١٤ سبتمبر ٢٠٢٦
تحولت منصات التواصل الاجتماعي في سوريا إلى مساحة رئيسية لمتابعة الأخبار وتشكيل المواقف تجاه الأحداث، بالتوازي مع نشاط متزايد لحسابات وشبكات تعمل على نشر محتوى محدد وتكراره وتضخيمه حتى يتحول إلى قضية واسعة التداول، وهو ما يضع المستخدم أمام تحدٍ يتعلق بالتمييز بين التفاعل الحقيقي والحملات المنظمة التي تسعى للتأثير في الرأي العام.
ويُستخدم مصطلح "الذباب الإلكتروني" للإشارة إلى شبكات من الحسابات التي تنشط بصورة منسقة لدفع رواية أو موقف معين إلى الواجهة، وقد ازداد تأثير هذه الظاهرة مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على إنتاج المحتوى وتسريع عمليات النشر والتفاعل، فيما تصبح الخطورة أكبر عندما تستهدف الحملات ملفات اجتماعية وأمنية وسياسية حساسة.
كيف تُصنع الحملة الإلكترونية؟
قال مصعب الياسين، الصحفي الاستقصائي والناشط في مجال مكافحة التضليل، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الذباب الإلكتروني يعتمد على مجموعات من الحسابات التي قد يديرها أشخاص أو بوابات إلكترونية أو أدوات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتستخدم للتلاعب بالنقاش العام وفرض رؤية محددة داخل المساحات الإلكترونية.
وأوضح الياسين أن بعض الحملات قد تنطلق من قضية موجودة فعلياً، قبل أن تعمل الحسابات المشاركة فيها على تضخيمها وتوجيه النقاش المتعلق بها، وصولاً إلى تكوين انطباع بأن موقفاً معيناً يحظى بتأييد واسع، أو دفع المستخدمين نحو تبني رؤية محددة تجاه حكومة أو منظمة أو مجتمع.
وأشار إلى أن إحدى أبرز المشكلات تكمن في صعوبة معرفة الجهة التي تقف خلف الحسابات، وما إذا كانت تدار من داخل البلاد أو خارجها، ومن أشخاص حقيقيين أو عبر أدوات مؤتمتة، ما يجعل البحث عن مصدر الحملة والهدف منها جزءاً أساسياً من عملية التحقق.
وتبدأ بعض الحملات بنشر معلومة أو رواية عبر عدد محدود من الحسابات، ثم يعاد تداولها بكثافة من خلال شبكة أوسع، لتنتقل تدريجياً من منشورات متفرقة إلى موضوع رائج، وهو ما قد يمنح المحتوى انطباعاً بالانتشار الطبيعي حتى عندما يكون جانب من التفاعل منظماً أو مصطنعاً.
ملفات حساسة في دائرة الاستهداف
ذكر الياسين أن متابعته لحملات التضليل خلال الفترة الماضية أظهرت نشاطاً إلكترونياً حول عدد من الملفات السورية الحساسة، مشيراً إلى قضايا مرتبطة بـ"قسد" والسقيلبية وفلول نظام الأسد البائد وميليشيات الهجري، ومعتبراً أن بعض الحسابات المجهولة استثمرت هذه الملفات في بث أخبار زائفة أو مضللة وخطابات يمكن أن تزيد الانقسام داخل المجتمع.
وحذر من أن خطورة هذه الحملات تتضاعف عندما تنتقل آثارها من الفضاء الرقمي إلى الواقع، لأن مواقع التواصل أصبحت مصدراً أساسياً للمعلومات بالنسبة إلى شريحة واسعة من السوريين، كما باتت النقاشات التي تتصدرها قادرة على التأثير في المزاج العام وطريقة التعامل مع الأحداث.
وأكد الياسين أن مواجهة الظاهرة تستدعي البحث في هوية الحسابات التي تطلق الحملات والعلاقات التي تربط بينها، إضافة إلى محاولة معرفة الجهات المستفيدة منها، وعدم التعامل مع انتشار المحتوى أو ارتفاع عدد التفاعلات باعتباره دليلاً كافياً على صحة المعلومات أو على أن التفاعل يعبر بالضرورة عن اتجاه حقيقي لدى المجتمع.
الذكاء الاصطناعي يرفع قدرة الشبكات على التضخيم
لفت الياسين إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي أضافت تحديات جديدة إلى هذا النوع من النشاط، من خلال تسهيل إنتاج كميات كبيرة من المحتوى وتشغيل حسابات متعددة والمساهمة في عمليات إعادة النشر والتفاعل والتضخيم، بما يساعد الحملات على الوصول إلى نطاق أوسع خلال وقت قصير.
وأوضح أن هذا النشاط قد يدفع موضوعاً معيناً إلى صدارة التداول ويمنحه حضوراً يفوق حجمه الحقيقي، ما يجعل مراقبة نمط الحسابات وتوقيت إنشائها وطبيعة منشوراتها وتشابه المحتوى المتداول بينها مؤشرات مهمة عند محاولة اكتشاف الحملات المنسقة.
ودعا الياسين المؤسسات الحكومية والإعلامية إلى تطوير برامج مستدامة للتوعية بمخاطر التضليل والحملات الإلكترونية، تستهدف الصحفيين ونشطاء المجتمع المحلي والجمهور، وتستخدم التلفزيون والإذاعة والمنصات الرقمية لشرح أساليب التضليل وطرق التحقق من الأخبار والحسابات.
وشدد على أن مسؤولية المستخدم تبدأ بالتوقف أمام الحملات المفاجئة قبل المشاركة فيها، والبحث عن المصدر الأصلي للمعلومة، وفحص الحسابات التي تدفع بها إلى التداول، ومقارنة ما تنشره بالمصادر الموثوقة، خاصة عندما يتعلق المحتوى بقضايا يمكن أن تؤثر في العلاقات بين مكونات المجتمع.
ويضع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي الجمهور والمؤسسات الإعلامية أمام تحدٍ متجدد، إذ لم تعد كثافة المنشورات أو آلاف التفاعلات مؤشراً كافياً على حجم التأييد الحقيقي، فيما يبقى التحقق من مصدر المعلومة وفهم الطريقة التي انتشرت بها ومعرفة الحسابات التي تقود تداولها من أهم الأدوات للحد من تأثير التضليل وحماية النقاش العام والسلم الأهلي.
١٤ سبتمبر ٢٠٢٦
يبدأ الطفل مع دخوله الصف الأول تجربة تتجاوز تعلم القراءة والكتابة، إذ يجد نفسه أمام يوم منظم بقواعد ومواعيد وعلاقات جديدة، ويتعلم تدريجياً الاستقلال عن أسرته لساعات، والتعامل مع المعلم والأقران، والالتزام بالتعليمات والمشاركة داخل الصف.
وتختلف قدرة الأطفال على التعامل مع هذا التحول تبعاً لتجاربهم السابقة ونموهم اللغوي والاجتماعي والانفعالي، وقد تكون البداية أكثر حساسية بالنسبة إلى طفل ينتقل مباشرة من المنزل إلى المدرسة من دون المرور بتجربة الروضة، ما يجعله بحاجة إلى وقت ودعم لاكتساب مهارات يختبرها للمرة الأولى.
المدرسة تحتاج مهارات تتجاوز الحروف والأرقام
قالت الباحثة التربوية دعاء عتيق، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن استعداد الطفل للمدرسة يرتبط بمجموعة من المهارات اللغوية والاجتماعية والانفعالية والاستقلالية، إضافة إلى قدرته على الاستماع واتباع التعليمات والتعبير عن احتياجاته وطلب المساعدة.
وأوضحت أن الطفل يواجه في الأسابيع الأولى تحديات تتعلق بالانفصال عن الأسرة والتعرف إلى الأقران والجلوس والانتباه وانتظار دوره وتنظيم أدواته والانتقال بين الأنشطة، وهي تفاصيل تبدو بسيطة للكبار، لكنها تشكل جزءاً أساسياً من تجربة جديدة يتعلم الطفل قواعدها تدريجياً.
وأشارت إلى أن صعوبة التكيف قد تظهر على شكل بكاء أو تعلق بالوالدين أو تردد في المشاركة، إضافة إلى الحركة الزائدة وصعوبة الانتقال بين الأنشطة، مؤكدة أهمية فهم هذه التصرفات في سياق المرحلة التي يمر بها الطفل وعدم التعامل معها مباشرة باعتبارها دليلاً على ضعف قدراته.
وبيّنت عتيق أن الطفل في بداية الصف الأول يتعلم كيفية التعامل مع المدرسة بالتوازي مع تعلم المواد الدراسية، ولذلك يحتاج إلى فرصة لفهم الروتين والقواعد وبناء علاقته بالمعلم وزملائه قبل الحكم على مدى قدرته على التكيف.
هل تمنح الروضة الطفل أفضلية؟
أوضحت عتيق أن تجربة الروضة تمنح كثيراً من الأطفال خبرات سابقة في الانفصال المؤقت عن الأسرة والتعامل مع الأقران والمشاركة في الأنشطة الجماعية، كما تدربهم على انتظار الدور واتباع التعليمات والالتزام بروتين يومي قريب من البيئة المدرسية.
وأضافت أن الطفل الذي ينتقل من المنزل مباشرة إلى الصف الأول قد يحتاج إلى فترة أطول لاكتساب هذه المهارات، إلا أن عدم دخوله الروضة لا يعني أنه غير مستعد للمدرسة أو أنه سيتأخر عن أقرانه.
وأكدت أن الاستعداد المدرسي يتأثر بعوامل متعددة، بينها شخصية الطفل ونموه اللغوي والاجتماعي والانفعالي ودرجة استقلاليته والخبرات التي اكتسبها داخل الأسرة وخارجها، ولذلك يمكن لطفل لم يدخل الروضة أن يتكيف سريعاً، بينما قد يحتاج طفل سبق له الالتحاق بها إلى دعم إضافي.
المعلم أمام نقاط بداية مختلفة
لفتت عتيق، في تصريح خاص لـ"شام"، إلى أن معلم الصف الأول يستقبل أطفالاً بخبرات متفاوتة، فبينما يكون بعضهم معتاداً على البيئة الجماعية والتعليمات والروتين، يحتاج آخرون إلى تعلم مهارات صفية أساسية بالتزامن مع دخولهم في المنهج الدراسي.
وأشارت إلى أن مسؤولية المعلم تجمع بين تقديم المحتوى التعليمي ومساعدة الأطفال على اكتساب السلوكيات التي تهيئهم للتعلم، موضحة أن بعض التصرفات التي تظهر داخل الصف قد يكون سببها عدم امتلاك الطفل خبرة سابقة بالموقف، ما يستدعي التوجيه والتدريب مع المحافظة على قواعد واضحة للجميع.
وأكدت أن توفير الشعور بالأمان في بداية العام يساعد الطفل على الاستقرار، من خلال اعتماد روتين يمكن توقعه وتعليمات قصيرة ومتدرجة، وتنويع الأنشطة بين الحركة واللعب والتفاعل والتعلم، مع تشجيع التقدم وتجنب المقارنات والسخرية وإطلاق الصفات على الأطفال.
