مجتمع
١٥ مارس ٢٠٢٦
روائح العيد في البيوت السورية.. كعك العيد طقس متوارث عبر الأجيال

مع اقتراب نهاية شهر رمضان، تنشغل آلاف السيدات السوريات بالتحضيرات لاستقبال عيد الفطر، وفي مقدمتها إعداد كعك العيد بنوعيه الحلو والمالح، الذي يعد من أبرز مظاهر الاحتفاء بهذه المناسبة، وخلال هذه الأيام، تفوح في كثير من المنازل روائح الكعك والحلويات، في مشهد يعكس أجواء العيد وطقوسه المتوارثة عبر الأجيال.

وفي الصدد، قالت نهيدة البيوش، أم وجدة تقيم في إحدى قرى ريف إدلب الجنوبي في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الكعك أول شيء يسأل عنه الأطفال والبالغين مع اقتراب العيد، وتردف أن الكمية التي تُعدّ كل عام تختلف بحسب عدد أفراد العائلة والضيوف الذين يزورون المنزل خلال أيام العيد، إلى جانب الأقارب الذين ترسل لهم كميات محدودة بعد الانتهاء من إعداده.

ولفتت إلى أنها تحضر ما يقارب عشرين كيلوغراماً من الكعك في كل عيد، بمساعدة نساء الحي، وتضيف أن عجينة الكعك تعتمد على مكونات أساسية، أبرزها الطحين والخميرة والزيت النباتي والسمنة، إضافة إلى الحبة السوداء والسمسم والحلبة واليانسون والشمرا.

وأوضحت أن الكعك الحلو يضاف إليه السكر وأحياناً الحليب بحسب الرغبة وتوافر المكونات، في حين يُحضّر الكعك المالح دون سكر ويضاف إليه العصفر لإضفاء اللون، منوهة إلى أن بدء العمل بالتكعيك يبدأ بعد الانتهاء من وجبة الفطور أو السحور.

وبعد تجهيز العجينة، تتجمع عادة نساء الحي أو الحارة، وأحياناً نساء المبنى الواحد، للعمل معاً على تحضير الكعك، حيث تتوزع المهام بينهن؛ فتتولى بعضهن تقطيع العجينة، فيما تقوم أخريات بتشكيل الكعك بأحجام مختلفة، صغيرة ومتوسطة وكبيرة، قبل ترتيبها في الصواني تمهيداً لشويها في الفرن ومراقبتها حتى تنضج.

ويجري العمل في أجواء مليئة بالمرح والضحك وتبادل الأحاديث والذكريات، ما يجعل ساعات التحضير تمر سريعاً، حتى إن كثيراً من السيدات لا يشعرن بالتعب والوقت رغم الجهد المبذول. 

لكن هذه الطقوس لا تكون حاضرة في جميع المنازل، إذ تضطر بعض العائلات إلى تقليص كميات الكعك أو الاستغناء عن تحضيره بالكامل، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يدفع بعض الأسر إلى شراء كميات محدودة جاهزة من الأسواق بدل إعدادها في المنزل.

وفي حالات أخرى، قد تتراجع هذه الطقوس بسبب ظروف اجتماعية أو عائلية، مثل وجود خلافات داخل الأسرة أو وقوع حالات وفاة في العائلة أو الحي، إذ يُنظر إلى إعداد الكعك في الثقافة المحلية بوصفه أحد مظاهر الفرح، لذلك تتجنب بعض العائلات القيام به في أجواء الحزن.

ورغم ذلك، لا يقتصر كعك العيد على كونه تقليداً احتفالياً فحسب، إذ يشكل أيضاً مصدر دخل موسمي لعدد من السيدات، إذ يقمن بإعداده بكميات كبيرة وبيعه مقابل أجور مالية، استجابة لطلبات نساء أخريات لا يستطعن تحضيره داخل منازلهن.

وغالباً ما تعود أسباب عدم قدرة بعض النساء على تجهيز الكعك في المنزل إلى انشغالهن بمهام أخرى، خاصة الموظفات، أو النساء الحوامل اللواتي لا يستطعن بذل الجهد المطلوب، إضافة إلى المرضعات اللواتي يعتنين بأطفال صغار، وكذلك من لا تتوافر لهن مساعدة من الجارات أو الصديقات.

وفي هذه الحالات، تلجأ بعض النساء إلى شراء الكعك الجاهز من الأسواق، أو طلب تحضيره من الأمهات أو الحموات بعد إرسال المقادير والمكونات اللازمة، كما تلجأ أخريات إلى سيدات يعملن في إعداد الكعك مقابل مبلغ مالي محدد.

ورغم ما مرّ به المجتمع السوري خلال السنوات الماضية من نزوح وتشتت وفقدان للأحبة وخسارة للممتلكات والموارد، ما تزال النساء حريصات على الحفاظ على طقس إعداد الكعك كأحد مظاهر الاحتفال بقدوم العيد، وعلى الرغم من أن الكميات قد تقلصت أحياناً أو غابت في بعض الأعوام، فإنه بقي حاضراً في كثير من البيوت السورية كأحد التقاليد المتوارثة.

ويعكس حرص النساء على إعداد الكعك، رغم ما يتطلبه من جهد ووقت، رغبتهن في إدخال أجواء العيد إلى المنزل ونشر الفرح بين أفراد الأسرة، إلى جانب تقديم ماهو مميز للضيوف الذين يزورون المنازل خلال أيام العيد.

كما تجد كثير من السيدات في هذه المناسبة فرصة للقاء والتعاون فيما بينهن، إذ يتحول إعداد الكعك إلى نشاط جماعي يعزز الروابط الاجتماعية والعائلية، خاصة أن تحضيره يتم بشكل مشترك داخل الأسرة أو بين الجارات.

ولعل هذا ما يفسر استمرار هذه العادة حتى اليوم، إذ ورثتها النساء عن أمهاتهن وجداتهن، ويسعين بدورهن إلى نقلها إلى الأجيال القادمة، باعتبار أن إعداد الحلويات المنزلية قبل العيد يمثل جزءاً من التراث العائلي والذاكرة الثقافية المرتبطة بالمناسبات الدينية والاجتماعية.

اقرأ المزيد
١٥ مارس ٢٠٢٦
كسوة العيد بين فرحة الأطفال وضغوط المعيشة.. ارتفاع أسعار الملابس في سوريا

مع اقتراب عيد الفطر، تتحول أسواق الألبسة في المدن السورية إلى وجهة رئيسية للعائلات التي تسعى لتأمين كسوة العيد لأطفالها، في تقليد اجتماعي راسخ يرتبط بفرحة العيد ومظاهره.

إلا أن هذه العادة التي طالما شكّلت مصدر بهجة للأطفال، باتت بالنسبة لكثير من الأسر تحدياً اقتصادياً متزايداً في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما يدفع الأهالي للبحث عن خيارات أقل تكلفة أو الاكتفاء بالحد الأدنى من المشتريات.

وخلال جولة ميدانية في عدد من الأسواق، رصدت شبكة شام الإخبارية حركة تسوق ملحوظة مع اقتراب العيد، حيث تتجول العائلات بين واجهات المحال لمقارنة الأسعار والبحث عن قطع ملابس تتناسب مع ميزانياتها المحدودة.

ورغم الازدحام النسبي في بعض الأسواق، إلا أن كثيراً من المتسوقين يؤكدون أن زياراتهم في هذه المرحلة غالباً ما تكون استطلاعية بهدف معرفة الأسعار قبل اتخاذ قرار الشراء.

وتشير الأسعار المعروضة في الأسواق إلى تفاوت كبير بين الألبسة ذات العلامات التجارية المعروفة وتلك المتوفرة في الأسواق الشعبية أو محال البالة

فقد تجاوز سعر الطقم الرجالي الكامل في بعض المحال حاجز 10 آلاف ليرة سورية جديدة، بينما يصل سعر بنطال الجينز الرجالي إلى نحو 35 دولاراً، في حين يبلغ سعر الجاكيت قرابة 50 دولاراً، ويصل سعر الحذاء إلى نحو 30 دولاراً، ما يجعل تكلفة شراء لباس كامل مرتفعة بالنسبة لعدد كبير من العائلات.

أما ألبسة الأطفال، التي تشهد عادة الإقبال الأكبر مع اقتراب العيد، فقد أصبحت أيضاً من السلع المكلفة نسبياً بالنسبة لكثير من الأسر وتشير الأسعار في بعض المحال إلى أن تكلفة بدلة عيد كاملة لطفل واحد قد تصل إلى نحو 100 دولار في حال كانت من ماركات معروفة، حيث يبلغ سعر البنطال نحو 13 دولاراً، والحذاء قرابة 16 دولاراً، فيما يصل سعر الجاكيت إلى نحو 30 دولاراً.

وفي المقابل، توفر الأسواق الشعبية خيارات أقل تكلفة نسبياً، إذ يمكن شراء بدلة عيد للأطفال بنحو 7000 ليرة سورية جديدة تقريباً، بينما يلجأ عدد كبير من الأهالي إلى محال “البالة” التي تبيع الألبسة بالكيلو، حيث قد تكلف ملابس الطفل نحو 3000 ليرة سورية جديدة، إضافة إلى حذاء بسعر يقارب 2000 ليرة ويعد هذا الخيار بالنسبة لكثير من العائلات وسيلة لتخفيف الأعباء المالية مع الحفاظ على تقليد شراء ملابس جديدة للأطفال في العيد.

