٢٠ مايو ٢٠٢٦
يلاحظ بعض الأهل أن أبناءهم قد يُظهرون سلوك الكذب في مواقف مختلفة، وقد يلفت ذلك انتباه الأقارب أو المحيطين في بعض الأحيان، ما يثير تساؤلات حول كيفية التعامل مع هذا السلوك بالشكل الصحيح، ويُعد هذا السلوك من التحديات التربوية التي قد يكون من الصعب معالجتها إذا لم تُفهم أسبابه منذ البداية، لما قد يترتب عليه من آثار وتداعيات تمتد إلى حياة الطفل ومستقبله.
وفي تفاصيل الحياة اليومية، قد يلجأ الطفل إلى الكذب في مواقف بسيطة، كأن ينفي قيامه بسلوك معين عند سؤاله من قبل الأهل، أو يغيّر في تفاصيل حدث حصل معه، أو يقدّم رواية مختلفة عمّا جرى، ويرتبط ذلك بعدة دوافع، منها لتجنب العقاب، أو محاولة جذب الانتباه وإثارة فضول الآخرين، وأحياناً للتهرب من المسؤولية أو تجنب المواقف المحرجة، ما يجعل هذا السلوك يظهر في سياقات متكررة.
أسباب الكذب لدى الطفل وتداعياته وسبل التعامل معه
وفي هذا السياق، قالت نجاح بالوش، المرشدة النفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن سلوك الكذب لدى الطفل يرتبط بعدة أسباب نفسية وتربوية، من أبرزها الخوف من العقاب، حيث يلجأ الطفل إلى الكذب عندما يتوقع أن الصدق سيؤدي إلى صراخ أو عقوبة قاسية، إضافة إلى تقليد الكبار عندما يرى الطفل أن أحد الوالدين أو المحيطين به يمارس الكذب في مواقف مختلفة، فيتعلم أن هذا السلوك طبيعي.
ولفتت إلى أن الخيال وضعف التمييز لدى الأطفال الصغار قد يؤدي إلى اختلاط الواقع بالخيال، ما يظهر على شكل كذب غير مقصود، إلى جانب سعي بعض الأطفال إلى جذب الانتباه أو تجنب الإحراج أو الفشل، خاصة في المواقف الدراسية، إضافة إلى ضعف الشعور بالأمان العاطفي الذي يدفع الطفل لاستخدام الكذب كوسيلة دفاع.
وأضافت أن عدم التعامل مع سلوك الكذب في مراحله المبكرة قد يؤدي إلى ترسيخه كسلوك دائم في حياة الطفل، بحيث يصبح وسيلة اعتيادية للتعامل مع المواقف المختلفة، كما ينعكس ذلك على ضعف الثقة بين الطفل وأسرته نتيجة تكرار فقدان المصداقية.
وأشارت في تصريح خاص لـ شام أيضاً إلى أن استمرار هذا السلوك قد يسبب صعوبات اجتماعية لاحقاً في بناء علاقات سليمة مع الأقران والمعلمين، إضافة إلى ضعف تحمل المسؤولية لدى الطفل، وقد يمتد أثره إلى ممارسات أكبر في مراحل لاحقة مثل الغش أو التلاعب.
وأوضحت بالوش أن التعامل مع هذا السلوك يتطلب أسلوباً تربوياً هادئاً يقوم على تجنب العقاب القاسي عند قول الحقيقة، وتعزيز الصدق من خلال المدح والتشجيع، مع ضرورة فهم الأسباب التي تدفع الطفل للكذب قبل رد الفعل، سواء كانت خوفاً أو إحراجاً أو رغبة في لفت الانتباه.
كما نوهت إلى أهمية وضع قواعد واضحة داخل الأسرة تعزز قيمة الصدق، وتقديم نموذج سلوكي صادق من قبل الأهل، مع تجنب إحراج الطفل أمام الآخرين واعتماد التصحيح الفردي الهادئ، إضافة إلى تعليم الطفل بدائل لغوية للسلوك الكاذب مثل الاعتراف بالخطأ، وتعزيز ثقته بنفسه لما لذلك من دور في تقليل حاجته للكذب.
ويشير اختصاصيون نفسيون إلى أن التعامل مع سلوك الكذب عند الطفل يرتبط بشكل أساسي بطريقة استجابة البيئة المحيطة، حيث إن ردود الفعل المبالغ فيها أو العقاب القاسي قد يدفع الطفل إلى الاستمرار في إخفاء الحقيقة بدلاً من التوقف عن السلوك
ويضيف الاختصاصيون أن بناء علاقة قائمة على الثقة والحوار داخل الأسرة يساهم في تقليل هذا السلوك، لأن الطفل حين يشعر بالأمان يكون أكثر استعداداً للاعتراف بالخطأ وتحمل نتائجه، كما لفتوا إلى أهمية التركيز على فهم الدافع وراء الكذب بدل الاكتفاء بمحاسبة الفعل، لأن معالجة السبب تعد أكثر فاعلية من التعامل مع النتيجة فقط.
ويؤكد تربويون أن التعامل مع سلوك الكذب لدى الطفل لا يقتصر على الجانب النفسي فقط، بل يرتبط أيضاً بأساليب التربية داخل الأسرة والمدرسة، حيث إن غياب الحوار الهادئ واعتماد أسلوب التهديد أو المقارنة قد يساهم في تعزيز هذا السلوك.
وينوهون أن البيئة التعليمية تلعب دوراً مهماً في ترسيخ قيم الصدق، من خلال تعزيز ثقافة الاعتراف بالخطأ دون خوف، وتوفير مساحة آمنة تسمح للطفل بالتعبير عن نفسه، مشيرين إلى أن التكامل بين الأسرة والمدرسة في وضع أساليب تربوية موحدة يسهم في الحد من هذا السلوك وتعزيز السلوك الإيجابي لدى الطفل.
يظل التعامل مع سلوك الكذب لدى الأطفال مرتبطاً بعدة عوامل تتداخل فيها الجوانب التربوية والنفسية والبيئية، إلى جانب أساليب الاستجابة داخل الأسرة والمدرسة للمواقف اليومية التي يمر بها الطفل، كما يرتبط هذا السلوك بمدى وضوح القيم والمعايير السلوكية التي يتعرض لها الطفل في محيطه، وطريقة تفاعله معها عبر مراحل النمو المختلفة، وما يرافق ذلك من تغيرات في سلوكه وانعكاساتها على المدى اللاحق.