ماذا تستطيع الأسرة أن تفعل؟
بيّنت عتيق أن تهيئة الطفل للمدرسة تبدأ من تدريبه على تفاصيل الحياة اليومية، مثل ترتيب أغراضه والاعتماد على نفسه في بعض المهام والالتزام بمواعيد النوم والاستيقاظ والاستماع إلى التعليمات والقدرة على التعبير عما يحتاج إليه.
وأشارت إلى أن الطفل الذي لم يدخل الروضة يمكن مساعدته قبل المدرسة وعند بدايتها من خلال إتاحة فرص للتفاعل واللعب مع أطفال آخرين، والمشاركة في أنشطة جماعية، وتحمل مسؤوليات بسيطة تناسب عمره.
وشددت على أهمية تقديم المدرسة للطفل بصورة إيجابية وواقعية، وتجنب تخويفه بالمعلم أو العقاب المدرسي، إضافة إلى استمرار التواصل بين الأسرة والمعلم لمعرفة الصعوبات التي يواجهها ومتابعة تطوره خلال المرحلة الأولى.
وأكدت عتيق أن اختلاف نقاط البداية بين الأطفال أمر متوقع، وأن تقييم الطفل ينبغي أن يستند إلى تقدمه مقارنة بمستواه السابق وقدرته على اكتساب المهارات تدريجياً، بدلاً من مقارنته بزملائه.
ويشكل الصف الأول بداية لمسار طويل يتعلم فيه الطفل التعامل مع بيئة جديدة وبناء علاقاته وتحمل مسؤوليات تناسب عمره، فيما يسهم تعاون الأسرة والمعلم ومنح الطفل الوقت الكافي في جعل انتقاله إلى المدرسة أكثر استقراراً، خاصة عندما تكون تجربته الأولى خارج البيئة الأسرية.
١٣ سبتمبر ٢٠٢٦
يواجه بعض الأهل صعوبة في فهم صمت أبنائهم عندما يمرون بمشكلة، خصوصاً عند اكتشافها بعد فترة أو ملاحظة تغيرات في السلوك من دون معرفة أسبابها، فيما يرتبط قرار الابن بالحديث أو الاحتفاظ بما يؤلمه بعوامل متعددة، تتراوح بين حاجته إلى الخصوصية وخوفه من رد الفعل وعدم قدرته على تفسير مشاعره.
وتزداد حساسية هذه المسألة خلال المراهقة وبداية الشباب، حيث تتوسع حاجة الأبناء إلى الاستقلال، في وقت يبقى فيه دور الأسرة مهماً في توفير علاقة تسمح لهم بالعودة إليها عندما يواجهون ضغوطاً أو مشكلات يصعب التعامل معها بمفردهم.
ما الذي يدفع الابن إلى الصمت؟
قالت الاختصاصية النفسية سمية عبد الفتاح، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن إخفاء الابن لمشكلاته قد يرتبط بدرجة الأمان التي يشعر بها عند التفكير في مشاركتها مع والديه، موضحة أن التجارب السابقة داخل الأسرة تؤثر في قراره بالحديث مستقبلاً.
وأوضحت أن تعرض الابن في مواقف سابقة للصراخ أو السخرية أو المقارنة أو التقليل من مشاعره قد يدفعه إلى توقع رد فعل مشابه، كما أن الانتقال مباشرة إلى تقديم الحلول والنصائح من دون الاستماع إليه يمكن أن يجعله أقل رغبة في مشاركة ما يمر به.
وأضافت أن بعض الأبناء، وخصوصاً خلال المراهقة وبداية الشباب، يميلون إلى الاحتفاظ بمشكلاتهم بسبب حاجتهم إلى الاستقلال والخصوصية، وقد ينظر بعضهم إلى طلب المساعدة على أنه اعتراف بالضعف أو فقدان للسيطرة على المشكلة.
وأشارت إلى أن الابن قد يشعر أحياناً بضيق لا يستطيع تفسيره أو التعبير عنه بالكلمات، ما يجعل الصمت مرتبطاً بصعوبة فهم مشاعره، إلى جانب الخوف من خيبة أمل والديه أو فقدان ثقتهما أو تحول المشكلة إلى رقابة وتدخل أكبر في حياته.
ولفتت عبد الفتاح إلى أهمية أن يسأل الوالدان نفسيهما عما يتوقع الابن حدوثه إذا تحدث معهما عن مشكلة، لأن الإجابة تساعد في فهم طبيعة التواصل داخل الأسرة والأسباب التي قد تجعله يفضل الاحتفاظ بما يواجهه.
تغيرات تستحق الانتباه
بيّنت عبد الفتاح، في تصريح خاص لـ"شام"، أن وجود مشكلة لا يمكن تحديده من خلال سلوك واحد، إلا أن التغير المفاجئ أو المستمر عن النمط المعتاد للابن يستحق المتابعة، خاصة عندما يؤثر في حياته اليومية.
وذكرت أن المؤشرات قد تشمل الابتعاد عن الأسرة أو الأصدقاء، واضطراب النوم أو الشهية، وتراجع الأداء الدراسي، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، وسرعة الانفعال والغضب، والحساسية الزائدة والشرود، إضافة إلى ظهور شكاوى جسدية متكررة من دون تفسير واضح.
وأكدت أن زيادة الصمت أو قضاء وقت أطول بصورة منفردة لا يشيران تلقائياً إلى وجود اضطراب نفسي، فبعض التغيرات قد ترتبط بطبيعة المرحلة العمرية وتكون مؤقتة، بينما يستدعي الأمر اهتماماً أكبر عندما تستمر لفترة أو تصبح شديدة وتؤثر في الدراسة والعمل والعلاقات والنوم والحياة اليومية.
الأمان يتشكل من التعامل اليومي
أوضحت عبد الفتاح أن بناء مساحة آمنة للحوار يبدأ من طريقة تعامل الأسرة مع التفاصيل اليومية، فعندما يجد الابن من يستمع إليه من دون مقاطعة أو سخرية أو تقليل من مشاعره، تزداد احتمالات لجوئه إلى أسرته عند مواجهة مشكلة أكبر.
ونصحت الأهل بالاستماع وفهم ما يشعر به الابن قبل الانتقال إلى النصيحة والحلول، مع تجنب العبارات التي تقلل من حجم المشكلة بالنسبة إليه، وإظهار الاهتمام بما يريد قوله ومنحه الوقت الكافي للتعبير.
وأشارت إلى ضرورة الفصل بين تفهم المشاعر وتقييم السلوك، إذ يستطيع الأهل الاعتراف بغضب الابن أو حزنه وفي الوقت نفسه وضع حدود واضحة لأي تصرف خاطئ ناتج عن هذه المشاعر.
وأكدت أهمية احترام الخصوصية ضمن الحدود التي لا تهدد سلامة الابن، وتجنب استخدام المعلومات أو المشاعر التي يشاركها مع أسرته لاحقاً في لومه أو معايرته أثناء الخلافات، لما لذلك من أثر مباشر في ثقته وقدرته على الحديث مستقبلاً.
متى يحتاج الأمر إلى مختص؟
أكدت عبد الفتاح أن طلب الدعم المهني يصبح مهماً عندما تكون التغيرات شديدة أو مستمرة، أو تبدأ بالتأثير بصورة واضحة في دراسة الابن أو عمله أو نومه وعلاقاته وقدرته على ممارسة حياته اليومية.
ونبهت إلى ضرورة التعامل بجدية مع العزلة المتزايدة والحزن أو القلق المستمر والتغيرات الحادة في السلوك، وخاصة عند ظهور إيذاء للنفس أو حديث عن الموت أو عدم الرغبة في الحياة، أو وجود مؤشرات على التعرض لعنف أو استغلال أو تهديد، حيث تستدعي مثل هذه الحالات تدخلاً سريعاً والاستعانة بمختصين.
وشددت على أن الاقتراب من الابن في هذه الظروف يحتاج إلى الهدوء والدعم وتجنب الاستجواب والضغط عليه للكلام، مع التأكد من سلامته وطلب المساعدة المهنية عند الحاجة.
ويبقى مستوى الثقة الذي تبنيه الأسرة عبر تعاملها اليومي عاملاً مؤثراً في قرار الأبناء بمشاركة مشكلاتهم، فكلما وجد الابن مساحة تحترم مشاعره وخصوصيته وتتعامل بجدية مع ما يقوله، أصبح طلب المساندة أكثر سهولة عندما يواجه موقفاً لا يستطيع التعامل معه بمفرده.
١٣ سبتمبر ٢٠٢٦
تتحول الخلافات بين الجيران أحياناً من مواقف يومية عابرة إلى نزاعات تحتاج إلى تدخل قانوني، خصوصاً مع استمرار الضوضاء أو رمي النفايات أو إلحاق الضرر بالممتلكات أو الاستيلاء على أجزاء من المساحات المشتركة، ويحدد القانون السوري مسؤولية المتسبب بالضرر وفق طبيعة التصرف وحجمه ومدى تكراره، مع اختلاف الطريق القانوني الذي يمكن للمتضرر اتباعه من حالة إلى أخرى.
ويمنح القانون مساحة للتصرفات المعتادة التي تفرضها طبيعة السكن والجوار، لكنه يضع حدوداً عندما يتجاوز الضرر المستوى الذي يمكن احتماله عادة، أو عندما يستخدم الشخص حقه بطريقة تستهدف الإضرار بالآخرين، وهنا تصبح مسألة الإثبات وطبيعة الضرر أساساً في تحديد المسؤولية.
متى يتدخل القانون؟
قال المحامي حسن محمد المحمد، المختص بقضايا الأحوال الشخصية والقضايا المدنية والجزائية والاستشارات القانونية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القانون السوري يميز بين الإزعاج العادي للجيران الذي تفرضه الحياة اليومية وبين الضرر غير المألوف الذي يمنح المتضرر حق المطالبة بوقفه.
وأوضح أن المادة 740 من القانون المدني السوري تنظم ما يعرف بمضار الجوار، وتنص، وفق المحمد، على أنه «ليس للمالك أن يتصرف بملكه تصرفاً يضر بجاره ضرراً غير مألوف»، ولذلك فإن تقدير المسؤولية يرتبط بطبيعة الضرر ومدته وتكراره والبيئة التي وقع فيها.
وضرب أمثلة على ذلك بالضوضاء الليلية المتكررة، وتشغيل مولدة أو ورشة بطريقة تؤثر في سكان حي سكني، والاستمرار في رمي النفايات بما يسبب أذى للجيران، موضحاً أن واقعة عابرة تختلف قانونياً عن تصرف مستمر يتجاوز الحدود المعتادة.
وأضاف أن المسؤولية يمكن أن تقوم أيضاً عند التعسف في استعمال الحق، مشيراً إلى المادة السادسة من القانون المدني، فإذا استُخدم حق مشروع بقصد إلحاق الضرر بالجار، فإن مشروعية أصل التصرف لا تمنع النظر في آثاره والغاية من استخدامه.
