.

وجاء الحكم في الجلسة التاسعة للمحكمة، التي انعقدت للنطق بالحكم في الدعوى المقامة ضد نجيب وعدد من المتهمين الفارين، بعد أشهر من الإجراءات القضائية وسماع الشهود ومناقشة الأدلة والدفوع المقدمة في القضية.

وترأس الجلسة القاضي فخر الدين العريان، بحضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف وعدد من أعضاء الهيئة، إلى جانب ممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية وذوي عدد من الضحايا.

وخلال تلاوة حيثيات الحكم، قال القاضي العريان إن التحقيقات وأقوال الشهود أثبتت تورط عاطف نجيب في التحقيق مع عدد من المعتقلين عقب بداية الاحتجاجات في درعا، مشيراً إلى أن فرع الأمن السياسي في المحافظة، الذي كان يقوده نجيب، شارك في اقتحام المسجد العمري في درعا إلى جانب فروع أمنية أخرى.

وأضاف العريان أن نجيب كان يقود الحملة الأمنية ضد المدنيين في درعا مع بداية الثورة السورية عام 2011، موضحاً أن الأفعال المنسوبة إليه، وفق ما خلصت إليه التحقيقات وأقوال الشهود، تشكل جرائم ضد الإنسانية.

وبناءً على ما عرضته المحكمة من وقائع وأدلة، أصدرت حكمها بتجريم عاطف نجيب والحكم عليه بالإعدام، في حين شمل الحكم ثمانية متهمين فارين، يتقدمهم بشار الأسد وماهر الأسد، على خلفية الجرائم المنسوبة إليهم بحق الشعب السوري.

بداية الإجرام من درعا

لم يكن اختيار قضية عاطف نجيب لتكون من أوائل ملفات المحاسبة القضائية في سوريا الجديدة منفصلاً عن موقع درعا في تاريخ الثورة السورية إذ ارتبط اسم نجيب مباشرة بالأحداث التي شهدتها المحافظة في آذار/مارس 2011، والتي تحولت لاحقاً إلى الشرارة الأولى لاحتجاجات امتدت إلى مختلف أنحاء البلاد.

وكانت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق قد بدأت أولى المحاكمات العلنية لرموز النظام البائد في 26 نيسان/أبريل 2026، بحضور وسائل الإعلام وذوي الضحايا وممثلين عن جهات حقوقية، في خطوة أعلنت السلطات أنها تأتي ضمن مسار العدالة والمساءلة وكشف الحقيقة وترسيخ سيادة القانون.

وقال وزير العدل مظهر الويس آنذاك إن اختيار أحداث درعا ليكون منها انطلاق مسار المحاكمات يحمل دلالة رمزية، باعتبار أن المحافظة كانت نقطة انطلاق الثورة السورية، مؤكداً أن المحاكمات لا تقتصر على الجانب القضائي التقليدي، وإنما ترتبط بمسار أوسع لكشف الحقيقة وتخليد ذاكرة الضحايا.

وأكدت وزارة العدل والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن المحاكمات تجري وفق الأصول القانونية، مع التأكيد على علنية الجلسات وتوفير ضمانات الدفاع، بما يجعل المسار القضائي جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى الانتقال من مرحلة توثيق الانتهاكات إلى مرحلة المحاسبة القضائية.

من هو عاطف نجيب؟

يعد عاطف نجيب من أبرز الشخصيات الأمنية المرتبطة ببدايات الثورة السورية، إذ شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا بين عامي 2008 و2011، وكان من الشخصيات النافذة داخل المنظومة الأمنية للنظام السابق.

وينتمي نجيب إلى عائلة الأسد، وهو ابن خالة بشار الأسد، الأمر الذي منحه، بحسب ما كان متداولاً خلال فترة توليه منصبه، نفوذاً واسعاً داخل دوائر السلطة والأجهزة الأمنية.

ولد نجيب عام 1960 في مدينة جبلة بريف اللاذقية، وتلقى تعليمه فيها قبل أن يلتحق بالكلية الحربية في حمص، ويتخرج برتبة ملازم، ثم ينتقل إلى العمل في الأجهزة الأمنية ويتدرج في عدد من المواقع إلى أن تولى رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا.

وخلال فترة وجوده في درعا، ارتبط اسمه بالتعامل الأمني مع الاحتجاجات التي اندلعت في المحافظة في آذار/مارس 2011، عقب اعتقال مجموعة من الأطفال بسبب كتابتهم عبارات مناهضة للنظام على جدران مدارس المدينة.

وتشير شهادات ووثائق مرتبطة بملف القضية إلى تعرض الأطفال المعتقلين لانتهاكات وتعذيب داخل مراكز الاحتجاز، فيما نسبت إلى نجيب مواقف وعبارات مهينة تجاه ذويهم، الأمر الذي ساهم في تصاعد الغضب الشعبي واندلاع احتجاجات واسعة في درعا.

ولم تقتصر الاتهامات المرتبطة بنجيب على قضية الأطفال، وإنما شملت دوره في إدارة العمليات الأمنية التي استهدفت الاحتجاجات والمدنيين في المحافظة، وهو ما وضعه في صدارة الشخصيات المرتبطة بالأيام الأولى للثورة السورية.

من الإقالة والاختفاء إلى الاعتقال

مع تصاعد الاحتجاجات في درعا خلال عام 2011، أُقيل نجيب من منصبه، وانتقل لاحقاً إلى دمشق، قبل أن يتوارى عن الأنظار مع توسع رقعة الاحتجاجات والعمليات العسكرية في مختلف المناطق السورية.

وبقي نجيب بعيداً عن المحاسبة القضائية لسنوات، قبل أن تعلن الجهات الأمنية السورية في كانون الثاني/يناير 2025 إلقاء القبض عليه في مدينة اللاذقية، بعد عملية أمنية قالت إنها استهدفت توقيفه وإحالته إلى الجهات المختصة.

وجاء توقيفه بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، ليصبح لاحقاً أحد أبرز المتهمين الذين بدأت السلطات الجديدة إجراءات محاكمتهم ضمن ملفات مرتبطة بانتهاكات مرحلة النظام السابق.

وكان نجيب قد أدرج سابقاً على قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية، على خلفية دوره في قمع الاحتجاجات والانتهاكات التي شهدتها سوريا في بدايات الثورة.

مسار المحاكمة

منذ انطلاق أولى جلسات المحاكمة العلنية في نيسان/أبريل، مر الملف بعدة مراحل إجرائية، شملت الاستماع إلى الشهود ومناقشة الأدلة والدفوع المقدمة من النيابة العامة والدفاع.

وفي 14 تموز/يوليو 2026، عقدت محكمة الجنايات الرابعة الجلسة الخامسة من محاكمة نجيب، وجرت بصورة مغلقة، واستمعت المحكمة خلالها إلى أقوال عدد من شهود الحق العام بعد أدائهم اليمين القانونية.

وحضر تلك الجلسة ممثلون عن منظمات حقوقية وإنسانية دولية وأعضاء من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إلى جانب عدد من ذوي الضحايا القادمين من محافظة درعا، فيما واصل نجيب إنكار التهم والشهادات الموجهة إليه.

وكانت المحكمة قد حددت في وقت سابق مواعيد متلاحقة لاستكمال إجراءات النظر في القضية، قبل أن تصل في جلستها التاسعة إلى مرحلة النطق بالحكم.

وتزامن المسار القضائي مع إجراءات بحق المتهمين الفارين، إذ أصدرت الجهات المختصة استدعاءات غيابية بحق عدد من كبار مسؤولي النظام السابق، ومنحتهم المهل القانونية للمثول أمام المحكمة وتقديم إفاداتهم، قبل أن يصدر الحكم بحق عدد منهم بصورة غيابية.