وخلال استطلاع أجرته شبكة شام الإخبارية في عدد من الأسواق، عبّر متسوقون عن استيائهم من ارتفاع الأسعار مقارنة بمستويات الدخل وقال أحد المتسوقين، وهو موظف يعمل شرطياً في المرور ولديه ستة أطفال، إن تكلفة كسوة العيد لأبنائه هذا العام تجاوزت 150 دولاراً، موضحاً أن شراء الملابس لجميع أطفاله أصبح يشكل عبئاً مالياً كبيراً على ميزانية الأسرة، خاصة في ظل تعدد المصاريف المعيشية الأخرى.

وأضاف المتسوق أنه قام بالشراء من الأسواق الشعبية وذكر أن العائلات باتت تضطر إلى توزيع مشترياتها بين أكثر من سوق بحثاً عن الأسعار الأقل، أو الاكتفاء بشراء الحد الأدنى من الملابس لكل طفل، لافتاً إلى أن كثيراً من الأهالي يحرصون رغم ذلك على عدم حرمان أطفالهم من فرحة العيد ولو بقطعة ملابس جديدة.

وفي سياق متصل، تشير تقارير اقتصادية إلى أن أسعار الألبسة في الأسواق السورية تتحدد وفق مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها تكاليف الإنتاج المحلي وأسعار المواد الأولية وأجور العمال، إضافة إلى تكاليف الطاقة والنقل والشحن بالنسبة للبضائع المستوردة كما تلعب الرسوم الجمركية دوراً إضافياً في رفع التكلفة النهائية للمنتج.

وفي هذا الإطار، قال رئيس غرفة تجارة ريف دمشق عبد الرحيم زيادة، إن السوق السورية تعتمد إلى حد كبير على آلية العرض والطلب في تحديد أسعار الألبسة، موضحاً أنه لا توجد جهة رسمية تفرض تسعيرة محددة لهذه المنتجات خلال مواسم الأعياد.

وأشار إلى أن التجار وأصحاب المحال يعتمدون في تحديد الأسعار على عوامل متعددة، من بينها تكلفة الاستيراد وسعر صرف الدولار والرسوم الجمركية والضرائب، إضافة إلى ارتفاع الطلب الموسمي خلال فترة الأعياد.

وأضاف زيادة أن العديد من التقارير الواردة من الأسواق تشير إلى تمسك بعض التجار بمستويات أسعار مرتفعة، بل ورفعها أحياناً مع اقتراب العيد، حتى في حال انخفاض بعض التكاليف، موضحاً أن ارتفاع الطلب على ملابس الأطفال قبل العيد يعد من العوامل التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع في كثير من الأحيان.

من جهتها، أوضحت نائبة رئيس غرفة تجارة دمشق ليلى السمان، أن التكلفة تشكل العامل الأساسي في تحديد سعر المنتج بالنسبة للتاجر، حيث تضاف إليها هوامش الربح لتشكّل السعر النهائي للمستهلك. وأشارت إلى أن مواسم الأعياد تشهد عادة زيادة في الطلب على الألبسة، خاصة ملابس الأطفال، وهو ما يدفع بعض التجار إلى رفع الأسعار لتحقيق أرباح أكبر خلال فترة محدودة من العام.

أما عضو مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق وريفها ورئيس القطاع النسيجي في الغرفة نور الدين سمحا، فأكد أن تحديد أسعار الألبسة يعتمد على عدة عوامل رئيسية، أبرزها تكلفة الإنتاج التي تشمل أسعار المواد الخام وأجور العمال وتكاليف الطاقة، إضافة إلى مصاريف التشغيل المختلفة في المصانع.

وفي السياق ذاته، اعتبر خازن غرفة صناعة دمشق وريفها ونائب رئيس القطاع النسيجي في الغرفة أدهم الطباع أن مبدأ العرض والطلب يشكل المحرك الأساسي لتسعير الألبسة في السوق المحلية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية هي التكلفة الإنتاجية وهامش الربح والقدرة الشرائية للمستهلك المستهدف.

ويرى مختصون اقتصاديون أن المشكلة الأساسية في سوق الألبسة حالياً تكمن في اختلال العلاقة بين الدخل والأسعار وفي هذا السياق، قال الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق زكوان قريط إن الأسعار الحالية للألبسة تتحدد بشكل أساسي نتيجة ارتفاع التكاليف وهوامش الربح غير المنضبطة، مع تجاهل واضح لمستوى دخل المواطن.

وأوضح أن تكلفة الإنتاج المرتفعة، بما في ذلك أسعار المواد الأولية المستوردة وتكاليف الطاقة والشحن والنقل، تسهم بشكل كبير في رفع الأسعار، بينما يبقى دخل المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.

وأشار قريط إلى أن سعر طقم ملابس لطفل واحد قد يتجاوز أحياناً نصف راتب الموظف الحكومي، ما يجعل شراء الملابس الجديدة، خاصة خلال مواسم الأعياد، أمراً صعباً بالنسبة لكثير من الأسر.

من جانبه، رأى أمين سر غرفة صناعة حمص السابق عصام تيزيني أن تحقيق التوازن في سوق الألبسة يتطلب توافق ثلاثة عوامل أساسية هي التكلفة والربح والدخل، موضحاً أن أي اختلال في هذه المعادلة يؤدي إلى ضعف القدرة الشرائية وتراجع حركة السوق.

ورغم هذه التحديات الاقتصادية، تبقى كسوة العيد تقليداً اجتماعياً مهماً بالنسبة للعائلات السورية، حيث يحرص كثير من الأهالي على شراء ملابس جديدة لأطفالهم ولو بحدود ضيقة، بهدف إدخال الفرح إلى قلوبهم والحفاظ على طقوس العيد التي ارتبطت بذاكرة المجتمع لسنوات طويلة.

ومع استمرار حركة التسوق في الأسواق خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، يبقى السؤال المطروح بين كثير من العائلات تطرح تساؤلات حول كيف يمكن تحقيق التوازن بين متطلبات العيد والقدرة المادية المحدودة، في ظل واقع اقتصادي يفرض تحديات إضافية على الحياة اليومية.

اقرأ المزيد
١٥ مارس ٢٠٢٦
تعرض الأطفال للعنف في سوريا: بين الموروثات الاجتماعية الخاطئة والتداعيات الجسدية والنفسية

تعتمد كثير من العائلات السورية أسلوب العنف اللفظي والجسدي في تربية أبنائها، اعتقاداً بأن ذلك يسهم في تعليمهم الصواب وتجنب الخطأ، ويساعد في بناء الشخصية التي يتطلعون إليها لأطفالهم، غير أن هذه الأساليب غالباً ما تترك تداعيات خطيرة على المدى القريب والبعيد، تؤثر في حياة الأطفال وتحرمهم من الشعور بالأمان والاستقرار داخل أسرهم.

وتعود دوافع الآباء والأمهات للجوء إلى التعنيف إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها اعتبار الضرب والتوبيخ سلوكاً اعتيادياً ومقبولاً في المجتمع، كما أن نشأة الوالدين في بيئات مارست العنف في التربية تسهم في إعادة إنتاج هذه الممارسات، إلى جانب ضعف الوعي لدى بعض الأهالي بالأضرار الجسدية والنفسية التي قد تلحق بالأبناء نتيجة التعنيف.

كما تلعب طبيعة العلاقة بين الزوجين دوراً مهماً في هذا السياق، لا سيما في حال وجود خلافات مستمرة أو غياب للتفاهم والحوار، ما قد يدفع بعضهما إلى تفريغ الغضب والتوتر في الأبناء، ويضاف إلى ذلك الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه بعض العائلات، وغيرها من الظروف التي قد تسهم في تعرض الطفل للعنف داخل أسرته.

وفي حالات أخرى، تأخذ هذه الأساليب طابعاً انتقامياً، خاصة عندما يكون الوالدان منفصلين، إذ قد يعمد أحدهما إلى تعنيف الطفل وتوثيق ذلك بالصور أو مقاطع الفيديو بهدف الضغط على الطرف الآخر ومعاقبته نفسياً، وقد تكررت مثل هذه الحالات مؤخراً، مع انتشار مقاطع مصورة من هذا النوع عبر منصات التواصل الاجتماعي.

تقول روعة المحمود، وهي مقيمة في أحد مخيمات قاح بريف إدلب الشمالي، إنها كثيراً ما تشاهد جارتها تعنف طفلاتها بشكل قاسٍ، مشيرة إلى حادثة قامت فيها الأم بسحب ابنتها في الشارع من شعرها بسبب حصولها على علامة متدنية في إحدى المواد الدراسية، وتردف أنها حاولت الحديث معها بشأن ذلك، إلا أن الأم طلبت منها عدم التدخل في شؤون عائلتها.