من الشكوى إلى القضاء
بيّن المحمد أن طريقة التعامل مع المشكلة تتحدد وفق نوع المخالفة، ويمكن أن يبدأ المتضرر بمحاولة التسوية الودية والاستعانة بالمختار أو جهات الصلح المحلية، لما لذلك من دور في معالجة المشكلة من دون تحويلها إلى خصومة طويلة بين السكان.
وأضاف أن المخالفات المرتبطة بالنظافة أو إشغال الأماكن المشتركة يمكن أن تدخل ضمن اختصاص البلدية أو المجلس المحلي بحسب المنطقة وطبيعة الواقعة، بينما يمكن اللجوء إلى النيابة العامة عندما يتضمن التصرف شبهة جرم جزائي أو إزعاجاً متكرراً يستدعي تقديم شكوى.
وأشار إلى أن الطريق المدني يتيح للمتضرر المطالبة بوقف الضرر وإزالة التعدي وإعادة الحال إلى ما كان عليه، إلى جانب طلب التعويض عن الأضرار المادية أو المعنوية متى توافرت شروطه، على أن تحدد المحكمة المختصة بحسب طبيعة الدعوى وقيمتها والاختصاص القانوني.
وأوضح أن الإجراءات قد تختلف بين منطقة وأخرى بحسب الجهات الإدارية والقضائية المختصة، لافتاً إلى أن المتضرر في إدلب، على سبيل المثال، قد يبدأ بالمجلس المحلي أو البلدية في مخالفات النظافة والإشغالات، ويلجأ إلى النيابة العامة عندما تكون الواقعة ذات طبيعة جزائية، أو إلى القضاء المدني للمطالبة بإزالة مضار الجوار والتعويض.
الضرر المادي والمساحات المشتركة
أكد المحمد أن إلحاق أضرار مادية بممتلكات الجيران يمكن أن يرتب مسؤولية مدنية، مستنداً إلى المادة 164 من القانون المدني المتعلقة بالتعويض عن الضرر الناجم عن الخطأ، ومن أمثلة ذلك تسرب المياه والتسبب بإتلاف جدار أو الإضرار بمركبة أو مزروعات.
وأشار إلى أن الواقعة قد تأخذ مساراً جزائياً عندما يكون الإتلاف متعمداً وتنطبق عليها أحكام قانون العقوبات، موضحاً أن توصيف الفعل والعقوبة يحددان وفق ظروف كل قضية والأدلة المتوفرة فيها.
وبيّن أن التعدي على الأجزاء المشتركة في الأبنية، كإشغال الدرج أو استخدام المنور أو إقامة بناء يؤثر في حقوق بقية السكان، يتيح للمتضرر المطالبة بإزالة التعدي، وقد يقترن ذلك بطلب التعويض عندما يثبت وقوع ضرر.
وتختلف معالجة رمي النفايات بحسب المكان والنتائج المترتبة عليه، إذ أوضح المحمد أن المخالفة قد تخضع للأنظمة الصحية والبلدية وما تتضمنه من غرامات أو إلزام بإزالة المخالفة، بينما يمكن المطالبة بالتعويض إذا ثبت تسببها بأضرار إضافية.
التوثيق يحسم جانباً من النزاع
شدد المحمد على أهمية إثبات الضرر قبل اللجوء إلى القضاء، ولا سيما في حالات الضوضاء التي قد يصعب إثباتها إذا كانت متقطعة، مشيراً إلى أهمية توثيق الوقائع بالصور أو التسجيلات المتاحة قانوناً وتحديد تواريخها، والاستعانة بشهادات الجيران والتقارير الصادرة عن الجهات المختصة عند توفرها.
ونصح بالحصول على توثيق رسمي من البلدية أو الجهة المعنية متى أمكن ذلك، لأن تحديد طبيعة الضرر وتكراره ومدته يساعد القضاء في تقدير ما إذا كان قد تجاوز الحدود المألوفة، كما يدعم المطالبة بوقفه أو إزالة آثاره والتعويض عنه.
الحل المبكر يقلل النزاعات
يرى باحثون اجتماعيون أن استمرار الخلافات الصغيرة بين الجيران من دون معالجة قد يحولها مع الوقت إلى خصومات يصعب احتواؤها، خصوصاً في الأبنية والأحياء التي تفرض مساحاتها المشتركة احتكاكاً يومياً بين السكان.
ويشيرون إلى أن الحوار والتنبيه المباشر واحترام الخصوصية وتنظيم استخدام المساحات المشتركة يمكن أن يعالج كثيراً من المشكلات في بدايتها، فيما يصبح اللجوء إلى الجهات المختصة ضرورياً عندما تستمر المخالفة أو يتعذر الوصول إلى حل يحفظ حقوق الأطراف.
ويعتمد تحديد المسؤولية في النهاية على تفاصيل كل واقعة وحجم الضرر والأدلة المتوفرة، لذلك فإن الانتقال من خلاف بين جارين إلى نزاع قانوني يبدأ عادة من سؤالين أساسيين، هل تجاوز التصرف حدود الجوار المعتادة، وهل يستطيع المتضرر إثبات الضرر الذي وقع عليه.
١٣ سبتمبر ٢٠٢٦
كرّم وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح، المواطن ضياء الدين الخنوس من محافظة إدلب، تقديراً لدوره في حماية مجموعة من القطع الأثرية التي عثر عليها مصادفة عام 2014، وحافظ عليها خلال سنوات الحرب في سوريا والنزوح، قبل أن يسلمها إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف لتوثيقها ودراستها وحفظها ضمن المجموعات الأثرية الوطنية.
وتختصر قصة الخنوس جانباً من المخاطر التي واجهها التراث السوري خلال السنوات الماضية، إذ بدأت الحكاية أثناء بحثه عن مكان يحمي أسرته من قصف قوات نظام الأسد البائد، قبل أن يقوده حفر ملجأ في بلدته معرتحرمة بريف إدلب الجنوبي إلى اكتشاف مدفن أثري يحتوي على مئات القطع الفخارية، لتبدأ منذ ذلك الوقت رحلة استمرت سنوات للحفاظ عليها.
اكتشاف بدأ أثناء البحث عن ملجأ
قال ضياء الدين الخنوس، وهو موجّه إداري في مدرسة سنا الربيع بمدينة إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القصف على معرتحرمة اشتد عام 2014، ما دفعه إلى حفر مغارة لتوفير مكان أكثر أماناً لأسرته، إلا أن أعمال الحفر كشفت بصورة مفاجئة عن مغارة أثرية تضم مئات القطع الفخارية متعددة الأشكال داخل مدفن واحد.
وأوضح الخنوس أن قراره بعدم التصرف بالقطع جاء بعد استشارة ابن بلدته والمتخصص في الآثار أيمن نابو، مدير مركز آثار إدلب سابقاً ومعاون المدير العام للآثار والمتاحف حالياً، والذي شدد آنذاك على القيمة الحضارية للمكتشفات وضرورة حمايتها في ظل ظروف الحرب وما كانت تتعرض له المواقع والمقتنيات الأثرية من مخاطر.
وأضاف أنه اقتنع بضرورة التعامل معها باعتبارها إرثاً يجب الحفاظ عليه، ورفض بيعها أو التخلي عنها، قبل أن يتوجه نابو برفقة فريق من مركز آثار إدلب إلى منزله لإجراء عملية توثيق أولية للقطع وتنظيم بيانات خاصة بكل واحدة منها.
وتابع أن الفريق عمل على تغليف القطع بمواد مخصصة لحمايتها من الرطوبة، ثم وضعها ضمن أغلفة واقية وصناديق خشبية أغلقت بإحكام لتقليل احتمالات تعرضها للكسر أو التلف نتيجة الظروف المحيطة.
الصناديق بقيت في المنزل
أشار الخنوس إلى أن مركز آثار إدلب طلب إبقاء الصناديق لديه في تلك المرحلة، بعدما اعتبر منزله مكاناً أكثر أماناً من نقلها إلى منشآت أو متاحف كانت معرضة للقصف، ليتحمل بذلك مسؤولية حمايتها وسط ظروف أمنية شديدة الصعوبة.
وأكد أن الخوف من تعرض المنزل للقصف كان من أبرز التحديات التي رافقته طوال فترة الاحتفاظ بالمقتنيات، إذ لم تكن المخاطر مرتبطة بسرقة القطع أو تلفها فقط، وإنما باحتمال تدمير المكان الذي تحفظ فيه بالكامل.
وأضاف أن نزوحه مجدداً عام 2019 وضعه أمام تحدٍ آخر، إذ حرص على إخراج القطع معه رغم مخاطر الدخول إلى المنطقة في ذلك الوقت، في ظل استمرار الاستهداف من طيران ومدفعية قوات نظام الأسد البائد.
ووصف الخنوس القطع بأنها أمانة وطنية وليست مجرد مقتنيات فخارية قديمة، معتبراً أنها جزء من ذاكرة سوريا وإرثها الحضاري، وأن تسليمها في نهاية المطاف إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف أعادها إلى المكان الذي يفترض أن تحفظ وتدرس فيه.
تكريم بعد سنوات من الحماية
عبّر الخنوس عن اعتزازه بتكريم وزير الثقافة له بعد سنوات من الاحتفاظ بالمقتنيات، معتبراً أن الخطوة تمثل اعترافاً رسمياً بدور المواطن في حماية الإرث الوطني، وتوثيقاً لموقف اختار خلاله المحافظة على القطع رغم الظروف التي مر بها خلال الحرب والنزوح.
وأكد أن قيمة التكريم بالنسبة إليه ترتبط بالمسؤولية التي حملها طوال تلك السنوات، لافتاً إلى أن وصول القطع إلى الجهات الأثرية المختصة يعني بالنسبة إليه انتهاء المهمة التي بدأت لحظة العثور عليها عام 2014.
المواطن شريك في حماية الآثار
من جهته، أكد معاون المدير العام للآثار والمتاحف أيمن نابو، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أن تكريم المواطنين الذين يحافظون على المكتشفات الأثرية ويسلمونها إلى المؤسسات المختصة يمثل واجباً على الجهات الرسمية، مشدداً على أن حماية التراث مسؤولية يشترك فيها الفرد والمجتمع مع مؤسسات الدولة.
وأوضح نابو أن المديرية تعمل على تكريس منهج يقوم على تعزيز الثقة والتواصل بين المواطنين والمؤسسات المعنية بالآثار، بحيث يشعر من يعثر على قطعة أو موقع أثري بأن الإبلاغ عنه هو المسار الطبيعي لحمايته، وأن المؤسسة الرسمية شريك يتولى التعامل معه وفق الإجراءات القانونية والعلمية.
وأشار إلى أن الآثار لا تمثل ملكاً لمؤسسة حكومية بعينها، وإنما إرثاً يعود إلى المجتمع، ما يجعل الوصول إلى إدارة أكثر فاعلية للتراث مرتبطاً بمشاركة المواطنين في حمايته والإبلاغ عن المكتشفات والمخاطر التي تتعرض لها المواقع الأثرية.