المحاكمات العلنية واختبار العدالة

تحمل محاكمة عاطف نجيب أهمية تتجاوز شخص المتهم، نظراً لكونها من أولى المحاكمات العلنية لشخصية أمنية بارزة ارتبط اسمها ببدايات الثورة السورية.

وتكتسب علنية المحاكمة أهمية خاصة في ملفات العدالة الانتقالية، باعتبارها تتيح للرأي العام ووسائل الإعلام وذوي الضحايا متابعة الإجراءات القضائية، وتعزز الرقابة على سير المحاكمة، مع ضرورة الحفاظ في الوقت ذاته على الضمانات القانونية للمتهمين وحقهم في الدفاع.

وكان المحامي علي محمد إسكان قد أوضح لـ«شبكة شام الإخبارية» أن المحاكمات العلنية هي الجلسات التي تتيح للجمهور ووسائل الإعلام حضورها والاطلاع على إجراءاتها، مشيراً إلى أن الأصل هو علنية الجلسات، مع إمكانية جعلها سرية بقرار من المحكمة عندما تقتضي ذلك اعتبارات أمنية أو أخلاقية.

كما أوضح المحامي عبد الناصر حوشان، في حديث لـ«شبكة شام الإخبارية»، أن الدعوى الجزائية تمر بمراحل قانونية تبدأ بتحريكها والتحقيق فيها وصولاً إلى المحاكمة والحكم، مع وجود فروق بين المحاكمات الوجاهية والغيابية والإجراءات المتبعة بحق المتهمين الفارين.

وتبقى المحاكمات الغيابية جزءاً من مسار الملاحقة القانونية، لكنها لا تعادل من حيث ضمانات الحضور والمواجهة المحاكمة الوجاهية الكاملة، ما يجعل حضور المتهم أمام القضاء وممارسة حقه في الدفاع من العناصر الأساسية في استكمال المسار القضائي.

العدالة الانتقالية من التوثيق إلى المحاسبة

يمثل الحكم الصادر بحق عاطف نجيب محطة جديدة في مسار العدالة الانتقالية السورية، التي تواجه مهمة معقدة تتمثل في التعامل مع إرث طويل من الانتهاكات والجرائم، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق إجراءات قانونية تضمن حقوق الضحايا والمتهمين في آن واحد.

وكان وزير العدل مظهر الويس قد أكد أن العدالة الانتقالية تمثل أولوية في المرحلة الحالية، وأنها مسار متكامل يهدف إلى إنصاف الضحايا وكشف الحقيقة وتحقيق الاستقرار المجتمعي، مع التأكيد على اعتماد القضاء الطبيعي والابتعاد عن المحاكم الاستثنائية.

ومن جهته، قال رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف عقب صدور الحكم إن المحكمة قالت كلمتها في قضية عاطف نجيب، معتبراً أن الحكم يمثل محطة مهمة في طريق العدالة وإنصاف الضحايا وترسيخ سيادة القانون، لكنه ليس نهاية الطريق.

ويذكر أن عاطف نجيب كان خلال سنوات توليه موقعه الأمني في درعا، يمثل جزءاً من منظومة أمنية واسعة امتلكت نفوذاً استثنائياً على حياة السوريين، بينما ظهر بعد سنوات داخل قاعة المحكمة بوصفه متهماً يخضع لإجراءات القضاء.

هذا وتمنح هذه المفارقة المحاكمة بعداً رمزياً عميقاً لدى السوريين، ولا سيما أبناء درعا وعائلات الضحايا، الذين ارتبطت ذاكرتهم بأحداث عام 2011 وما تلاها من حملات أمنية وعسكرية واسعة.

اقرأ المزيد
١١ أغسطس ٢٠٢٦
كيف نزرع حب التعلم لدى الطفل؟

يبدأ حب التعلم لدى الطفل من الطريقة التي يتعامل بها مع المعرفة منذ سنواته الأولى، فحين يشعر بالفضول والتشجيع والأمان، يصبح أكثر رغبة في السؤال والمحاولة واكتشاف أشياء جديدة، وتؤدي الأسرة والمعلم والبيئة المدرسية دوراً مهماً في بناء هذه العلاقة، من خلال دعم الطفل واحترام اهتماماته وقدراته، وتجنب الأساليب التي تجعله يربط التعلم بالخوف أو الضغط.

ومع اختلاف اهتمامات الأطفال وطرق تعلمهم، تبرز أهمية تقديم المعرفة بأساليب قريبة منهم وتمنحهم مساحة للتجربة والتعبير، بما يساعدهم على تطوير دافعيتهم والاستمرار في التعلم.

أساليب تعزز حب التعلم لدى الطفل

في هذا السياق، قالت إيمان جقله، باحثة في مجال التربية الخاصة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن حب التعلم يبدأ عندما يشعر الطفل أن التعلم تجربة ممتعة ومبنية على الفضول وليست واجباً أو مصدراً للخوف.

وأشارت إلى أهمية التركيز على الشغف والفضول ودعم اهتمامات الطفل الشخصية وتشجيعه على طرح الأسئلة تقديم الأنشطة التعليمية بطريقة تناسب عمره واهتماماته، وتقدير محاولاته حتى عندما يخطئ، ومساعدته على تكوين اتجاه إيجابي نحو التعلم منذ السنوات الأولى.

وأضافت أن للأسرة دوراً أساسياً، لأنها البيئة التعليمية الأولى للطفل فالطفل يتأثر بما يراه أكثر مما يسمعه؛ ويحتاج إلى قدوة حية فالأطفال يكسبون العادات بالتقليد والملاحظة المستمرة فعندما يرى والديه يقرآن، ويبحثان، ويتعلمان أشياء جديدة، يصبح التعلم جزءاً طبيعياً من حياته.

ونوهت جقله إلى أهمية أن تكون البيئة آمنة للطفل تعطي الأمان والحنان بعيداً عن القلق والخوف، كذلك من المهم أن تشجع الأسرة الطفل دون مقارنته بغيره، وأن تركز على تقدمه وجهده وليس على الدرجات فقط، وأن توفر له بيئة آمنة يستطيع فيها أن يسأل ويخطئ ويتعلم.

وأشارت إلى أن المعلم له تأثير كبير جداً في علاقة الطالب بالتعلم، فالمعلم ليس ناقلاً للمعلومة فقط بل هو بمثابة الأب الروحي للطالب فهو قدوة وموجه وداعم لمعلم الذي يتعامل مع طلابه باحترام، ويشجعهم، ويستمع إليهم، ويراعي الفروق الفردية بينهم، يستطيع أن يجعل الصف بيئة محببة ومحفزة أما أسلوب التخويف والسخرية من أخطاء الطالب، وكثرة العقاب والمقارنة بين الطلاب، فقد تجعل الطالب يربط التعلم بالخوف والفشل، وبالتالي يفقد دافعيته.

ربط التعلم باهتمامات الطفل يعزز إقباله

ونوهت إيمان جقله إلى أن المدرسة ليست صفوف وكتب فحسب، وإنما بيئة متكاملة تؤثر في دافعية الطالب وتحويل الفصول إلى مساحة آمنة وممتعة تعتمد على الفضول والتجربة بدلاً من الحفظ الآلي وتوفير البيئة الخالية من الخوف والتنمر ليشعر الطفل بالأمن والأمان والانتماء، وتتيح له المشاركة والتفاعل والحركة والتجربة دون الخوف من السخرية والعقاب.

وأكدت في تصريح خاص لـ شام أن تنويع الأنشطة، واستخدام الوسائل التعليمية، وإتاحة الفرص للطلاب للتعبير عن آرائهم ومواهبهم، كلها أمور تجعل الطالب أكثر ارتباطاً بالمدرسة وأكثر إقبالاً على التعلم.

