مجتمع
٢٧ أغسطس ٢٠٢٦
غيرة الطفل بعد ولادة أخ جديد.. ما الذي يقف خلفها؟

مع قدوم طفل جديد إلى الأسرة، تتغير تفاصيل الحياة اليومية ويتوزع اهتمام الوالدين بطريقة مختلفة، وهو ما قد يلاحظه الطفل الأكبر ويؤثر في مشاعره وسلوكه، وقد تظهر لديه مشاعر الغيرة أو التعلق الزائد أو الغضب، خصوصاً إذا شعر أن المولود الجديد أخذ جزءاً من الوقت والاهتمام الذي كان يحصل عليه.

ولا تعني هذه المشاعر بالضرورة رفض الطفل لأخيه أو أخته، وإنما قد تكون تعبيراً عن حاجته إلى الاطمئنان إلى أن مكانته ومحبة والديه له لم تتغير، فكيف يمكن للوالدين فهم هذه المشاعر والتعامل معها بطريقة تساعد الطفل على التكيف مع وجود المولود الجديد؟

غيرة الطفل.. حاجة إلى الأمان

في هذا السياق، قالت الباحثة التربوية دعاء عتيق في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن شعور بعض الأطفال بالغيرة بعد ولادة أخ أو أخت جديدة يُعد في كثير من الحالات استجابة طبيعية للتغير الذي يطرأ على البيئة الأسرية، ولا يعني بالضرورة عدم محبة الطفل لأخيه، بل قد يعكس خوفه من فقدان اهتمام والديه ومكانته لديهما.

وبيّنت أن الطفل الذي اعتاد قدراً معيناً من اهتمام والديه ووقتهما قد يلاحظ بعد قدوم المولود تغيراً في توزيع هذا الاهتمام، فينشأ لديه شعور بالقلق حول مكانته داخل الأسرة، وقد يتساءل بصورة واعية أو غير واعية: «هل ما زال والداي يحبّانني كما كانا؟ وهل ما زلت مهمًا بالنسبة إليهما؟».

وأكدت عتيق أن فهم هذا الجانب يساعد الوالدين على التعامل مع الغيرة بوصفها حاجة إلى الأمان والطمأنينة، أكثر من كونها مشكلة سلوكية ينبغي قمعها.

كيف تظهر الغيرة؟

أشارت الباحثة التربوية إلى أن الغيرة قد تظهر في صور متعددة، منها زيادة التعلق بالوالدين، وكثرة طلب الانتباه، ونوبات الغضب والبكاء، والعناد، وقد تظهر أيضاً في صورة سلوكيات ارتدادية، كأن يعود الطفل إلى طلب المساعدة في أمور كان قادراً على القيام بها بمفرده، أو يصبح أكثر انعزالاً وحزناً.

وأكدت أن السلوك الظاهر قد يكون رسالة عن احتياج عاطفي غير مُعبَّر عنه، ولذلك فإن التعامل معه يبدأ بمحاولة فهم ما وراء السلوك، وليس الاكتفاء بمحاولة إيقافه.

وحذّرت من توبيخ الطفل على مشاعره، أو وصفه أمام الآخرين بأنه «غيور» أو «أناني»، أو مقارنته بالمولود، أو مطالبته بأن يكون «كبيراً» وألا يحتاج إلى اهتمام والديه، كما نبّهت إلى أن إجباره على إظهار الحب تجاه أخيه قبل أن يكون مستعداً لذلك قد يزيد من مقاومته، مؤكدة أن المشاعر لا تُلغى بالأوامر، وإنما تُفهم وتُحتوى وتُوجَّه.

كيف يساعد الوالدان الطفل على التكيف؟

وأوضحت أن من أهم الأساليب التي تساعد الطفل على التكيف الحفاظ قدر الإمكان على روتينه اليومي، وتخصيص وقت خاص له بعيداً عن انشغال الوالدين بالمولود، والاستماع إليه باهتمام، وتعزيز سلوكياته الإيجابية، وإشراكه بصورة بسيطة في بعض تفاصيل استقبال المولود، دون تحميله مسؤوليات تفوق عمره.

وشدّدت دعاء عتيق في تصريح خاص لـ«شام» على أن طمأنة الطفل لا ينبغي أن تقتصر على الكلمات، بل يجب أن يلمس الحب في الممارسة اليومية من خلال الوقت والاحتضان والاهتمام والاستماع.

ومن المفيد أن يقول الوالدان له: «أفهم أنك تشعر أحياناً بأننا منشغلون بالطفل أكثر، وهذا قد يجعلك حزيناً أو غاضباً، لكن مكانتك عندنا لم تتغير»، مع منحه مساحة للتعبير عن مشاعره، مع وضع حدود واضحة تمنع إيذاء نفسه أو أخيه.

العلاقة بين الإخوة تُبنى مع الوقت

وأشارت دعاء عتيق إلى أن العلاقة بين الإخوة تُبنى مع الوقت، ولا تُفرض بالأوامر، وأن الهدف ليس أن يتوقف الطفل عن الغيرة فوراً، وإنما أن يشعر بالأمان، ويتعلم التعبير عن مشاعره بطريقة صحية، ويدرك أن قدوم طفل جديد لم ينتقص من قيمته أو مكانته داخل الأسرة.

وأكدت أن السؤال الأهم عند ظهور الغيرة ليس: «كيف نجعل الطفل يتوقف عن الغيرة؟»، وإنما: «ماذا يحاول الطفل أن يخبرنا من خلال غيرته؟»؛ فالانتقال من الحكم على السلوك إلى فهم أسبابه واحتياجات الطفل الكامنة وراءه يمثل خطوة أساسية في بناء طفل أكثر أماناً وأسرة أكثر توازناً.

ومع اختلاف طريقة استجابة الأطفال لولادة أخ أو أخت جديدة، تبقى الغيرة من المشاعر التي قد تظهر خلال هذه المرحلة، وقد تتخذ أشكالاً مختلفة من طفل إلى آخر، ما يجعل التعامل معها مرتبطاً بعمر الطفل وشخصيته وطبيعة التغيرات التي طرأت على الحياة الأسرية.

اقرأ المزيد
٢٧ أغسطس ٢٠٢٦
انشغال الوالدين.. بين ضرورات الحياة وحاجة الطفل للاهتمام

مع تزايد مسؤوليات الوالدين وضغوط الحياة اليومية، قد يصبح الوقت الذي يقضيانه مع أطفالهما محدوداً، ما قد ينعكس على شعور الطفل بالاهتمام والأمان العاطفي، خاصة عندما يتكرر انشغال الوالدين ويقل التواصل المباشر معه.

وبين متطلبات العمل والحياة اليومية واحتياجات الأطفال، يبرز التساؤل حول أثر هذا الانشغال في سلوك الطفل ومشاعره، وكيف يمكن للوالدين الحفاظ على علاقة قريبة معه، حتى عندما لا يملكان وقتاً طويلاً.

في هذا السياق، قالت الدكتورة ميس أمرير، عميد كلية التربية والعلوم الاجتماعية في جامعة باشاك شهير، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن شعور الطفل بالأمان العاطفي لا يرتبط بوجود الوالدين إلى جانبه جسدياً فقط، وإنما بمدى شعوره بأنهما متاحان له نفسياً وعاطفياً ويستمعان إليه ويستجيبان لاحتياجاته.

وأوضحت أن انشغال الوالدين بصورة مستمرة قد يدفع الطفل، خصوصاً في المراحل العمرية المبكرة، إلى تفسير ذلك على أنه عدم اهتمام به أو عدم أهمية لمشاعره، حتى لو لم يكن هذا مقصوداً من الوالدين، ومع استمرار هذا النمط، قد يتراجع شعوره بالاحتواء والانتماء، وقد يبحث عن الاهتمام بطرق مختلفة، مثل زيادة المطالب أو إثارة المشكلات أو الانسحاب.

وبينت أن الاستجابة المنتظمة والحساسة لاحتياجات الطفل تسهم في بناء شعوره بالأمان وثقته بالآخرين، مشيرة إلى أن الأطفال قد يعبّرون عن شعورهم بقلة الاهتمام بطرق مختلفة، بحسب أعمارهم وشخصياتهم وظروفهم.

وأضافت أمرير أن بعض المؤشرات قد تظهر في صورة زيادة التعلق بالوالدين، أو كثرة طلب الانتباه، أو نوبات الغضب والعناد، بينما قد يتجه أطفال آخرون إلى الانسحاب من التفاعل أو تراجع الدافعية، وقد تظهر أيضاً تغيرات في النوم أو الشهية، وصعوبة في التركيز، أو تراجع في الأداء الدراسي.

ونبهت إلى أن هذه السلوكيات لا تعني بالضرورة وجود إهمال، إذ يمكن أن تكون لها أسباب أخرى، لكن تكرارها بالتزامن مع شعور الطفل بقلة الاهتمام يستدعي من الوالدين التوقف ومراجعة طبيعة العلاقة والوقت المخصص له.

وحول تأثير نوع انشغال الوالدين، ذكرت أمرير أن أثره يختلف بحسب طبيعته وطريقة حدوثه، موضحة أن الطفل يستطيع عادةً فهم انشغال والده بالعمل أو بمسؤولية ضرورية، خصوصاً عندما يشرح له السبب ويحدد وقتاً واضحاً للتواصل معه.

ولفتت إلى أن الانشغال المتكرر بالهاتف أو مواقع التواصل الاجتماعي أثناء وجود الطفل قد يكون أكثر ارتباكاً له، لأنه يرى والده حاضراً جسدياً لكنه غير متاح له نفسياً لذلك، لا تكمن المشكلة في العمل أو استخدام الهاتف بحد ذاتهما، وإنما عندما يتحولان إلى عائق مستمر أمام التواصل مع الطفل والاستجابة لاحتياجاته العاطفية.

وأكدت أن تحقيق التوازن بين مسؤوليات الوالدين واحتياجات الطفل لا يعني التفرغ له طوال اليوم، لأن ذلك غير واقعي بالنسبة إلى معظم الأسر، وإنما يتطلب تخصيص مساحة منتظمة وواضحة للعلاقة معه ضمن الحياة اليومية.