١٩ مايو ٢٠٢٦
تُعدّ السرقة عند الأطفال من السلوكيات التي قد تظهر في بعض المراحل العمرية المبكرة، وتثير قلق الأهل والمربين لما قد تعكسه من دلالات تربوية ونفسية مختلفة، ويكتسب هذا السلوك أهمية خاصة في حال تكراره أو استمراره، إذ يستدعي الانتباه المبكر لفهم أسبابه والتعامل معه بالشكل التربوي المناسب.
تتعدد أسباب سلوك السرقة عند الأطفال، إذ قد يرتبط بعضها بعوامل انفعالية لحظية أو فضول يدفع الطفل لتجربة امتلاك أشياء لا تخصه دون إدراك كافٍ لحدود الملكية، كما يمكن أن يتأثر هذا السلوك أحياناً بظروف البيئة المحيطة، مثل التعرض لمواقف غير مستقرة أو غياب التوجيه المباشر في بعض المواقف اليومية، إضافة إلى تأثير المحيط الاجتماعي وما قد يرافقه من سلوكيات مكتسبة بشكل غير واعٍ.
قد يؤدي عدم معالجة سلوك السرقة لدى الأطفال في وقت مبكر إلى ترسّخ هذا السلوك وتحوله إلى نمط متكرر مع مرور الوقت، ما يجعل ضبطه أكثر صعوبة في المراحل اللاحقة، كما قد ينعكس ذلك على تكوين مفاهيم غير واضحة لدى الطفل حول الحدود والملكية، ويؤثر على سلوكه داخل الأسرة والمدرسة، بما قد يسبب مشكلات في علاقاته مع المحيط ويضعف قدرته على تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات بشكل صحيح.
السرقة لدى الأطفال: المفهوم والأسباب
قال فادي النايف، إجازة في كلية التربية – قسم معلم صف، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن سلوك السرقة لدى الأطفال يُعرّف بأنه استحواذ الطفل على أشياء لا يملكها دون إذن صاحبها، مشيراً إلى أن هذا السلوك لا يُعد مشكلة في جميع المراحل العمرية، إذ أوضح أن الطفل قبل سن 6–7 سنوات لا يكون مدركاً بشكل كامل لمفهوم الملكية الخاصة، وقد يظن أن الأشياء من حوله متاحة له.
وأضاف أن سلوك السرقة يصبح مشكلة فعلية عندما يتجاوز هذا العمر ويتكرر بشكل ملحوظ، خاصة إذا أصبح مصحوباً بالكذب أو التخطيط المسبق والإخفاء، لافتاً إلى أن تكرار الفعل في هذه المرحلة العمرية يشير إلى وجود أسباب أعمق تحتاج إلى متابعة.
ونوه إلى أن الأسباب النفسية والتربوية لهذا السلوك متعددة، من أبرزها الحرمان العاطفي، حيث قد يلجأ الطفل إلى السرقة لطلب الانتباه أو كتعويض رمزي عن نقص في الحب والاهتمام، إلى جانب الاندفاعية وضعف القدرة على ضبط النفس، ما يجعله غير قادر على مقاومة الرغبة الفورية في امتلاك الشيء.
كما أشار إلى دور التقليد وإثبات الذات، خصوصاً لدى المراهقين، إضافة إلى الشعور بالظلم أو الانتقام الناتج عن قسوة أو ضغط يتعرض له الطفل من الأهل أو الأقران.
وبيّن أن البيئة المحيطة تلعب دوراً مهماً في تكوين هذا السلوك، حيث إن أساليب التربية داخل المنزل، سواء من خلال الحرمان الشديد أو التدليل المفرط أو ضعف وضع الحدود، قد تساهم في ظهوره، إلى جانب الضغط النفسي داخل المدرسة الناتج عن المقارنات أو غياب التوجيه القيمي، وكذلك تأثير الأصدقاء وما يُعرف بـ“ضغط الأقران” الذي قد يدفع الطفل لتجربة السلوك بهدف الاندماج أو إثبات الذات.
وأشار إلى أن التعامل مع هذا السلوك عند اكتشافه يتطلب الهدوء والحوار الهادئ لفهم الدوافع الحقيقية، مع ضرورة إلزام الطفل بإعادة الشيء المسروق والاعتذار، والتفريق بين السلوك الخاطئ وشخصية الطفل، محذراً في الوقت نفسه من الوصم أو استخدام العنف أو التشهير، لما لذلك من أثر سلبي على الثقة بالنفس وزيادة العناد.
وأوضح أن العلاج الفعّال يبدأ من معالجة السبب الجذري للسلوك، سواء كان عاطفياً أو مادياً، مع أهمية تعزيز الأمان النفسي وفتح قنوات حوار داخل الأسرة، إلى جانب استخدام أسلوب التعويض وتحمل المسؤولية بشكل تدريجي، مثل إعادة ما تم أخذه أو تعويضه من المصروف الخاص.
وأضاف أن الوقاية تبدأ منذ السنوات الأولى عبر تعليم الطفل مفهوم الملكية بشكل مبسط، وتدريبه على الاستئذان داخل المنزل، وتوفير مصروف ثابت يساعده على فهم قيمة الأشياء وإدارة رغباته، إضافة إلى أهمية القدوة الحسنة في سلوك الأهل اليومي، لما لها من تأثير مباشر في ترسيخ قيم الأمانة والاحترام لدى الطفل.
ويؤكد أخصائيون نفسيون إن سلوك السرقة لدى الأطفال يرتبط في كثير من الحالات بعوامل نفسية وتربوية، مثل الحرمان العاطفي أو ضعف القدرة على ضبط النفس، إلى جانب حاجات غير مُشبعة تدفع الطفل أحياناً إلى هذا السلوك دون إدراك كامل لنتائجه، مشيرين إلى أهمية فهم الدوافع قبل الحكم على الفعل.
ويشيرون إلى أن طريقة تعامل الأهل مع هذا السلوك تُعد عاملاً أساسياً في معالجته، حيث إن أساليب العقاب القاسية أو الوصم قد تؤدي إلى تفاقم المشكلة، في حين يساعد الحوار الهادئ والاحتواء النفسي على تعديل السلوك وتعزيز شعور الطفل بالأمان وتحمل المسؤولية.
يبقى سلوك السرقة لدى الأطفال من السلوكيات التي قد تظهر في بعض المراحل العمرية، وتختلف في أسبابها وملابساتها من حالة إلى أخرى، وقد يمتد أثرها إلى تداعيات سلبية عدة في حال عدم التعامل معها بالشكل المناسب، وفق ما يرتبط بظروف كل طفل وبيئته المحيطة.
١٩ مايو ٢٠٢٦
تشهد أسواق المواشي في مختلف المحافظات السورية ارتفاع بأسعار الأضاحي مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للأهالي بشكل كبير، ما جعل شراء الأضحية خارج حسابات شريحة واسعة من السوريين هذا العام.