من الإبلاغ إلى التوثيق والدراسة
كشف نابو أن المديرية العامة للآثار والمتاحف تتبع نهجاً مختلفاً في التعامل مع بلاغات المواطنين عن المكتشفات الأثرية، قائلاً إن التعامل خلال عهد نظام الأسد البائد كان يرتبط، وفق وصفه، بمتابعة الأفرع الأمنية لمثل هذه البلاغات، بينما يجري العمل حالياً على مقاربتها من منظور قانوني وعلمي وفني.
وبيّن أن الإجراءات تبدأ بالإبلاغ عن القطعة أو المكتشف الأثري، ثم التعامل معه وفق خطوات قانونية وفنية تنتهي بوصوله إلى المتاحف أو المخابر المختصة، حيث يمكن توثيقه ودراسته وتحديد قيمته وسياقه الأثري وحفظه بالطرق المناسبة.
وتبرز تجربة ضياء الخنوس نموذجاً للدور الذي يمكن أن يؤديه السكان في حماية الآثار، إذ انتقلت مئات القطع التي ظهرت مصادفة أثناء حفر ملجأ تحت القصف من صناديق حفظت لسنوات وسط النزوح والمخاطر إلى عهدة المؤسسات المختصة، لتبدأ مرحلة جديدة من توثيقها ودراستها وحفظها ضمن الإرث الحضاري السوري.
١١ سبتمبر ٢٠٢٦
يواجه مئات الطلاب في قرية لحايا بريف حماة تحديات متزايدة مع بداية العام الدراسي، بعدما أعادت جهود أهلية ثلاثة صفوف فقط من المدرسة الوحيدة في القرية إلى الخدمة، بينما بقي الجزء الأكبر منها مدمراً، ما فرض نظام الدوامين وحصر التعليم المتاح داخل القرية بالصف السادس، ودفع طلاب المراحل الأعلى إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مدارس القرى المجاورة.
وتتجاوز المشكلة ضيق المساحة الصفية إلى تأثيرها في استقرار العائلات العائدة، إذ يضطر بعض الأهالي إلى إبقاء أبنائهم في مناطق النزوح أو تحمل تكاليف نقلهم يومياً، بينما تواجه أسر أخرى صعوبة في مواصلة تعليم أبنائها بسبب بعد المدارس وغياب وسائل النقل، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الوضع إلى انقطاع عدد من الطلاب عن الدراسة.
مدرسة واحدة وثلاثة صفوف
قال عبد الله الصالح، مختار قرية لحايا، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن المدرسة الوحيدة في القرية تعرضت للتدمير على يد قوات نظام الأسد البائد، مشيراً إلى أن عودة الأهالي عقب التحرير اصطدمت بعدم وجود مدرسة قادرة على استقبال أبنائهم، ما دفع بعض الأسر خلال العام الدراسي القائم آنذاك إلى الانقسام بين القرية ومناطق دراسة الأطفال السابقة.
وأوضح الصالح أن الأهالي حاولوا معالجة المشكلة مع بدء العام الدراسي 2025-2026، وأطلقوا مبادرة أهلية بمساهمات من سكان القرية وفاعلي الخير، تمكنوا من خلالها من ترميم ثلاث غرف صفية، في حين بقي جزء آخر من المبنى مدمراً بصورة كاملة ويحتاج، وفق وصفه، إلى الإزالة بدلاً من الترميم.
وأضاف أن الصفوف الثلاثة أعيدت إلى الخدمة لاستقبال طلاب مرحلة التعليم الأساسي، لكن محدودية المساحة فرضت العمل بنظام فوجين صباحي ومسائي، في قرية يقدر عدد طلابها بنحو 300 طالب من مختلف المراحل، ما جعل المدرسة غير قادرة على استيعاب جميع أبنائها.
وأشار إلى أن الدوام على فترتين ينعكس على انتظام العملية التعليمية ويزيد الضغط على الطلاب والمعلمين، مؤكداً أن الأهالي تقدموا بمطالب إلى الجهات المعنية لاستكمال تأهيل المدرسة، كما أجريت كشوف على المبنى، إلا أن أعمالاً جديدة لم تبدأ حتى الآن.
عشرة كيلومترات للوصول إلى الإعدادية
يضطر الطلاب بعد الصف السادس إلى مغادرة لحايا يومياً لمتابعة تعليمهم في مدارس مناطق مجاورة، بينها مورك وطيبة الإمام، في ظل عدم توفر مرحلة إعدادية أو ثانوية داخل القرية، وغياب وسائل نقل منتظمة تساعدهم على الوصول إلى مدارسهم.
وأكد الصالح أن كلفة التنقل وبعد المسافة يشكلان عبئاً لا تستطيع بعض الأسر تحمله، ما يضع استمرار أبنائها في التعليم أمام خطر حقيقي، لافتاً إلى أن المشكلة تصبح أكثر تأثيراً على الطالبات، إذ قد يدفع بعد المدرسة وصعوبة الوصول إليها بعض الأسر إلى عدم إرسال بناتها لمتابعة الدراسة.
وتزداد الصعوبات خلال الظروف الجوية القاسية، إذ يصبح الانتقال بين القرية والمدارس المجاورة أكثر مشقة، بينما لا تملك بعض العائلات وسيلة نقل خاصة أو القدرة المالية على دفع أجور المواصلات بصورة يومية.
من أكثر من 400 طالب إلى مدرسة مدمرة
استذكر أحمد الحسين، أمين سر مدرسة لحايا، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، واقع التعليم في القرية قبل سنوات الحرب في سوريا، موضحاً أن عدد طلاب المدرسة تجاوز 400 طالب عام 2011، من الصف الأول وحتى التاسع، وكانت تضم سبع شعب صفية، إضافة إلى خمس شعب مستأجرة ضمن منزل لأحد سكان القرية لاستيعاب الأعداد المتزايدة.
وأشار الحسين إلى أن العملية التعليمية كانت تشهد آنذاك إقبالاً متزايداً، قبل أن يؤدي هجوم قوات نظام الأسد البائد على القرية عام 2012 إلى نزوح سكانها وتعرضها لدمار واسع شمل مدرستها الوحيدة.
وأكد أن التهجير لم يوقف أبناء لحايا عن متابعة تعليمهم، إذ واصل كثير منهم الدراسة في مناطق النزوح شمالي سوريا، قبل أن تبدأ العائلات بالعودة إلى القرية بعد التحرير، لتجد نفسها أمام مشكلة الأبنية المدمرة وعدم توفر البنية التعليمية اللازمة لاستقرارها.
الحاجة إلى صفوف جديدة لا إلى المعلمين
بيّن الحسين أن المبادرة الأهلية نجحت في إعادة ثلاث شعب إلى العمل بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 200 تلميذ من الصف الأول وحتى السادس على فوجين، إلا أن ضعف الإمكانات المالية منع الأهالي من استكمال بقية أعمال الترميم.
وأوضح أن أربع غرف صفية ما تزال بحاجة إلى التأهيل، في حين تحتاج القرية، مع تزايد أعداد الأطفال والطلاب، إلى إنشاء صفوف إضافية، مقدراً الحاجة الحالية بنحو عشر شعب صفية لضمان استيعاب الطلاب وتوفير المراحل الدراسية المطلوبة.
ولفت إلى أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بنقص الكوادر، إذ تمتلك القرية، بحسب قوله، عدداً كافياً من المعلمين والمدرسين من أبنائها، بينما تتركز الحاجة في توفير البناء المدرسي والغرف الصفية والتجهيزات التي تسمح باستكمال التعليم داخل القرية.
وأضاف أن أقرب مدرسة إعدادية تبعد نحو عشرة كيلومترات، ما يضع الطلاب الأكبر سناً أمام رحلة يومية يصعب على كثير من العائلات تأمينها، محذراً من أن استمرار المدرسة بوضعها الحالي قد يدفع أعداداً من الطلاب إلى التوقف عن متابعة تعليمهم.
التعليم يؤثر في قرار العودة
يربط الحسين بين استكمال المدرسة وقدرة العائلات على العودة والاستقرار في لحايا، مشيراً إلى أن محدودية التعليم المتاح داخل القرية دفعت، وفق تقديراته، جزءاً من السكان إلى البقاء في المخيمات ومناطق النزوح حتى يتمكن أطفالهم من متابعة دراستهم.
ويحول ذلك ملف المدرسة من مشكلة خدمية منفصلة إلى أحد العوامل المؤثرة في استقرار السكان، إذ تحتاج الأسر العائدة إلى وجود تعليم لمختلف المراحل بالتوازي مع استعادة بقية الخدمات، خصوصاً مع ارتفاع أعداد الطلاب المتوقع عودتهم كلما استقرت عائلات إضافية في القرية.
ويأمل أهالي لحايا أن تنتقل الكشوف التي أجريت على المدرسة والمطالب التي قدموها إلى مرحلة التنفيذ، عبر استكمال تأهيل الأجزاء القابلة للترميم وإزالة الأقسام المدمرة وإنشاء صفوف جديدة، بما يسمح بإنهاء نظام الدوامين وتوفير مراحل تعليمية إضافية داخل القرية.
ويبقى استكمال المدرسة بالنسبة إلى الأهالي شرطاً أساسياً لحماية حق أبنائهم في التعليم ودعم عودة العائلات إلى قريتها، إذ إن إعادة ثلاثة صفوف إلى الخدمة وفرت حلاً جزئياً، لكنها لم تعالج بعد حاجة مئات الطلاب إلى مدرسة قريبة وآمنة وقادرة على استيعابهم ومواصلة تعليمهم حتى المراحل الأعلى.
١١ سبتمبر ٢٠٢٦
تخضع الوصية في القانون السوري لضوابط تحدد مقدار ما يستطيع الشخص التصرف به من أمواله بعد وفاته، والجهة التي يمكن أن تؤول إليها، كما تتيح الاعتراض عليها أمام القضاء في حالات محددة، في محاولة للموازنة بين حرية الموصي في التصرف بجزء من تركته وبين حماية الحقوق المقررة للورثة والدائنين.
وتبرز أهمية معرفة هذه الأحكام عند تنظيم الوصية أو تنفيذها بعد الوفاة، إذ لا تعني صحة الوصية بالضرورة نفاذ جميع ما ورد فيها، فقد تكون مستوفية لشروطها القانونية من حيث الأصل، لكن تنفيذها يتوقف جزئياً على مقدار المال الموصى به وصفة المستفيد منها والديون المترتبة على التركة وموقف الورثة في بعض الحالات.
الثلث يرسم حدود الوصية
قالت المحامية سحر نجار، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الوصية تصرف قانوني مضاف إلى ما بعد الموت، يقرر الشخص من خلاله أثناء حياته تمليك شخص آخر مالاً أو حقاً بعد وفاته، أو يعهد إليه بأمر يرتبط بتركته أو بغيرها.
وأوضحت أن صحة الوصية تتطلب بصورة أساسية أن يكون الموصي أهلاً للتبرع وقادراً قانوناً على التصرف، وأن يكون المال أو الحق محل الوصية مشروعاً وقابلاً للتملك أو التصرف، إلى جانب أن يكون الموصى له معلوماً أو قابلاً للتعيين، وألا تتضمن الوصية ما يخالف الموانع القانونية.