وتوضح المحمود، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن والدة تلك الجارة كانت تتبع الأسلوب ذاته في تربية بناتها، إذ ترى أن الأطفال لا ينبغي تدليلهم لأن الدلال يفسد شخصياتهم حسب رأيها، وتؤكد أنها حاولت مراراً التحدث مع كل من الأم والجدة، لكن محاولاتها لم تلقَ استجابة.

من جانب آخر، تشير منار العبد الله، وهي معلمة في إحدى المدارس السورية، إلى أنها تلاحظ في كثير من الأحيان وجود طلاب يخشون أبسط مشكلة قد تصل أخبارها إلى عائلاتهم، ويبدون حالة من القلق المفرط، خاصة عندما يُطلب استدعاء ولي الأمر من قبل المعلمة أو إدارة المدرسة، وتلفت إلى أن هذه الممارسات تنعكس سلباً على شعور الأطفال بالأمان، وتحرمهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي.

وتؤكد في حديث لشبكة شام أن الأمر لا يقتصر على الجانب النفسي فحسب، بل يمتد ليؤثر في تحصيلهم الدراسي، إذ إن الدراسة تحتاج إلى قدر من التركيز والاستقرار، في حين أن خوف الطفل المستمر من التعرض للضرب يجعله يعيش حالة من التوتر والتشتت.

في المقابل، يرفض كثير من الأشخاص الصمت إزاء هذه الممارسات، إذ يسعون عند ملاحظتها إلى توثيقها بالصور أو مقاطع الفيديو والتبليغ عنها في محاولة لإنقاذ الأطفال، وعندما تنتشر في منصات التواصل الاجتماعي مقاطع تظهر تعرض أطفال للعنف، يحرص الناشطون على التفاعل معها ويطالبون بمحاسبة المعتدين ووضع حد لهذه الممارسات.

وقد حدث ذلك في إحدى الحالات التي انتشر فيها مقطع مصور لطفل يتعرض للضرب المبرح على يد عمه في حماة، وأثار الفيديو موجة واسعة من التفاعل بين الناشطين الذين طالبوا بمحاسبة المعتدي، قبل أن تعلن الجهات الأمنية اعتقاله، في حين نُقل الطفل إلى المشفى لتلقي العلاج.

ويؤدي التعنيف إلى تداعيات خطيرة قد تلحق بالأطفال على المستويات الجسدية والنفسية والتعليمية، كما قد تتأثر علاقتهم بعائلاتهم لتتحول من مصدر للأمان إلى مصدر للخوف، ما يؤدي إلى فقدان الثقة داخل الأسرة.

يقول فادي النايف، عامل دعم نفسي بالمشفى الجراحي التخصصي في إدلب، إن تكرار انتشار مقاطع تعنيف الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي يعكس وجود خلل عميق في منظومة القيم الأسرية والاجتماعية، وضعفاً في الوعي بأساليب التربية السليمة، إضافة إلى غياب الردع القانوني أو ضعف تطبيقه على أرض الواقع.

ويضيف النايف أن هذه المقاطع تكشف عن تطبيع خطير مع العنف داخل المجتمع، وتحويل معاناة الطفل إلى أداة للانتقام أو الاستعراض أو ما يُسمّى خطأً بـ“التأديب”، مشيراً إلى أن استمرار هذه الظاهرة يشكّل تهديداً حقيقياً للسلام الاجتماعي على المدى البعيد، وقد يساهم في نشوء جيل يعاني من اضطرابات نفسية وسلوكية، ويكون أكثر ميلاً إلى العنف أو الانعزال أو حتى الانخراط في سلوكيات منحرفة مستقبلاً.

ويتابع في تصريح لـ شام، أن العنف يُضعف ثقة الطفل بنفسه وبأسرته والمجتمع من حوله، ويُرسّخ دائرة مغلقة ينتقل فيها السلوك العنيف من جيل إلى آخر، منوهاً إلى أن هذه الممارسات تخلّف تداعيات خطيرة على مختلف المستويات النفسية والجسدية والصحية والتعليمية.

فعلى الصعيد النفسي، يتسبب العنف في شعور الأطفال بالخوف الدائم والقلق والاكتئاب، إضافة إلى ضعف الثقة بالنفس واضطرابات النوم، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى ظهور ميول عدوانية أو أفكار انتحارية، أما من الناحية الجسدية، فقد يؤدي العنف إلى الإصابة بكدمات وكسور وتشوهات مختلفة، فضلاً عن آثار صحية مزمنة تنتج عن الضغط النفسي المستمر الذي يتعرض له الطفل.

فيما يخص الجانب التعليمي، يكون الطفل المعنَّف معرضاً لضعف التركيز وتراجع التحصيل الدراسي، وقد تنشأ لديه مشاعر النفور من المدرسة مع ارتفاع احتمالية التسرب المبكر، نتيجة عيشه في بيئة غير آمنة تحرم نموّه السليم وتؤثر على قدراته التعليمية والاجتماعية.

ويقترح النايف مجموعة من الحلول للحد من ظاهرة تعنيف الأطفال، تبدأ بتفعيل القوانين وتطبيقها بحزم لحماية الطفل دون تهاون، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بأساليب التربية الإيجابية عبر الإعلام والمدارس ودور العبادة ومنظمات المجتمع المدني. 

كما تشمل الحلول توفير خطوط دعم وإبلاغ سرية لحماية الأطفال المعنَّفين، وتأهيل الأهل نفسياً وتربوياً، لا سيما في البيئات المتضررة من الفقر أو النزاعات، عبر ورش عمل وندوات وحوارات.

ويُوجّه فادي النايف رسالة للآباء والأمهات قائلاً إن أطفالهم ليسوا ممتلكات أو أدوات لتفريغ الغضب أو وسيلة للانتقام من الخلافات، وإنما أمانة في أعناقهم، ويؤكد في ختام حديثه أن ما يزرعونه اليوم في نفوس الأبناء سيترجم غداً "سلوكاً ومواقف".

اقرأ المزيد
١٣ مارس ٢٠٢٦
مقتل فتاة رغم التعهد بحمايتها… قضية تل الضمان تشعل النقاش حول "جرائم الشرف" بسوريا

أثارت قصة الفتاة التي قتلت على يد شقيقها في منطقة تل الضمان بريف حلب الجنوبي، حالة من الجدل، وأعادت فتح النقاش حول ظاهرة جرائم الشرف في المجتمع السوري وتأثيرها المدمر على النساء، وعن ماهية القوانين الناظمة التي يمكن الاستناد إليها لمتابعة هذه القضايا.


بدأت أحداث القضية عندما غادرت الفتاة منزلها برفقة شاب من قرية العطشانة المجاورة بنية الزواج، ما أدى إلى تصاعد التوتر بين العشائر، واحتجاز ثلاثه شبان من عشيرة الشاب احتجاجاً على الواقعة، قبل أن تتدخل وساطة وجهاء لحماية الفتاة والتوصل إلى اتفاق مع والدها.

ورغم تعهد والدها خلال اجتماع عُقد في إحدى المضافات، بحضور مستشار رئيس الجمهورية لشؤون العشائر والقبائل جهاد عيسى الشيخ، ووجهاء من قبيلة البكارة بعدم المساس بالفتاة، أقدم شقيقها على قتلها بعد عودتها إلى المنزل، ما أثار حالة من الصدمة والتعاطف الواسع مع مصيرها.

وتعرف جرائم الشرف بأنها أفعال عنف ترتكب بحق أفراد، غالباً النساء والفتيات، بزعم حماية شرف الأسرة أو القبيلة، وتشمل القتل أو الإيذاء الجسدي أو النفسي، وتبرر هذه الأفعال استناداً إلى أعراف اجتماعية أو تقاليد قبلية، مما يجعل الضحايا أكثر عرضة للخطر ويبرز تأثير الضغوط الجماعية على استمرار هذه الانتهاكات.

وتتعدد أسباب استمرار وقوع جرائم الشرف في المجتمع السوري، أبرزها الأعراف والتقاليد القبلية والاجتماعية، والضغط العائلي، إلى جانب الجهل ونقص الوعي بالقوانين وحقوق الإنسان، فضلاً عن وجود ثغرات في تطبيق القانون تتيح للجناة التهرب من العقوبة.

تقول آلاء محمد، صحفية وناشطة مدافعة عن حقوق النساء، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن العادات والتقاليد والمفاهيم الاجتماعية الخاطئة تلعب دوراً في استمرار هذه الظاهرة، فالكثير من ما يُسمى بجرائم الشرف تُرتكب تحت ضغط اجتماعي أو خوف من “العار” أكثر من كونها نتيجة حادثة فعلية.

وتضيف أن في بعض البيئات ما زالت هناك مفاهيم تعتبر أن استعادة “السمعة” لا تتم إلا بالعنف، وأن قتل المرأة قد يكون مبرراً اجتماعياً، مشيرة إلى أن هذه المفاهيم تُعزز أحياناً بخطابات دينية أو إعلامية تقليدية، وتُعاد إنتاجها داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، مما يجعل تغييرها عملية بطيئة لكنها ضرورية. 