في محافظة الحسكة ومنطقة الجزيرة السورية، سجّلت الأسواق قفزة واضحة بأسعار الأضاحي مقارنة بالعام الماضي، إذ تراوحت أسعار الخراف بين 4 و6 ملايين ليرة سورية، بينما وصلت أسعار الكباش الحرجية "المجنسة" إلى نحو 20 مليون ليرة بسبب الطلب الكبير عليها داخل وخارج سوريا.
كما تراوحت أسعار الأبقار بين 27 و34 مليون ليرة سورية، في حين تراوحت أسعار الماعز بين 3 و5 ملايين ليرة، وسط حركة بيع وشراء وُصفت بأنها أضعف من المتوقع رغم اقتراب العيد.
وفي محافظة الرقة، تراوح سعر الأضحية بين 250 و500 دولار أمريكي بحسب الوزن والنوع، وسط مطالبات من مربي المواشي بفتح باب التصدير إلى دول الخليج بهدف تنشيط الأسواق وتأمين سيولة مالية للمربين.
وفي سوق نجها للمواشي بريف دمشق، ارتفع سعر كيلو الخروف الحي خلال فترة قصيرة، وسط تأكيدات من التجار بأن الأسعار تواصل صعودها أسبوعاً بعد آخر مع اقتراب موسم العيد وزيادة الطلب.
وصف باعة ومربو مواشٍ حالة الأسواق بأنها غير مستقرة مع اختلاف العرض والطلب مقارنة بالمواسم السابقة، مؤكدين أن عدداً كبيراً من المربين يفضلون الاحتفاظ بقطعانهم حالياً بهدف التسمين وانتظار أسعار أعلى خلال الأيام الأخيرة التي تسبق العيد.
وأوضح تجار في أسواق دمشق وريفها أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط بعامل واحد فقط، بل جاء نتيجة تراكم عدة أسباب، أبرزها ارتفاع تكاليف الأعلاف، وتراجع المعروض، وزيادة الطلب الموسمي، إضافة إلى توجه بعض التجار لتجهيز الأغنام للتصدير أو البيع بأسعار أعلى خارج الأسواق المحلية.
بالتوازي مع ذلك، ارتفعت أسعار الأعلاف بشكل كبير، حيث بلغ سعر طن الشعير نحو 280 دولاراً، والقمح 295 دولاراً، بينما وصل سعر العدس المستخدم كعلف إلى 490 دولاراً، إضافة إلى ارتفاع سعر كيلو التبن الأبيض إلى ما بين 3500 و3700 ليرة سورية، ما انعكس مباشرة على تكاليف التربية والإنتاج.
وأكد مربو مواشٍ في الجزيرة السورية أن الموسم المطري الجيد هذا العام غيّر معادلة السوق بالكامل مقارنة بالموسم الماضي، إذ ساهمت وفرة الأعشاب والمراعي الطبيعية في تخفيف الاعتماد على الأعلاف التجارية، ومنحت المربين قدرة أكبر على الاحتفاظ بالقطعان وعدم بيعها بأسعار منخفضة.
خلال الموسم الماضي، أجبرت موجات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف كثيراً من المربين على بيع مواشيهم بأسعار متدنية خوفاً من الخسائر، حيث كانت أسعار الأغنام تتراوح حينها بين مليون ومليوني ليرة سورية فقط، بينما تراوحت أسعار الأبقار بين 4 و5 ملايين ليرة.
في حين تغير المشهد هذا العام بصورة معاكسة، إذ ارتفعت الأسعار بشكل كبير نتيجة تحسن أوضاع المربين، مقابل تراجع واضح في قدرة الأهالي على الشراء، الأمر الذي خلق حالة ركود نسبي داخل الأسواق رغم توفر أعداد كبيرة من المواشي في بعض المناطق.
وقال مواطنون في أسواق الحسكة والرقة وريف دمشق إنهم يزورون الأسواق للاستفسار عن الأسعار فقط دون القدرة على الشراء، مشيرين إلى أن الأضحية أصبحت عبئاً مالياً كبيراً بالنسبة لمعظم العائلات في ظل تدني الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأوضح عدد من الأهالي أن كثيراً من الأسر بدأت تتجه هذا العام نحو الاشتراك الجماعي في الأضاحي أو التخلي عنها بالكامل، خصوصاً مع تزامن موسم العيد مع أعباء أخرى تشمل الملابس ومصاريف الأطفال والمواد الغذائية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن سوق المواشي في سوريا يعيش هذا العام مفارقة اقتصادية، فبينما تحسنت أوضاع المربين نسبياً نتيجة وفرة المراعي الطبيعية وتراجع الاعتماد على الأعلاف، يواجه المستهلكون واحدة من أصعب مواسم الأضاحي بسبب انهيار القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية.
فيما نشطت المبادرات والجمعيات الخيرية التي بدأت حملات لحجز الأضاحي والتبرع بها للمحتاجين، حيث بلغ سعر الخروف ضمن بعض المبادرات نحو 450 دولاراً، والعجل 3400 دولار، والجمل 3000 دولار، مع تقديم خدمات توثيق وتوزيع للمضحين داخل وخارج سوريا.
ويعكس المشهد الحالي حجم التحولات الاقتصادية والمعيشية التي تعيشها البلاد، إذ باتت شعيرة الأضحية بالنسبة لكثير من السوريين مرتبطة بالقدرة على تجاوز الأعباء المعيشية اليومية أكثر من ارتباطها بالموسم الديني والاجتماعي المعتاد
وكانت أعلنت مديرية الشؤون الصحية بدمشق عن بدء استقبال طلبات القصابين وأصحاب محلات بيع اللحوم الراغبين بالحصول على رخصة مؤقتة لممارسة ذبح الأضاحي خلال فترة عيد الأضحى المبارك، وذلك ضمن إجراءات تنظيمية وصحية تهدف إلى ضبط عمليات الذبح والحفاظ على النظافة العامة.
١٩ مايو ٢٠٢٦
نظّمت مديرية الثقافة في إدلب محاضرة بعنوان "مختلفون لكننا متميزون"، بهدف دمج الأهالي الذين لديهم مصابون بمتلازمة داون وصعوبات التعلم والإعاقات الذهنية والتوحد والضمور الدماغي وضعف الإدراك، بما يسهم في تعزيز حضورهم ضمن مجتمعهم وتمكينهم من التفاعل والتعامل مع الآخرين.
قال عمار الأمير، رئيس دائرة الفعاليات في مديرية الثقافة في محافظة إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الهدف الأساسي من تنظيم محاضرة “مختلفون لكننا متميزون” يتمثل في دمج الأهالي الذين لديهم مصابون بمتلازمة داون وصعوبات التعلم والإعاقات الذهنية والضمور الدماغي وضعف الإدراك، إلى جانب نشر الوعي حول مفهوم التربية الخاصة.