وأفادت ميس أمرير بأن تخصيص وقت قصير يوميًا للحوار أو اللعب أو المشاركة في نشاط يحبه الطفل يمكن أن يساعد، خاصة مع إبعاد الهاتف والمشتتات خلال هذه الفترة، كما يسهم تنظيم الروتين الأسري في منح الطفل شعوراً بالاستقرار والقدرة على توقع ما سيحدث.

وشددت على أهمية أن يشعر الطفل بوجود وقت يمكنه خلاله الحديث مع والديه وطلب الدعم منهما، حتى لو كان هذا الوقت محدوداً، موضحة أن قيمة الوقت لا تقاس بعدد ساعاته فقط، وإنما بجودة التفاعل الذي يحدث خلاله.

وأشارت إلى أن عشرين دقيقة من الإصغاء الحقيقي والحوار واللعب والمشاركة الوجدانية قد تكون أكثر تأثيراً من ساعات يقضيها الطفل إلى جانب والديه دون تواصل فعلي، لكنها أوضحت أن الوقت النوعي لا يمكن أن يكون بديلاً كاملاً عن الحضور المستمر.

وأكدت الدكتورة ميس في تصريح خاص لـ شام أن الطفل يحتاج أيضاً إلى الشعور بأن والديه متاحان عندما يحتاج إليهما، ولذلك لا يتعلق الأمر بتعويض الغياب الطويل بوقت قصير، وإنما بإيجاد نمط متوازن يجمع بين الحضور اليومي والاستجابة العاطفية وتخصيص أوقات يشعر فيها الطفل بأنه محور اهتمام والديه.

وخلصت إلى أن الطفل يحتاج إلى الشعور بأنه مرئي ومسموع ومهم في حياة والديه، موضحة أن انشغال الوالدين بحد ذاته ليس المشكلة، وإنما عندما يصبح الطفل بصورة متكررة في المرتبة الأخيرة من الاهتمام.

وبيّنت أن التربية الجيدة لا تعني التفرغ الكامل، بل إدارة المسؤوليات بطريقة لا تجعل الطفل يعيش بصورة مستمرة شعوراً بأنه غير مهم أو غير مسموع، مشيرة إلى أن الإصغاء الحقيقي، والنظر إلى الطفل أثناء الحديث، والحوار القصير، والاحتضان، والمشاركة في نشاط بسيط، قد تحمل رسائل عاطفية تسهم في بناء شعوره بالأمان والثقة.

يرتبط أثر انشغال الوالدين بمدة الوقت التي يقضيانها مع الطفل فقط، وإنما بجودة التواصل والحضور الذي يقدمانه له، ومدى شعوره بالاهتمام وإمكانية اللجوء إليهما عند الحاجة، في وقت يمكن فيه لتنظيم الوقت وتخصيص مساحة للحوار والمشاركة أن يساعدا على الحفاظ على علاقة قريبة ومستقرة داخل الأسرة.

اقرأ المزيد
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
الشماتة بضحايا المجازر أمام القانون.. متى تتحول الإساءة إلى جريمة تستوجب المحاسبة؟

أعاد توقيف عبد الله الحاج، النقاش حول المسؤولية القانونية المترتبة على المحتوى الذي يتضمن إساءة إلى ضحايا المجازر أو سخرية من معاناة السوريين، ولا سيما بعد إعادة تداول مقاطع مصورة سابقة ظهر فيها الحاج وهو يسخر من اللاجئين وضحايا الهجمات الكيميائية، ما أثار تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والأفعال التي يمكن أن تستوجب المساءلة القانونية.

متى تتحول الشماتة إلى جريمة؟

أوضح الدكتور ركان رحال، المحاضر في القانون الدولي والمحامي المزاول، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن الشماتة بضحايا المجازر والإساءة إلى معاناتهم لا تمثل مسألة أخلاقية فحسب، وإنما يمكن أن تكتسب وصفاً جرمياً عندما تتضمن تمجيداً للجريمة أو تحريضاً على الكراهية.

واعتبر رحال أن توقيف عبد الله الحاج يمثل تطبيقاً عملياً للعدالة، مشيراً إلى أن استخدام الفضاء الرقمي للشماتة بضحايا الهجمات الكيميائية أو غيرها من المجازر لا يمكن وضعه بصورة مطلقة ضمن حرية التعبير، ولا سيما عندما يمس كرامة الضحايا وذويهم أو يتضمن أفعالاً يعاقب عليها القانون.

المقاطع الرقمية كأدلة إثبات

بيّن رحال أن الصور والتسجيلات ومقاطع الفيديو المنشورة عبر الإنترنت يمكن أن تشكل أدلة مهمة أمام القضاء الجنائي، موضحاً أن توثيقها يتطلب الاحتفاظ بالمقطع كاملاً ورابطه المباشر، واستخراج بياناته الرقمية، وتثبيته ضمن محاضر رسمية لدى الجهات القضائية أو المختصين بالجرائم الإلكترونية.

وأكد أن حذف المحتوى بعد نشره لا يعني بالضرورة زوال إمكانية الاستناد إليه، إذ يمكن للمحتوى الرقمي الموثق أن يبقى جزءاً من الأدلة التي تخضع للفحص والتقييم أمام الجهات القضائية المختصة.

من يملك حق تحريك الدعوى؟

ذكر رحال أن الملاحقة القانونية في مثل هذه القضايا يمكن أن ترتبط بالحقين الشخصي والعام، إذ يستطيع ذوو الضحايا أو المتضررون المباشرون اللجوء إلى القضاء عندما تتوافر أفعال قد تشكل تشهيراً أو قدحاً أو إساءة معنوية بحقهم.

وأشار إلى أن النيابة العامة يمكنها بدورها تحريك الدعوى عندما يتصل المحتوى المنشور بالحق العام، كالحالات التي تنطوي على تحريض أو تجييش ضد فئات مجتمعية أو أفعال تمس السلم الأهلي، سواء استناداً إلى إخبار مقدم إليها أو نتيجة رصد المحتوى محل الاشتباه.

عقوبات تختلف بحسب طبيعة الفعل

أفاد رحال بأن التكييف القانوني والعقوبة المحتملة يختلفان تبعاً لمضمون المنشور وخطورته والظروف المحيطة به، لافتاً إلى أن بعض حالات الإساءة عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد تخضع لأحكام قانون الجرائم الإلكترونية وقانون العقوبات العام، وقد تترتب عليها عقوبات تشمل الحبس والحرمان من بعض الحقوق وفق طبيعة الجرم الذي يثبته القضاء.

وأضاف أن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما يقترن المحتوى بتشجيع العنف أو تمجيد الجرائم ضد الإنسانية، بما فيها المجازر المرتبطة بالهجمات الكيميائية، إذ يمكن عندها، وفق تقييمه القانوني، أن ينتقل الفعل إلى مستوى التحريض، مع إمكانية امتداد الملاحقة إلى الفاعل الموجود خارج البلاد وفق الشروط والإجراءات القانونية ذات الصلة.

مطالب بالمحاسبة وفق القانون

أكد ناشطون أن المقاطع التي تضمنت سخرية من ضحايا المجازر واللاجئين تركت آثاراً سلبية وأثارت غضب شريحة من السوريين خلال سنوات الثورة، ولا سيما لدى الضحايا وعائلاتهم ومن عايشوا تلك الانتهاكات.

وطالبوا بإخضاع كل حالة للتحقيق والمحاسبة وفق القانون، استناداً إلى مضمون التصريحات والمقاطع والأدلة المتوافرة، بعيداً عن إصدار أحكام مسبقة قبل استكمال الإجراءات القضائية.

ويبقى تحديد المسؤولية الجنائية والعقوبة من اختصاص القضاء، استناداً إلى الأدلة والوقائع والتكييف القانوني لكل حالة، فيما يعيد توقيف الحاج طرح النقاش بشأن التعامل مع إرث المحتوى الذي تضمن إساءات إلى السوريين وضحايا المجازر خلال سنوات الثورة، والحدود التي تفصل حرية التعبير عن التحريض أو الأفعال المجرّمة قانوناً.

اقرأ المزيد
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
الحصة الأولى.. كيف يبدأ المعلم عامه الدراسي مع طلابه؟

مع اقتراب بدء العام الدراسي، يستعد المعلمون لدخول الصفوف والتعرف إلى طلاب جدد، لتكون الحصة الأولى بداية للتعارف ووضع أسس واضحة للعام الدراسي، وفي هذا اللقاء، لا يتعرف الطلاب إلى المادة فقط، بل إلى شخصية معلمهم وطريقة تعامله معهم.

وقد يترك هذا اللقاء أثراً في نظرة الطلاب إلى المعلم والمادة طوال العام، ما يجعل طريقة إدارة الحصة الأولى مهمة، بدءاً من التعارف وكسر الحاجز مع الطلاب، وصولاً إلى وضع القواعد والتعامل مع اختلاف شخصياتهم واحتياجاتهم.

في هذا الإطار، قال مدرس مادة اللغة الإنجليزية، محمد عساف، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الحصة الأولى تعد بمثابة «حجر الأساس» للعام الدراسي بأكمله، موضحاً أن الهدف منها لا يتمثل في البدء الفوري بشرح المنهج، بقدر ما يرتبط بتهيئة البيئة النفسية والاجتماعية المناسبة للتعلم.

ومن أبرز الخطوات التي يمكن للمعلم اتباعها لكسر الجمود، البدء بالتعريف بنفسه بأسلوب دافئ ومبسط، بعيدًا عن إملاء القواعد بشكل صارم منذ الدقائق الأولى، مع إتاحة فرصة سريعة ومبتكرة للطلاب لتقديم أنفسهم.

وأشار عساف إلى أهمية إظهار الشغف والاهتمام من خلال التعرف على تطلعات الطلاب وآرائهم حول المادة، وإشعارهم بأن المعلم موجود لدعمهم في رحلتهم التعليمية، وليس لتقييمهم أو تصيد أخطائهم.

كما فضل وضع القواعد السلوكية والأكاديمية بشكل تشاركي، فبدلاً من فرضها بصيغة الأوامر، يمكن صياغتها بالاتفاق والتحاور مع الطلاب حول ما يحتاجه الجميع لضمان بيئة صفية مريحة وناجحة، بما يعزز الشعور بالمسؤولية والالتزام الذاتي.