وبينت أن من أبرز الأخطاء: التركيز المبالغ فيه على الدرجات، مقارنة الطفل بزملائه أو إخوته، السخرية من أخطائه، استخدام العقاب والتوبيخ، الواجبات المنزلية الكثيرة، الجدول المدرسي الجامد مع غياب أوقات الراحة واللعب، توقعات الكبار المبالغة فيها (تحميل الطفل ضغوطاً فوق عمره وقدراته العقلية، وتوقع أن يتعلم جميع الأطفال بالطريقة والسرعة نفسها، التلقين والحفظ البصم (إجبار الطفل على حفظ المعلومات دون فهمها).

ولفتت جقله إلى أن أول خطوة هي التعرف إلى الطفل: ماذا يحب؟ ما الألعاب التي يفضلها؟ ما الموضوعات التي تثير فضوله؟ ثم نستفيد من هذه الاهتمامات في تقديم المفاهيم التعليمية ودمج الهوايات بالمناهج.

 وأضافت أنه إذا كان الطفل يحب الحيوانات مثلاً، يمكن تعليمه من خلالها الأعداد والقراءة والعلوم، وإذا كان يحب الرسم يمكن توظيف الرسم في تعلم الحروف والمفاهيم كما يمكن إعطاؤه خيارات في بعض الأنشطة، وربط الدروس بمواقف من حياته اليومية، لأن الطالب عندما يشعر أن ما يتعلمه له معنى بالنسبة إليه، يصبح أكثر دافعية واستعداداً للتعلم.

وأكدت أنه في النهاية، يمكن القول إن حب التعلم لا يُفرض على الطفل، وإنما يُبنى تدريجياً من خلال بيئة تمنحه الأمان، وتشجع فضوله، وتحترم قدراته، وتجعله يشعر بأن التعلم رحلة ممتعة لا مجرد وسيلة للحصول على الدرجات.

وتؤثر طريقة تعامل الأسرة والمعلم والمدرسة مع الطفل في علاقته بالتعلم، من خلال ما توفره من تشجيع وأمان، وما تتيحه له من فرص للسؤال والتجربة، إلى جانب مراعاة اهتماماته وقدراته وتجنب المقارنة والضغط المفرط.

اقرأ المزيد
١١ أغسطس ٢٠٢٦
قرية الأربعين بريف حماة.. عودة الأهالي تصطدم بواقع خدمي متدهور

يشتكي أهالي قرية الأربعين في ريف حماة الشمالي من تردي الواقع الخدمي بعد عودتهم إلى قريتهم عقب سنوات طويلة من النزوح، في ظل استمرار آثار الدمار الذي خلّفه القصف، ما انعكس بشكل مباشر على مختلف جوانب الحياة اليومية، وفرض تحديات معيشية قاسية على السكان.

في هذا الإطار، قال أحمد محمد الفياض، رئيس اللجنة المجتمعية في قرية الأربعين بريف حماة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القرية تأثرت كثيراً بقصف قوات النظام البائد خلال السنوات الماضية، مما أدى إلى دمار منازل وممتلكات المدنيين، وألحق بهم خسائر فادحة.

وأضاف أن الأهالي العائدين عانوا من حجم الدمار في القرية عند عودتهم بعد التحرير، إذ عادت العديد من العائلات، بينما بقيت أخرى في مخيمات الشمال بسبب دمار منازلها وعدم قدرتها على إعادة بنائها أو إيجاد سكن بديل، خاصة أن ظروفها صعبة من الناحية المادية.

وأكد أن التحديات لم تتوقف عند هذا الحد، خاصة في ظل وجود مشاكل في الصرف الصحي، إذ تجري مياه المجارير بين البيوت والطرقات، ما يجذب الذباب والبعوض، ويؤدي إلى انتشار الروائح الكريهة في القرية، ما يشير إلى حاجة القرية إلى وضع حل.

وأشار إلى أن القرية تحتاج إلى خدمات صرف صحي وتأهيل طرقاتها، خاصة أن الطرقات مدمرة بسبب قصف الطيران والقذائف من قبل النظام البائد، إلى جانب ضرورة توفير المياه، حيث يضطر الأهالي لشرائها على حسابهم الخاص من الصهاريج، مما يحملهم أعباء إضافية، لاسيما أن أغلب العائلات وضعها ضعيف من الناحية المادية.

وأكد الفياض في تصريح خاص لـ شام أن القرية بحاجة إلى تحسين خدمات ترحيل القمامة وتأمين الكهرباء، خاصة أن العائلات تعاني من العديد من التحديات في ظل غيابها، بسبب تعرض أعمدة الكهرباء للدمار نتيجة القصف الممنهج من قبل قوات النظام البائد.

وشدد على حاجة القرية إلى مشاريع للطرقات والكهرباء والمياه والصرف الصحي، ما يساهم في تحسين واقع الحياة في القرية، إلى جانب ضرورة العمل على تحسين الوضع المادي للأهالي وتوفير فرص عمل، وذكر أن هناك مكب قمامة يقع شمال القرية، لا يبعد عنها سوى 200 متر، يسبب ضرراً للسكان بسبب روائحه المنتشرة وتجمع الذباب، وأكد ضرورة نقله لحماية الأهالي من الأضرار الصحية.

في سياق متصل، قال وائل محسن، عضو لجنة مجتمعية في قرية الأربعين، في تصريح خاص لـ شام، إن العائلات في القرية بدأت بالعودة تدريجياً بعد التحرير، عقب نزوح استمر لنحو 11 عاماً في مخيمات الشمال السوري، حيث عادت حتى اليوم نحو 300 عائلة، فيما لا تزال قرابة 400 عائلة في المخيمات ودول الجوار، معظمها غير قادرة على العودة بسبب دمار منازلها وعدم قدرتها على إعادة بنائها، في حين عاد بعضهم بخيمه من الشمال ونصبها فوق ركام منزله.

وأضاف أن الأهالي يواجهون جملة من الصعوبات، لا سيما أن القرية مدمرة بنسبة 90 بالمئة، والخدمات فيها شبه معدومة، إذ لا تتوفر المياه ولا الكهرباء ولا الصرف الصحي، إضافة إلى غياب المدارس والنقاط الطبية، ما دفع العديد من العائلات إلى عدم العودة والبقاء في المخيمات أو في دول اللجوء.

وأشار إلى أن القرية تحتاج اليوم إلى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والتعليم وخدمات النظافة والصرف الصحي، ولفت إلى أن بعض المنظمات تعمل على إصلاح كتلتين من المدرسة، بينما لا تزال الكتلة الثالثة مدمرة بالكامل، كما تعمل منظمة أخرى على مشروع المياه منذ نحو عام، إلا أنه لم يدخل الخدمة حتى الآن بسبب تعطل الشبكة بشكل كامل.

وأكد محسن أن القرية بحاجة إلى تدخل المنظمات لإعادة ترميم المنازل المتضررة، حيث أصبحت هذه الحاجة ملحّة في ظل عدم قدرة كثير من الأهالي على الترميم، إذ لا تتجاوز نسبة من قاموا بإصلاح منازلهم 30 بالمئة، فيما يضطر كثيرون للسكن في خيام فوق أنقاض منازلهم أو بجانب الأبنية المتضررة.

ويؤكد بعض السكان الذين تحدثنا معهم أن تردي الواقع الخدمي انعكس بشكل مباشر على تفاصيل حياتهم اليومية، إذ يواجهون صعوبات في تأمين المياه والكهرباء، إلى جانب معاناة مستمرة بسبب غياب الصرف الصحي وانتشار الروائح، ما يزيد من الأعباء عليهم.