وأضاف أن التركيز على فئة الأطفال والأشخاص الذين يعانون من متلازمة داون والتوحد وصعوبات التعلم والإعاقات الذهنية يأتي بسبب قلة الأخصائيين وازدياد عدد الأطفال من أصحاب الإعاقة في المجتمع، مشيراً إلى أن هذا التركيز يهدف أيضاً إلى تعزيز تقبل المجتمع لهم وتخفيف الضغوط على أسرهم، ومساعدتهم على الخروج من العزلة، إضافة إلى تقليل أعراض هذه الحالات.
وأشار الأمير إلى أن الرسالة التي تسعى المحاضرة لإيصالها تتمثل في أن نشر الوعي بين الناس يساهم في خلق بيئة يمكن من خلالها اكتشاف الأطفال، إلى جانب توفير بيئة تدريبية تساعد في تصحيح أساليب تربيتهم.
وأوضح أن البيئة الدامجة تشكل دافعاً للمضي قدماً بالنسبة لهذه الفئات، لافتاً إلى أن دور المؤسسات الثقافية يتمثل في إتاحة الفرص للمحاضرين والأخصائيين، بما يسهم في زيادة الوعي وتحسين عمليات الإحصاء.
ونوه إلى أن مفهوم “التميز” الذي حملته المحاضرة يقوم على أن الله خلق إمكانيات تميز لدى هذه الفئات، لكن بشرط تسليط الضوء عليها، مؤكداً أن المحاضرة تمثل رسالة للمجتمع لمواجهة هذه القضايا بدلاً من الانكفاء والانزواء أو تجاهلها.
ويذكر أن مثل هذه المحاضرات تكتسب أهمية خاصة في تعزيز الوعي المجتمعي بقضايا الإعاقة والتربية الخاصة، لما لها من دور في تصحيح المفاهيم المرتبطة بهذه الفئات، ودعم الأسر في التعامل مع التحديات اليومية التي قد تواجهها، كما تسهم في تعزيز ثقافة الدمج داخل المجتمع، بما يتيح بيئة أكثر تقبلاً وتفهماً لاحتياجات الأطفال وأسرهم، ويساعد على تحسين أساليب التواصل والتعامل معهم، بما ينعكس إيجاباً على الجوانب النفسية والاجتماعية لهذه الفئات.
١٨ مايو ٢٠٢٦
لطالما شكّلت نصائح الأجداد في المجتمع السوري مصدراً للحكمة والخبرة، إذ كان كثير من الأشخاص يلجؤون إلى كبار السن عند اتخاذ قرارات أو الإقدام على خطوات مهمة، انطلاقاً من مكانتهم كمرجع للتجربة والمعرفة، ولا تزال هذه العادة حاضرة إلى حدّ ما في بعض السياقات الاجتماعية.
غير أن التغيرات المتسارعة التي شهدها المجتمع، إلى جانب انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وما أتاحته من تجارب وأفكار متنوعة، أسهمت في إعادة تشكيل أنماط التفكير وتباين وجهات النظر بين الأجيال.
يرتبط اعتماد كثير من الأشخاص في سوريا على نصائح الأجداد بما يمتلكونه من خبرات حياتية تراكمت عبر سنوات طويلة، إذ عايشوا مواقف وتجارب متعددة، واطلعوا على قصص أكثر تنوعاً، ما جعل نصائحهم تنطلق من تجربة عملية ومعرفة مكتسبة من الواقع.
وإلى جانب ذلك، تسهم المكانة الاجتماعية التي يحظى بها كبار السن في المجتمع، وما يرتبط بها من احترام وتقدير، في تعزيز الثقة بآرائهم وإضفاء قيمة إضافية على توجيهاتهم.
في المقابل، شهدت السنوات الأخيرة تحولات لافتة في أنماط التفكير وأساليب اتخاذ القرار، بفعل التغيرات المتسارعة في الحياة اليومية، وفي مقدمتها انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت الاطلاع على تجارب متنوعة ووجهات نظر مختلفة بشكل أوسع من السابق.
كما أسهمت هذه البيئة الجديدة في تعزيز فكرة التجربة الفردية والاعتماد على الذات في اختبار الخيارات قبل تبنيها، ما جعل الكثير من القرارات تُبنى اليوم على التجربة الشخصية والمقارنة بين أكثر من نموذج، بدلاً من الاكتفاء بنصيحة واحدة أو مرجع واحد.
برزت لدى جيل الشباب ميول أكبر نحو الاستقلالية وخوض تجارب جديدة وتحمل المسؤولية بشكل مباشر، مع السعي إلى رسم مسارات مختلفة عن تلك التي اتبعها الآباء والأجداد.
هذا التوجه نحو التجربة الفردية وتشكيل الخيارات الخاصة، أوجد في بعض الحالات تبايناً في وجهات النظر داخل الأسرة، حيث يرى بعض الآباء والأجداد أن خبراتهم وتجاربهم تمنحهم الأحقية في توجيه الأبناء نحو ما يعتبرونه الأنسب والأكثر أماناً، في حين يفضل الأبناء الاعتماد على اختياراتهم الشخصية وإعطاء مساحة أكبر لرغباتهم وطموحاتهم.
في ظل هذه التحولات، برزت لدى جيل الشباب ميول أكبر نحو الاستقلالية وخوض تجارب جديدة وتحمل المسؤولية بشكل مباشر، مع السعي إلى رسم مسارات مختلفة عن تلك التي اتبعها الآباء والأجداد.
هذا التوجه نحو التجربة الفردية وتشكيل الخيارات الخاصة، أوجد في بعض الحالات تبايناً في وجهات النظر داخل الأسرة، حيث يرى بعض الآباء والأجداد أن خبراتهم وتجاربهم تمنحهم الأحقية في توجيه الأبناء نحو ما يعتبرونه الأنسب والأكثر أماناً، في حين يفضل الأبناء الاعتماد على اختياراتهم الشخصية وإعطاء مساحة أكبر لرغباتهم وطموحاتهم.
في بعض الأحيان، قد يُنظر إلى هذا الاختلاف في وجهات النظر بشكل مختلف داخل الأسرة، إذ قد يفسّره بعض الآباء والأجداد على أنه تقليل من قيمة خبراتهم أو عدم استجابة لتوجيهاتهم وخروج عن طاعتهم، بينما قد يراه بعض الأبناء تدخلاً في خياراتهم الشخصية أو تقييداً لمساحة استقلاليتهم، أو حتى خروجاً عن التوجيهات الأسرية المتعارف عليها، ما يساهم في تعميق حالة سوء الفهم وتباين التوقعات بين الطرفين.