وأكد أهمية توضيح رؤية المادة وخطة العام، من خلال تقديم لمحة موجزة ومحفزة عما سيتم دراسته، وبيان أهميته العملية بعيداً عن التعقيد، بما يساعد الطلاب على الشعور بالأمان والوضوح.

وفيما يتعلق بالتوازن بين الود والمرونة من جهة، والحزم ووضع حدود واضحة من جهة أخرى، رأى عساف أن الجمع بينهما يمثل جوهر الإدارة الصفية الناجحة، فالحزم لا يعني القسوة أو التجهّم، وإنما الوضوح والثبات، بينما يعكس الود الاحترام والتعاطف ويساعد الحزم على ضمان الانضباط واحترام الحدود.

ولفت المدرس أحمد إلى أنه يمكن للمعلم أن يكون مبتسماً ولطيفاً أثناء شرح القواعد، وفي الوقت نفسه واضحاً بشأن العواقب المترتبة على تجاوزها، دون اللجوء إلى الانفعال أو الحدة اللفظية.

أما المرونة فتتمثل في الاستماع إلى ظروف الطلاب ومراعاة احتياجاتهم، بينما يؤدي عدم المساواة أو عدم تطبيق النظام إلى إضعاف هيبة المعلم، ويقوم الحزم الواعي على احترام الطلاب والاهتمام بهم، مع الحرص على الانضباط لضمان حق الجميع في التعلم، بحسب أحمد عساف.

وحول التصرفات التي قد تترك انطباعاً سلبياً لدى الطلاب في اللقاء الأول، حذر عساف من استعراض السطوة والتهديد، من خلال التلويح بالعقوبات والدرجات أو المبالغة في قسوة القوانين بهدف فرض السيطرة مبكراً، لأن ذلك يبني جداراً من الخوف والجفاء بدلاً من الاحترام.

كذلك، فإن البدء مباشرة بالشرح الروتيني وتجاهل التمهيد لبناء العلاقة مع الطلاب قد يجعل البيئة الصفية جافة ومملة منذ البداية، إلى جانب أهمية الانتباه إلى لغة الجسد والانفعالات، وتجنب التوتر أو التجهّم الدائم أو الإكثار من الانتقاد، وكذلك الإشارة إلى تجارب سلبية مع صفوف سابقة.

ومن التصرفات التي ينبغي تجنبها أيضاً تجاهل بعض الطلاب أو التمييز بينهم، من خلال التركيز على الطلاب المشاغبين أو المتفوقين فقط وإهمال بقية الصف، لأن ذلك قد يعطي انطباعاً مبكراً بعدم العدالة.

وفيما يتعلق بتعرف المعلم إلى شخصيات الطلاب واحتياجاتهم منذ الحصة الأولى، أوضح عساف أن ذلك يتطلب أدوات تربوية لا تعتمد على الأسئلة المباشرة أو المحرجة، ومن بينها الاستبيانات التمهيدية القصيرة، التي يمكن أن يكتب فيها الطالب اسمه وهوايته وطريقته المفضلة في التعلم، إضافة إلى شيء واحد يتمنى أن يعرفه المعلم عنه أو يساعده فيه.

وتوفر هذه الطريقة خصوصية للطلاب، وتتيح للخجولين التعبير عن أنفسهم، كما يمكن للمعلم الاستفادة من الأنشطة التفاعلية الجماعية، عبر تقسيم الطلاب إلى مجموعات صغيرة لمناقشة فكرة عامة أو ممارسة لعبة تعليمية قصيرة، بما يساعده على ملاحظة أنماط مختلفة من الشخصيات، كالقيادي والخجول والمتحفز والمتحدث.

كما يساعد الإنصات والملاحظة غير المباشرة في التعرف إلى الطلاب، من خلال الاستماع إلى تعليقاتهم وردود أفعالهم خلال الحوار المفتوح، دون إحراج أي طالب أو إجباره على الإجابة أمام زملائه.

وأكد أحمد عساف في تصريح خاص لـ شام أن الانطباع الأول الذي يتشكل لدى الطلاب عن المعلم في بداية التعارف يمكن أن يكون له أثر ممتد في علاقتهم به وتفاعلهم معه خلال العام الدراسي، موضحاً أن الصورة الذهنية التي تتكون خلال الحصص الأولى قد تؤثر في رغبة الطالب في الإقبال على المادة أو النفور منها.

فالطالب الذي يشعر بالأمان والاحتواء منذ اليوم الأول يكون أكثر تقبلاً للملاحظات وأكثر رغبة في المشاركة، كما أن الانطباع القائم على الاحترام المتبادل والكفاءة قد يسهم في تسهيل الإدارة الصفية لاحقاً، إذ يشعر الطلاب بأن القواعد وضعت لصالحهم وليست ضد حريتهم.

ورغم أن الانطباع الأول ليس نهائياً ويمكن تعديله مع الوقت، فإن تغيير الانطباع السلبي قد يتطلب جهداً ووقتاً أكبر مقارنة بالبدء بانطباع متوازن وإيجابي منذ اللقاء الأول، وفقاً لـ عساف.

وفي سياق متصل، يؤكد تربويون أن الحصة الأولى تمنح المعلم فرصة للتعرف إلى مستوى الطلاب وطريقة تفاعلهم، كما تساعده على ملاحظة الفروق بينهم في المشاركة والتواصل والاستجابة للتوجيهات. 

ويرون أن التعامل مع هذه الملاحظات بهدوء منذ البداية يساعد المعلم على اختيار أساليب مناسبة للتعامل مع الصف خلال الفترة اللاحقة، مع مراعاة اختلاف قدرات الطلاب وشخصياتهم.

تبقى الحصة الأولى إحدى المحطات التي يتعرف فيها الطلاب إلى معلمهم ويتعرف المعلم إلى طلابه، فيما تتشكل العلاقة داخل الصف تدريجياً مع استمرار الدروس والتفاعل اليومي، وتختلف طبيعة هذه العلاقة من صف إلى آخر، تبعاً للطلاب والمعلم وظروف العملية التعليمية.

اقرأ المزيد
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
آفات وتكاليف مرتفعة.. تحديات تواجه موسم التين المجفف في إدلب

يواجه موسم إنتاج وتجفيف التين في محافظة إدلب هذا العام تحديات متعددة، تتصدرها الإصابات الحشرية وتراجع كميات المحصول وارتفاع أسعار الثمار ومستلزمات الإنتاج، ما انعكس على المزارعين وأصحاب معامل التجفيف والتعبئة، في وقت يواصل فيه التين المجفف حضوره في الأسواق المحلية ومساره نحو التصدير إلى عدد من الدول العربية والأجنبية.

من البساتين إلى التجفيف

تُعد صناعة التين المجفف وبيعه من المهن الموسمية المنتشرة في ريف إدلب، إذ يجمع الأهالي الثمار الناضجة من البساتين ويجففونها، قبل بيعها للتجار والمعامل التي تتولى استكمال عمليات الفرز والتجهيز والتعبئة، وصولاً إلى طرح المنتج في الأسواق أو تصديره.

وشرح المهندس حسن مغلاج، المشرف الزراعي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، مراحل تجفيف التين، موضحاً أن العملية تبدأ بجمع الثمار بعد وصولها إلى مرحلة النضج الكامل، ثم تُفرد على أسطح المنازل بصورة متجاورة وتُترك تحت أشعة الشمس مدة تتراوح بين أربعة وستة أيام، حتى تصل إلى درجة الجفاف المناسبة للتخزين.

وأضاف أن الثمار تُنقل بعد ذلك في صناديق إلى أماكن التعبئة، حيث تُفرز وفق أحجامها، ثم تُغسل بالماء وتوضع في المعقمة لمدة يوم أو يومين، قبل إعادة تسطيحها تحت أشعة الشمس حتى تجف، ومن ثم تغليفها بأوزان مختلفة وفق متطلبات السوق والطلب.

عوامل تحدد جودة المنتج

أوضح مغلاج أن جودة التين المجفف ترتبط بعدة عوامل، أبرزها نوع الصنف وحجم الثمرة وخلوها من الإصابات ودرجة نضجها عند القطاف، مشيراً إلى أهمية جمع الثمار بعد اكتمال نضجها، لما لذلك من دور في رفع نسبة السكريات وتحسين المذاق.

وبيّن أن طريقة التجفيف ودرجات الحرارة تؤثران بصورة مباشرة في جودة المنتج، إذ يمكن أن يؤدي التجفيف السريع أو التعرض لحرارة مرتفعة إلى تلف أنسجة الثمرة وتغير لونها، بينما يساعد التجفيف المنتظم على الحفاظ على قوامها.

ولفت إلى أهمية اختيار الثمار الناضجة والمتماسكة وتجفيفها ضمن درجات حرارة مناسبة، واستخدام ثاني أكسيد الكبريت للمساعدة في الحفاظ على اللون الفاتح للثمار، إلى جانب تخزينها في أوعية محكمة الإغلاق تقلل تعرضها للهواء.

منتج موسمي بأسواق متعددة

أشار مغلاج إلى أن التين المجفف يحظى بإقبال المستهلكين باعتباره غذاءً غنياً بالطاقة ومتعدد الاستخدامات، كما يُقدم خلال المناسبات والأعياد وإلى جانب المكسرات، ويتميز بإمكانية الاحتفاظ به طوال العام وسهولة نقله وتخزينه دون الحاجة إلى التبريد.

وأضاف أن الطلب على المنتج يرتفع خلال فصل الشتاء، كما يشكل التصدير إلى الأسواق الخارجية عاملاً مهماً في تسويقه، الأمر الذي جعل تجفيف التين مورداً موسمياً يعتمد عليه عدد من المزارعين والعاملين في هذا القطاع.

إنتاج ضعيف وتكاليف مرتفعة

وصف عبد المنعم الإبراهيم، صاحب معمل للتين المجفف في قرية كورين بمنطقة جبل الزاوية، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إنتاج الموسم الحالي بأنه يتراوح بين الضعيف والمتوسط، مرجعاً ذلك إلى رطوبة الجو وانتشار بعض الحشرات التي تسببت في تلف الثمار، إضافة إلى ارتفاع أسعار التين نتيجة محدودية الكميات المتوفرة.