يقول علي محكد اسكان، محامي وباحث في السياق القانوني والحقوقي، مستنداً إلى خبرته في مثل هذه القضايا، إنه من الجانب الاجتماعي، يرتبط موضوع ما يُسمى بجرائم الشرف بمفهوم الشرف في بعض المجتمعات الريفية والعشائرية، حيث يُربط تقليدياً بين الشرف والسلوك الجنسي أو العاطفي، مثل اعتبار الزواج خارج موافقة العائلة مسّاً بشرف العائلة، مما يستدعي استعادة الشرف وفق المفهوم الاجتماعي التقليدي السلبي.

ويضيف في تصريح لـ "شام" أن الضغط الاجتماعي والوصمة يشكلان عاملًا ضاغطاً لارتكاب هذه الجريمة، مع النظر إلى المرأة على أنها عار يجب “غسله” بالقتل، ويلفت إلى أن ضعف الرادع القانوني ومنح الأعذار المخففة قانونياً وقضائياً كان سبباً ودافعاً للقتل، وفي بعض الحالات كانت الجريمة تُرتكب من قبل البالغين، ثم يُلصق بها الأطفال للحصول على أقل العقوبات القانونية الممكنة.

وتؤدي جرائم الشرف إلى آثار مباشرة على النساء في المجتمع السوري، إذ تُعرض حياتهن للخطر، وتُقيّد حرياتهن الشخصية والاجتماعية، بما يشمل التعليم والعمل واتخاذ القرارات الخاصة بحياتهن، كما تؤثر على وضعهن النفسي والاجتماعي، حيث يعيشن في ظل ضغوط وخوف مستمر من المجتمع والعائلة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها النساء نتيجة استمرار هذه الأعراف والتقاليد القبلية.

ويؤكد المحامي علي، أنه وفق القانون السوري لا يوجد مصطلح قانوني مستقل باسم “جرائم الشرف”، ولا توجد جريمة مستقلة بهذه التسمية المحددة، بل تعتبر جريمة متكاملة الأركان ويتم التعامل معها على أنها جريمة قتل أو إيذاء، مع وجود بعض المواد التي تمنح عذراً مخففاً إذا ارتكبت الجريمة بدافع ما يُسمى بـ”الشرف”.

ويتابع أنه لا يوجد تعريف قانوني مباشر لجريمة الشرف في قانون العقوبات السوري، إذ تُعد جريمة قائمة بحد ذاتها، وتُصنّف عادة ضمن جرائم القتل العمد أو القصد أو الضرب المفضي للموت أو الإيذاء.

ويردف أن المادة /548/ من قانون العقوبات السوري كانت من أكثر المواد استخداماً في سياق ما يُسمى بجريمة الشرف تاريخياً، إذ كانت تمنح القاتل عذراً مخففاً، حيث كانت العقوبة أخف كثيراً مقارنة بجريمة القتل العمد أو القصد، لاحقاً، تم تعديل هذه المادة وأُلغيت الحماية التي كانت تمنح للقاتل، وأصبح التعامل مع الجريمة على أساس أنها جريمة قتل عادية.

ويشير إلى أنه من حيث العقوبات التي قد تترتب على الفاعل، ولا سيما بعد تعديل قانون العقوبات حيث تم التعامل معها على أنها جريمة قتل بحد ذاتها، فقد تكون العقوبات: القتل العمد: الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة، القتل القصد: الأشغال الشاقة لمدة 15–20 سنة، الضرب المفضي للموت: أشغال شاقة مؤقتة، لكن حتى بعد إلغاء النص الخاص بالأعذار المخففة أو المخلة يمكن للمحاكم تطبيق أعذار مخففة، مثل استغلال عنصر المفاجئة أو الظروف الشخصية للقاتل.

وفي سياق الحلول التي يمكن اتباعها للحد من هذه الظاهرة، تؤكد الصحفية ٱلاء محمد أن الموضوع يتطلب عملاً متكاملاً على عدة مستويات، أولاً، تعزيز القوانين التي تجرّم هذا النوع من العنف بشكل واضح، وضمان تطبيقها دون أي أعذار مخففة، ثانياً، نشر الوعي المجتمعي حول حقوق النساء وكرامتهن الإنسانية، عبر التعليم والإعلام وبرامج التوعية. 

ثالثاً، دعم منظمات المجتمع المدني التي تعمل على حماية النساء وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا، وأخيراً، فتح نقاش مجتمعي أوسع يراجع المفاهيم التقليدية المرتبطة بالشرف والسمعة، ويؤكد أن حماية الحياة الإنسانية يجب أن تكون القيمة الأعلى في المجتمع

ويشير إسكان إلى أن التوعية المجتمعية والقانونية تلعب دوراً رئيسياً في الحد من تفاقم ظاهرة جرائم الشرف، من خلال نشر الوعي ابتداءً من المدارس والجامعات ومنظمات المجتمع المدني وكافة المؤسسات، ومن خلال الإعلام المرئي ووسائل التواصل الاجتماعي، على أن تمتد هذه الأنشطة إلى كافة المناطق، خاصة الريفية والنائية والبعيدة عن مراكز المدن الرئيسية.

ويشدد على أهمية نشر التوعية القانونية من خلال مراكز الإرشاد القانوني والاجتماعي، والمراكز الاستشارية للناجين من العنف والمعرضين له، والعمل من خلال كافة المؤسسات للوصول إلى أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع، وينوه في ختام حديثه إلى إمكانية إنشاء مراكز توجيهية لتقديم النصح والإرشاد للنساء والأسر، وتقديم نصائح قانونية وإرشادات حقوقية، وآليات الإبلاغ وطلبات الحماية للناجيات من العنف الجنسي أو التحرش أو الاستغلال الجنسي.

اقرأ المزيد
١٣ مارس ٢٠٢٦
دعوات التسامح في رمضان: طي صفحات الخلاف وتعزيز الروابط في المجتمع السوري

تتجدد في شهر رمضان الكريم دعوات التسامح وطيّ صفحات الخلاف بين الناس، إذ يُنظر إليه كفرصة لتعزيز القيم الإيجابية وتشجيع التقرب إلى الله وكثرة العبادات، ويسعى كثيرون في أجوائه الروحية إلى إنهاء الخصومات والنزاعات وفتح صفحة جديدة مع الٱخرين تقوم على الصفح والمودة.

وتتجلى مظاهر التسامح خلال الشهر الفضيل بصور متعددة، منها مبادرة البعض بالاعتذار من الذين أخطأوا بحقهم بشكل مباشر، إما بزيارة منزلية أو اتصال هاتفي أو رسالة عبر أحد التطبيقات، بينما يكتب آخرون منشورات على منصات التواصل الاجتماعي يطلبون فيها السماح والعفو بمناسبة شهر رمضان من كل شخص ارتكبوا بحقه خطأ ما، سواء بقصد أو دون قصد.

ببعض الأحيان يقف "الكبرياء" عائقاً أمام عودة الأمور إلى نصابها الطبيعي، إذ ينتظر كل طرف من الآخر المبادرة الأولى، ظناً منه أن الخطوة نحو الصلح نوع من الضعف وقد تقلل من مكانته، بينما الحقيقة عكس ذلك تماماً، وقد يكون الخوف من رفض الطرف الآخر للاعتذار سبباً إضافياً لتأجيل المصالحة.

في هذه الحالة يتدخل طرف ثالث لإعادة اللحمة بين الأشخاص الذين نشبت بينهم خلافات، وقد يكون هؤلاء الوسطاء من وجهاء المجتمع، أو الأقارب، أو الأصدقاء المشتركين، الذين يسعون لتقريب وجهات النظر وإصلاح ذات البين.

وفي الوقت ذاته تتداول صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة لرجال دين يتحدثون عن أهمية التسامح والصلح والعفو عند المقدرة، مؤكدين أن رمضان فرصة لمراجعة النفس وإصلاح العلاقات بين الأهالي، بهدف إيصال رسالة تشجع المشاهدين على التسامح والعفو وتقديم الاعتذار عند الخطأ.

تعتبر ثقافة التسامح وحل الخلافات من الركائز الأساسية للقيم الاجتماعية في المجتمع السوري، وتتجلى بشكل أوسع خلال شهر رمضان، إذ تنبع من مجموعة من العوامل، أبرزها التأثير الكبير للدين الذي يشجع على العفو والإصلاح بين الناس.

إضافة إلى ذلك، تلعب العادات الاجتماعية دوراً مهماً في تعزيز الروابط الأسرية وروابط الجيرة، كما يحرص كثيرون على إنهاء الخصومات حفاظاً على تماسك المجتمع ووحدته.

لا تقتصر الآثار الإيجابية لثقافة التسامح على حل الخلافات، بل تمتد إلى داخل الأسرة، حيث يشاهد الأبناء الكبار وهم يعتذرون عند الخطأ ويسامحون عند الطلب، فيتعلمون منذ الصغر أهمية الاعتذار والتسامح، لتصبح سمة من سلوكهم حين يكبرون.

ويؤكد أخصائيون نفسيون أن حل الخلافات والتسامح يمنح الأشخاص شعوراً بالراحة النفسية ويخفف التوتر الناتج عن الخصومات الطويلة، كما يقلل القلق المرتبط بالالتقاء بمن يختلف معهم في العمل أو الأماكن العامة، ويُسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية بين الأفراد والعائلات، ويحد من انتشار الكراهية والانقسامات داخل المجتمع.