عادةً ما يؤدي هذا التباين في وجهات النظر داخل الأسرة إلى مجموعة من الانعكاسات على طبيعة العلاقة بين الأجيال، حيث قد يضعف مستوى الحوار والتفاهم في بعض المواقف، نتيجة اختلاف الأولويات وطريقة النظر إلى القرارات اليومية.
كما يمكن أن ينعكس ذلك على درجة الثقة المتبادلة، ويزيد من اتساع الفجوة بين جيلين لكل منهما مرجعيته الخاصة في التفكير واتخاذ القرار، وفي بعض الحالات، قد يصبح الوصول إلى قواسم مشتركة أكثر صعوبة، ما يفرض حالة من التوتر الخفيف أو عدم التوافق المستمر، حتى وإن بقيت العلاقة الأسرية قائمة.
ويرى باحثون اجتماعيون أن معالجة الفجوة بين الأجيال لا تعني إلغاء دور نصائح الأجداد أو التقليل من قيمتها، بل إعادة توظيفها ضمن السياق المعاصر بما يتناسب مع طبيعة التحولات الاجتماعية الراهنة، ويشيرون إلى أن الكثير من الخبرات المتراكمة لدى الأجيال السابقة ما تزال تحمل بعداً إرشادياً مهماً، خاصة فيما يتعلق بالقيم الأساسية مثل ضبط السلوك، وتحمل المسؤولية، واتخاذ القرار.
في المقابل، يؤكد الباحثون على ضرورة تقديم هذه النصائح بأسلوب أكثر مرونة وانفتاحاً، يراعي لغة الجيل الجديد وواقعه المختلف، بما يسمح بتحويلها من مصدر خلاف إلى نقطة التقاء بين الخبرة القديمة والتجربة الحديثة، بما يسهم في تعزيز التفاهم داخل الأسرة وتقليص الفجوة بين الأجيال.
١٨ مايو ٢٠٢٦
في السنوات الأخيرة، أصبح تدخين بعض الأطفال والمراهقين في سوريا سلوكاً ملحوظاً يثير قلقاً متزايداً داخل الأسر وفي المجتمع، في ظل ما يترتب عليه من انعكاسات صحية ونفسية وسلوكية، إضافة إلى أعباء مادية تؤثر على حياة المراهق في مرحلة عمرية حساسة.
ولا يقتصر أثر التدخين على الجانب الصحي فقط، بل يمتد إلى تغييرات في السلوك والعلاقات الاجتماعية وطريقة التعامل مع المحيط، ما يجعل التعامل مع هذه الظاهرة مرتبطاً بشكل مباشر بدور الأسرة في التوجيه والوقاية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الأساليب التربوية التي تساعد الأبناء على فهم المخاطر، وتعزز قدرتهم على ضبط السلوك واتخاذ قرارات أكثر وعياً تجاه هذه العادة.
وقالت الأخصائية النفسية رهف قرنفل، تعمل لدى منصة نفسجي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه من منظور نفسي تُعد المراهقة مرحلة البحث عن الهوية والاستقلالية، مشيرةً إلى أن بداية تجربة التدخين غالباً ما تنطلق من "الفضول وحب التجربة"، يليها "ضغط الأقران" (الرفاق)، حيث تصبح السيجارة في بعض البيئات مثل الحارة أو المدرسة بمثابة "رخصة عبور" إلى عالم الكبار، ورمزاً للرجولة أو التمرد وإثبات الذات.
وأضافت أن المراهق قد يرى في التدخين "آلية دفاعية لمواجهة القلق" (Coping Mechanism)، موضحةً أن الضغوط الدراسية والتوترات المنزلية والظروف العامة تدفعه للبحث عن مخرج لتهدئة مشاعره، فيتوهم أن التدخين وسيلة سريعة وسهلة.
وفيما يتعلق بدور الأسرة في الوقاية المبكرة من سلوك التدخين لدى الأبناء، أشارت قرنفل إلى أن الأسرة تُعد "المنظومة الحمائية الأولى"، لافتةً إلى أن دورها لا يقتصر على إلقاء المواعظ، بل يتمثل في بناء الحصانة النفسية، حيث تبدأ الوقاية المبكرة من التربية الذكية عاطفياً التي تعتمد على ملء الفراغ العاطفي للمراهق وتعزيز ثقته بنفسه، ليكون قادراً على قول "لا" لرفاقه دون خوف من النبذ.
ونوهت إلى أن الأسرة الواعية هي التي تفتح قنوات حوار مرنة مع الأبناء، وتناقشهم في المفاهيم المغلوطة التي يروج لها الإعلام أو الشارع حول التدخين، وعن تأثير سلوك الوالدين، وخصوصاً إذا كان أحدهما مدخناً، أشارت إلى أن ذلك يرتبط بنظرية "التعلم بالنمذجة" (Modeling) للعالم "باندورا"، موضحةً أن الأب أو الأم يمثلان القدوة الأولى، وعندما يرى الطفل والده يدخن عند الغضب أو لتفريغ التوتر، يترسخ في وعيه اللاشعوري أن السيجارة وسيلة لحل المشكلات.
وذكرت الأخصائية لـ "شام" أنه في حال كان أحد الوالدين مدخناً، فإن احتمالية تدخين الأبناء تتضاعف، لأن السلوك يصبح "مشرعناً وضمنياً" داخل المنزل، وتسقط قوة النصيحة اللفظية، إذ إن الأبناء يقلدون الأفعال لا الأقوال.
وفيما يخص الأساليب التربوية الصحيحة لتوعية الأبناء، أوضحت أن الأسلوب الأنجح هو "الحوار السقراطي الاستقرائي" القائم على التفكير والتحليل بدلاً من التلقين، مشيرةً إلى أهمية ربط مخاطر التدخين بنتائج قريبة من المراهق مثل اللياقة البدنية، ورائحة الفم والملابس، والمظهر، والتكلفة المادية، وكيف يمكن استثمار هذا المصروف في أشياء يحبها مثل الهاتف أو الألعاب أو الخروج مع الأصدقاء.
وبينت أن ضرورة تفكيك "صورة المدخن الجذاب" من خلال مناقشة كيف تربط الإعلانات أو المسلسلات التدخين بالرجولة أو الجاذبية، وإظهار زيف هذه الصورة، وحول التعامل مع الأبناء في حال اكتشاف التدخين، قالت إن الخطوة الأولى هي أخذ نفس عميق وضبط الانفعالات، موضحةً أن الصدمة طبيعية لكن الصراخ والضرب يفسدان الأمر.