ويشير عدد من الأهالي المقيمين في خيام، نتيجة عدم قدرتهم على إعادة بناء منازلهم، إلى أن معاناتهم مضاعفة، خاصة خلال فصل الشتاء مع العواصف والأمطار الغزيرة التي تغمر خيامهم، وفي فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة، ما يجعل ظروف العيش أكثر قسوة في ظل غياب أي حلول بديلة.

ويواصل أهالي القرية توجيه مناشداتهم إلى المنظمات والجهات المعنية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مطالبين بتحسين الواقع الخدمي وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة، بما يخفف من معاناتهم ويساعدهم على الاستقرار في قريتهم.

اقرأ المزيد
١١ أغسطس ٢٠٢٦
الحماميات بريف حماة الشمالي: بين الركام وغياب مقومات الحياة

تعاني قرية الحماميات في ريف حماة الشمالي من أوضاع إنسانية ومعيشية قاسية نتيجة الدمار الكبير الذي طال منازلها وبنيتها التحتية، ما جعلها بيئة غير مناسبة للاستقرار دون تدخل عاجل، فقد تسببت سنوات النزوح والعودة لاحقاً في تفاقم معاناة الأهالي، خاصة مع ضعف الإمكانات المادية التي حالت دون إعادة تأهيل مساكنهم بشكل كامل، الأمر الذي أجبر العديد منهم على العيش في ظروف سكنية هشة تفتقر لأبسط مقومات الأمان والراحة.

على صعيد الخدمات الأساسية، تشهد القرية انهياراً شبه كامل في شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، حيث يعتمد السكان على مصادر مياه غير آمنة ومكلفة، في ظل غياب الكهرباء بشكل تام، ما يزيد من صعوبة الحياة اليومية. كما أن الطرق المتضررة وانتشار الأنقاض تعيق الحركة، إلى جانب انعدام خدمات الاتصالات. 

أما في القطاعين الصحي والتعليمي، فالوضع لا يقل سوءاً، إذ تغيب المراكز الطبية كلياً، ويضطر السكان لقطع مسافات طويلة لتلقي العلاج، في حين يواجه الأطفال بيئة تعليمية غير مناسبة داخل غرف مؤقتة تفتقر للحماية من الظروف الجوية.

تحديات العودة وواقع خدمي متدهور في قرية الحماميات
في هذا الإطار، قال محمد حسين، رئيس اللجنة المجتمعية في قرية الحماميات، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن عودة الأهالي إلى القرية بدأت بعد التحرير، إلا أنها واجهت تحديات كبيرة، كان أبرزها انتشار الألغام، قبل إزالة الذخائر ومخلفات القصف، كما برز تحدٍ آخر تمثل في ركام المنازل المدمرة، حيث تعرضت القرية لدمار شبه كامل.

وأكد أن ركام المنازل المدمرة ترك آثاراً نفسية على السكان، ولا سيما الأطفال، وأشار إلى أنه يشكل بيئة لانتشار الآفات كالأفاعي وبعض الحيوانات البرية مثل الثعالب، في وقت تفتقر فيه القرية إلى العديد من الخدمات الأساسية، أبرزها المياه والرعاية الصحية وترحيل القمامة، إذ إن بئر القرية لا يخدم سوى نحو 45% من السكان، كما أن مياهه غير صالحة للاستخدام نتيجة تهالك الشبكة المصنوعة من المعدن.

وفيما يتعلق بالواقع التعليمي، ذكر أن إحدى المنظمات قدمت كرفانات مستعملة لاستخدامها كغرف صفية، إلا أنها متهالكة ولا تصلح للتعليم، إذ تتسرب المياه إليها خلال فصل الشتاء، ولا تقي الطلاب من الحرارة صيفاً بسبب تضرر أسقفها، كما أشار إلى غياب الكهرباء بشكل كامل في القرية، نتيجة قطع الأعمدة والشبكة الكهربائية.

 وأكد أن القرية بحاجة إلى إصلاح شبكة الصرف الصحي، وإعادة أغطية المصارف (الريكارات) وتعزيل المسدود منها، مشيراً إلى نقص واسع في مختلف الخدمات الأساسية، بدءاً من تحسين شبكة المياه وإصلاح خزان القرية بما يضمن وصول المياه إلى جميع السكان، مروراً بإصلاح الصرف الصحي وبناء مدرسة وإحداث نقطة طبية، وصولاً إلى إزالة الركام واستجرار الكهرباء إلى القرية.

وأكد أن العديد من العائلات ما تزال تقيم في المخيمات بانتظار تحسن الواقع الخدمي، فيما عاد بعض من حاولوا الرجوع إلى القرية أدراجهم إلى المخيمات، في حين يفكر آخرون بالعودة مجدداً، ولا سيما العائلات التي لديها أطفال بحاجة إلى التعليم والرعاية الصحية والمياه.

تدهور واقع الخدمات في القرية 

وفي سياق متصل، قال حسن عبد الكريم العليوي، مدير مدرسة الحماميات، في تصريح خاص لـ شام، إن الأهالي عادوا إلى القرية بعد 12 عاماً من النزوح، ليواجهوا جملة من الصعوبات، في مقدمتها تردي الأوضاع المادية، ما حال دون قدرتهم على ترميم منازلهم المدمرة.

وأضاف أن غياب شبكة مياه شرب قادرة على تلبية احتياجات القرية يُعد من أبرز التحديات، إذ لا تتجاوز نسبة المستفيدين من البئر 25%، إلى جانب عدم وجود نقطة طبية، حيث يبعد أقرب مركز صحي نحو 20 كيلومتراً، كما أن شبكة الصرف الصحي خارج الخدمة، ما ينذر بتسرب مياه الصرف إلى المنازل.

وأكد أن المعاناة لم تتوقف عند هذا الحد، في ظل استمرار وجود الأنقاض التي تحولت إلى مأوى للقوارض والأفاعي، ما يشكل خطراً على حياة السكان، بالتزامن مع غياب خدمات ترحيل النفايات، الأمر الذي فاقم من تدهور الواقع المعيشي وأسهم في انتشار الأمراض والأوبئة.

وأشار العليوي إلى أن المدرسة تتكون من كرفانات مسبقة الصنع، لا توفر الحماية اللازمة للأطفال من حرارة الصيف أو برد الشتاء، ولفت إلى أن الأهالي يطالبون بتحسين الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها تأهيل شبكة مياه الشرب والصرف الصحي، وإنشاء نقطة طبية، وبناء مدرسة ملائمة، إضافة إلى إزالة الأنقاض وتأمين خدمات ترحيل النفايات، كما أوضح أن نسبة الدمار في القرية كبيرة، في حين تمكن بعض الأهالي من ترميم منازلهم بجهود وإمكانات محدودة، بما يتيح لهم العيش فيها.
 
وينتظر أهالي قرية الحماميات في ريف حماة الشمالي الاستجابة لمطالبهم المتعلقة بتحسين الخدمات وتوفير الاحتياجات الأساسية، بما يضمن الحد الأدنى من مقومات العيش، ويخفف من معاناتهم اليومية، ويعزز قدرتهم على الاستقرار بعد سنوات من النزوح.

اقرأ المزيد
١٠ أغسطس ٢٠٢٦
النقد الذاتي بين التقييم البنّاء والوقوع في جلد الذات

أحياناً يشعر الإنسان بعدم الرضا عن إنجازاته أو مستوى أدائه، فيبدأ بانتقاد نفسه داخلياً، وقد يكون هذا النقد طبيعياً ومفيداً في بعض الحالات، لكنه في أحيان أخرى يتسم بالقسوة، حيث لا يرحم الفرد نفسه ولا يمنحها حقها من التقدير، ما قد يقوده إلى مرحلة جلد الذات، الأمر الذي ينعكس سلباً على حالته النفسية وثقته بنفسه.