تعكس دعوات التسامح رغبة السوريين في الحفاظ على المحبة والمودة بين أفراد المجتمع ووعيهم بتأثير الخلافات على الروابط الأسرية والجيرة، حيث يغتنمون أجواء شهر رمضان لتعزيز العفو والتسامح، مع الحرص على نقل هذه القيم الإيجابية للأجيال القادمة لتصبح جزءاً من سلوك المجتمع اليومي.

اقرأ المزيد
١٢ مارس ٢٠٢٦
أصحاب البسطات بين سندان قرارات الإزالة ومطرقة الفقر.. واقع مؤلم يتجاوز الصورة الحضارية

تُعدّ البسطات واحدة من أكثر المشاهد حضوراً في شوارع المدن السورية خلال السنوات الأخيرة، حيث تحولت الأرصفة والساحات العامة إلى مساحات عرض بسيطة لبضائع متنوعة، من الخضار والفواكه إلى الملابس والمواد الغذائية والأدوات المنزلية.

والبسطة، في أبسط تعريفاتها، هي وسيلة بيع غير نظامية تعتمد على عرض السلع فوق طاولة أو عربة صغيرة أو حتى على الأرض مباشرة، وغالباً ما تكون من دون ترخيص رسمي أو مكان ثابت.

بالنسبة لكثير من السوريين، لم تعد البسطة مجرد نشاط تجاري عابر، بل أصبحت وسيلة للبقاء الاقتصادي في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.

ومع تدهور القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر، لجأت آلاف الأسر إلى هذا النوع من العمل لتأمين دخل يومي بأقل الإمكانات الممكنة، ما جعل ظاهرة البسطات تتوسع في مختلف المحافظات.

وتكشف الأرقام الصادرة عن منظمات دولية حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها السوريون، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما يعيش نحو ربع السوريين في فقر مدقع وفق تقديرات البنك الدولي.

كما تشير بيانات دولية إلى أن الفقر طال نحو 69% من السكان عام 2022، أي ما يقارب 14.5 مليون شخص، في حين يعتمد ملايين السوريين على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

في ظل هذه الظروف، تحولت البسطات إلى أحد أبرز مظاهر التكيف الاقتصادي لدى شرائح واسعة من المجتمع، حيث يمكن البدء بها برأس مال بسيط ومن دون إجراءات معقدة، الأمر الذي يجعلها خياراً متاحاً لمن فقدوا وظائفهم أو لم يتمكنوا من دخول سوق العمل الرسمي.

بين التنظيم والإزالة

خلال الفترة الأخيرة، شهدت عدة مدن سورية حملات مكثفة لإزالة البسطات والإشغالات غير النظامية من الشوارع والأرصفة، في إطار محاولات تنظيم الأسواق وتحسين الحركة المرورية والمظهر العام للمدن.

في حلب، نفذت الضابطة المركزية في مجلس المدينة حملات ميدانية لإزالة البسطات المنتشرة في عدد من الشوارع والأحياء، استجابة لشكاوى المواطنين المتعلقة بصعوبة استخدام الأرصفة واختناق حركة المرور.

وأكد رئيس مجلس مدينة حلب محمد علي العزيز أن هذه الحملات تأتي ضمن خطة عمل مستمرة لتنظيم المدينة وتحسين الواقع الخدمي فيها، مع التشديد على أهمية تعاون أصحاب المحال والمواطنين لإنجاح هذه الإجراءات.

وفي السياق ذاته، التقى قائد الأمن الداخلي في حلب العقيد محمد عبد الغني عدداً من أصحاب البسطات في حي الفرقان، عقب تجمع عشرات منهم في المكان، حيث شدد على ضرورة الالتزام بالقرارات التنظيمية الصادرة لتنظيم حركة الأسواق.

وأشار إلى تخصيص مواقع بديلة للبسطات في عدة أحياء بما يضمن انسيابية البيع والشراء ويمنع إغلاق الطرقات أو حدوث ازدحامات مرورية.

وفي درعا، بدأ مجلس المدينة حملة لإزالة البسطات بعد توجيه إنذارات خطية متكررة لأصحابها من دون استجابة.

وأوضح معاون رئيس المجلس الدكتور جهاد أبو نبوت أن البلدية خصصت مواقع بديلة للباعة في شارع فرن الطير، مؤكداً أن الهدف ليس إلغاء البسطات وإنما نقلها إلى أماكن أكثر تنظيماً قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الباعة وتحقيق بيئة مناسبة للبائع والمستهلك.

أما في حمص، فقد أطلقت الجهات المعنية حملة مماثلة لإزالة إشغالات الطرق والأرصفة وتنظيم الأسواق الشعبية، مع تحديد مواقع وأيام محددة لعمل البسطات ضمن أسواق منظمة في عدة أحياء، بما يسهم في ضبط النشاط التجاري وتحسين المظهر الحضري للمدينة.

هذه الإجراءات تعكس محاولة السلطات المحلية تحقيق توازن بين متطلبات التنظيم العمراني وضرورات الواقع الاقتصادي، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات حول قدرة البدائل المطروحة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الباعة الذين يعتمدون على هذا النشاط كمصدر دخل أساسي.

صوت أصحاب البسطات

في المقابل، يؤكد عدد من أصحاب البسطات أن هذا العمل يمثل بالنسبة لهم الوسيلة الوحيدة المتاحة لتأمين لقمة العيش في ظل صعوبة الحصول على وظائف ثابتة أو امتلاك رأس مال يسمح باستئجار محل تجاري.

ويشير بعضهم إلى أن البسطة توفر دخلاً يومياً متواضعاً لكنه يضمن الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، كما تمنحهم مرونة في التنقل بين المناطق أو تغيير نوع البضائع المعروضة بحسب الطلب.

ويقول آخرون إن العمل على البسطة يرافقه العديد من الصعوبات، أبرزها عدم الاستقرار نتيجة الحملات المتكررة لإزالة الإشغالات، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالعمل في الشوارع المزدحمة وحركة المرور، فضلاً عن غياب أي حماية قانونية أو تنظيم واضح لهذا النوع من النشاط.

ويؤكد بعض الباعة أنهم يضطرون للاستمرار في هذا العمل رغم تلك التحديات، لعدم توفر بدائل اقتصادية أخرى تمكنهم من إعالة أسرهم.

وفي الجهة المقابلة، يعبر عدد من أصحاب المحال التجارية عن انزعاجهم من انتشار البسطات بالقرب من محلاتهم، معتبرين أن ذلك يخلق منافسة غير متكافئة ويؤثر في حركة الزبائن والمبيعات، فضلاً عن المشكلات الخدمية المرتبطة بالازدحام وإشغال الأرصفة.

ومع ذلك، يقر كثير منهم بحاجة الباعة إلى العمل لتأمين دخلهم، ما يعكس تعقيد هذه القضية وتشابك أبعادها الاقتصادية والاجتماعية.

البسطات في قلب الجدل السياسي والاجتماعي

لم يعد ملف البسطات مجرد قضية خدمية تتعلق بتنظيم الأسواق، بل تحوّل إلى موضوع نقاش سياسي واجتماعي أوسع يرتبط بالوضع الاقتصادي ومستوى المعيشة في البلاد.

فمن جهة، ترى بعض الجهات أن انتشار البسطات بشكل عشوائي يخلق مشكلات خدمية وبيئية مثل الازدحام المروري والتعدي على الأرصفة والأملاك العامة، إضافة إلى منافسة غير متكافئة مع المحال التجارية المرخصة.

لكن في المقابل، يرى ناشطون وباحثون اقتصاديون أن التعامل مع الظاهرة من زاوية تنظيمية بحتة قد يتجاهل البعد الاجتماعي والاقتصادي لها.

ويشير سياسيون وباحثون إلى أن البسطات تمثل بالنسبة لكثير من العائلات السورية مصدر الدخل الوحيد المتبقي، وأن إزالتها من دون توفير بدائل حقيقية قد يدفع الفئات الفقيرة إلى مزيد من الهشاشة الاقتصادية.

كما يطرح بعض الخبراء مقاربات بديلة تقوم على تنظيم الظاهرة بدلاً من إلغائها، عبر تخصيص أماكن قانونية للبسطات موزعة في الأحياء المختلفة وتنظيم عملها زمنياً في أوقات محددة.

ويقترح خبراء أيضاً تصميم أكشاك منخفضة الكلفة تحسن المشهد العام وتوفر بيئة عمل أفضل للباعة، إضافة إلى فرض معايير للنظافة وإدارة النفايات، إلى جانب تسجيل أصحاب البسطات ضمن قواعد بيانات رسمية تسمح بفهم أوضاعهم الاقتصادية وتطوير برامج دعم أو قروض صغيرة تساعدهم على تطوير أعمالهم.