وتحدثت عن أهمية جلسة احتواء هادئة في وقت مناسب، بنبرة حب وخوف حقيقي وليس اتهاماً، مثل: "أنا لاحظت هذا الشيء، وأريد أن أفهم ما الذي دفعك للتجربة، هل أنت متضايق من شيء؟".
وأكدت قرنفل ضرورة البحث عن الجذر النفسي للتدخين باعتباره "عرضاً" وليس "مرضاً"، عبر فهم ما ينقص الابن، وهل يعاني من قلق أو أزمة ثقة، مع الاتفاق على خطة واضحة تتضمن قواعد منزلية ودعماً وبدائل، وإشعاره بأن الأسرة معه ضد المشكلة وليس ضده شخصياً.
وفيما يتعلق بالأخطاء الشائعة، نوهت إلى وجود خطأين متطرفين في المجتمع السوري: الأول هو القمع الشديد مثل الضرب والحرمان، والذي يولد رد فعل عكسي يتمثل في العناد والمقاومة، حيث قد يلجأ المراهق إلى التدخين بشكل سري وأكثر تحدياً.
وذكرت أن الخطأ الثاني هو الإنكار أو التطبيع مع السلوك مثل القول "كل الشباب تدخن" أو "غداً يتركها"، خاصة مع انتشار النرجيلة في الجلسات العائلية، ما يعطي ضوءاً أخضر للاستمرار، ونوّهت أيضاً إلى خطأ التشهير بالأبناء عبر إخبار الأقارب أو الجيران، ما يؤدي إلى كسر الكرامة ودفعهم للمجاهرة بالسلوك.
وفيما يخص الدعم النفسي للإقلاع عن التدخين، أشارت إلى أهمية تجنب المراقبة البوليسية والشك الدائم، وبناء الثقة، ومشاركة الأبناء في الأنشطة الرياضية أو الفنية لتفريغ الطاقات، إضافة إلى مكافأة الإنجازات الصغيرة مثل الامتناع ليوم أو أسبوع، وأضافت ضرورة إدارة المثيرات عبر مساعدتهم على تجنب الأماكن أو الرفاق الذين يشجعون التدخين، وتعليمهم مهارة الاعتذار بثقة.
وأكدت على أن بناء جسور الثقة منذ الصغر أهم من بناء الجدران، موضحةً أنه إذا كان الابن يخاف من رد فعل الأهل فسيتجه للكذب والتدخين في الخفاء، أما إذا شعر بالأمان والقبول غير المشروط فسيكون المنزل ملاذه الأول عند الخطأ، بدل أن تكون السيجارة أو رفاق السوء البديل، مؤكدةً أن القسوة تنتج مدخناً سرياً، بينما الاحتواء ينتج شخصاً مسؤولاً وواثقاً.
يرى أطباء مختصون في الصحة العامة أن تدخين الأطفال والمراهقين يترك آثاراً مباشرة على الجهاز التنفسي، إذ يؤدي إلى ضعف في وظائف الرئة وزيادة قابلية الإصابة بالأمراض التنفسية في سن مبكرة، إضافة إلى تأثيره على اللياقة الجسدية وقدرة التحمل.
كما يشيرون إلى أن بدء التدخين في سن صغيرة يرفع من احتمالية الإدمان السريع مقارنة بالبالغين، نظراً لحساسية الجهاز العصبي في هذه المرحلة العمرية، ما يجعل التدخل المبكر عاملاً أساسياً في الحد من تطور هذا السلوك.
ويُعدّ التدخين من السلوكيات التي قد تظهر لدى بعض الأطفال والمراهقين، مع ما قد يرافقه من انعكاسات على الصحة والجوانب الحياتية المختلفة، ما يضع الأهل أمام أدوار تتعلق بالمتابعة والمراقبة والدعم، سواء في مرحلة الوقاية أو في حال التعامل مع هذا السلوك بعد اكتسابه.
١٨ مايو ٢٠٢٦
تشهد العلاقات داخل الأسرة تبايناً في فهم مفهوم خصوصية الأبناء، إذ يعتقد بعض الأهل أن مسؤوليتهم التربوية تمنحهم حق الاطلاع الكامل على تفاصيل حياة أبنائهم والتدخل في شؤونهم اليومية، باعتبارهم الجهة الأدرى بمصلحة الأبناء وما يحقق لهم الحماية والتوجيه.
في المقابل، تُعد خصوصية الأبناء جزءاً أساسياً من بناء شخصيتهم واستقلاليتهم، إلا أنها ليست مطلقة، بل تتفاوت حدودها بحسب المرحلة العمرية ومستوى النضج، ففي حين تكون الرقابة أكبر في مراحل الطفولة المبكرة، تتسع مساحة الخصوصية تدريجياً مع التقدم في العمر، خاصة في مرحلة المراهقة، بما يشمل طريقة التعامل مع المساحة الشخصية والممتلكات الخاصة.
خصوصية الأبناء بين الحق التربوي وضرورة الحوار الأسري
قالت الباحثة الاجتماعية إنعام دحام سرحان، الحاصلة على ماجستير في العلوم والبحوث السكانية – قسم حماية الأسرة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن خصوصية الأبناء تُعد حقاً أساسياً ومطلباً لنمو شخصيتهم، إذ تساعدهم على بناء الاستقلالية والثقة بالنفس، لكنها أوضحت في الوقت نفسه أن هذه الخصوصية يجب أن تتوازن مع دور الوالدين في التربية والتوجيه والحماية، مبينة أن العلاقة بين حرية الأبناء وواجبات الأهل تُنظمها مبادئ محددة.
وأشارت إلى أن خصوصية الأبناء تسهم في تطوير الهوية المستقلة لديهم، إذ تمنحهم مساحة لاكتشاف الذات والتعبير عن أفكارهم بحرية، كما أنها تعزز الثقة بينهم وبين الأهل، بحيث يصبح الأبناء أكثر انفتاحاً في الحديث عن مشكلاتهم، لافتة إلى أن ذلك ينعكس أيضاً على قدرتهم على تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات.
وأضافت أن مساحة الخصوصية الممنوحة للابن تختلف بحسب عمره ومستوى نضجه، موضحة أن مرحلة الطفولة تتسم بخصوصية محدودة، حيث يقع العبء الأكبر على الأهل في المراقبة والحماية، بينما تزداد الحاجة إلى الخصوصية بشكل ملحوظ في مرحلة المراهقة، إذ يُعد احترام الأهل لغرف الأبناء وهواتفهم ومذكراتهم ومساحتهم الشخصية أمراً مهماً لبناء شخصياتهم.