ما هو النقد الذاتي؟
قالت سُميّة محمد عبد الفتّاح، الاختصاصية النفسية والمحاضرة في قسم الإرشاد النفسي بجامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن النقد الذاتي هو العملية المعرفية التي يراجع فيها الفرد أداءه وسلوكياته ويقيّمها وفق معاييره الشخصية.

وأشارت إلى أنه قد يصبح دائماً ومستمراً حتى في المواقف البسيطة، فيحمّل نفسه ما لا تستحق ويعيد كل ما يحصل من سوء إلى ذاته وكأنها المسبب لكل شيء، وهنا يتحول إلى جلد للذات فيركز على عيوبه الشخصية بدلاً من السلوك، ويستخدم عبارات مطلقة مثل: "أنا فاشل"، "لن أنجح أبداً"، ويتجاهل النجاحات ويضخم الأخطاء، ما يؤدي إلى الشعور المزمن بالذنب أو الخزي أو انعدام القيمة، ويضعف الدافعية بدلاً من تعزيزها.

وأضافت أن جلد الذات، من المنظور المعرفي، يرتبط بتحيزات وتشوهات معرفية مثل التعميم المفرط، والتصفية الذهنية التي تركز على الجوانب السلبية وتتجاهل الإيجابيات.

وأشارت سمية عبد الفتاح إلى أن الأدبيات النفسية توضح أن جلد الذات ينشأ نتيجة تفاعل عوامل نمائية ومعرفية وشخصية واجتماعية، ومن أبرزها أساليب التنشئة مثل التعرض للنقد المستمر، والمقارنة المتكررة مع الآخرين، والحب أو القبول المشروط بالإنجاز، والتربية القائمة على العقاب واللوم، حيث قد تتحول هذه الخبرات مع الوقت إلى صوت داخلي ناقد يتبناه الفرد ويؤمن به وتنصقل معه.

ونوهت إلى أن الكمالية تُعد من العوامل المهمة، إذ إن الأشخاص ذوي المعايير المرتفعة جداً لأنفسهم يميلون إلى اعتبار أي خطأ دليلاً على الفشل، مما يزيد من شدة النقد الذاتي، وبينت أن انخفاض تقدير الذات يسهم كذلك في زيادة قابلية الفرد لتصديق أفكاره السلبية والناقدة لذاته، فكلما كانت الصورة الذاتية هشة، أصبح الشخص أكثر عرضة لذلك.

ولفتت إلى أن الخبرات الصادمة أو الرفض الاجتماعي، مثل التنمر أو الإساءة النفسية أو الإهمال، تسهم في ترسيخ معتقدات سلبية حول الذات، وذكرت أن من بين الأسباب أيضاً الاستعدادات الشخصية، مثل الحساسية المرتفعة للنقد، والميل إلى اجترار الأفكار السلبية.

وتحدثت الاختصاصية سمية عن العوامل الثقافية والاجتماعية، موضحة أنه في بعض البيئات التي تبالغ في الإنجاز أو المثالية، قد يتعلم الفرد أن قيمته مرتبطة بالكمال، مما يزيد من احتمال جلد الذات.

 وأوضحت أن النقد الذاتي المفرط لا يقتصر تأثيره على المشاعر، بل يمتد إلى الجوانب المعرفية والسلوكية والانفعالية، فقد يؤدي إلى زيادة احتمالية الإصابة بالاكتئاب، وارتفاع مستويات القلق، والشعور المستمر بالخزي والذنب، وانخفاض الشعور بالكفاءة الذاتية والخوف من الفشل، إضافة إلى تجنب التجارب الجديدة والاعتماد المفرط على تقييم الآخرين، وأكدت أن استمرار الحوار الداخلي القاسي قد يخلق حلقة مفرغة، إذ يؤدي انخفاض الثقة بالنفس إلى مزيد من النقد الذاتي، والذي يضعف الثقة أكثر.

وشددت على أن هناك فرقاً واضحاً بين النقد الذاتي الصحي وجلـد الذات؛ فالنقد الصحي يركز على السلوك، ويكون مؤقتاً ومرتبطاً بالموقف، ويساعد على التعلم، ويتضمن حلولاً وخططاً للتحسين، ويحافظ على احترام الذات، ويعترف بالنجاحات والأخطاء معاً، ويزيد الدافعية، في حين أن جلد الذات يهاجم الشخص لا السلوك، ويكون مستمراً ويشمل معظم المواقف، ويعيق التعلم والتقدم، ويقتصر على اللوم والإدانة، ويضعف احترام الذات، ويركز على الأخطاء فقط، ويؤدي إلى الإحباط والاستسلام.

وأفادت الاختصاصية سمية بأن الشخص قد لا يدرك أنه يمارس جلد الذات، لأن هذا الأسلوب يصبح جزءاً معتاداً من حواره الداخلي، ومن أبرز المؤشرات على ذلك: الاعتذار المفرط دون سبب منطقي، والتقليل المستمر من الإنجازات، وصعوبة تقبل المديح لاعتقاده أنه لا يستحق، ومقارنة النفس بالآخرين بصورة متكررة، وتضخيم الأخطاء الصغيرة، واستخدام أوصاف سلبية للنفس بشكل دائم، وتوقع الفشل قبل البدء بأي تجربة، والشعور بعدم الاستحقاق رغم النجاح، ولوم الذات عن أحداث لا تقع بالكامل ضمن مسؤوليته.

عوامل تقليل النقد الذاتي السلبي 
وقالت سمية عبد الفتاح في تصريح خاص لـ شام إن تقليل النقد الذاتي السلبي وبناء حوار داخلي أكثر توازناً يبدأ بملاحظة الحوار الداخلي، حيث تعد هذه الخطوة الأولى من خلال زيادة الوعي بالأفكار الناقدة دون الاندماج معها، عبر تسجيلها أو مراقبتها عند ظهورها.

وأضافت أن إعادة البناء المعرفي تتم من خلال مراجعة صحة الأفكار الناقدة عبر طرح أسئلة مثل: ما الدليل على صحة هذه الفكرة؟ هل أقيّم نفسي أم سلوكي؟ وهل توجد تفسيرات أخرى للموقف؟

وأشارت إلى أهمية استبدال اللغة القاسية بلغة أكثر توازناً، فبدلاً من قول: "أنا فاشل"، يمكن القول: "لم أنجح هذه المرة، ويمكنني تحسين أدائي"، ونوهت إلى ضرورة ممارسة التعاطف مع الذات، من خلال التعامل مع النفس باللطف نفسه الذي يُعامل به الفرد صديقاً يمر بالموقف ذاته، مع الاعتراف بأن الخطأ جزء طبيعي من الخبرة الإنسانية.

وبينت الاختصاصية النفسية أهمية التفريق بين السلوك والذات، فالفشل في موقف معين لا يعني أن الشخص فاشل، بل يعني أنه واجه تجربة لم تحقق النتيجة المرجوة، ولفتت إلى أهمية تقبل عدم الكمال، عبر تبني مفهوم أن الأداء الجيد كافٍ في كثير من المواقف، وأن السعي إلى الكمال المطلق غالباً ما يكون غير واقعي.

وذكرت أن توثيق النجاحات من خلال تسجيل الإنجازات اليومية، مهما كانت صغيرة، يساعد على موازنة الانحياز الطبيعي نحو التركيز على الأخطاء، وتحدثت عن العلاج النفسي عند الحاجة، وأوضحت أنه عندما يكون جلد الذات مزمناً أو مرتبطاً بالاكتئاب أو القلق أو الصدمات النفسية، فإن التدخل العلاجي، وخاصة العلاج المعرفي السلوكي، والعلاج المرتكز على التعاطف مع الذات، أو العلاج القائم على اليقظة الذهنية، قد يسهم في تعديل المعتقدات الجوهرية السلبية وبناء حوار داخلي أكثر مرونة.