وبيّنت نجار أن القاعدة الأساسية بالنسبة إلى الوصية لغير الوارث تتمثل في نفاذها ضمن حدود ثلث صافي التركة بعد سداد الديون، دون الحاجة إلى موافقة الورثة، مشيرة إلى أن المادة 238 تنظم هذا الجانب وتحدد نطاق نفاذ الوصية.
وأضافت أن تجاوز قيمة الوصية ثلث التركة لا يعني بالضرورة بطلانها بالكامل، وإنما تتوقف الزيادة على إجازة الورثة بعد وفاة الموصي، شريطة أن يكون من يجيزها كامل الأهلية، وهو ما يجعل التفريق ضرورياً بين صحة الوصية من حيث إنشائها وبين مقدار ما يمكن تنفيذه منها فعلياً.
الوصية للوارث ليست كالإرث
أوضحت نجار أن الأصل في الوصية للوارث أنها لا تنفذ إلا بإجازة بقية الورثة بعد وفاة الموصي، وبالتالي لا يمكن استخدام الوصية بصورة مطلقة لإعادة توزيع حصص الميراث أو حرمان أحد الورثة من الحقوق التي يقررها له القانون.
وأشارت إلى وجود فارق جوهري بين الإرث والوصية، فالإرث ينتقل إلى المستحقين بحكم القانون بعد وفاة المورث، بينما تمثل الوصية تصرفاً اختيارياً يصدر عن الشخص في حياته، لكنه يضاف إلى ما بعد الوفاة ويظل خاضعاً للحدود والشروط التي ينظمها القانون.
وأكدت أن الوصية لا تنتج أثرها النهائي في أموال التركة أثناء حياة الموصي، وإنما يبدأ النظر في تنفيذها بعد وفاته، وعندها يجري التحقق من صحتها ومقدار التركة والديون المترتبة عليها وصفة الموصى له، ومدى وقوع الوصية ضمن الحدود التي يسمح القانون بتنفيذها.
متى يستطيع الورثة الاعتراض؟
ذكرت نجار أن الاعتراض على الوصية لا يقوم على مجرد عدم رضا أحد الورثة عنها، وإنما يحتاج إلى سبب قانوني يمكن طرحه أمام القضاء، ومن ذلك تجاوزها ثلث التركة دون إجازة الزيادة، أو صدورها لمصلحة وارث دون موافقة بقية الورثة بعد الوفاة.
وأضافت أن أسباب الاعتراض يمكن أن تشمل أيضاً الطعن في أهلية الموصي وقت تنظيم الوصية أو وجود عيب جوهري في إرادته، أو المنازعة في صحة الوصية، أو إثبات رجوعه عنها قبل الوفاة، فضلاً عن النزاع حول ملكيته للمال الذي أوصى به أو ثبوت استخدام الوصية للتحايل على حقوق مقررة للورثة أو الدائنين.
وأشارت إلى ضرورة التمييز بين بطلان الوصية وعدم نفاذها، إذ يمكن أن تكون باطلة نتيجة فقدان أحد أركانها أو شروط صحتها، أو عدم أهلية الموصي، أو وجود عيب جوهري في إرادته، أو تعلقها بأمر غير مشروع، بينما قد تكون صحيحة في أصلها ولا ينفذ جزء منها لوجود مانع قانوني.
الموصي يستطيع تغيير قراره
أكدت نجار أن للموصي الرجوع عن وصيته أو تعديلها طوال حياته، باعتبار أنها لا تصبح نهائية بحقه بمجرد تنظيمها، ويمكن أن يكون الرجوع صريحاً من خلال إلغائها، أو أن يظهر من خلال تصرف قانوني بالمال الموصى به يتعارض مع استمرار الوصية، وفق طبيعة المال والتصرف.
وأضافت أن الموصي يستطيع كذلك تنظيم وصية جديدة تلغي الوصية السابقة أو تعدل بعض أحكامها، موضحة أن توثيق التعديل أو الرجوع بصورة رسمية وواضحة يساعد عملياً في تقليل احتمالات النزاع بين الورثة والموصى لهم بعد الوفاة.
ولفتت إلى أن قبول المستفيد بالوصية أثناء حياة الموصي لا يجعلها نهائية أو يمنع تعديلها، لأن آثارها تستقر بعد الوفاة وفق الشروط القانونية التي تحكمها.
الديون تسبق تنفيذ الوصية
شددت نجار على أن حقوق الدائنين تؤثر مباشرة في تنفيذ الوصية، إذ لا يجري احتساب الثلث بمعزل عن الديون المترتبة على التركة، وإنما يرتبط بصافي الأموال المتبقية بعد الوفاء بالالتزامات المستحقة.
وأشارت إلى أن المادة 238 تنص، بحسب نجار، على عدم نفاذ الوصية فيما يستغرقه الدين إلا بإجازة الدائن كامل الأهلية أو بسقوط الدين، بما يمنع استخدام الوصية لتجاوز الحقوق المالية الثابتة للدائنين.
وأضافت أن تنفيذ الوصية قد يتعذر أو يتغير كذلك إذا ثبت رجوع الموصي عنها قبل وفاته، أو هلك المال الموصى به أو طرأ على وضعه تغير يؤثر قانوناً في محل الوصية، أو لم يتحقق شرط مشروع ربط الموصي تنفيذها به.
وتبقى الوصية بذلك وسيلة تتيح للشخص ترتيب التصرف بجزء من أمواله لما بعد وفاته، لكنها ليست أداة مفتوحة لإعادة توزيع كامل التركة، إذ تحكمها حدود تتصل بالثلث وحقوق الورثة والدائنين وأهلية الموصي وسلامة إرادته، فيما يبقى القضاء الجهة المختصة بالفصل في النزاعات عند الطعن بصحتها أو مقدار ما يجوز تنفيذه منها.ح
١١ سبتمبر ٢٠٢٦
تستعيد عشرات المدارس في محافظة إدلب دورها التعليمي بعد سنوات من الأضرار التي لحقت بالأبنية والتجهيزات، مع افتتاح 50 مدرسة أعيد تأهيلها وتجهيزها في مناطق مختلفة من المحافظة، في خطوة تستهدف زيادة القدرة الاستيعابية للقطاع التعليمي ومواكبة عودة الأهالي والطلاب إلى مناطقهم.
وافتتح وزير التربية والتعليم الدكتور محمد عبد الرحمن تركو ومحافظ إدلب محمد عبد الرحمن المدارس التي استكملت أعمال تأهيلها، بينها 11 مدرسة في منطقة خان شيخون، ضمن جهود إعادة الأبنية المتضررة إلى الخدمة وتوفير مدارس أكثر قرباً وأماناً للطلاب، بالتزامن مع تزايد الاحتياجات التعليمية في المناطق التي تشهد عودة سكانية.
عودة آلاف المقاعد إلى الخدمة
قالت جميلة الزير، معاون مدير التربية في إدلب، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن إعادة افتتاح 50 مدرسة تمثل خطوة مهمة في دعم استقرار العملية التعليمية، خصوصاً في المناطق التي تعرضت فيها المنشآت التعليمية لأضرار واسعة خلال السنوات الماضية، وتشهد حالياً عودة متزايدة للأهالي.
وأوضحت الزير أن أهمية المشروع تتجاوز إصلاح الأبنية، إذ يعيد المدارس إلى دورها باعتبارها مساحات للتعليم والاستقرار المجتمعي، مؤكدة أن الهدف يتمثل في أن يبدأ الطالب عامه الدراسي داخل مدرسة آمنة ومهيأة، وأن تتوفر للمعلم بيئة تساعده على أداء مهامه التربوية.
وأضافت أن عودة المدارس إلى العمل تعني إعادة آلاف المقاعد الدراسية إلى الخدمة، وتوفير قدرة إضافية لاستقبال الطلاب ضمن مناطقهم، بما يخفف الضغط والاكتظاظ عن المدارس العاملة ويقلص المسافات التي كان بعض الطلاب يضطرون إلى قطعها للوصول إلى مدارس بديلة.
وبيّنت أن أعداد الطلاب الذين ستستقبلهم المدارس الجديدة تختلف وفق الطاقة الاستيعابية لكل مدرسة وعدد الشعب الصفية والواقع السكاني المحيط بها، مشيرة إلى أن مديرية التربية تتعامل مع احتياجات كل مدرسة استناداً إلى بياناتها الفعلية، بدلاً من اعتماد تقدير موحد لجميع المدارس.
التأهيل بحسب حجم الأضرار
شملت عمليات التأهيل أعمالاً متفاوتة بحسب حالة كل مبنى وحجم الضرر الذي تعرض له، بدءاً من معالجة الأضرار الإنشائية والمدنية، وصولاً إلى إصلاح الصفوف والأبواب والنوافذ والأسطح ودورات المياه وشبكات المياه والكهرباء، إلى جانب الطلاء والتنظيف وإعادة تجهيز البيئة المدرسية لاستقبال الطلاب.
وأشارت الزير إلى العمل كذلك على تأمين المستلزمات الأساسية وفق احتياجات كل مدرسة، موضحة أن جاهزية المبنى لا تعني اكتمال هيكله فقط، وإنما قدرته الفعلية على استقبال الطلاب والمعلمين وتأمين متطلبات العملية التعليمية بصورة مناسبة.
وأكدت أن اختيار المدارس المستهدفة بالتأهيل استند إلى مجموعة من الأولويات، في مقدمتها حجم الضرر والكثافة السكانية وعدد الطلاب المتوقع أن تخدمهم المدرسة، إضافة إلى المناطق التي تسجل عودة متزايدة للسكان وإمكانية إعادة المنشأة التعليمية إلى الخدمة بصورة فعلية.
50 مدرسة لا تنهي ملف الأبنية المتضررة
أكدت الزير أن إعادة المدارس الخمسين إلى الخدمة تشكل جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء قطاع التعليم في إدلب، لافتة إلى أن حجم الأضرار المتراكمة يجعل الحاجة إلى أعمال الترميم وإعادة البناء مستمرة في مناطق عديدة من المحافظة.
وأوضحت أن عدداً من المدارس لا يزال بحاجة إلى أعمال صيانة وتأهيل متفاوتة، بينما تعرضت أبنية أخرى لأضرار شديدة أو دمار كامل يستوجب إعادة بنائها، ما يعني أن المدارس التي افتتحت تمثل مرحلة من خطة أوسع وليست نهاية ملف المنشآت التعليمية المتضررة.
وأضافت أن الخطط المقبلة ستواصل ترتيب المدارس بحسب حجم الضرر والكثافة السكانية وأعداد الطلاب واحتياجات المناطق التي تشهد عودة للأهالي، مع إدراج المنشآت الأكثر حاجة ضمن مشاريع التأهيل وإعادة البناء تباعاً، بالتنسيق مع الجهات المعنية والداعمة.
وشددت الزير على أن إعادة بناء المدارس تمثل استثماراً طويل الأمد في الإنسان، مشيرة إلى أن مديرية التربية تسعى تدريجياً للانتقال من الاستجابة للاحتياجات الإسعافية إلى تطوير مدارس أكثر استدامة وأماناً وقدرة على توفير متطلبات العملية التعليمية.