ونوّهت إلى أن احترام الخصوصية لا يعني إهمال الدور التربوي للأهل، بل يستوجب التدخل في حالات معينة، مثل ملاحظة تغير مفاجئ وحاد في سلوك الابن، كالعزلة التامة أو تراجع المستوى الدراسي أو تغير نمط النوم، إضافة إلى وجود مؤشرات قوية تدل على تعرضه للخطر، أو الاشتباه بمرافقته لرفقاء سوء.
وبيّنت أن بناء العلاقة الأسرية السليمة يقوم على ثقافة الحوار بدلاً من المراقبة المفرطة، مشيرة إلى أهمية الحوار المفتوح الذي يعزز جسور الثقة بين الأهل والأبناء ويجعلهم أكثر استعداداً لمشاركة تفاصيل حياتهم طوعاً، إضافة إلى أهمية المراقبة الذكية التي تقوم على التوجيه والإرشاد بدلاً من التضييق والمحاسبة، مع ضرورة التوجيه الإيجابي وتجنب النقد المستمر أو الاستهزاء بأفكارهم.
جوانب الخصوصية لدى الأبناء وانعكاساتها النفسية والاجتماعية وحدود التدخل الأسري
وأضافت سرحان في تصريح خاص لـ شام، أن الخصوصية تشمل عدة جوانب، من بينها الخصوصية الجسدية، حيث يُعد الاستئذان قبل دخول الغرف قاعدة أساسية، إلى جانب تعليم الأطفال أن أجسادهم ملك لهم، ولهم الحق في رفض أي تلامس لا يشعرهم بالراحة، حتى من أفراد الأسرة.
كما أشارت إلى أهمية احترام المتعلقات الشخصية وعدم العبث بالمذكرات أو الأدراج أو الأغراض الخاصة دون إذن، إضافة إلى ضرورة بناء علاقة قائمة على الثقة فيما يتعلق بالهواتف والأجهزة الإلكترونية، عبر وضع قواعد أسرية تحميهم من المخاطر الرقمية بدلاً من التفتيش المستمر.
ونوّهت كذلك إلى الخصوصية الاجتماعية والنفسية، موضحة أهمية منح الأبناء مساحة للتفكير والاحتفاظ ببعض أسرارهم غير الضارة، واحترام رغبتهم في قضاء وقت بمفردهم دون إجبارهم على الإفصاح عن كل تفاصيل يومهم، بما يحافظ على توازنهم النفسي والاجتماعي.
وحذّرت من أن انتهاك خصوصية الأبناء ينعكس سلباً على صحتهم النفسية وتطورهم الاجتماعي، إذ يؤدي إلى تدني احترام الذات نتيجة شعورهم بعدم الثقة، إضافة إلى القلق والتوتر المستمر، وقد يصل إلى الانعزال والاكتئاب، كما يضعف التواصل الأسري ويحوّل العلاقة إلى صراع بدلاً من حوار، فضلاً عن تعزيز السلوكيات السرية أو التمردية لدى الأبناء.
وأكدت أن التدخل الأبوي يظل ضرورياً في بعض الحالات، خاصة عند وجود خطر الإيذاء أو التعرض للتنمر أو الابتزاز الإلكتروني أو عند ملاحظة تغيرات سلوكية حادة، مشددة على أن هذا التدخل يجب أن يكون بهدف الحماية وليس السيطرة أو التسلط.
وأكدت على ضرورة تحقيق التوازن بين احترام خصوصية الأبناء وحمايتهم هو الأساس لبناء شخصية سليمة، مع الحفاظ على دور التوجيه الأسري بما يضمن نموهم النفسي والاجتماعي بشكل صحي ومتوازن.
يرى اختصاصيون نفسيون أن التعامل مع خصوصية الأبناء لا يقتصر على وضع حدود أو قواعد سلوكية داخل الأسرة، بل يرتبط أيضاً ببناء شعور داخلي بالأمان النفسي منذ الطفولة، ما ينعكس على قدرة الأبناء لاحقاً على التعبير عن أنفسهم دون خوف أو قلق.
ويشيرون إلى أن غياب هذا الإحساس بالمساحة الشخصية قد يدفع بعض الأبناء إلى الانغلاق أو البحث عن بدائل خارج الإطار الأسري للتعبير عن ذاتهم، ما يضعف فرص التواصل الصحي داخل الأسرة ويؤثر على التوازن العاطفي لديهم على المدى الطويل.
ويبقى موضوع خصوصية الأبناء داخل الأسرة من القضايا المرتبطة بتوازن دقيق بين متطلبات التربية ومساحة الفرد داخل محيطه العائلي، وما يرافق ذلك من اختلاف في الممارسات والتصورات حول حدود هذه الخصوصية وكيفية التعامل معها في مختلف المراحل العمرية.
١٨ مايو ٢٠٢٦
مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، استعادت أسواق الملابس في سوريا جزءاً من حركتها الموسمية المعتادة، حيث امتلأت الشوارع التجارية بالمحال التي علقت لافتات العروض والتنزيلات، في محاولة لجذب الزبائن وتحريك حالة الجمود التي سيطرت على الأسواق خلال الفترة الماضية.
إلا أن الحركة الظاهرة في الأسواق لا تعكس بالضرورة قدرة شرائية حقيقية، إذ يؤكد كثير من الأهالي أن شراء ملابس العيد بات يشكل عبئاً مالياً ثقيلاً، في ظل الارتفاع المستمر للأسعار وتراجع الدخل الشهري لمعظم العائلات السورية.
وفي جولة ضمن أسواق دمشق وحلب واللاذقية، برز تفاوت كبير بين أسعار الألبسة المحلية والمستوردة، مع استمرار بعض المحال بعرض الأسعار بالدولار بالنسبة للقطع الأجنبية، خاصة في الأسواق التجارية المعروفة.
ففي سوق باب توما بدمشق، وصل سعر الحذاء المستورد إلى نحو 25 دولاراً، بينما سجلت بدلات الكتان أسعاراً مشابهة، في حين تراوحت أسعار البلوزات والبجامات بين 10 و25 دولاراً بحسب النوع والجودة.
أما الألبسة المسعّرة بالليرة السورية الجديدة، فقد شهدت هي الأخرى ارتفاعات ملحوظة، حيث بلغ سعر الطقم الرجالي نحو 15 ألف ليرة، والبنطال التركي حوالي 4500 ليرة، والقميص القطني نحو 3000 ليرة، بينما سجلت الفساتين النسائية أسعاراً وصلت إلى 6000 ليرة.