يبرز النقد الذاتي كأحد الأنماط النفسية التي قد تتخذ أشكالاً متعددة، تتراوح بين المراجعة الإيجابية للأداء وبين التحول إلى جلد للذات، في ظل تأثير طريقة تقييم الأخطاء والإنجازات، وطبيعة الحوار الداخلي لدى الفرد.

اقرأ المزيد
١٠ أغسطس ٢٠٢٦
من الصف إلى الذاكرة: ما الذي يجعل بعض المعلمين يتركون أثراً مستمراً في حياة الطلاب؟

تُعدّ مهنة التعليم من المهن الأساسية التي يرتبط أثرها المباشر بتكوين الفرد وبناء شخصيته، إذ لا يقتصر دور المعلم على نقل المعرفة، بل يمتد ليشمل التأثير في سلوك الطالب واتجاهاته نحو التعلم والحياة، وفي هذا السياق، يترك بعض المعلمين أثراً عميقاً في نفوس طلابهم، فيسهمون في تعزيز حب الدراسة والعلم والعمل، ويكون لهم دور في إحداث تحولات إيجابية في مسار حياتهم، الأمر الذي يجعل حضورهم ممتداً في الذاكرة رغم مرور السنوات.

في المقابل، هناك معلمون لا يتركون الأثر ذاته، إذ يُنسى حضورهم سريعاً دون أن ينعكس بشكل واضح على تجربة الطالب التعليمية أو النفسية، ويعود ذلك في جانب منه إلى أسلوب تعامل المعلم مع طلابه، ومدى اهتمامه ليس فقط بالمادة التي يدرّسها، وإنما أيضاً بالجانب الإنساني في العملية التعليمية، بما يشمل التفاعل، والدعم، وبناء العلاقة التربوية داخل الصف.

كيف يصنع المعلم أثراً دائماً في نفوس طلابه؟

قال الدكتور عبد الحي المحمود، نائب عميد كلية التربية الثانية في جامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية،  إن المعلم الذي يبقى في ذاكرة الطالب ليس بالضرورة المعلم الذي كان يقدم أغزر المعلومات، وإنما غالباً المعلم الذي ترك أثراً إنسانياً ونفسياً إلى جانب أثره التعليمي، فالطالب قد ينسى تفاصيل درس أو تعريفاً أو قاعدة، لكنه من الصعب أن ينسى معلماً جعله يشعر بأنه قادر، أو معلماً آمن به عندما كان هو نفسه يشك بقدراته.

وأشار إلى أن الذاكرة الإنسانية لا تعمل بمعزل عن المشاعر؛ فالخبرات التي ترتبط بانفعال قوي، كالشعور بالنجاح أو التقدير أو الأمان أو حتى الإهانة والخوف، تكون أكثر قابلية للترسخ، ولذلك بعض الطلاب يتذكرون بعد عشرات السنين جملة قالها لهم معلم في لحظة معينة، وربما كانت تلك الجملة نقطة تحول في حياتهم، فالمعلم المؤثر لا يترك في ذاكرة الطالب "معلومة" فقط، بل يترك تجربة، والتجربة الإنسانية العميقة قد تعيش أطول بكثير من محتوى الدرس.

وأضاف أنه لا يمكن الفصل بين أسلوب التدريس وشخصية المعلم، لكن إذا أردنا تحديد العامل الأكثر تأثيراً في الذاكرة طويلة المدى، فإن شخصية المعلم وطريقة تعامله الإنسانية غالباً ما تكونان أكثر حضوراً، أسلوب التدريس مهم جداً؛ فالمعلم الذي يجعل الطالب يفكر ويشارك ويكتشف ويطبق، يجعل عملية التعلم أكثر عمقاً، لكن هذه الأساليب قد تفقد جزءاً كبيراً من أثرها إذا كان الطالب يشعر بالخوف أو الإهانة أو عدم الاحترام.

وأكد المحمود أن المعلم الناجح يجمع بين الكفاءة العلمية والكفاءة الإنسانية: يعرف مادته جيداً، ويعرف في الوقت نفسه كيف يتعامل مع طالب مختلف عنه في قدراته وشخصيته وظروفه، ولذلك فالمعلم المتميز ليس من يجعل الطلاب يحفظون أكثر فقط، وإنما من يجعلهم يفكرون أكثر ويثقون بأنفسهم أكثر.

وأشار إلى أن دور المشاعر أساسي في ترسيخ تجربة التعلم في الذاكرة، فالتعلم ليس عملية معرفية بحتة؛ فالطالب يتعلم وهو يحمل معه مشاعره ومخاوفه وحاجته إلى القبول والتقدير، فعندما يشعر الطالب بالأمان النفسي داخل الصف، يصبح أكثر استعداداً للسؤال والمناقشة والخطأ والمحاولة من جديد، أما عندما يخاف من السخرية أو العقاب أو الإحراج، فقد ينشغل جزء من انتباهه بتجنب الخطأ بدلاً من الانشغال بالتعلم. 

وشدد على أن الأمان النفسي ليس شيئاً ثانوياً، بل شرطاً مهماً من شروط التعلم الجيد، والتشجيع هنا لا يعني أن نقول للطالب دائماً "أنت ممتاز"، وإنما أن نساعده على رؤية تقدمه، وأن نفصل بين تقييم أدائه وتقييم قيمته كشخص، ونوه إلى أن المعلم قد يكون قدوة مؤثرة في حياة الطالب دون أن يقصد، وربما يحدث ذلك أكثر مما يتوقع المعلم نفسه، إذ إن الطالب لا يتعلم من كلام المعلم فقط، بل يتعلم أيضاً من سلوكه وطريقة تعامله مع الآخرين وإدارته للغضب واحترامه للطلاب واعترافه بخطئه.

من القدوة إلى الثقة: كيف يشكل المعلم نظرة الطالب لنفسه؟

وذكر الدكتور عبد الحي في تصريح خاص لـ شام أن المعلم يرسل يومياً عشرات الرسائل غير المباشرة؛ فعندما يرى الطالب معلماً يحترم الجميع، فإنه يتعلم معنى الاحترام، وعندما يرى معلماً يعترف بخطئه، يتعلم أن الخطأ ليس عيباً، وعندما يرى معلماً يؤمن بقدراته، قد يبدأ هو نفسه بالإيمان بهذه القدرات، وهنا تظهر أهمية ما يسمى تربوياً التعلم بالملاحظة والنمذجة؛ فالطالب لا يقلد المعلم في المعلومات فقط، بل قد يقلده في طريقة التفكير والتعامل مع الآخرين وحتى في نظرته إلى نفسه وإلى الحياة.

وبيّن أن من أبرز الأخطاء السلوكية والتربوية التي قد تجعل المعلم يُنسى أن يتحول إلى مصدر للمعلومات فقط، دون أن يبني علاقة تربوية حقيقية مع طلابه، مشيراً إلى أن الإهانة العلنية، والمقارنة بين الطلاب، والسخرية من الإجابات الخاطئة، والتحيز، وعدم العدالة، واستخدام الخوف كوسيلة للضبط، وعدم الاستماع للطالب، كلها عوامل تضعف أثره. 


وأوضح أنه قد يكون المعلم متمكناً علمياً بدرجة عالية، لكنه إذا جعل الطالب يشعر بأنه غير مهم أو غير قادر أو دائماً مخطئ، فإن معرفته العلمية قد لا تترك الأثر الذي كان يمكن أن تتركه، وفي المقابل، ليس المطلوب أن يكون المعلم "صديقاً" للطلاب بالمعنى الشخصي، بل أن يكون عادلاً، محترماً، واضحاً، داعماً، وحازماً دون إهانة، فالعلاقة التربوية الصحية تحتاج إلى توازن بين القرب والحدود.