معضلة اقتصادية تحتاج إلى حلول واقعية

في ظل الأزمة الاقتصادية الممتدة منذ سنوات، تبدو ظاهرة البسطات أكثر من مجرد مسألة تتعلق بتنظيم الأرصفة أو المظهر الحضري للمدن، إذ تعكس في جوهرها تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة فرضتها سنوات الحرب وتراجع فرص العمل النظامية.

فانتشار هذا النوع من الأنشطة يرتبط مباشرة بارتفاع معدلات الفقر وتراجع مصادر الدخل لدى شريحة واسعة من السوريين، ما دفع كثيرين إلى اللجوء إلى العمل غير المنظم كوسيلة لتأمين احتياجاتهم اليومية.

ومع اتساع هذه الظاهرة، تواجه إدارات المدن معادلة معقدة تتمثل في ضرورة الحفاظ على التنظيم العمراني وانسيابية الحركة المرورية، مقابل الحاجة إلى مراعاة الواقع الاقتصادي الذي يدفع آلاف الأسر للاعتماد على هذه الأعمال كمصدر رزق أساسي.

وبين هذين الاعتبارين، يبرز تحدٍ حقيقي يتمثل في إيجاد سياسات أكثر توازناً تقوم على تنظيم البسطات وإدماجها تدريجياً ضمن إطار اقتصادي وخدمي منظم، بما يحقق التوازن بين متطلبات المدينة واحتياجات السكان المعيشية.

اقرأ المزيد
١٢ مارس ٢٠٢٦
بين الصيام ومتطلبات المنزل… كيف نخفف العبء عن النساء في رمضان؟

تفرض متطلبات شهر رمضان الكريم على كثير من النساء أعباءً ومسؤوليات منزلية إضافية، تتجاوز أحياناً طاقتَهن، نتيجة التحضيرات اليومية للإفطار والسحور وتنظيم شؤون المنزل وأفراد العائلة، إلى جانب مشقة الصيام، ما قد يعرّضهن للتعب والإرهاق الجسدي.

في ظل هذه الضغوط، يبرز دور تقسيم وتوزيع المهام داخل الأسرة، بحيث يتولى كل فرد مهمة منزلية معينة تتناسب مع قدراته، ويعي أن تنفيذها واجب عليه، ما يخفف الضغط عن النساء ويعزز روح المشاركة والتعاون بين جميع أفراد العائلة خلال الشهر الفضيل.

وتزداد الحاجة لتطبيق هذه الاستراتيجية بشكل خاص إذا كانت الأم موظفة أو تعمل لساعات محدودة خلال النهار، إذ يتضاعف حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها، ما يعرضها للتعب الشديد، لا سيما في حال غياب الدعم والمساندة من الزوج وأفراد الأسرة.

تقول رندة الخليل، مدرسة لغة عربية في إحدى المدارس السورية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن ربة المنزل تلعب دوراً أساسياً في تعويد أفراد الأسرة على التعاون وتقاسم المهام داخل البيت، لافتة إلى أن الأم غالباً ما توزع الأعمال بما يتناسب مع قدرات كل فرد.

وتوضح أن بعض المهام البسيطة يمكن أن تُسند للأطفال، مثل نقل الأطباق والأكواب إلى المائدة الرمضانية مثلاً، ويمكن للأبناء الأكبر سناً الاهتمام بالأصغر منهم أو المساعدة في تنظيف الأطباق بعد الإفطار.

وتشير إلى أن مشاركة الزوج في بعض المسؤوليات، كالتسوق وشراء احتياجات المنزل أو رعاية الأطفال أثناء انشغال الأم، تسهم في تخفيف الأعباء اليومية وتعزز روح التعاون داخل الأسرة.

وفي سياق التوجيهات العملية، يقترح براء الجمعة، مختص في الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، في تصريح لـ شام، خطوات عملية لتقسيم المهام في رمضان، من خلال وضع خطة المودة عن طريق جلوس الزوجين معاً قبل بداية الأسبوع ووضع جدول بسيط يوزع المهام (تجهيز، ترتيب، مشتريات) بحيث يشارك الجميع حتى الأطفال.

ويشير إلى أهمية مبادرة الزوج بمهام بسيطة دون انتظار طلبها، مما يبعث برسالة دعم قوية للزوجة، إلى جانب ضرورة تقليل سقف التوقعات تجاه الموائد الكبيرة والتركيز على "اللمة الدافئة" والسكينة بدلاً من الترف الذي يرهق الطرف الذي يطبخ.

وينصح بمعالجة الخلافات حول توزيع الأدوار من خلال الحوار الهادئ والابتعاد عن اللوم المباشر واستخدام لغة المشاعر (مثال: "أنا أشعر بالتعب وأحتاج لمساعدتك" بدلاً من "أنت لا تفعل شيئاً")، بالإضافة إلى المرونة بتقبل أن الأمور قد لا تسير دائماً بدقة، وتقديم "السكينة الأسرية" على كمال الشكليات المنزلية.

ويؤكد أن الامتنان اللفظي بتقديم كلمة شكر بسيطة عند الإفطار كفيلة بترميم الكثير من الإرهاق وجعل الطرف الآخر يشعر بأن جهده ملموس ومقدر.

ويوضح الخبراء أن تقاسم المهام داخل الأسرة خلال شهر رمضان لا يخفف الضغط النفسي على الأم فحسب، بل يعزز مشاركة الأطفال والزوج في الأعمال المنزلية، ويرسخ لديهم روح المسؤولية والتعاون، كما يتيح للصغار فرصة تعلم مهارات حياتية مهمة منذ الصغر.

وفي الوقت ذاته، ينعكس تنظيم الأعمال وتقسيمها بشكل مدروس على السكينة والراحة داخل المنزل، ما يجعل أجواء رمضان أكثر هدوءاً وارتياحاً لجميع أفراد الأسرة، بعيداً عن التوتر الناتج عن تراكم المهام اليومية، ووفق مختصين، فإن تقسيم المهام داخل الأسرة خلال رمضان، يسهم في تنظيم الحياة اليومية ويجعل أجواء الشهر الفضيل أكثر هدوءاً وراحة لجميع أفراد العائلة.

اقرأ المزيد
١٢ مارس ٢٠٢٦
رمضان يجدد روح التكافل… مبادرات إنسانية لدعم الفقراء والأيتام في سوريا

يعتبر شهر رمضان المبارك من كل عام، فرصة ثمينة لإطلاق المبادرات الإنسانية الخيرية، والتي تستهدف غالباً الأسر ذات الدخل المحدود والفئات الأكثر ضعفاً، في ظل تدهور الظروف المعيشية للسوريين منذ قرابة 14 عاماً مضت، تهدف هذه المبادرات إلى تخفيف الضغوط عن الفقراء والأيتام والأرامل والمحتاجين.

وتتنوع المبادرات التي تنفذها في الغالب المنظمات المحلية، لتشمل توزيع السلال الغذائية التي تحتوي على مواد أساسية مثل الأرز والعدس والبرغل والزيوت والطحين والسكر والمعلبات، ما يساعد الأسر على تغطية احتياجاتها اليومية خلال أيام الصيام.

وتُعد المنظمات وجبات الإفطار الجاهزة لتوزيعها على الأسر أو تقديمها في مواقع الإفطار الجماعي، خصوصاً في المخيمات والأحياء الأكثر تضرراً، مع توزيع قسائم نقدية ومواد عينية وتنظيم إفطارات جماعية تستهدف مختلف فئات المجتمع.

غالباً ما تبدأ آلية تنفيذ المبادرات عادةً قبل بداية شهر رمضان، حيث تقوم فرق العمل في المنظمات بـ: تحديد الفئات المستفيدة، وإعداد قوائم بالأسر المحتاجة بناءً على معايير اجتماعية وميدانية (الوضع الاقتصادي، عدد أفراد الأسرة، وجود أيتام أو كبار السن).

ثم تُجهَّز المواد الغذائية والسلال أو المواد المراد توزيعها، بعدها تُوزَّع عبر فرق ميدانية في العديد من المناطق المستهدفة من قبل المبادرة أو المشروع، ويتم التعاون مع لجان محلية لضمان وصول المساعدات إلى المستحقين في الوقت المناسب وسير العمل كما ينبغي.

في هذا السياق، يؤكد غيث يوسف، المسؤول الميداني في منظمة رحمة حول العالم، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أهمية هذه الأنشطة الإنسانية خلال شهر رمضان، لما تخففه عن الأهالي من التزامات مالية وتحديات اقتصادية.

ويضيف أنه خلال هذه الفترة تم توزيع السلال على أكثر من عشرة آلاف عائلة لدعم المستفيدين في المخيمات والمناطق الأخرى، ونظموا إفطارات جماعية في عدة مناطق، منوّهاً إلى أن الهدف من هذا النشاط هو مساندة العائلات وتمكينها من الاعتماد على هذه المواد في إعداد وجبات الإفطار.

وأوضح يوسف أن الإفطارات الجماعية المخصصة للأيتام تعكس جانباً من الاهتمام بهم وإسعادهم، وتقدير تضحيات آبائهم، مع التأكيد لهم أنهم ليسوا وحدهم، ومشاركتهم أجواء شهر رمضان المعروف بأنه شهر الجمعات العائلية.