وقال الإبراهيم إن معمله يحصل على التين من منطقة مصياف وجبل الزاوية ومناطق مختلفة من إدلب، موضحاً أن المحصول يُشترى من المزارعين والتجار، قبل أن تبدأ عملية التجهيز بوضع الثمار في المعاقم لمدة 72 ساعة.

وتابع أن التين ينتقل بعدها إلى مرحلة الفرز باستخدام الآلات، ثم تجري عملية تصنيفه وتجهيزه بحسب طلب الزبائن، سواء عبر تبييضه باستخدام المواد الحافظة والأوكسجين، أو تعبئته بصورة طبيعية بنسبة 100 بالمئة.

من إدلب إلى الأسواق الخارجية

أكد الإبراهيم أن رحلة المنتج لا تنتهي داخل المعمل، إذ يجري تجهيز كميات منه للتصدير إلى أسواق عربية وأجنبية، من بينها الإمارات والسعودية والعراق والأردن ومصر وألمانيا وماليزيا، إضافة إلى دول أخرى.

وأشار إلى أن أصحاب المعامل يواجهون جملة من الصعوبات، في مقدمتها ارتفاع أسعار التين وتأمين بعض المواد والمستلزمات المستخدمة خلال مراحل التجهيز، ومنها الأوكسجين، فضلاً عن أهمية تأمين اليد العاملة اللازمة لاستمرار عمليات الإنتاج في محافظة إدلب.

آفة تضرب المحصول

أكد مزارعون في ريف إدلب أن انخفاض كميات التين المجفف خلال الموسم الحالي يرتبط بصورة رئيسية بتعرض المحصول لآفة حشرية تُعرف بـ«ذبابة ثمار التين»، والتي ألحقت أضراراً واسعة بالأشجار وأدت إلى تراجع الإنتاج، ولا سيما في المناطق التي لم تنفذ فيها إجراءات المكافحة والمعالجة في الوقت المناسب.

وقال مروان مغلاج، الموظف في مؤسسة الحبوب بإدلب والمزارع من قرية كفرعويد، لشبكة شام الإخبارية، إن منطقة جبل الزاوية تشتهر بزراعة التين والزيتون، موضحاً أنه يمتلك نحو 120 شجرة تين تتراوح أعمارها بين عامين و30 عاماً.

وأضاف أن المحصول تعرض هذا العام لذبابة سوداء صغيرة يطلق عليها محلياً «ذبابة التين» أو «حفّار التين»، مشيراً إلى أنها تنتشر عادة خلال أيار وحزيران، وتضع بيوضها داخل الثمار، قبل أن تتغذى اليرقات عليها لاحقاً.

وأوضح أن الإصابة تؤدي إلى توقف الثمرة عن النمو واصفرارها ثم سقوطها، ما تسبب في خسارة جزء كبير من المحصول وتراجع جودته، مقدراً نسبة الخسائر في محصوله بأكثر من 70 بالمئة.

المكافحة لم تمنع الخسائر

ذكر مغلاج أن المزارعين لجؤوا إلى وسائل متعددة لمحاولة الحد من انتشار الإصابة، شملت استخدام المبيدات الحشرية والفلاحة المتكررة والعميقة وتقليم الأشجار بهدف تحسين تهوية الأغصان، إلا أن هذه الإجراءات، وفق تجربته، لم تنجح سوى في الحد من الإصابة بنسبة محدودة جداً.

ويواجه قطاع التين المجفف في إدلب بذلك موسماً يجمع بين انخفاض كميات المحصول وارتفاع تكاليف شرائه وتجهيزه وانتشار الآفات الحشرية، فيما يحاول المزارعون وأصحاب المعامل المحافظة على جودة المنتج واستمرار عمليات التسويق والتصدير، بما يضمن بقاء هذه المهنة الموسمية ومصدر الدخل المرتبط بها رغم التحديات التي فرضها الموسم الحالي.

اقرأ المزيد
٢٥ أغسطس ٢٠٢٦
التنقيب غير المشروع عن الآثار.. البحث عن الذهب يهدد ذاكرة سوريا ومواقعها التاريخية

تتعرض مواقع أثرية في مناطق مختلفة من سوريا لعمليات تنقيب غير مشروع، تقودها دوافع تتراوح بين البحث عن الذهب والكنوز المزعومة والاتجار بالقطع الأثرية، فيما تتجاوز أضرار هذه الممارسات فقدان اللقى إلى تدمير الطبقات الأثرية وتشويه المباني والمعالم، وضياع معلومات تاريخية وعلمية يصعب استعادتها لاحقاً.

تحركات للحد من الظاهرة

قال عدنان المحمد، الباحث في معهد كارينا لعلم الآثار المستدام في كلية بيركبيك بجامعة لندن، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تجار الآثار والباحثين عما يعرف محلياً بـ«الأنتيكات» استغلوا الظروف خلال السنوات الماضية لتنفيذ عمليات نهب وتنقيب في المواقع الأثرية، ما أسهم في استمرار الظاهرة واتساع نطاقها.

وأوضح أن بداية عام 2026 شهدت تحركاً أكبر من المديرية العامة للآثار والمتاحف، بالتعاون مع وزارة الداخلية والمجتمعات المحلية، لرصد عمليات التنقيب ومراقبتها، إلى جانب الدور الذي يؤديه المهتمون بالتراث ووسائل الإعلام في تسليط الضوء على الانتهاكات، الأمر الذي ساعد على تعزيز جهود الحد منها.

وأشار إلى أن التنقيب غير المشروع لا يزال، بحسب تقديره، نشطاً في أكثر من 40 بالمئة من المناطق، وقد تصل النسبة إلى 50 بالمئة، ولا سيما في المواقع البعيدة عن المدن، إضافة إلى بعض المنازل والمباني الأثرية داخل التجمعات السكانية.

ولفت إلى تسجيل عمليات نهب وتنقيب في مناطق متعددة، من بينها السويداء والجزيرة السورية وإدلب وأرياف حلب، مع اختلاف حجم النشاط وطبيعته بين منطقة وأخرى.

محترفون وباحثون عن مصدر للدخل

بيّن المحمد أن المتورطين في هذه العمليات لا ينتمون إلى فئة واحدة، إذ تضم الظاهرة لصوص آثار محترفين يمتلك بعضهم إمكانات مالية وأجهزة لكشف المعادن ومعدات للحفر، ويستعينون بعمال مقابل أجور يومية أو بحصص من قيمة ما قد يتم العثور عليه.

وكشف أن بعض هذه المجموعات ترتبط بأشخاص وشبكات خارج سوريا، وتستخدم تطبيقات ومنصات مثل «واتساب» و«تلغرام» و«فيسبوك» لعرض القطع وتقييمها والبحث عن مشترين، إلى جانب الاعتماد على شبكات وطرق لتهريب الآثار إلى خارج البلاد.

وأكد أن الظاهرة، في هذه الحالات، تتجاوز الاعتداء على التراث الثقافي إلى نشاط منظم عابر للحدود، مشيراً إلى أن شبكات تهريب الآثار قد تتقاطع في طرقها وأساليبها مع شبكات تهريب المخدرات والأسلحة.

وأوضح، في المقابل، أن فئة أخرى تضم أشخاصاً يعانون من ظروف معيشية صعبة وغياب فرص العمل والخدمات في مناطقهم، ما يدفع بعضهم إلى التنقيب بصورة متقطعة بحثاً عن مصدر للدخل.

شائعات الذهب تغذي عمليات الحفر

أشار المحمد إلى أن الروايات المتداولة حول وجود الذهب والكنوز المدفونة، ومن بينها ما يعرف بـ«الذهب العثماني»، تشكل أحد العوامل التي تدفع أشخاصاً إلى عمليات حفر عشوائية أملاً في العثور على ثروة تغير واقعهم المعيشي، رغم أن جانباً كبيراً من هذه الروايات لا يستند إلى حقائق.

وأوضح في تصريح خاص لـ«شام» أن لصوص الآثار يفضلون المواقع الواقعة بعيداً عن التجمعات السكانية، حيث يسهل الحفر وتقل احتمالات رصدهم، بينما تُنفذ بعض عمليات التنقيب داخل المناطق المأهولة خلال الليل خشية اكتشافها أو إبلاغ الجهات المختصة عنها.

وأضاف أن المواقع المكشوفة والبعيدة قد تشهد عمليات حفر نهارية تنفذها ورشات متخصصة، مستفيدة من بعدها عن السكان وصعوبة مراقبتها بصورة مستمرة.

تدمير معلومات لا يمكن استعادتها

حذر المحمد من أن خطورة الحفر العشوائي لا تتوقف عند سرقة قطعة أثرية، إذ يؤدي العبث بالطبقات الأثرية إلى تدمير السياق الذي يعتمد عليه علماء الآثار لفهم تاريخ الموقع وتسلسله الزمني، ما يعني ضياع معلومات قد يتعذر تعويضها مستقبلاً.

ولفت إلى أن بعض المنقبين يعمدون إلى تحطيم الجرار واللقى الفخارية عند عدم العثور على الذهب أو القطع التي يعتقدون أنها ذات قيمة مالية، رغم ما تحمله تلك المواد من أهمية تاريخية وعلمية.

وأشار إلى أن الاعتداءات قد تمتد إلى المباني والجدران والكنائس والمعابد التاريخية، عبر تخريبها أو تفكيك الحجارة والتيجان والعناصر المعمارية بهدف سرقتها وبيعها، الأمر الذي قد ينتهي بفقدان أجزاء مهمة من المواقع أو تدميرها بالكامل.

الدجل والشعوذة يدخلان على خط «الكنوز»

قدّر المحمد أن نحو 90 بالمئة من عمليات البحث عن الذهب والكنوز لا تصل، بحسب تقديره، إلى ما يبحث عنه المنقبون، إلا أن استمرار الاعتقاد بوجود ثروات مدفونة يبقي عمليات الحفر قائمة.

وكشف عن انتشار أساليب تقوم على الاستعانة بأشخاص يدّعون قدرتهم على تحديد أماكن الذهب والكنوز من خلال الشعوذة والدجل، إذ يدفعون الباحثين إلى الحفر في مواقع مختلفة، قبل الادعاء بأن الكنز «مرصود» أو تحرسه قوى خفية، وطلب تنفيذ طقوس أو توفير مواد معينة لمواصلة البحث.