عودة السكان تفرض احتياجات جديدة
كشفت الزير أن التحديات لا تقتصر على الأبنية، إذ تشمل الحاجة إلى المقاعد والتجهيزات المدرسية ومعالجة الاكتظاظ في بعض المناطق، إلى جانب تأمين الكوادر التعليمية والخدمات الأساسية الضرورية لاستمرار الدراسة في بيئة مناسبة.
وأشارت إلى أن عودة السكان تخلق واقعاً تعليمياً متغيراً، إذ يرافق استقرار الأسر في مناطقها ارتفاع أعداد الأطفال الملتحقين بالمدارس، الأمر الذي يتطلب توسيع القدرة الاستيعابية بوتيرة تتناسب مع النمو في أعداد الطلاب، ولا سيما في المناطق التي شهدت عودة كبيرة للأهالي.
وأكدت أن العمل لن يتوقف عند افتتاح المدارس أو بدء العام الدراسي، بل ستتواصل المتابعة الميدانية لرصد الاحتياجات التي تظهر مع انتظام الدوام، وتحديد حالات الاكتظاظ ونقص التجهيزات والكوادر والخدمات، والعمل على معالجتها وفق الأولويات والإمكانات المتاحة.
واختتمت الزير حديثها بالتأكيد على أن حق الطفل في التعليم يجب ألا يتأثر بظروف النزوح أو العودة وما مر به خلال السنوات الماضية، مشددة على ضرورة استمرار جهود تأهيل المدارس حتى الوصول إلى المنشآت التي ما تزال خارج الخدمة، وبناء منظومة تعليمية قادرة على مواكبة مرحلة التعافي وعودة السكان والاستقرار في محافظة إدلب.
١٠ سبتمبر ٢٠٢٦
يعاني سكان قرى جبل الزاوية في ريف إدلب من محدودية الخدمات الصحية والطبية، في ظل غياب مشفى أو مركز إسعافي مجهز يعمل على مدار الساعة، ما يضع المرضى أمام رحلة طويلة للوصول إلى الرعاية، ويزيد المخاطر في الحالات الطارئة التي تتطلب تدخلاً طبياً سريعاً.
وتزداد معاناة الأهالي مع اتساع المنطقة وتوزع القرى والبلدات على مسافات متباعدة، فيما تتحمل الأسر محدودة الدخل أعباء إضافية ناجمة عن تكاليف النقل والعلاج خارج المنطقة، وسط مطالب بتوفير مركز قادر على الاستجابة للحالات الإسعافية وتأمين الخدمات الطبية الأساسية.
قرى واسعة وخدمات لا تغطي الحاجة
قال أحمد الفارس، وهو من سكان جبل الزاوية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن المنطقة تعاني نقصاً كبيراً في الخدمات الصحية، موضحاً أن غياب المشافي لا يتناسب مع الامتداد الجغرافي لجبل الزاوية والكثافة السكانية الموجودة فيه، الأمر الذي يصعّب حصول المرضى على العلاج بالقرب من أماكن سكنهم.
وأوضح أن السكان يضطرون في كثير من الحالات إلى التوجه نحو أريحا أو معرة النعمان، فيما تستدعي بعض الفحوصات والاختصاصات متابعة الرحلة إلى مدينة إدلب، ولا سيما مع عدم توفر خدمات مثل التصوير الطبقي والرنين المغناطيسي في المراكز الأقرب إلى عدد من قرى المنطقة.
وأشار الفارس إلى وجود بعض المراكز الصحية في جبل الزاوية، إلا أن الخدمات التي تقدمها تبقى محدودة مقارنة بالحاجة، لافتاً إلى أن المنطقة تضم، بحسب تقديراته، 36 قرية وبلدة ويتجاوز عدد سكانها 550 ألف نسمة، في حين تفتقر 33 قرية إلى خدمات طبية كافية.
وأكد أن إنشاء مشفى يخدم قرى جبل الزاوية أصبح من أبرز احتياجات السكان، ولا سيما أن الفئات محدودة الدخل تتحمل العبء الأكبر، بعد سنوات من الحرب في سوريا والتهجير والظروف الاقتصادية الصعبة، ما يجعل الانتقال المتكرر إلى مدن أخرى للحصول على العلاج عبئاً إضافياً عليها.
وبيّن أن غياب المشفى يدفع كثيراً من السكان إلى مراجعة الصيدليات للحصول على ما يحتاجونه من أدوية أو مساعدة صحية أولية، بينما تصبح أريحا أو إدلب الوجهة الرئيسية عندما تكون الحالة أكثر تعقيداً وتحتاج إلى خدمات لا تتوفر محلياً.
ولفت إلى أن المشكلة تصبح أكثر خطورة عند حالات الولادة والحوادث المفاجئة وغيرها من الحالات الإسعافية، إذ يضطر سكان بعض القرى الواقعة وسط جبل الزاوية إلى قطع نحو 26 كيلومتراً للوصول إلى أريحا، ما يعني خسارة وقت قد يكون مهماً في الحالات الحرجة.
الطوارئ تكشف حجم النقص
قال الصيدلاني أحمد عبد الكريم العيسى، من قرية كفر عويد في جبل الزاوية، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن طبيعة عمله اليومي تضعه بصورة مباشرة أمام حجم حاجة السكان إلى خدمات طبية وإسعافية قريبة، مشيراً إلى أن الصيدليات تحاول تقديم ما تستطيع من خدمات دوائية ضمن الإمكانات المتوفرة.
وأوضح أن المشكلة الأكثر إلحاحاً تتمثل في غياب خدمات إسعافية قادرة على الاستجابة على مدار 24 ساعة، إذ لا ترتبط الحوادث والحالات الطارئة بتوقيت محدد، بينما قد يضطر المريض أو أفراد أسرته إلى قطع مسافات تصل في بعض الحالات إلى نحو 50 كيلومتراً للوصول إلى مركز طبي أو مشفى قادر على التعامل مع حالته.
وذكر أن الحالات التي تواجه السكان تشمل لدغات الأفاعي ولسعات العقارب وعضات الكلاب، إضافة إلى النزوف والجروح والكسور والحروق المنزلية وإصابات العمل وحوادث السير والمشاجرات، وهي حالات قد يحتاج بعضها إلى تدخل طبي خلال وقت قصير.
وأضاف أن الصيدليات تواجه أيضاً حالات اختناق لدى الأطفال والبالغين، وحوادث تسمم ناجمة عن استخدام مواد التنظيف، ودخول أجسام غريبة إلى الأذن أو الأنف، إلى جانب إصابات العين وغيرها من الحالات التي تحتاج إلى تقييم طبي وتدخل متخصص.
ونبه العيسى إلى أن عامل الوقت يصبح حاسماً في عدد من الحالات الطارئة، ولا سيما لدغات الأفاعي والعقارب والنزوف والإصابات الخطيرة، إذ يمكن لوجود مركز إسعافي قريب ومجهز أن يختصر زمن الوصول إلى العلاج ويحد من المضاعفات، بينما قد يؤدي التأخر في الحالات الحرجة إلى عواقب تهدد حياة المريض.
كلفة المسافة وتأخر العلاج
أشار العيسى إلى أن المشكلة لا تقتصر على الطوارئ، إذ يواجه سكان المنطقة صعوبات في الوصول إلى بعض الأدوية والفحوصات والاختصاصات الطبية، ما يفرض عليهم الانتقال إلى مناطق أخرى ويضيف تكاليف جديدة إلى فاتورة العلاج.
وأوضح أن الظروف الاقتصادية الصعبة وبعد المراكز الطبية قد يدفعان بعض المرضى إلى تأجيل زيارة الطبيب أو العلاج، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الحالة وتحول مشكلة صحية قابلة للعلاج في بدايتها إلى حالة أكثر تعقيداً وكلفة.
ولفت إلى أن نقص البدائل يدفع الأهالي أحياناً إلى طلب خدمات إسعافية وتمريضية من الصيدليات، من بينها إعطاء الحقن وتركيب السيرومات، مؤكداً أن المكان الأنسب لتقديم مثل هذه الخدمات هو مركز صحي أو عيادة تمريضية مجهزة وتعمل تحت إشراف كوادر مختصة.
وأكد أن العاملين في الصيدليات يجدون أنفسهم أمام هذه الطلبات نتيجة الحاجة المباشرة للسكان وليس باعتبارها بديلاً عن المراكز الطبية، ما يعكس حجم الفراغ الذي يتركه غياب منشأة صحية قريبة وقادرة على استقبال الحالات المختلفة.
مطالب بمركز إسعافي دائم
شدد العيسى على أن الأولوية بالنسبة إلى جبل الزاوية تتمثل في إنشاء مركز إسعافي مجهز يعمل على مدار الساعة، ويضم أطباء وكوادر تمريضية مؤهلة، مع تأمين الأدوية والمستلزمات الأساسية اللازمة للتعامل مع الحالات الطارئة.
ودعا إلى تزويد المركز المقترح بسيارة إسعاف مجهزة لنقل المرضى الذين تستدعي حالاتهم التحويل إلى المشافي والمراكز التخصصية، بما يختصر الوقت ويخفف العبء عن الأسر التي تضطر حالياً إلى تأمين وسيلة نقل بنفسها للوصول إلى الرعاية.
وأكد أن توفير مركز بهذه المواصفات لا يمثل مجرد توسيع للخدمات الصحية في المنطقة، بل حاجة ترتبط بسلامة السكان والحد من المضاعفات الناجمة عن تأخر العلاج، خصوصاً في حالات النزف والحروق والكسور والاختناق واللدغات وغيرها من الحالات الإسعافية.
وختم العيسى حديثه بالتأكيد على أن مطالب الأهالي تنطلق من واقع فرضه بُعد قرى جبل الزاوية عن المشافي والمراكز الطبية المجهزة، معرباً عن أمله في استجابة الجهات المعنية والعمل على توفير خدمات صحية وإسعافية قريبة، بما يخفف رحلة المرضى الطويلة للحصول على العلاج ويعزز قدرة المنطقة على التعامل مع الحالات الطارئة.
تضم منطقة جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي أكثر من 35 قرية وبلدة موزعة على مساحة جغرافية واسعة، فيما تتوزع التجمعات السكانية بين المرتفعات والوديان والطرق الريفية التي تربط المنطقة بأريحا ومعرة النعمان ومركز محافظة إدلب.
وتعتمد نسبة من سكان المنطقة على الزراعة مصدراً للرزق، إذ تشتهر قرى جبل الزاوية بزراعة الزيتون والتين والعنب والكرز والمحلب وغيرها من المحاصيل، كما تتميز المنطقة بإرث أثري بارز، وتضم عدداً من القرى والمواقع العائدة إلى الحقبتين الرومانية والبيزنطية، من بينها البارة والرويحة ومواقع أخرى مرتبطة بتجمعات القرى الأثرية في شمال سوريا.
وشهدت قرى جبل الزاوية خلال سنوات الحرب في سوريا موجات قصف ونزوح واسعة، ما أثر في استقرار السكان والبنية الخدمية، قبل أن تشهد المنطقة عودة تدريجية لأعداد من الأهالي، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على الحاجة إلى تأهيل الخدمات الأساسية وتوسيع قدرتها على استيعاب السكان.