ولفت نائب عميد كلية التربية الثانية في جامعة حلب إلى أن أسلوب المعلم يؤثر بشكل كبير في تعزيز أو إضعاف ثقة الطالب بنفسه وتقديره لذاته، خصوصاً عندما تتكرر الرسائل التي يتلقاها الطالب من المعلم عبر سنوات الدراسة، فعندما يقول المعلم للطالب: "أنت لا تستطيع"، أو يسخر من قدراته، فإن الطالب قد لا يتعامل مع هذه العبارة على أنها تعليق فحسب، بل قد يبدأ ببناء صورة سلبية عن نفسه حولها. 

أما عندما يقول له: "هذه المحاولة لم تنجح، لكن يمكننا أن نبحث عن طريقة أخرى"، فهو يفصل بين فشل المحاولة وقيمة الشخص، وهذه نقطة تربوية شديدة الأهمية، فالمعلم يستطيع أن يبني لدى الطالب ما يمكن تسميته إحساس الكفاءة؛ أي شعور الطالب بأنه قادر على التعلم والتطور من خلال الجهد والممارسة، ومن هنا فإن التغذية الراجعة التي يقدمها المعلم ينبغي ألا تركز فقط على النتيجة، بل على الاستراتيجية والجهد والتقدم.

وذكر المحمود أن الطالب غالباً يتأثر بالمعلم في المراحل المبكرة، كالطفولة، بشكل أعمق، لأن الطفل في هذه المرحلة ما يزال يبني تصوره عن نفسه وعن الآخرين وعن المدرسة والتعلم، والمعلم بالنسبة له ليس ناقلاً للمعرفة فقط، بل يمثل أحياناً شخصية مرجعية ذات قيمة كبيرة في حياته،  لكن هذا لا يعني أن تأثير المعلم يختفي في المراحل الجامعية أو المتقدمة، إذ يتغير شكل التأثير في المراحل اللاحقة؛ فالطالب الجامعي قد لا يحتاج إلى معلم يقوم بدور السلطة أو الرعاية كما في الطفولة، لكنه قد يتأثر بأستاذ يجعله يحب تخصصه، أو يفتح أمامه طريقاً مهنياً، أو يؤمن بقدرته البحثية والعلمية.

وأكد أن التأثير لا ينتهي مع تقدم العمر، وإنما تتغير طبيعته؛ فالطفل قد يتذكر معلمه لأنه جعله يشعر بالأمان، بينما قد يتذكر الطالب الجامعي أستاذه لأنه جعله يرى مستقبله بطريقة مختلفة، وأشار في ختام حديثه إلى أنه يرى أن السؤال الأهم بالنسبة له ليس: ماذا علّم المعلم الطالب فقط، وإنما ماذا جعل الطالب يشعر تجاه نفسه وتجاه العلم وتجاه قدرته على النجاح؟"

اقرأ المزيد
١٠ أغسطس ٢٠٢٦
الخطوبة بين العرف والقانون: ما الذي يترتب عند الانفصال؟

في ظل تزايد التساؤلات المرتبطة بفترة الخطوبة وما يترتب عليها من التزامات وحقوق، تبرز الحاجة إلى توضيح الإطار القانوني الذي ينظم هذه المرحلة، خاصة مع ما قد ينشأ عنها من خلافات عند الفسخ، سواء فيما يتعلق بالهدايا أو الشبكة أو التعويض عن الضرر، وتكتسب هذه المسائل أهمية خاصة لارتباطها المباشر بحياة الأفراد واستقرارهم الاجتماعي، ما يجعل فهمها ضرورة لتجنب الخلافات وحفظ الحقوق.

الشبكة والهدايا عند فسخ الخطوبة

في هذا السياق، قالت المدربة القانونية عفراء أحمد، القائمة على سلسلة تدريبات الوعي القانوني الاجتماعي لكافة الأفراد، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الخطوبة في جميع قوانين الأحوال الشخصية العربية تُوصَّف قانونياً على أنها “وعد بالزواج” وليست عقداً ملزماً.

 وأوضحت أنه لا يترتب عليها أي أثر من آثار عقد الزواج الشرعي، مثل النفقة أو الطاعة أو التوارث، ويملك كل من الطرفين الحق الكامل في العدول عنها في أي وقت، دون إمكانية إجبار أي طرف على إتمام الزواج، لأن الإرادة يجب أن تكون حرة تماماً قبل إبرام العقد الرسمي، حسبما ذكرت.

وأضافت أن التعامل القانوني مع الهدايا والشبكة عند الفسخ يقوم على تحديد الطرف الذي بادر بالفسخ، وتُطبق في ذلك أحكام الهبة في الفقه الإسلامي، فإذا كان الفاسخ هو الخاطب لا يحق له استرداد الهدايا المستهلكة أو العادية التي قدمها للمخطوبة (لأنه هو من رجع في خطبته).

لكنه يسترد الشبكة دائماً باعتبارها جزءاً من المهر، أما إذا كانت المخطوبة هي من فسخت، فتُلزم برد الشبكة والرد العيني لجميع الهدايا القائمة غير المستهلكة التي قدمها الخاطب لها، في حين أن الهدايا المستهلكة، مثل الأطعمة، الحلويات، أو الملابس التي بليت، لا تُرد قانوناً ما لم يوجد شرط مسبق بخلاف ذلك.

وفيما يتعلق بوضع “الشبكة” في حال اختلاف العرف مهر أم هدية، ذكرت المدربة عفراء أنه استقرت أحكام محاكم النقض والتمييز العربية على اعتبارها جزءاً من المهر المعجل وليست مجرد هدية، حتى لو جرى العرف على تسميتها كذلك في حياتهم اليومية، وبناءً على ذلك تُرد الشبكة للخاطب في جميع حالات الفسخ، سواء كان الفسخ من جهته أو من جهة المخطوبة، وسواء كانت قائمة أو تم بيعها حيث تُرد قيمتها، لأن سبب استحقاق المهر، وهو الزواج، قد انتفى كلياً.

التعويض والنفقات بعد فسخ الخطوبة

ونوهت عفراء أحمد في تصريح خاص لـ شام إلى أن مجرد العدول عن الخطوبة لا يوجب التعويض لأنه حق مكفول للمتنازل، إلا أن المطالبة بالتعويض تصبح ممكنة عند اقتران الفسخ بخطأ أو تعسف أو إساءة استخدام الحق ترتب عليه ضرر مباشر للطرف الآخر، كما في حالات الفسخ المفاجئ ليلة الزفاف دون مبرر مقبول وبطريقة مهينة تسبب ضررا معنوي وأدبي يمس السمعة والكرامة، أو في حال إجبار أحد الطرفين على ترك عمله أو بيع ممتلكاته استعداداً للزواج ثم الفسخ دون سبب.

وبينت أن تقدير التعويض والنفقات التجهيزية يعود حصراً للمحكمة (قاضي الموضوع) بناءً على حجم الضرر الفعلي المدعوم بالإثباتات، ويشمل التعويض المادي الخسائر والنفقات الفعالة التي تم دفعها استعداداً للزواج ولا يمكن استردادها أو الاستفادة منها.

ومن تلك النفقات: تكاليف حجز قاعة الأفراح غير المستردة، ومصاريف تعديل مسكن الزوجية بناءً على طلب الطرف الفاسخ، وخسائر حجوزات السفر أو الفنادق لشهر العسل، إلى جانب التعويض عن الضرر المعنوي الذي تقدره المحكمة لجبر الأذى النفسي والاجتماعي الذي لحق بالطرف المتضرر أو بأسرته بين الناس.

ولفتت أحمد إلى أن انتهاء الخطوبة بسبب الوفاة أو قوة قاهرة يُخضع المسألة لقاعدة انفساخ الوعد دون خطأ من أي طرف، ففي حال وفاة الخاطب لا يحق لورثته استرداد الهدايا العادية التي قدمها للمخطوبة لأنها استقرت كـ "هبة"، لكنها تُعاد لهم الشبكة باعتبارها جزءاً من المهر ولم يقم عقد الزواج المستحق لها.