وحذر من أن خطورة هذه الممارسات قد تتعدى تخريب المواقع الأثرية، في ظل تداول مزاعم مرتبطة باستخدام دماء أطفال أو نساء للوصول إلى كنوز مزعومة، معتبراً أن مثل هذه الأفكار تنقل القضية إلى مستوى من المخاطر الأمنية والمجتمعية التي تستوجب الانتباه إليها.

حماية الآثار مسؤولية تتجاوز الجانب الثقافي

أكد المحمد أن نهب الآثار والتنقيب غير المشروع لم يعودا مجرد قضية مرتبطة بحماية التراث، بل باتت الظاهرة تحمل أبعاداً اقتصادية وأمنية ومجتمعية، ولا سيما مع وجود شبكات منظمة تمتلك امتدادات خارج البلاد.

وتبرز خطورة هذه العمليات في أن الخسارة لا تقتصر على قطعة يمكن استعادتها مستقبلاً، إذ قد يؤدي تدمير موقع أو طبقة أثرية إلى فقدان جزء من المعلومات المتعلقة بتاريخ سوريا بصورة نهائية، ما يجعل حماية المواقع وملاحقة شبكات الاتجار غير المشروع ورفع الوعي المجتمعي بقيمة الآثار عناصر متكاملة للحفاظ على الإرث التاريخي للبلاد.

اقرأ المزيد
٢٥ أغسطس ٢٠٢٦
اختفاء المدين أو وفاته.. كيف يحمي الدائن حقه ويسترد أمواله؟

يواجه بعض الدائنين إشكالية قانونية عند وفاة المدين قبل سداد ما يترتب عليه من أموال، أو عند اختفائه وتعذر الوصول إليه، ما يطرح تساؤلات حول مصير الدين، والجهة التي تنتقل إليها المطالبة، والإجراءات التي يستطيع الدائن اتخاذها للحفاظ على حقه، ولا سيما مع وجود مدد قانونية تختلف باختلاف طبيعة الدين.

وتبرز في مثل هذه الحالات أهمية معرفة الإجراءات المتاحة للدائن، إذ لا تعني وفاة المدين أو اختفاؤه بالضرورة ضياع الدين، وإنما تختلف طريقة المطالبة به تبعاً لحالة المدين، ووجود أموال أو تركة يمكن الرجوع إليها، فضلاً عن طبيعة الدين ومدة التقادم المقررة له.

ماذا يحدث للدين بعد وفاة المدين؟

قالت المحامية غالية الهلال، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القانون السوري ينظم آلية التعامل مع الديون المترتبة على الشخص بعد وفاته، موضحة أن القاعدة المعمول بها تقوم على مبدأ «لا تركة إلا بعد سداد الديون»، بحيث تُسدد الالتزامات المترتبة على المتوفى قبل توزيع تركته على الورثة.

وأوضحت الهلال أن الدائن يستطيع مطالبة الورثة «إضافة للتركة»، وتكون المطالبة ضمن حدود الأموال التي تحتويها التركة، فيما لا يُلزم الورثة بسداد ديون المتوفى من أموالهم الشخصية، إلا إذا قبلوا التركة بلا قيود أو استفادوا منها بما يتجاوز قيمة الدين.

اختفاء المدين لا يسقط الحق

أكدت الهلال أن غياب المدين أو اختفاءه لا يؤدي إلى ضياع حقوق دائنيه، إذ يتيح القانون مجموعة من الوسائل التي يمكن اللجوء إليها لحماية الدين، سواء عبر اتخاذ إجراءات مرتبطة بحالة المدين المفقود، أو تتبع أمواله ومنع التصرف بها على نحو يضر بحقوق الدائنين، أو إيقاع الحجز عليها وفق الأصول.

وبيّنت أن الدائن، باعتباره صاحب مصلحة، يمكنه رفع دعوى للمطالبة بالحكم بوفاة المدين المفقود بعد انقضاء المدد القانونية المقررة، كما يستطيع الطعن في بعض التصرفات التي يجريها المدين بهدف تهريب أمواله أو بيعها والإضرار بدائنيه عند الإعسار، وذلك من خلال دعوى عدم نفاذ التصرفات، المعروفة أيضاً بالدعوى البوليصية.

وأضافت أن للدائن حق طلب الحجز على أموال المدين الموجودة، واتخاذ الإجراءات القانونية المتعلقة بإدارتها أو التنفيذ عليها أصولاً، بما يساعد على حماية الدين واستيفائه وفق المسارات التي يحددها القانون.

15 عاماً للمطالبة بالدين العادي

أشارت الهلال إلى أن المدة العامة للمطالبة بالدين العادي في القانون المدني السوري، والمعروفة بالتقادم الطويل، تبلغ 15 عاماً من تاريخ استحقاق الدين، موضحة أن هذه المدة تمثل القاعدة العامة للالتزامات والديون التي لا يوجد نص خاص يحدد لها مدة مختلفة.

ولفتت إلى أن احتساب السنوات الـ15 يبدأ من تاريخ حلول أجل الدين واستحقاقه، وليس من تاريخ إنشاء العقد، مبينة أنه بعد انقضاء المدة، وفي حال تمسك المدين بالتقادم، يمتنع القاضي عن سماع الدعوى، في حين يبقى الدين في الذمة بوصفه التزاماً طبيعياً.

مدد أقصر لبعض الحقوق

أوضحت المحامية غالية الهلال، في تصريح خاص لـ«شام»، أن القانون يحدد مدداً أقصر للتقادم بالنسبة إلى أنواع معينة من الحقوق، إذ تبلغ المدة خمس سنوات بالنسبة إلى الحقوق الدورية المتجددة، ومنها أجور المباني والأراضي والفوائد والرواتب والمعاشات.

وأضافت أن التقادم الخمسي يشمل كذلك حقوق بعض أصحاب المهن الحرة، ومن بينهم الأطباء والصيادلة والمحامون والمهندسون والمعلمون، فيما حددت التشريعات مدة سنة واحدة لبعض الحقوق الأخرى.

وبيّنت أن التقادم الحولي يشمل حقوق التجار والصناع عن الأشياء التي يوردونها إلى أشخاص لا يتجرون فيها، وحقوق أصحاب الفنادق والمطاعم المتعلقة بأجور الإقامة وثمن الطعام، فضلاً عن حقوق العمال والخدم والأجراء المتعلقة بأجورهم اليومية.

هل تتوقف مدة التقادم عند الوفاة أو الاختفاء؟

أكدت الهلال أن وفاة المدين أو اختفاءه لا يؤديان بذاتهما إلى وقف سريان مدة التقادم، وإنما تنتقل المطالبة، بحسب الحالة، إلى الورثة أو إلى نائب عن الشخص المفقود، الأمر الذي يجعل متابعة الإجراءات القانونية ضمن المدد المحددة أمراً مهماً للحفاظ على حق الدائن.

ويشير حقوقيون إلى أن التعامل مع هذه الحالات يتوقف على مجموعة من العوامل، في مقدمتها طبيعة الدين، ووضع المدين، ووجود تركة أو أموال يمكن التنفيذ عليها، إلى جانب المدة القانونية المتاحة للمطالبة، والإجراءات التي اتخذها الدائن لحماية حقه.

وتختلف بذلك الطريق القانونية لاسترداد الدين بين حالة وأخرى، ففي حال وفاة المدين ترتبط المطالبة أساساً بالتركة والأموال الموجودة فيها، بينما يتيح القانون عند اختفاء المدين أو فقدانه إجراءات أخرى لحماية حقوق الدائنين، بما في ذلك اللجوء إلى القضاء والحجز والطعن في التصرفات الضارة، مع ضرورة مراعاة مدد التقادم المقررة لكل نوع من أنواع الديون.

اقرأ المزيد
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
مدير "الشبكة السورية" لـ"شام": الحكم بحق حسون خطوة مهمة في مسار محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات

قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الحكم الصادر عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بالسجن المؤبد بحق المفتي السابق أحمد بدر الدين حسون يمثل خطوة مهمة في مسار محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت بحق السوريين خلال عهد النظام السابق.

وأوضح عبد الغني أن أهمية الحكم تكمن في أنه لا يقتصر على مساءلة المنفذين المباشرين، بل يسلّط الضوء على مسؤولية من استخدموا مواقعهم الدينية أو الرسمية وخطابهم العام لتبرير العنف والتحريض عليه وتوفير غطاء معنوي للانتهاكات.

وشدد مدير الشبكة السورية على أن المسؤولية الجنائية لا تُبنى على الانتماء الديني أو الطائفي، ولا على مجرد التأييد السياسي، وإنما على أفعال وأقوال محددة تثبت بالأدلة، مثل التحريض أو إصدار الأوامر أو المساعدة أو التمويل أو المساهمة المقصودة في ارتكاب الجرائم بحق المدنيين.

وأشار إلى أن نشر الحكم المسبب كاملاً يعد ضرورياً لمعرفة الوقائع التي استندت إليها المحكمة، والخطابات أو الأفعال التي ثبتت بحق المتهم، وطبيعة الصلة القانونية بينها وبين جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية.

وبيّن عبد الغني أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان ساهمت في القضية، وزودت المحكمة بالأدلة والبيانات التي لديها والتي كانت على صلة بتصريحات أحمد حسون، وبحسب ما أورده عبد الغني، فقد تضمن الحكم إدانة مرتبطة بالتحريض على العنف وتبرير القتل واستغلال المنصب، إلى جانب إجراءات مالية شملت الحجز على الأموال ومصادرتها، فضلاً عن غرامة مرتبطة بإساءة استعمال الوظيفة.

ومن منظور حقوقي، رأى عبد الغني أن المصادرة ينبغي ألا تقتصر على رفد الخزانة العامة، بل يجب أن تقترن بآلية واضحة وشفافة تعطي الأولوية لجبر ضرر الضحايا وذويهم، بما يشمل التعويض ورد الاعتبار وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي.

وأكد أن القيمة الفعلية للحكم ستتحدد بقدرته على أن يشكل بداية لمسار أوسع، لا أن يبقى قضية معزولة، لافتاً إلى أن العدالة الانتقالية تقتضي التحقيق مع جميع الأفراد الذين تتوافر أدلة على مسؤوليتهم، أياً كانت مواقعهم أو مناصبهم، سواء ممن أصدروا الأوامر أو نفذوها أو موّلوا أو حرّضوا أو وفروا الغطاء السياسي أو الديني أو الإعلامي للجرائم.