١٠ سبتمبر ٢٠٢٦
يفقد بعض الأشخاص عقوداً أو وثائق تشكل أساساً لإثبات حقوق مالية أو تعاقدية، ما يثير مخاوف من تعذر المطالبة بهذه الحقوق أمام القضاء، إلا أن فقدان السند الأصلي لا يعني بالضرورة سقوط الحق، إذ يمكن في حالات محددة الاستناد إلى وسائل إثبات بديلة، تختلف قوتها وإمكانية قبولها بحسب طبيعة الوثيقة والحق والظروف التي أدت إلى فقدانها.
وتكتسب المحافظة على الأدلة البديلة أهمية خاصة عند ضياع الوثائق، إذ يمكن للمراسلات والإيصالات والفواتير والسجلات الرسمية وغيرها من القرائن أن تساعد في إثبات وجود العلاقة بين الأطراف، فيما تبقى للمحكمة صلاحية تقدير الأدلة المقدمة وفق طبيعة كل دعوى.
ما البدائل عن الوثيقة الأصلية؟
قالت المحامية أسماء برهوم، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن فقدان عقد أو وثيقة تثبت حقاً لا يؤدي تلقائياً إلى استحالة إثباته، موضحة أنه يمكن اللجوء إلى وسائل إثبات أخرى عندما يتعذر تقديم السند الأصلي، وفق الشروط التي يحددها القانون.
وأوضحت أن الإثبات بشهادة الشهود قد يكون متاحاً في بعض الحالات عند فقدان السند، شريطة إثبات أنه كان موجوداً في الأصل، كما يمكن الاستناد إلى الإيصالات والفواتير التي تثبت دفع الأموال، والمراسلات والمكاتبات المتبادلة بين أطراف العلاقة التعاقدية.
وأشارت إلى أن الحقوق المتعلقة بالعقارات قد تدعمها البيانات الموجودة في السجل العقاري، ومنها وجود إشارة دعوى لمصلحة صاحب العقد أو السند، فيما يشكل إقرار الطرف الآخر أمام القضاء بوجود العلاقة التعاقدية دليلاً مهماً يمكن الاستناد إليه عند نظر الدعوى.
وأضافت برهوم أن صور العقود والنسخ الإلكترونية والمراسلات يمكن تقديمها ضمن الأدلة والقرائن الداعمة عند فقدان الأصل، إلا أن قيمتها في الإثبات تتحدد وفق طبيعتها وظروف القضية وما يتوفر إلى جانبها من أدلة أخرى.
الشهود والقرائن أمام القضاء
أكدت برهوم، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أن شهادة الشهود في القضايا المدنية لا تعد في الأصل وسيلة تنشئ ملكية العقار بذاتها، وإنما يمكن أن تستخدم لإثبات وقائع مادية مرتبطة بالنزاع، مثل الحيازة أو وضع اليد، وأنها قد تشكل دليلاً مساعداً إلى جانب الإيصالات والفواتير وما يثبت السداد.
وبينت أنه يمكن الاستعانة بالشهود أيضاً في الحالات التي يتعذر فيها وجود دليل كتابي نتيجة مانع مادي أو أدبي، كما يمكن اللجوء إلى الأشخاص الذين حضروا إبرام العقد أو توقيعه أو شهدوا تنفيذ الالتزامات الناشئة عنه، مثل تسليم البضائع أو دفع المبالغ المتفق عليها.
وأوضحت أنه في حال أنكر الطرف الآخر وجود العقد بعد فقدانه، يستطيع صاحب الحق تقديم ما لديه من أوراق أو مراسلات صادرة عن الخصم، بما فيها الرسائل والمكاتبات الإلكترونية، إلى جانب التحويلات والحركات البنكية وغيرها من المؤشرات التي يمكن أن يستخلص منها القاضي وجود علاقة مالية أو تعاقدية بين الطرفين.
وأضافت أن الاستجواب والإقرار يمثلان بدورهما من وسائل الإثبات التي يمكن اللجوء إليها، إذ يستطيع القاضي استجواب الطرف الآخر بشأن وقائع النزاع، وقد يفضي ذلك إلى إقرار بوجود العقد أو العلاقة التعاقدية أو الحق المطالب به.
اليمين الحاسمة عند غياب الأدلة
أشارت برهوم إلى أن اليمين الحاسمة قد تصبح إحدى الوسائل المتاحة عندما لا تتوفر أدلة أخرى كافية، إذ يمكن توجيهها إلى الطرف الآخر للفصل في الواقعة المتنازع عليها، وتترتب على حلفها أو النكول عنها أو ردها آثار قانونية مباشرة على الدعوى.
وأوضحت أنه إذا حلف الطرف الذي وجهت إليه اليمين وفق الواقعة محل النزاع، حُسم النزاع في حدودها لمصلحته، أما إذا امتنع عن أدائها دون أن يردها، فقد تترتب نتيجة لمصلحة خصمه، وفي حال رد اليمين على الطرف الذي وجهها وأداها، تُحسم الواقعة وفق الأثر القانوني المترتب عليها.
ماذا تفعل عند فقدان وثيقة؟
شددت برهوم على أهمية اتخاذ إجراءات سريعة عند فقدان وثيقة رسمية، تبدأ بتقديم بلاغ لدى الجهة المختصة وتوثيق واقعة الفقدان والاحتفاظ بنسخة من الضبط، بما يساعد على إثبات تاريخ فقدان الوثيقة ويحد من المخاطر التي قد تنتج عن استخدامها بصورة غير مشروعة.
وأشارت إلى إمكانية اتخاذ إجراءات إضافية بحسب نوع الوثيقة، ومنها الإعلان عن فقدانها عند الحاجة، ومراجعة الجهات الرسمية المرتبطة بالحق، كالمصالح العقارية أو الجهات الخدمية المختصة، لاتخاذ التدابير التي تحول دون إجراء معاملات غير مشروعة استناداً إلى الوثيقة المفقودة.
ولفتت إلى أنه إذا كان العقد منظماً بين الطرفين لكنه غير مسجل لدى الجهة المختصة، يمكن التواصل مع الطرف الآخر لإعادة تنظيمه بالتراضي والإشارة إلى أنه بدل عن العقد المفقود، أما عند رفض ذلك، فيبقى اللجوء إلى القضاء ورفع الدعوى المناسبة لإثبات التعاقد والحقوق الناشئة عنه من الخيارات القانونية المتاحة.
وتبقى سرعة التحرك بعد فقدان الوثيقة، والمحافظة على أي نسخة ورقية أو إلكترونية منها، وحفظ الإيصالات والتحويلات والمراسلات المرتبطة بالعلاقة، عوامل مهمة في دعم موقف صاحب الحق، فيما تحدد طبيعة النزاع والأدلة المتوفرة والإجراءات القانونية المطبقة مدى إمكانية إثبات الحق أمام القضاء.
١٠ سبتمبر ٢٠٢٦
يصادف العاشر من أيلول/سبتمبر اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، في مناسبة تسلط الضوء على أهمية رفع الوعي بمخاطر الانتحار، وتعزيز سبل الوقاية والتدخل المبكر، وتشجيع الأفراد والمجتمعات على التعامل بجدية مع الصحة النفسية، والحد من الوصمة الاجتماعية التي قد تحول دون طلب الأشخاص للمساعدة عند مرورهم بأزمات نفسية.
وتتداخل عوامل نفسية واجتماعية وحياتية متعددة في ظهور الأفكار الانتحارية، ولا يمكن ربطها بسبب واحد أو تعميمها على جميع الحالات، ما يجعل فهم الظروف المحيطة بالشخص وملاحظة التغيرات التي تطرأ على سلوكه وحالته النفسية خطوة أساسية لاكتشاف الخطر مبكراً، وتقديم الدعم المناسب قبل تفاقم الأزمة.
عوامل نفسية واجتماعية متداخلة
قالت آمنة الإسماعيل، المتخصصة في التربية الخاصة والصحة النفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التفكير الانتحاري قد ينتج عن تشابك مجموعة من العوامل، لافتة إلى أن الاضطرابات النفسية، وفي مقدمتها الاكتئاب الشديد واضطراب ثنائي القطب واضطراب ما بعد الصدمة واضطرابات القلق الحادة، تظهر ضمن العوامل المتكررة في العديد من الحالات.
وأوضحت أن الشعور باليأس وفقدان الأمل في تحسن الظروف قد يدفع الشخص إلى الاعتقاد بأن معاناته مستمرة ولا سبيل للخروج منها، وقد يترافق ذلك مع الإحساس بالعجز وانعدام القيمة والذنب المفرط، وهي مشاعر تستدعي الانتباه إليها وعدم التقليل من أهميتها.
وأضافت أن عوامل اجتماعية وحياتية قد تزيد بدورها من حدة الأزمة، من بينها العزلة وفقدان الدعم الأسري والاجتماعي، أو التعرض لصدمات كبيرة مثل وفاة شخص عزيز أو الطلاق أو الفشل الدراسي والمهني أو الأزمات المالية الحادة، ولا سيما عندما تترافق هذه الظروف مع قابلية نفسية مسبقة.
وأشارت إلى أن الوصمة المرتبطة بطلب الدعم النفسي قد تشكل عائقاً إضافياً، إذ تدفع بعض الأشخاص إلى إخفاء معاناتهم والامتناع عن الحديث عنها أو مراجعة المختصين، ما يزيد من أهمية توفير بيئة آمنة تسمح بالتعبير عن المشاعر وطلب المساعدة دون خوف من الأحكام الاجتماعية.
علامات تستوجب التعامل بجدية
لفتت الإسماعيل إلى أن العلامات التحذيرية لا تظهر بصورة واحدة لدى جميع الأشخاص، إلا أن بعض التغيرات قد تستدعي الانتباه، ومنها الانسحاب المفاجئ من الأسرة والأصدقاء، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، وإهمال المظهر والنظافة الشخصية، إلى جانب حدوث تغيرات واضحة في النوم أو الشهية.
وأضافت أن مؤشرات أخرى قد تظهر من خلال الحديث المتكرر عن الموت أو الانتحار بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو التعبير عن اليأس الشديد والشعور بأن الشخص يشكل عبئاً على الآخرين أو أن حياته فقدت معناها، وقد تترافق الأزمة أحياناً مع سلوكيات متهورة أو زيادة تعاطي المخدرات والكحول، أو تصرفات غير معتادة مثل توزيع الممتلكات أو إعداد وصية.
وأكدت الإسماعيل، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أن التعامل مع هذه المؤشرات يتطلب الإصغاء إلى الشخص بجدية ومن دون إصدار أحكام أو الاستهانة بمشاعره، موضحة أن سؤاله بصورة مباشرة عن وجود أفكار انتحارية لا يدفعه إلى تنفيذها، وإنما قد يفتح أمامه مساحة آمنة للحديث عن معاناته والشعور بأنه مسموع ومفهوم.