وتلعب المبادرات الرمضانية دوراً مهماً في تخفيف الضغوط المالية عن الأسر، إذ تساعد السلال الغذائية والقسائم النقدية في تغطية جزء من احتياجاتهم الأساسية، ما يخفف عنهم عبء شراء المواد الضرورية في ظل غلاء الأسعار، ويعزز شعورهم بالاستقرار النفسي.

في الوقت ذاته، تحظى الإفطارات الجماعية بأهمية خاصة خلال شهر رمضان، إذ تمنح الأطفال والأيتام فرصة للشعور بالاهتمام والفرح، وتخفف عنهم شعور الوحدة أو الحرمان، كما تتيح للمشاركين فرصة الإفطار في أجواء جماعية مميزة يملؤها الدفء والمشاركة.

وتواجه هذه المبادرات بعض العقبات خلال التنفيذ، مثل صعوبة الوصول إلى المستفيدين في المناطق النائية أو المتضررة بسبب تدهور البنية التحتية أو تضرر الطرق، إلى جانب الضغط على الموارد المتاحة نتيجة العدد الكبير للأسر والطلب المرتفع على المساعدات الغذائية والمادية، وغيرها من التحديات اللوجستية والتنظيمية.

وتعد المبادرات الرمضانية إحدى أبرز أشكال المساعدة والمساندة للأسر، سواء عبر السلال الغذائية، الإفطارات الجماعية، القسائم النقدية أو المواد العينية، بما يساهم في تغطية جزء من احتياجاتها خلال الشهر وتخفيف الأعباء المعيشية المرتبطة به.

اقرأ المزيد
١٢ مارس ٢٠٢٦
اليالنجي… كلمة تركية تعني 'كاذب' وأشهى المقبلات على المائدة السورية

يتميّز المطبخ السوري بتنوّع أطباق المقبلات التي تُقدَّم إلى جانب الطبق الرئيسي على المائدة، إذ تسهم في فتح الشهية وإضفاء قدر من التنوع على سفرة الطعام، إلى جانب تحقيق توازن غذائي مع الأطباق التي قد تكون غنية بالدهون والدسم.

وفي هذا السياق، يبرز اليالنجي كخيار لذيذ يفضله الكثيرون، حتى أن البعض يلقبه بـ"ملك المقبلات"، خاصة على السفرة الشامية، لما يتمتع به من نكهة مميزة وقيمة غذائية عالية في الوقت ذاته.

والـ"يالنجي" نوع من أنواع ورق العنب يُحضَّر خالياً من اللحم، وقد أخذ اسمه من الكلمة التركية "yalancı" التي تعني بالعربية "كاذب"، أي أنه يشبه في شكله اليبرق الأصلي المحتوي على اللحم، لكنه في الحقيقة يختلف عنه.

وبقدر ما يحظى اليالنجي بالمحبّة والرغبة، بقدر ما يحتاج إلى وقت وجهد في التحضير، إذ ينقع الأرز قبل إعداد الحشوة ويغسل جيداً، ويفضّل استخدام الأرز المصري قصير الحبة، مع تحديد كميته بحسب عدد الأشخاص الذين يُحضّر لهم.

ثم يُضاف إلى الأرز الخضار المفرومة من النعناع والبقدونس والبندورة والبصل، إلى جانب الملح وملح الليمون، السماق، النعناع اليابس، البهار الأسود والبهار المشكل، الثوم المهروس، دبس البندورة ودبس الفليفلة الحار والحلو، دبس الرمان، وزيت الزيتون، وتُخلط جميع المكونات جيداً حتى يتكون خليط متجانس.

تُفضل بعض السيدات تقليب البصل في زيت زيتون على نار هادئة قبل إضافة الأرز وبقية المكونات، وتقليبها جيداً حتى تكتمل الحشوة، في حين تعتمد أخريات الطريقة السابقة مباشرة.
 
بعد أن تصبح الحشوة جاهزة، تبدأ عملية لف ورق العنب، ثم تُقطع البطاطا إلى دوائر وتوضع في قاع القدر. بعد ذلك يُرص ورق العنب الملفوف بشكل متراص، ويُسكب نصف كوب من الزيت على سطحه، ثم يُوضع صحن كبير فوقه لمنع الورق من الطفو أثناء الغليان.

وفي وعاء منفصل تُحضَّر مكونات المرق، والتي تشمل ماء الحشوة، ملعقة قهوة عربية، دبس البندورة ودبس الرمان، والملح، مع إضافة قليل من الماء وتحريك المكونات حتى تذوب جيداً، ثم يُسكب المرق على قدر اليالنجي ويُطهى على نار هادئة، وبعد نضج اليالنجي، تُرص القطع بشكل مرتب في الطبق، ويُزيَّن بقطع الليمون وحبات الرمان.

ويلاحظ أن وصفة اليالنجي قد تختلف قليلاً بين الأشخاص والفيديوهات التعليمية، سواء في إضافة مكونات معينة أو الاستغناء عن أخرى، إذ يعتمد ذلك على الرغبة وطريقة الطبخ المتبعة وعادات كل سيدة أو منطقة.

 ويعد اليالنجي أحد أنواع المقبلات المفضلة في سوريا، ويحظى بحضور بارز على المائدة الشامية، ورغم الحاجة إلى وقت وجهد في التحضير، فإنه يتمتع بنكهة لذيذة وقيمة غذائية مميزة.

اقرأ المزيد
١٢ مارس ٢٠٢٦
رمضان الرقمي: كيف تحافظ العائلات السورية على طقوسها رغم الغربة؟

مع التباعد الجغرافي الناتج عن الشتات والغربة، وجدت العديد من العائلات السورية في العالم الرقمي مساحة للحفاظ على طقوس رمضان ومشاركة تفاصيل يومهم الرمضاني، فالهاتف والتطبيقات الرقمية أصبحت نافذة تعيد إليهم شعور العائلة واللمة، وتتيح لهم مشاركة الأجواء الرمضانية رغم المسافات البعيدة.

خلال سنوات الثورة، اضطرت آلاف العائلات السورية إلى الهجرة خارج البلاد هرباً من القصف والاعتقالات والحرب، فتفرّقت الأسر عن بعضها البعض، ورغم تحرير البلاد من سيطرة النظام البائد، لا يزال كثيرون يعيشون في المهجر نتيجة ظروف تمنعهم من العودة إلى موطنهم، ليصبح الهاتف وتطبيقات التواصل وسيلتهم الوحيدة للبقاء على اتصال بأحبائهم ومتابعة حياتهم اليومية عن بُعد.

أتاح العالم الرقمي للعديد من الأسر من بينها السورية الحفاظ على روابطها العائلية، ومكنها من الاطمئنان على أبنائها ومتابعة أخبارهم، والمشاركة في صنع قراراتهم، ورؤيتهم صوتاً وصورةً، كما ساعد الأطفال الذين ولدوا في المهجر على التعرف إلى أقاربهم الذين لم يلتقوا بهم من قبل، وتعليمهم أهمية الحفاظ على التواصل معهم.

وغالباً ما تقوم العائلات التي يعيش أفرادها بعيداً عن بعضهم بإنشاء مجموعة على تطبيق الواتس آب أو أي تطبيق ٱخر متاح، يحرصون من خلالها على مشاركة تفاصيل حياتهم، ومن بينها يومهم الرمضاني من السحور وحتى الإفطار، ويتبادلون الصور ومقاطع الفيديو.

في هذا السياق، تقول نهيدة جابر، نازحة مقيمة في إحدى مخيمات مشهد روحين بريف إدلب الشمالي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن لديها ابناً في ألمانيا وثلاثة آخرين في تركيا، وتحافظ على التواصل معهم يومياً، مستفسرة عن صيامهم وأوضاعهم، مشيرة إلى أنه لولا الهاتف لكانت قلقت عليهم ولم تصبر على بعدهم. 

وتضيف أنه عندما تتفرغ، تتحدث معهم لساعات في مكالمات جماعية، وأحياناً يطلبون خبرتها في إعداد بعض الأطباق البسيطة، لكنها تؤكد أن الحديث عبر الهاتف لا يعادل اللقاء المباشر والمشاركة الحقيقية.

يساهم التواصل الرقمي في الحفاظ على العلاقات الأسرية والاجتماعية ومشاركة المناسبات المختلفة رغم الظروف القاسية والمسافات، حتى أصبح جزءاً أساسياً من حياة الكثيرين، ومن بينهم السوريون الذين عانوا من الشتات والغربة خلال السنوات الأخيرة.

تقول آية الرجب، عاملة دعم نفسي في إحدى المنظمات الإنسانية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التواصل الرقمي يجعل الشخص المغترب يشعر بأنه ما يزال حاضراً في حياة عائلته، ويتيح له متابعة أخبارهم أولاً بأول، ما يخفف من حدة الشعور بالغربة، وفي الوقت ذاته يطمئن الآباء والأمهات على أبنائهم البعيدين. 

وتضيف أن العائلات تحاول تعويض الغياب عن طريق الاتصال الإلكتروني، وألّا تسمح للغربة أو البعد أو الظروف بأن تؤثر في علاقاتها العائلية أو في مشاركتها للمناسبات العائلية والاجتماعية، إذ ترى أن الحفاظ على بعض الطقوس والأنشطة اليومية، حتى عن بُعد، يمنح أفرادها شعوراً بالاستقرار والأمان النفسي.