ودعا إلى أن يجري ذلك ضمن إجراءات عادلة وعلنية، تصون حقوق الضحايا وتكفل في الوقت نفسه حقوق الدفاع وحق الطعن، مؤكداً أن العدالة الحقيقية لا تُبنى على الانتقام، بل على كشف الحقيقة والمساءلة الفردية وسيادة القانون.

وفي وقت سابق اليوم، عقدت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق جلستها السادسة المخصصة للنطق بالحكم في الدعوى المقامة ضد أحمد حسون، بحضور عدد من أعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية، وبرئاسة القاضي فخر الدين العريان.

وخلال جلسة النطق بالحكم، قال القاضي فخر الدين العريان إن المعطيات تشير إلى أن المؤسسة الدينية الرسمية، وعلى رأسها دار الإفتاء، وُظفت في عهد النظام السابق لإعطاء غطاء ديني للعمليات العسكرية والأمنية وتبريرها أمام الرأي العام.

وأضاف العريان أن المؤسسة الدينية الرسمية في عهد النظام السابق بررت استخدام البراميل المتفجرة التي استهدفت المناطق المدنية وألحقت دماراً واسعاً، بما يشكل انتهاكاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيراً كذلك إلى أن المتهم قدم دعماً مالياً دورياً لقيادة وعناصر لواء القدس المشارك في العمليات العسكرية.

وقال القاضي إن المحكمة ثبت لديها تورط المتهم حسون بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، قبل أن تقرر تجريمه بجناية الاعتداء الذي يسبب الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي والحكم عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة، إضافة إلى الحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة ومصادرتها لصالح الخزانة العامة.

ويأتي الحكم بعد استكمال مراحل المحاكمة والإجراءات القضائية المتعلقة بالدعوى، في قضية ترتبط بتصريحات ومواقف أحمد حسون خلال فترة توليه منصب مفتي الجمهورية العربية السورية في عهد النظام البائد.

وخلال سنوات الثورة، عرف حسون بدفاعه عن ميليشيات النظام البائد، وبمواقفه المؤيدة للتدخل الروسي والإيراني في سوريا، إضافة إلى ظهوره إلى جانب شخصيات أمنية وعسكرية وميليشياوية موالية للنظام وأدى ذلك إلى إطلاق لقب "مفتي البراميل" من قبل السوريين.

وكانت بدأت محاكمة حسون أمام محكمة الجنايات الرابعة بدمشق في 25 حزيران/يونيو 2026، ويذكر أن النيابة العامة سبق أن طلبت إنزال أقصى العقوبات بحق أحمد حسون، وهي الإعدام، بينما تمت الجلسات بشكل متتابع قبل أن يتم الحكم بالسجن المؤبد خلال الجلسة السادسة المخصصة للنطق بالحكم يوم الأحد 24 آب/ أغسطس.

اقرأ المزيد
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
الصف الأول بلا خوف.. كيف يهيئ الأهل طفلهم لبداية المدرسة؟

يستعد كثير من الأطفال، مع اقتراب انطلاق العام الدراسي، لخوض تجربتهم الأولى في المدرسة والانتقال إلى الصف الأول، وهي مرحلة لا تقتصر على بدء مسار تعليمي جديد، بل تحمل تغييرات في الروتين اليومي والبيئة المحيطة والعلاقات، وتضع الطفل أمام عالم يختلف عما اعتاده داخل المنزل.

ويستقبل بعض الأطفال المدرسة بالحماس والفضول والرغبة في اكتشافها، بينما يواجه آخرون مشاعر الخوف والقلق وصعوبة الانفصال عن الوالدين، الأمر الذي يجعل التهيئة النفسية والتدرج في الانتقال إلى الحياة المدرسية عاملين مهمين لمساعدة الطفل على التأقلم والشعور بالأمان.

التهيئة تبدأ قبل اليوم الأول

أكد الاختصاصي في الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي ماهر قصّار، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن دخول الصف الأول لا يمثل مجرد انتقال تعليمي بالنسبة إلى الطفل، وإنما هو انتقال نفسي يشبه الفطام، إذ يغادر بيئة مألوفة إلى عالم جديد يحتاج فيه إلى الشعور بالأمان قبل أن يتمكن من الاندماج والتعلم والإنجاز.

وأوضح قصّار أن بإمكان الوالدين استثمار الفترة التي تسبق المدرسة في تهيئة الطفل تدريجياً، من خلال الحديث عنها بصورة إيجابية وواقعية، وشرح تفاصيل بسيطة عما ينتظره، مثل وجود المعلمة والزملاء ووقت الاستراحة والأنشطة، إلى جانب اصطحابه لرؤية المدرسة قبل بدء الدوام إن أمكن، بما يجعل المكان أكثر ألفة بالنسبة إليه.

وشدد على أن الطفل الذي لم يسبق له الالتحاق بالروضة لا يحتاج إلى محاولة تعويض ذلك بصورة مفاجئة عبر تكثيف التدريبات الأكاديمية، بل ينبغي التركيز على تعزيز مهارات الاستقلال اليومية، ومنها ترتيب أغراضه وتناول طعامه واستخدام الحمام وطلب المساعدة والتعبير عن احتياجاته.

الخوف من المدرسة.. كيف يتعامل الأهل معه؟

دعا قصّار إلى التعامل بجدية وهدوء مع مخاوف الطفل دون تضخيمها، ومساعدته على فهم أن الشعور ببعض القلق تجاه تجربة جديدة أمر يمكن التعامل معه، موضحاً أن تعريفه مسبقاً بتفاصيل اليوم الدراسي يسهم في تحويل المدرسة من مكان مجهول إلى تجربة أكثر وضوحاً وتوقعاً.

وأشار إلى إمكانية الاستعانة بقصص تتناول المدرسة، أو تمثيل اليوم الأول مع الطفل بطريقة مبسطة، بما يساعده على تكوين تصور عما سيواجهه، ويخفف حالة القلق المرتبطة بالمجهول.

ونبه إلى أن رفض الطفل الذهاب إلى المدرسة لا يعني بالضرورة أنه عنيد أو مدلل، فقد يكون سلوكه تعبيراً عن الخوف من الانفصال أو افتقاد الشعور بالأمان، ولذلك ينبغي تجنب الصراخ والتهديد والسخرية، والاستماع إليه لمعرفة السبب الحقيقي وراء مخاوفه.

وأكد أهمية بناء روتين ثابت للذهاب إلى المدرسة، واعتماد وداع قصير وواضح ومطمئن بدلاً من إطالة لحظة الانفصال، لافتاً إلى أن استمرار رفض المدرسة بصورة شديدة، أو وصول تأثيره إلى تفاصيل الحياة اليومية للطفل، قد يستدعي الاستعانة باختصاصي نفسي.

الاستقلال مهارة تُبنى بالتدريج

أوضح قصّار أن استقلال الطفل لا يبدأ في صباح أول يوم دراسي، وإنما يحتاج إلى تدريب تدريجي يسبق دخول المدرسة، ويمكن للأهل تركه لفترات قصيرة مع شخص يثقون به، ثم زيادة هذه الفترات تدريجياً مع الالتزام بموعد واضح للعودة.

وأضاف أن تكليف الطفل بمهام تتناسب مع عمره، كارتداء ملابسه وترتيب حقيبته، يساعد على تعزيز ثقته بقدرته على الاعتماد على نفسه، مع استمرار وجود الوالدين بوصفهما مصدراً للأمان والدعم.

وحذر من مجموعة من الممارسات التي قد تزيد مخاوف الطفل، أبرزها تخويفه من المدرسة أو المعلمة، ومقارنته بأطفال آخرين، والسخرية من بكائه، وتصوير الدراسة أمامه على أنها تجربة شديدة الصعوبة.

وأشار إلى أن المبالغة في حماية الطفل وإظهار الوالدين قلقهما الشديد تجاه ذهابه إلى المدرسة قد تنقل إليه رسالة غير مباشرة بأن المكان الذي يتجه إليه غير آمن، كما أن إجباره على الاستقلال بصورة مفاجئة قد يجعل الانتقال أكثر صعوبة، لأن بناء الاستقلال يحتاج إلى التدرج والتكرار والشعور بالأمان.

المدرسة مساحة للاكتشاف لا للدرجات فقط

شدد قصّار على أهمية تقديم المدرسة للطفل باعتبارها مساحة للاكتشاف والتجربة، وليس مكاناً للواجبات والدرجات فقط، من خلال تشجيعه على تكوين صداقات جديدة والاستمتاع بالرسم والقصص والألعاب والأنشطة المختلفة.

ودعا إلى إشراك الطفل في الاستعدادات الخاصة بالمدرسة، ومنها اختيار بعض مستلزماته وتجهيز حقيبته، بما يمنحه شعوراً بالمشاركة ويزيد حماسه تجاه المرحلة الجديدة.

وأكد أن الأهم في البدايات هو عدم ربط قيمة الطفل الشخصية بمستوى أدائه الدراسي، وأن يشعر بأن تقدير أسرته له لا يرتبط بأن يكون الأفضل بين زملائه، وإنما بمحاولته وتعلمه وتقدمه التدريجي.

ونوه إلى أن دور الوالدين قبل دخول الصف الأول لا يقتصر على تعليم الطفل القراءة والكتابة مبكراً، وإنما يشمل أيضاً تعزيز قدرته على التعامل مع العالم من حوله، ومنحه الدعم العاطفي الذي يساعده على مواجهة التجارب الجديدة بثقة أكبر.

بداية تختلف من طفل إلى آخر

تختلف استجابة الأطفال لأول تجربة مدرسية تبعاً لشخصياتهم وتجاربهم السابقة ومدى استعدادهم للانفصال عن البيئة المنزلية، ولذلك لا توجد طريقة واحدة تنطبق على الجميع، فيما يبقى التدرج والروتين والشعور بالأمان من أبرز العوامل المساعدة على الانتقال إلى المرحلة الجديدة.