وشددت على ضرورة عدم ترك الشخص بمفرده عند وجود خطر وشيك، وإبعاد ما يمكن استخدامه لإيذاء النفس قدر الإمكان، وطلب المساعدة المهنية بصورة عاجلة، سواء عبر خدمات الصحة النفسية أو أقرب مستشفى أو طبيب مختص، مؤكدة أن حماية حياته تتقدم على الحفاظ على سرية ما يبوح به عندما تكون سلامته مهددة.
التدخل المبكر ودور الأسرة والمجتمع
أكدت الإسماعيل أن التدخل النفسي المبكر يمثل ركناً أساسياً في الوقاية، إذ قد يكون الشخص الذي يمر بأزمة انتحارية باحثاً عن وسيلة لإنهاء الألم النفسي الشديد الذي يعيشه، بينما يمكن للدعم والتدخل المهني في الوقت المناسب أن يساعداه على تجاوز ذروة الأزمة ورؤية بدائل لم يكن قادراً على إدراكها في تلك اللحظة.
وأوضحت أن مستوى الخطورة يصبح أعلى عند الإفصاح عن نية مباشرة للانتحار، أو وجود خطة محددة، أو اندفاع شديد يهدد الحياة، أو تاريخ من المحاولات السابقة، أو غياب الدعم الأسري والاجتماعي، وفي مثل هذه الحالات ينبغي التعامل مع الوضع بوصفه حالة طارئة تستدعي طلب المساعدة الفورية وعدم ترك الشخص بمفرده.
وأشارت إلى أن مسؤولية الوقاية لا تقع على الفرد وحده، بل تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدارس والمؤسسات الصحية ووسائل الإعلام والمجتمع، إذ تحتاج الأسرة إلى بناء علاقة قائمة على الاستماع والقبول بعيداً عن اللوم، وملاحظة التغيرات النفسية والسلوكية والتعامل معها بجدية، وترسيخ ثقافة طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.
ودعت الإسماعيل إلى تعزيز التوعية بالصحة النفسية في المدارس ووسائل الإعلام ومنصات التواصل، وتوسيع خدمات الدعم النفسي، وتدريب المعلمين والمرشدين والكوادر الصحية على اكتشاف العلامات التحذيرية والتعامل مع الأزمات، إلى جانب العمل على تخفيف الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية وطلب العلاج.
وأكدت أن الأفكار الانتحارية قد تكون تعبيراً عن معاناة نفسية عميقة تستوجب الفهم والدعم والتدخل المتخصص، مشددة على أن الإصغاء الصادق، وأخذ مؤشرات الخطر على محمل الجد، وعدم التردد في الاستعانة بالمختصين، خطوات يمكن أن تسهم في حماية شخص يمر بأزمة ومساعدته على تجاوزها.
وكانت أطلقت منظمة الصحة العالمية، بالتعاون مع الرابطة الدولية لمنع الانتحار، اليوم العالمي للوقاية من الانتحار عام 2003، ليُحيى في العاشر من أيلول/سبتمبر من كل عام، بهدف تعزيز الوعي بأن الانتحار قضية صحية عامة يمكن الحد من مخاطرها عبر الوقاية والتدخل المبكر وتوسيع خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 720 ألف شخص يموتون بسبب الانتحار سنوياً حول العالم، فيما تحدث النسبة الأكبر من هذه الوفيات في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وتؤكد المنظمة أن الوقاية تتطلب استجابة متعددة المستويات تشمل الأفراد والأسر والمجتمعات والأنظمة الصحية، إلى جانب الحد من الوصمة وتسهيل الوصول إلى الرعاية النفسية المتخصصة.
وتعتمد منظمة الصحة العالمية في استراتيجيتها للوقاية على مجموعة من التدخلات، من بينها الحد من الوصول إلى وسائل الانتحار، وتعزيز التغطية الإعلامية المسؤولة، وتنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية لدى المراهقين، والكشف المبكر عن الأشخاص المتأثرين بالسلوك الانتحاري وتقييمهم ومتابعتهم، بما يساعد على التدخل قبل وصول الأزمة إلى مراحل أكثر خطورة.
٩ سبتمبر ٢٠٢٦
تواجه الأسر السورية معادلة مالية تزداد صعوبة مع ارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية مقارنة بمستويات الدخل، إذ تستهلك نفقات الغذاء والسكن والطاقة والنقل والصحة والتعليم معظم الموارد المتاحة، ما يترك شريحة واسعة من العائلات من دون قدرة فعلية على الادخار أو تكوين احتياطي يمكن اللجوء إليه عند حدوث ظرف طارئ.
وتتجاوز المشكلة مسألة تراجع القدرة الشرائية، لتصل إلى ما يعرف بالهشاشة المالية، إذ قد تتمكن أسرة من تأمين متطلباتها الشهرية بصعوبة، لكنها تصبح أمام أزمة بمجرد ظهور فاتورة علاج أو إصلاح منزل أو انقطاع مصدر دخل، ما يدفعها إلى الاستدانة أو تقليص احتياجات أساسية أخرى.
قال رضوان الدبس، خبير اقتصادي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن المشكلة لا ترتبط بارتفاع الأسعار وحده، بل باتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، موضحاً أن الأسرة محدودة الدخل أصبحت تستهلك معظم مواردها في الضروريات، وبالتالي تتراجع قدرتها على الادخار والاستعداد للنفقات غير المتوقعة.
الدخل ينتهي قبل الوصول إلى الادخار
أوضح الدبس أن تكلفة الحد الأدنى لمعيشة أسرة من خمسة أفراد في دمشق تصل، وفق أحدث البيانات التي استند إليها، إلى نحو 500 دولار شهرياً من دون بدل السكن، وترتفع إلى مستويات أكبر عند إضافة الإيجار، في وقت تعادل فيه هذه النفقات عدة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور.
وبيّن أن الادخار يمثل عملياً الجزء المتبقي من الدخل بعد تغطية الغذاء والسكن والطاقة والنقل والصحة والتعليم، وبالتالي عندما تستحوذ هذه البنود على معظم دخل الأسرة، يصبح الادخار أول ما يجري الاستغناء عنه، ولا تعود المشكلة مرتبطة بغياب الرفاهية، وإنما بفقدان هامش الأمان المالي.
وفرّق الدبس بين الفقر والهشاشة المالية، موضحاً أن الأسرة الفقيرة لا تستطيع تأمين احتياجاتها الأساسية، بينما قد تتمكن الأسرة الهشة مالياً من تغطية هذه الاحتياجات، لكنها لا تمتلك الموارد اللازمة لمواجهة أي صدمة مفاجئة، ما يجعل استقرارها قابلاً للتراجع بسرعة.
وأشار إلى أن عدم القدرة على تكوين احتياطي مالي يمثل مؤشراً مهماً على ضعف الدخل الحقيقي والقدرة الشرائية، لكنه يرتبط أيضاً بحجم الأسرة وعدد المعالين واستقرار العمل وتكاليف السكن والطاقة والنقل والصحة، إضافة إلى الديون السابقة والتحويلات الخارجية وامتلاك المنزل أو وجود مصادر دخل إضافية.
ولفت إلى أن أسرتين تحصلان على الدخل نفسه قد تواجهان أوضاعاً مختلفة تماماً، إذ تكون الأسرة التي تمتلك منزلاً أو تتلقى تحويلات مالية أو لديها مصدر دخل إضافي أكثر قدرة على مواجهة الظروف، مقارنة بأسرة تدفع جزءاً كبيراً من مواردها للإيجار وتعيش على مصدر دخل واحد.
الطوارئ تبدأ بالدين وقد تنتهي بتقليص الضروريات
حذر الدبس من أن غياب الاحتياطي المالي يجعل المصروف المفاجئ بداية لمشكلة تمتد إلى الأشهر التالية، إذ تضطر الأسرة إلى الاقتراض لعلاج أحد أفرادها أو إصلاح المنزل أو تغطية حاجة ملحة، لتتحول قيمة الدين لاحقاً إلى التزام يقتطع جزءاً من دخلها الشهري.
وأوضح أن هذه الآلية قد تقود إلى ما يعرف اقتصادياً بـ"دورة المديونية"، إذ تبدأ بنفقة طارئة يعقبها الاقتراض، ثم يضاف سداد الدين إلى المصروفات الشهرية، فيتراجع الدخل المتاح للاحتياجات الأساسية، وقد تضطر الأسرة إلى الاستدانة مجدداً لتغطية العجز.
وقدم مثالاً لأسرة يبلغ دخلها 500 دولار شهرياً، بينما تحتاج إلى 480 دولاراً لتغطية نفقاتها المعتادة، ما يترك لها هامشاً لا يتجاوز 20 دولاراً، فإذا واجهت فاتورة علاج بقيمة 150 دولاراً فإن الاقتراض يصبح أحد الخيارات القليلة المتاحة أمامها.
وأضاف أن الأسرة ستدخل الشهر التالي وهي مطالبة بتغطية نفقاتها الأساسية وتسديد الدين في الوقت نفسه، ما قد يدفعها إلى تخفيض جودة الغذاء، أو تأجيل العلاج، أو تقليص الإنفاق على التعليم وصيانة المنزل، أو بيع بعض ممتلكاتها، وفي حالات أخرى العودة إلى الاقتراض مرة جديدة.
وأشار الدبس إلى وجود مؤشرات سابقة أظهرت اعتماد أسر سورية في بعض المناطق على الاقتراض أو شراء الغذاء بالدين لتغطية احتياجاتها، معتبراً أن تكرار هذه الوسائل يعكس ضعف قدرة الأسر على التعامل مع الأزمات من مواردها الخاصة.
غياب هامش الأمان يزيد هشاشة الأسر
أكد الدبس أن وجود احتياطي مالي للطوارئ يمثل في الظروف الطبيعية وسيلة لحماية الأسرة من الصدمات، لكنه يكتسب أهمية أكبر في سوريا نتيجة تداخل مخاطر تغير الأسعار وتكاليف الصحة والطاقة والنقل مع تقلب الدخل وفقدان فرص العمل.
وأوضح أن مطالبة الأسر محدودة الدخل بالادخار لا تكون واقعية عندما لا يغطي دخلها احتياجاتها الأساسية أصلاً، مشيراً إلى أن المشكلة الأعمق لم تعد فقط عدم القدرة على توفير المال، وإنما فقدان القدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية ولو كانت محدودة.
وشدد على أن الأسرة التي لا تمتلك مبلغاً احتياطياً لمواجهة المرض أو إصلاح المنزل أو توقف مصدر دخل تصبح أكثر عرضة للدخول في المديونية، فيما يؤدي سداد الديون لاحقاً إلى الضغط على إنفاقها الأساسي، لتتشكل دائرة من الفقر والهشاشة المالية يصعب الخروج منها.
وختم الدبس بالتأكيد أن قياس تحسن الوضع الاقتصادي لا ينبغي أن يقتصر على مؤشرات مثل التضخم أو سعر الصرف، بل يجب أن يشمل قدرة المواطن على تغطية احتياجاته الأساسية، ووجود جزء متبقٍ من دخله يسمح له بالادخار والاستعداد للطوارئ، باعتبار ذلك مؤشراً مباشراً على مستوى الاستقرار المالي للأسر.