وتبقى مشاركة الطقوس الرمضانية عبر الوسائل الرقمية شاهدة على تمسّك السوريين بعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية، وحرصهم على إبقاء اللمة والجمعة العائلية حاضرة، رغم ظروف الغربة والبعد، ليؤكدوا مدى اهتمامهم بتعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية.

اقرأ المزيد
١١ مارس ٢٠٢٦
توضيح يكشف ملابسات مقتل شابة سورية في ألمانيا بعد تداول روايات متضاربة

أصدر المحامي عادل خليان بياناً توضيحياً كشف فيه تفاصيل جديدة حول حادثة مقتل الشابة السورية الدكتورة روز أنس الحريري في ألمانيا، وذلك بعد انتشار معلومات متضاربة على صفحات التواصل الاجتماعي بشأن ملابسات الجريمة التي أثارت صدمة واسعة بين أبناء محافظة درعا.

وأوضح البيان أن روز الحريري تنحدر من بلدة إبطع في ريف درعا، وهي من مواليد عام 2001 وخريجة كلية الطب البشري في جامعة دمشق، وتحمل الجنسيتين السورية والأوكرانية، إذ إن والدها سوري ووالدتها أوكرانية.

وبحسب البيان، غادرت الحريري إلى ألمانيا مطلع عام 2025 بهدف متابعة تعليمها واختصاصها الطبي على نفقتها الشخصية، ودخلت البلاد باستخدام جواز سفرها الأوكراني، ما يعني أنها لم تكن بحاجة إلى إجراءات لمّ شمل أو تأشيرة شنغن كما أُشيع في بعض الروايات المتداولة.

وأشار التوضيح إلى أن الشاب المتهم بارتكاب الجريمة تعرّف عليها أثناء ترجمة أوراقها الرسمية، حيث كان يعمل في مكتب للترجمة، قبل أن يبدأ بملاحقتها وطلب الارتباط بها أكثر من مرة، إلا أنها رفضت ذلك بشكل واضح.

وأضاف البيان أن المتهم سبق أن هددها بالقتل نتيجة رفضها المتكرر، الأمر الذي دفعها إلى اللجوء للقضاء الألماني ورفع دعوى لمنعه من الاقتراب منها، ليصدر لاحقاً قرار من محكمة مدينة يينا يقضي بحظر اقترابه منها، مع إلزامه بدفع تكاليف المحكمة البالغة نحو 1500 يورو.

وبيّن القرار القضائي أيضاً أنه في حال خرق المتهم قرار الحظر أو عاود الاقتراب منها، فقد يواجه غرامة مالية قد تصل إلى 250 ألف يورو أو السجن لمدة تصل إلى ستة أشهر.

ووفق البيان، وقعت الجريمة عبر خنق الضحية، قبل أن يقوم الجاني بالاتصال بالإسعاف بنفسه عقب الحادثة، ثم سلّم نفسه للشرطة الألمانية.

وأكد البيان أن السلطات الأمنية الألمانية تواصل تحقيقاتها في الحادثة، بما في ذلك مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة وجمع الأدلة المرتبطة بالجريمة، في وقت أثارت فيه الواقعة حالة من الحزن والصدمة بين أبناء محافظة درعا.

اقرأ المزيد
١١ مارس ٢٠٢٦
ضغوط سنوات الحرب تترك آثاراً واسعة على الصحة النفسية للسوريين وتبرز الحاجة إلى الدعم النفسي

تركت سنوات الحرب وما رافقها من عنف ونزوح وخسائر إنسانية آثاراً نفسية عميقة لدى شريحة واسعة من السوريين، وسط تحذيرات متزايدة من اتساع الاضطرابات النفسية وارتفاع الحاجة إلى خدمات الدعم والعلاج النفسي، في وقت تؤكد فيه تقارير دولية أن النزاعات الممتدة تترك آثاراً طويلة الأمد على الصحة النفسية للسكان.

وفي هذا السياق أكد مدير إدارة الصحة النفسية في وزارة الصحة السورية وائل الراس، أن الضغوط المتراكمة التي عاشها السوريون خلال السنوات الماضية تركت تأثيرات واضحة على الصحة العامة، وخاصة من الناحية النفسية.

وأشار الراس إلى أن نشر ثقافة الطب النفسي بات ضرورة أساسية لتقليص ما يعرف بـ "الفجوة العلاجية"، وتحسين قدرة المجتمع على التعافي.

وبيّن الراس أن الخبرة السريرية والدراسات الميدانية تشير إلى انتشار عدد من الاضطرابات النفسية، في مقدمتها اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD)، والاكتئاب، واضطرابات القلق، إلى جانب مشكلات النوم وسوء استخدام المواد المهدئة.

وحذر الراس من بعض العادات اليومية التي تسهم في تفاقم هذه الاضطرابات، مثل العزلة الاجتماعية والسهر الطويل والإفراط في متابعة الأخبار السلبية وقلة النشاط البدني، إضافة إلى استخدام الأدوية المهدئة دون استشارة طبية، موضحاً أن هذه السلوكيات تضعف قدرة الفرد على التكيف النفسي وتزيد من حدة القلق والاكتئاب.

وأكد الراس أن الوقاية والتعافي يعتمدان بدرجة كبيرة على تبني نمط حياة صحي، يتضمن النوم المنتظم وممارسة النشاط البدني وتعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية، إضافة إلى طلب المساعدة الطبية المتخصصة في وقت مبكر عند ظهور الأعراض.

منظمة الصحة العالمية: واحد من كل خمسة سوريين يعاني اضطرابات نفسية

وتشير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن سورياً واحداً من كل خمسة سوريين يعاني من اضطرابات نفسية متوسطة أو خفيفة مثل الاكتئاب والقلق، نتيجة الضغوط المتراكمة المرتبطة بسنوات الحرب والنزوح والظروف المعيشية الصعبة.

كما تقدّر المنظمة أن واحداً من كل 30 سورياً يعاني من اضطرابات نفسية شديدة مثل الاكتئاب الحاد أو الذهان، وهي حالات تتطلب تدخلاً علاجياً متخصصاً.

وتؤكد المنظمة أيضاً أن ملايين السوريين يحتاجون إلى خدمات دعم نفسي واجتماعي ضمن الاستجابة الصحية للأزمة الإنسانية، في ظل التأثيرات الممتدة للحرب على الصحة النفسية للسكان.

دراسات بحثية توثق انتشار اضطراب ما بعد الصدمة

وأظهرت مراجعات علمية نشرت في دراسات دولية، منها أبحاث منشورة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (PubMed Central)، أن معدلات اضطراب ما بعد الصدمة بين السوريين تراوحت بين 16 و84 في المئة، في حين تراوحت معدلات الاكتئاب بين 11 و49 في المئة نتيجة التعرض المباشر للحرب والنزوح والضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

كما أظهرت دراسة واسعة حول الصحة النفسية خلال سنوات الحرب أن 44 في المئة من المشاركين يعانون اضطرابات نفسية شديدة، بينما ظهرت أعراض اضطراب ما بعد الصدمة بشكل كامل لدى نحو 36.9 في المئة منهم.

تقارير أممية: اللاجئون السوريون أكثر عرضة للقلق والاكتئاب

وفي السياق ذاته، تشير تقارير صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) إلى أن اللاجئين السوريين يعانون مستويات مرتفعة من القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، نتيجة التعرض للعنف وفقدان الاستقرار والضغوط المعيشية.

وتظهر دراسات تناولت اللاجئين السوريين أن نحو 34.7 في المئة يعانون من الاكتئاب، و36.1 في المئة من القلق، و19.6 في المئة من اضطراب ما بعد الصدمة.

آثار نفسية طويلة الأمد على الأطفال

كما تحذر تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) من أن الأطفال الذين نشؤوا في بيئات النزاع يواجهون آثاراً نفسية طويلة الأمد، تشمل القلق المزمن واضطرابات النوم وصعوبات التكيف الاجتماعي، إضافة إلى تأثيرات على التحصيل الدراسي والسلوك الاجتماعي.

الحاجة إلى توسيع خدمات الدعم النفسي

وتعكس هذه المؤشرات، وفق تقارير دولية، حجم التحديات التي تواجه قطاع الصحة النفسية في سوريا، في ظل الحاجة إلى توسيع خدمات الدعم النفسي وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية العلاج المبكر.

ويرى مختصون أن التعامل مع آثار الحرب النفسية يتطلب برامج طويلة الأمد تشمل الدعم النفسي المجتمعي، وتوسيع خدمات العلاج النفسي، وتدريب الكوادر المتخصصة، بما يسهم في مساعدة المجتمع على تجاوز آثار سنوات الصراع والوصول إلى مرحلة التعافي.

اقرأ المزيد
1 2 3 4 5

مقالات

عرض المزيد >
● مقالات رأي
١ فبراير ٢٠٢٦
إلى متى سيبقى حق المعلّم مؤجلاً؟
أحمد نور الرسلان