وتبقى مهمة الأسرة في هذه المرحلة قائمة على مرافقة الطفل في خطواته الأولى دون زيادة مخاوفه أو تحميله توقعات تفوق قدرته، ومنحه مساحة كافية للتعبير عن مشاعره واحتياجاته، بما يساعد على أن يكون دخوله إلى الصف الأول بدايةً أكثر هدوءاً واستقراراً لعلاقته بالمدرسة والتعلم.

اقرأ المزيد
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
لماذا نفقد شغفنا؟.. حين تتحول ضغوط الحياة إلى إرهاق نفسي

يمر الإنسان أحياناً بفترات يتراجع فيها حماسه تجاه أعمال وأنشطة كانت تمنحه المتعة والدافعية، فيشعر بأن ما كان يثير اهتمامه لم يعد يحمل التأثير ذاته، وقد يرتبط ذلك بضغوط عابرة أو بإرهاق نفسي وجسدي تراكم مع الوقت.

ويصبح فقدان الشغف أكثر حاجة إلى الانتباه عندما يستمر لفترة طويلة، أو يمتد ليشمل جوانب متعددة من الحياة، ما يطرح تساؤلات حول الفرق بين تراجع الحماس بصورة مؤقتة وبين حالة قد تكون مرتبطة بالإرهاق أو الاحتراق النفسي أو مشكلات أخرى تستدعي الحصول على مساعدة متخصصة.

ما الشغف ولماذا يتراجع؟

عرّفت الأخصائية النفسية إنعام سرحان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، الشغف بأنه شعور قوي بالحماس والرغبة تجاه عمل أو نشاط معين، وطاقة داخلية تدفع الإنسان نحو أهدافه وتساعده على الاستمتاع بما يفعله والإبداع فيه.

وأوضحت أن الشغف يمكن أن يكون متناغماً عندما يختار الإنسان نشاطه بحرية ومحبة ويحافظ على التوازن بينه وبين جوانب حياته الأخرى، أو هوسياً عندما يتحول إلى تعلق مفرط يسيطر على الشخص ويؤثر في حياته.

وأرجعت سرحان فقدان الشغف إلى عوامل متعددة، من بينها التعب والجهد المستمر وعدم ظهور النتائج بالسرعة المتوقعة وضغوط الحياة اليومية، إلى جانب الإرهاق والاحتراق النفسي والقلق والتوتر والاكتئاب والإحباط المتراكم، فضلاً عن السعي المفرط إلى الكمال ووضع شروط قاسية للنجاح.

وأشارت إلى أن البيئة والظروف الحياتية قد تؤدي دوراً أيضاً، من خلال الروتين وغياب التجديد، والضغط المهني أو الدراسي، وعدم الشعور بالتقدير، والتعرض للصدمات أو التغيرات الحياتية الكبيرة، إضافة إلى الإرهاق الجسدي وقلة النوم.

ليس كسلاً أو ضعفاً في الإرادة

أكدت سرحان أن فقدان الشغف لا يعني بالضرورة أن الشخص كسول أو ضعيف الإرادة، إذ يمكن أن يكون انعكاساً لتراكم الضغوط والإجهاد، وإشارة إلى حاجته للراحة وإعادة ترتيب أولوياته واستعادة التوازن في حياته.

وبيّنت أن فقدان الشغف يكون في بعض الحالات مؤقتاً، خصوصاً عندما يظهر عقب فترة من الضغوط المكثفة أو التغيرات الحياتية المتسارعة، ثم يبدأ الحماس بالعودة تدريجياً بعد الراحة أو الابتعاد عن مصدر الضغط.

ولفتت إلى أن اقتصار المشكلة على جانب محدد، مثل الدراسة أو العمل، مع بقاء قدرة الشخص على الاستمتاع بأنشطة أخرى، قد يشير إلى ارتباطها بمصدر معين للإرهاق، موضحة أن الحالة المؤقتة يمكن أن تمتد من أيام إلى أسابيع دون أن تتطور إلى خمول مستمر أو انسحاب اجتماعي كامل.

متى يحتاج فقدان الشغف إلى الانتباه؟

حذرت سرحان من استمرار فقدان الاهتمام لأكثر من أسبوعين، ولا سيما عندما يصبح الشخص غير قادر على الاستمتاع بمختلف جوانب حياته، موضحة أن ذلك قد يترافق مع حالات نفسية، من بينها الاكتئاب أو الاحتراق النفسي الشديد.

وذكرت أن العلامات التي تستدعي الانتباه تشمل البلادة الانفعالية، واضطرابات النوم والشهية، والخمول الشديد، والشعور بالذنب أو انعدام القيمة، والأفكار السلبية، إضافة إلى العزلة وتراجع القدرة على أداء مهام العمل أو الدراسة.

وشددت على أهمية مراجعة طبيب أو أخصائي نفسي عندما تستمر هذه الأعراض لأسابيع وتبدأ بالتأثير في الحياة اليومية، مؤكدة أن التدخل المبكر يساعد على فهم أسباب الحالة والتعامل معها بصورة أفضل.

العودة تبدأ بخطوات صغيرة

أوضحت سرحان أن استعادة الشغف لا تتحقق بالضغط على النفس للعودة سريعاً إلى المستوى السابق من النشاط، وإنما تحتاج إلى التدرج، ويمكن أن تبدأ بممارسة نشاط محبب لفترة قصيرة، ثم زيادة الانخراط فيه تدريجياً.

ودعت إلى تخفيف التوقعات والتركيز على الاستمتاع بالتجربة بدلاً من ربطها دائماً بالإنجاز والنتائج المثالية، إلى جانب تغيير الروتين وتنويع الأنشطة والبيئة المحيطة، بما يساعد على كسر حالة الملل واستعادة الحافز.

وأكدت سرحان في تصريح خاص لـ«شام» أهمية الاهتمام بالنوم والتغذية والصحة الجسدية، ومنح النفس مساحة كافية للراحة، بالتوازي مع مراجعة الأولويات وتخفيف الضغوط غير الضرورية.

كيف يمكن للمحيط تقديم الدعم؟

دعت سرحان الأصدقاء والمقربين إلى تجنب لوم الشخص الذي فقد حماسه أو الضغط عليه لاستعادة نشاطه سريعاً، مؤكدة أن الاستماع إليه وتفهم ما يمر به ومشاركته أنشطة بسيطة يمكن أن يكون أكثر فائدة من العتاب.

وأشارت إلى أن تراجع الشغف قد يخفي وراءه حزناً لم يجد مساحة للتعبير عنه أو إرهاقاً تراكم على مدى فترة طويلة، ولذلك قد يحتاج الشخص أولاً إلى فهم ما يمر به والتعبير عنه قبل أن يتمكن من استعادة نشاطه.

ويبقى فقدان الشغف تجربة تختلف أسبابها ومدتها من شخص إلى آخر، فقد تكون مرحلة عابرة مرتبطة بالإجهاد والضغوط وتنتهي مع الراحة وإعادة تنظيم الحياة، فيما يستدعي استمرارها واتساع تأثيرها على العمل والدراسة والعلاقات والحياة اليومية الانتباه إلى الأعراض المصاحبة لها وطلب الدعم المتخصص عند الحاجة.

اقرأ المزيد
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
بين الدراسة واللعب والراحة.. كيف نبني روتيناً تعليمياً مناسباً للطفل؟

تشكّل السنوات الأولى من التعليم مرحلة أساسية في بناء علاقة الطفل بالدراسة، إذ يواجه بعض الأطفال صعوبة في الالتزام بوقت محدد للتعلم أو الحفاظ على التركيز لفترات طويلة، فيما يحتاج تكوين عادة دراسية مستقرة إلى التدرج ووضع روتين يتناسب مع عمر الطفل وقدرته على الانتباه، بعيداً عن الضغط والإجبار وتحويل الدراسة إلى عبء يومي.

البداية من خطوات بسيطة

أكدت آلاء كوربلال، المحاضرة والباحثة التربوية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن بناء العادة الدراسية يبدأ بخطوات بسيطة وثابتة، وليس بإلزام الطفل بساعات طويلة من الدراسة منذ البداية.

وأوضحت أنه يمكن للأهل تخصيص وقت يومي محدد للقراءة أو تنفيذ نشاط تعليمي بسيط، مع تهيئة مكان هادئ ومناسب، مشيرة إلى أهمية أن تكون البداية مرنة وممتعة، بحيث يشعر الطفل بأن الدراسة جزء طبيعي من يومه وليست مهمة مفروضة عليه.

وبيّنت كوربلال أن المدة المناسبة للدراسة تختلف باختلاف عمر الطفل وقدرته على التركيز، ولذلك يُفضل خلال السنوات الأولى البدء بفترات قصيرة تتناسب مع مستوى انتباهه، تتخللها فترات للحركة والراحة، قبل زيادة الوقت تدريجياً مع تطور قدرته على التركيز.

الاستمرارية أهم من طول الدراسة

لفتت كوربلال إلى أن الانتظام والاستمرارية أكثر أهمية من طول الوقت الذي يقضيه الطفل في الدراسة، موضحة أن وجود موعد شبه ثابت يومياً يساعد على ترسيخ العادة، ويجعل الطفل أكثر استعداداً للتعلم وأقل حاجة إلى التذكير المتكرر.

وأشارت في تصريح خاص لـ«شام» إلى أن تنظيم تسلسل يوم الطفل بين اللعب والراحة والدراسة والأنشطة الأخرى يمنحه شعوراً بالاستقرار والتنظيم، ويساعد على جعل التعلم جزءاً مألوفاً من حياته اليومية.

لماذا يرفض الطفل الدراسة؟

دعت كوربلال الأهل إلى البحث عن الأسباب التي تقف خلف رفض الطفل الجلوس للدراسة أو تشتته السريع قبل التعامل مع السلوك نفسه، إذ قد يكون متعباً، أو يجد المهمة صعبة، أو يحتاج إلى طريقة تعليم أكثر تفاعلية وجذباً لانتباهه.

ونصحت بتجنب الدخول في صراع مع الطفل، وتقسيم المهام إلى خطوات صغيرة، وتنويع الأنشطة التعليمية، ومنحه خيارات محدودة، كاختيار المهمة التي يرغب في البدء بها، إلى جانب تشجيعه على كل محاولة للالتزام حتى وإن كانت لفترة قصيرة.