وأشارت إلى أنه في حال وفاة المخطوبة فلا يحق للخاطب استرداد الهدايا المستهلكة أو التالفة، بينما يحتفظ بحقه الكامل في استرداد الشبكة من ورثتها بذات العلة القانونية (أنها جزء من المهر الذي لم يستحق لعدم إتمام الزواج).

وفي المحصلة، قد لا تكتمل فترة الخطوبة في بعض الحالات نتيجة ظروف مختلفة، سواء كانت مرتبطة بالخاطب أو المخطوبة، ما يؤدي إلى إنهائها قبل الوصول إلى عقد الزواج، وفي مثل هذه الحالات، تبرز المسائل المرتبطة بالحقوق والالتزامات، لا سيما الجوانب المالية المتعلقة بالهدايا والشبكة والتعويض، ضمن إطار قانوني ينظم هذه الحالات ويحدد آلية التعامل معها.

اقرأ المزيد
١٠ أغسطس ٢٠٢٦
ما الذي يجعل الطالب يقبل على التعلم أو ينفر منه؟

مع تسارع التحولات التي يشهدها قطاع التعليم، لم يعد التفوق الدراسي مرتبطاً بالقدرات العقلية وحدها، بل أصبحت دافعية التعلم عنصراً أساسياً في تحديد مدى تفاعل الطالب مع دراسته واستمراريته في تحقيق التقدم. 

وفي ظل تعدد العوامل المؤثرة، من الأسرة والمدرسة إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، تتباين مستويات الحافز لدى الطلاب، ما يسلّط الضوء على أهمية فهم هذه الدافعية والعوامل التي تعززها أو تضعفها، وهو ما يشكل مفتاحاً رئيسياً لتحسين جودة التعلم ونتائجه.

دور الأهل في تعزيز دافعية التعلم

وفي هذا السياق، قالت آلاء كوربلال، محاضرة وباحثة تربوية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها تؤمن بأن التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يهدف إلى بناء شخصية متوازنة قادرة على التعلم المستمر ومواجهة تحديات المستقبل.

وأشارت إلى أن الدور الحقيقي الذي يجب أن يلعبه الأهل في دعم العملية التعليمية يتمثل في تقبل الطفل وتقبل قدراته، مع توفير بيئة آمنة ومحفزة للتعلم، وتشجيع الأبناء على الاجتهاد دون القيام بالمهام نيابة عنهم، إلى جانب المتابعة والاستماع وتعزيز الثقة بالنفس وغرس قيمة العلم باعتباره وسيلة لبناء المستقبل، وليس مجرد وسيلة للحصول على الدرجات.

ونوهت إلى أهمية قيام الأهل بتنظيم وقت الدراسة، وتشجيع الأبناء على وضع أهداف حقيقية، والاحتفاء بجهودهم قبل نتائجهم، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن الصعوبات التي يواجهونها، وبينت أن استخدام الحوار والتشجيع الإيجابي أكثر فاعلية من المقارنة أو العقاب، مشيرة إلى أن هذه الأساليب تعد من أهم وسائل المساعدة التي تساعد الأبناء على الدراسة دون ضغط أو توتر.

ولفتت كوربلال في تصريح خاص لـ شام إلى أن من أكثر الأخطاء شيوعاً المقارنة بين الأبناء أو مع أقرانهم، والتركيز المفرط على الدرجات وإهمال تنمية المهارات، والضغط المستمر لتحقيق نتائج مثالية، إضافة إلى التدخل الزائد في أداء الواجبات، مما يقلل من اعتماد الطالب على نفسه، وذكرت أن متابعة الأهل للطفل مهمة جداً في الوقت الحالي، إلا أن نجاحها يعتمد على أسلوب المتابعة، فإذا كانت قائمة على الدعم والتشجيع والثقة، فإنها تعزز الدافعية والإنجاز.

وتحدثت عن أن تحول المتابعة إلى رقابة وضغط دائم قد يؤدي إلى القلق وفقدان الثقة بالنفس، وربما يقلل من رغبة الطالب في التعلم، وأوضحت أنها، كباحثة مهتمة بمجال التعليم، ترى أن أساس دعم الأهل يكمن في مساندة الطفل على الاعتماد على نفسه، مع منحه مساحة لاتخاذ القرارات وتحمل مسؤولية الدراسة، مبينة أن الهدف ليس إنجاز المهام بدلاً عن الأبناء، وإنما تمكينهم من اكتساب مهارات التنظيم وحل المشكلات والاستقلالية.

وأكدت أهمية جعل التعلم جزءاً من الحياة اليومية من خلال القراءة المشتركة، وربط المعرفة باهتمامات الأبناء، وتشجيعهم على طرح الأسئلة والاستكشاف، والاحتفال بالإنجازات الصغيرة، وتوفير بيئة منزلية هادئة ومنظمة، وشددت على أن يكون الأهل قدوة في حب التعلم والاطلاع، لأن الأبناء يتعلمون بالقدوة، وخاصة من الأهل، أكثر مما يتعلمون بالتوجيه.


يؤكد مختصون في علم النفس التربوي أن دافعية التعلم لا ترتبط فقط بالبيئة المحيطة بالطالب، بل تتأثر أيضاً بإحساسه بالإنجاز الشخصي ومعنى ما يتعلمه، إذ يميل الطالب إلى التفاعل بشكل أكبر عندما يشعر بأن التعلم يلبي احتياجاته ويمنحه شعوراً بالتقدم، وليس مجرد التزام مفروض عليه، ويرون أن غياب هذا المعنى قد يؤدي إلى فتور الاهتمام حتى لدى الطلاب القادرين أكاديمياً.

ويضيف المختصون أن تعزيز الدافعية يتطلب التركيز على بناء علاقة إيجابية بين الطالب والتعلم ذاته، من خلال إشراكه في اتخاذ بعض القرارات المرتبطة بدراسته، ومنحه فرصاً لاكتشاف ميوله، وتقديم التغذية الراجعة التي تركز على التطور وليس فقط على النتائج، ما يسهم في خلق دافع داخلي أكثر استدامة واستقلالية.

تتشكل دافعية التعلم من تداخل عوامل ترتبط بالطالب وبيئته داخل الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي، ما يفسر تباينها بين الأفراد، ويؤكد أهمية الانتباه لهذه الجوانب عند التعامل مع العملية التعليمية.

اقرأ المزيد
1 2 3 4 5

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
١١ أغسطس ٢٠٢٦
أحكام الإعدام بحق رموز نظام الأسد البائد.. العدالة الانتقالية أمام اختبار بناء دولة القانون في سوريا
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٩ أغسطس ٢٠٢٦
حين يصبح الطلاق لغةً للخلاف.. ماذا يبقى من علاقةٍ عمرها عقود؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
٩ أغسطس ٢٠٢٦
دمشق تعيد رسم الوجود الروسي وتستعيد منشآتها الاستراتيجية
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٧ أغسطس ٢٠٢٦
خارج الاتفاق وداخل معادلته.. ماذا تعني منظومة الدفاع السعودية التركية الباكستانية لدمشق؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
٢٨ يوليو ٢٠٢٦
مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع الجزيرة.. رسائل إلى الخارج ورؤية لسوريا الجديدة
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٦ يوليو ٢٠٢٦
ماهر شرف الدين وخطاب التخويف الطائفي في السويداء
أحمد ابازيد - رئيس تحرير شبكة شام
● آراء ومقالات
٢٠ يوليو ٢٠٢٦
المستثمر لا يقرأ القانون كما يقرأه المحامي
المحامي أحمد إبراهيم