سلوكيات قد تجعل الدراسة عبئاً

حذرت كوربلال من الاعتماد على التهديد والعقاب المستمر، أو مقارنة الطفل بغيره، والتركيز على الدرجات أكثر من الجهد والتقدم الذي يحققه، إضافة إلى إجباره على مواصلة الدراسة لفترات طويلة رغم شعوره بالتعب.

وأكدت أن تحويل معظم وقت الطفل إلى الدراسة قد يدفعه إلى التعامل معها بوصفها عبئاً، مشددة على ضرورة ربط التعلم بالتشجيع والشعور بالإنجاز، مع الحفاظ على مساحة كافية للعب والراحة والأنشطة الأخرى.

عادة تحتاج إلى الوقت

شددت كوربلال على أن العادة الدراسية لا تتشكل خلال يوم واحد، وإنما تحتاج إلى الصبر والثبات والتدرج من جانب الأهل، موضحة أن الهدف لا يتمثل في إبقاء الطفل أمام كتبه لساعات، وإنما مساعدته على إدراك أن الدراسة جزء طبيعي ومنظم من يومه، وتعزيز شعوره بقدرته على التعلم والإنجاز.

وأكد مختصون تربويون أن بناء هذه العادة يرتبط أيضاً بانتقال الطفل تدريجياً من الاعتماد على توجيهات الكبار إلى تحمل قدر أكبر من المسؤولية عن تعلمه، إذ يحتاج في المراحل الأولى إلى مساعدة الأسرة في تنظيم واجباته ومعرفة المهام المطلوبة منه، قبل منحه مساحة أوسع للاعتماد على نفسه.

وأشاروا إلى أن التعاون بين الأسرة والمدرسة يسهم في تعزيز هذه المهارات ورصد الصعوبات التي تواجه الطفل والتعامل معها، فيما يساعد إنجازه لمهامه بنفسه على تعزيز شعوره بالقدرة والمسؤولية والاستقلالية.

ويبقى تكوين العادة الدراسية عملية تدريجية تختلف من طفل إلى آخر تبعاً لعمره واحتياجاته وقدرته على التركيز، فيما يشكل تنظيم اليوم، والدعم الأسري والمدرسي، والتدرج في تحمل المسؤولية، عوامل أساسية لمساعدة الطفل على بناء علاقة أكثر استقراراً وإيجابية مع الدراسة.

اقرأ المزيد
٢٣ أغسطس ٢٠٢٦
وسيم الأسد أمام حكم الإعدام.. ما الإجراءات القانونية بعد الحكم؟

أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، اليوم الثلاثاء 18 آب/أغسطس 2026، حكمها بالإعدام بحق المتهم وسيم الأسد، بعد إدانته وثبوت الجرائم والانتهاكات المنسوبة إليه، وذلك خلال الجلسة السادسة من محاكمته، التي خُصصت للنطق بالحكم عقب استكمال إجراءات المحاكمة والاستماع إلى الشهود ومناقشة الأدلة والدفوع المقدمة من النيابة العامة وفريق الدفاع.


وعقدت المحكمة جلستها السادسة للنطق بالحكم في الدعوى المقامة ضد وسيم الأسد، بحضور هيئة المحكمة برئاسة القاضي فخر الدين العريان، وعضوية المستشارين عبد الحميد الحمود وحسام عبد الرحمن، وممثل النيابة العامة القاضي عمر الراضي، إلى جانب عدد من أعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية.


وعلّق الأستاذ أحمد مزنوق، محامي فرع نقابة المحامين في حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، على قابلية الحكم الصادر بحق وسيم الأسد للطعن أو النقض، قائلاً إن الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات تكون قابلة للطعن عن طريق النقض، موضحاً أن مدة الطعن تبلغ 30 يوماً من تاريخ صدور الحكم بصورة وجاهية.


وفيما يتعلق بعملية التنفيذ، ذكر أن حكم الإعدام لا يُنفذ فور صدوره، وإنما بعد أن يصبح مبرماً واستنفاد جميع طرق الطعن وموانعه، مشيراً إلى أن تنفيذ الحكم يمر بعدد من الإجراءات القانونية، إذ يرفع رئيس المحكمة ملف القضية كاملاً إلى وزير العدل، الذي يقوم بدوره برفعه إلى رئيس الجمهورية للتصديق على حكم الإعدام.


وبيّن أن تنفيذ حكم الإعدام يتم بحضور عدد من الشخصيات الرسمية، لضمان سلامة الإجراءات، من بينهم وزير العدل، ورجل دين في حال كان المحكوم عليه ممن يُراعى حضور رجل دين لهم، إضافة إلى طبيب ومندوب عن وزارة الداخلية، ولا سيما من إدارة السجون، ويتولى الطبيب التأكد من وفاة المحكوم عليه، وتُثبت جميع إجراءات التنفيذ ووقت الوفاة في محضر رسمي كامل.


وبالانتقال إلى الجدل الذي أثير حول توكيل محامٍ للدفاع عن وسيم الأسد، ولا سيما في ظل الجرائم المنسوبة إليه والتي أدين بها، أوضح المحامي أحمد مزنوق في تصريح خاص لـ شام، أن وجود المحامي إلى جانب المتهم لا يعني بالضرورة دفاعه عن أفعال موكله أو سعيه إلى تبرئة ساحته.


وأضاف أن وجود المحامي ضرورة لضمان سلامة الإجراءات، وهو حق مكفول ومنصوص عليه في القانون، موضحاً أن دوره لا يقتصر على الدفاع عن المتهم، وإنما يشمل أيضاً مراقبة سير التحقيق والإجراءات القانونية المتخذة بحقه.


وأشار مزنوق إلى أن حضور المحامي خلال التحقيق يساهم في ضمان عدم حدوث خلل في الإجراءات المحكمة، كما أن حق الدفاع مصان لأي شخص، بغض النظر عن طبيعة الاتهامات الموجهة إليه.


وشدد على أن دور المحامي لا يتمثل في تحريف الحقيقة أو التضليل، وإنما في ضمان احترام الإجراءات القانونية وحقوق الدفاع، بما يسهم في الوصول في نهاية المطاف إلى الحقيقة والعدالة وفق الأصول القانونية.


وفي سياق الحديث عن ضمانات المحاكمة وسلامة أطرافها، انتقل مزنوق إلى مسألة حماية الشهود، موضحاً أن برامج حماية الشهود معمول بها في عدد من الدول، ولا سيما الولايات المتحدة ودول أوروبية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لديها قانون خاص بحماية الشهود يتضمن برامج وإجراءات مخصصة لحمايتهم.


وأوضح أن حماية الشهود تكتسب أهمية كبيرة، ولا سيما في القضايا التي قد يتعرض فيها الشاهد للخطر بسبب المعلومات التي يقدمها أمام المحكمة.


ولفت إلى أن برامج الحماية قد تتضمن، وفقاً للأنظمة المعمول بها في بعض الدول، تغيير اسم الشاهد أو مكان إقامته، أو منحه هوية جديدة، بهدف الحفاظ على سلامته وسلامة أفراد أسرته وتشجيعه على الإدلاء بما لديه من معلومات للوصول إلى الحقيقة ومحاسبة مرتكبي الجرائم.


وبيّن أن سوريا لا يوجد فيها قانون خاص ينظم حماية الشهود، ولا توجد فقرات قانونية متخصصة بهذا الشأن على غرار بعض الدول التي تطبق برامج حماية الشهود.


وأشار إلى أن بعض إجراءات حماية الشهود التي تظهر في المحاكم السورية قد يقررها قاضي الموضوع من تلقاء نفسه، عندما يرى وجود ضرورة لحماية شاهد معين، موضحاً أن ذلك قد يشمل عدم ذكر اسمه في بعض أوراق القضية أو اتخاذ إجراءات تتعلق بطريقة ظهوره، بما يهدف إلى الحفاظ على سلامته وسلامة أفراد أسرته.


وعند العودة بالحديث إلى حكم الإعدام، ذكر المحامي أحمد مزنوق أنه بعد استكمال الإجراءات القانونية المتعلقة به، يُعرض للتصديق وفق الأصول، موضحاً أن رئيس الجمهورية يصادق على الحكم قبل الانتقال إلى مرحلة تنفيذه.


وشدد مزنوق على أن القاضي والمحامي يمثلان جناحي العدالة، مؤكداً أن اختلال دور أحدهما قد يؤدي إلى اختلال ميزان العدالة وهدر الحقوق، مضيفاً أن حضور المحامي خلال إجراءات المحاكمة يشكل ضمانة لحسن سير العدالة، ولا يقتصر دوره على الدفاع عن المتهم أو مساعدة المدعين في تحصيل حقوقهم، وإنما يسهم أيضاً في ضمان سلامة الإجراءات القضائية وصون الحقوق.


ويأتي الحكم بحق وسيم الأسد بعد أيام من إصدار محكمة الجنايات الرابعة في دمشق أحكاماً بالإعدام بحق المتهم عاطف نجيب حضورياً، وبحق عدد من أبرز رموز النظام البائد غيابياً، بينهم بشار الأسد وماهر الأسد وخمسة متهمين فارين آخرين، بعد إدانتهم بجرائم قتل وتعذيب وحرمان من الحرية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، فيما أُسقطت دعوى الحق العام عن المتهم محمد أيمن عيوش بسبب وفاته.

اقرأ المزيد
1 2 3 4 5

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
كيف فكك الرئيس أحمد الشرع عقدة "قسد" وأعاد شمال شرقي سوريا إلى مؤسسات الدولة؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
ماذا قدمت «الممانعة» لسوريا؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
التفاهم لا يعني التطبيع.. لماذا تحتاج سوريا إلى تحييد الجبهة الإسرائيلية في مرحلة إعادة البناء؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
العدالة فوق الجميع.. قضية محمد غميرة تختبر جدية الدولة في محاسبة التجاوزات الأمنية
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
أوروبا تضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر.. فهل يمتد تأثيرها إلى العالم؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
هل كان الفرح بالعقوبة أم بانتهاء زمن الإفلات من العقاب؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١١ أغسطس ٢٠٢٦
أحكام الإعدام بحق رموز نظام الأسد البائد.. العدالة الانتقالية أمام اختبار بناء دولة القانون في سوريا
أحمد نور الرسلان