في حين تراوحت أسعار البلوزات الصيفية للأطفال بين 1300 و1700 ليرة، ووصل سعر الفستان البناتي إلى قرابة 4900 ليرة، والطقم الولادي إلى نحو 3950 ليرة، وهي أرقام يعتبرها كثير من الأهالي أعلى من قدرتهم الفعلية على الشراء.
وخلال استطلاع أجرته شبكة شام الإخبارية داخل عدد من الأسواق الشعبية، عبّر مواطنون عن قلقهم من اقتراب العيد في ظل الارتفاع المستمر بأسعار الملابس والأحذية، مؤكدين أن تأمين كسوة العيد أصبح تحدياً حقيقياً للأسر، خاصة العائلات التي لديها أكثر من طفل.
وذكر (ي . م) وهو موظف حكومي من مدينة حمص، في حديثه لشبكة شام، أن دخله الشهري بالكاد يكفي لتأمين الاحتياجات الأساسية من طعام وفواتير، مضيفاً أن شراء ملابس جديدة لأطفاله الثلاثة “أصبح يحتاج ميزانية مستقلة.
وأوضح أنه تفاجأ خلال جولته في الأسواق بأن سعر الحذاء الواحد للأطفال يتجاوز أحياناً 2500 ليرة، بينما يصل سعر الطقم الكامل إلى أكثر من 5000 ليرة، ما دفعه للتفكير باللجوء إلى أسواق البالة هذا العام.
ولفتت أم عبد الرحمن، وهي أم لأربعة أطفال من دمشق، فقالت إن أكثر ما صدمها هو ارتفاع أسعار الملابس الولادية موضحة أنها دخلت عدة محال بحثاً عن خيارات اقتصادية، لكنها وجدت أن أقل تكلفة لطفل واحد قد تتجاوز 7000 ليرة بين حذاء وملابس بسيطة.
وأضافت أن كثيراً من العائلات أصبحت تعتمد على شراء قطعة أو قطعتين فقط لكل طفل، أو تأجيل شراء الملابس الجديدة بالكامل وفي حماة، قالت سيدة تدعى منى لشبكة شام إن البالة أصبحت الخيار الواقعي لغالبية الأسر، مؤكدة أن الملابس المستعملة المستوردة أحياناً تكون أفضل جودة من بعض المنتجات الجديدة، رغم أن أسعارها ارتفعت أيضاً خلال الفترة الأخيرة.
وأشارت إلى أنها كانت سابقاً تعتبر شراء الملابس المستعملة أمراً استثنائياً، أما اليوم فأصبح جزءاً من خطة الإنفاق الأساسية للعائلة ويؤكد باعة في أسواق الملابس أن الإقبال لا يزال محدوداً مقارنة بالمواسم السابقة، رغم كثافة العروض والإعلانات.
ويقول أحد أصحاب المحال في دمشق إن كثيراً من الزبائن يكتفون بالسؤال عن الأسعار أو شراء القطع الأرخص فقط، مشيراً إلى أن الحركة الحقيقية تتركز حالياً في الأسواق الشعبية ومحال البالة، بينما تعاني المحال التجارية من ضعف واضح في المبيعات.
وفي ظل هذا الواقع، توسعت تجارة البالة بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، لتتحول من سوق مخصص لذوي الدخل المحدود إلى خيار يعتمد عليه موظفون وطبقة متوسطة وحتى بعض المقتدرين نسبياً، بحثاً عن جودة أفضل وأسعار أقل.
وتُباع الملابس المستعملة في بعض الأسواق بالكيلو، حيث يتراوح سعر كيلو الألبسة بين 3000 و3500 ليرة، بينما يصل كيلو الأحذية إلى نحو 10 آلاف ليرة بحسب النوع والحالة.
كما ظهرت مبادرات مجتمعية لإعادة تدوير الملابس وتبادلها بين العائلات، خاصة مع قرب العيد، حيث يتم جمع الملابس الجيدة وإعادة توزيعها على الأسر المحتاجة أو عرضها مجاناً عبر مجموعات محلية ومبادرات تطوعية ويرى ناشطون أن هذه المبادرات باتت ضرورة اجتماعية في ظل اتساع الضغوط الاقتصادية على معظم العائلات السورية.
في المقابل، تؤكد مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك استمرار حملات الرقابة على الأسواق، لضبط الأسعار ومراقبة الإعلانات والفواتير ومنع حالات الاستغلال، إلا أن تفاوت الأسعار بين منطقة وأخرى واستمرار بعض المخالفات يجعل السوق في حالة اضطراب دائم، خاصة مع غياب تسعيرة موحدة وارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد.
وخلال الفترة الأخيرة ازدادت شعبية الألبسة المستعملة "البالة" التي تباع بأسعار تتراوح بين 40 و100 ألف (بالعملة القديمة) ليرة للقطعة، ما يجعلها خياراً بديلاً للكثيرين، رغم غياب الرقابة على مصدرها وجودتها.
وذكر الخبير الاقتصادي "شادي سليمان"، أن تراجع الأجور وتفاقم التضخم دفعا المستهلكين لإعادة ترتيب أولوياتهم، مشيراً إلى أن الملابس لم تعد بنداً أساسياً في إنفاق الأسر، بينما بات الكثيرون يلجؤون إلى إعادة تدوير الملابس أو شراء المستعمل في محاولة لتقليل النفقات.
ومع استمرار تراجع القدرة الشرائية وغياب حلول اقتصادية ناجعة، تبقى الألبسة هذا العام عنواناً لأزمة تتقاطع فيها معاناة المواطن مع ضغوط الأسواق، ضمن مشهد اقتصادي يرجح أن يستمر تأثيره طوال الموسم.
هذا ويعكس مشهد أسواق الملابس السورية قبيل عيد الأضحى صورة أوسع عن الواقع الاقتصادي والمعيشي في البلاد، حيث تحاول العائلات الحفاظ على الحد الأدنى من فرحة العيد للأطفال، بينما تفرض الأسعار المرتفعة حسابات قاسية تدفع كثيرين إلى التخلي عن خيارات كانوا يعتبرونها بديهية قبل سنوات قليلة فقط.
١٧ مايو ٢٠٢٦
أثار قرار وزارة الاقتصاد والصناعة في سوريا رقم 94 لعام 2026، والذي حدد سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى المشول بـ 46 ألف ليرة سورية للطن الواحد ضمن موسم شراء القمح من الفلاحين لعام 2026، موجة رفض واستنكار واسعة بين المزارعين في مختلف المناطق السورية، والذين اعتبروا أن التسعيرة منخفضة جداً ولا تتناسب مع تكاليف الإنتاج، مقارنة بالمبالغ التي تكبدوها خلال زراعة هذا المحصول.
وأصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة يوم السبت 16 أيار 2026، قراراً يقضي بتحديد سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى بـ46 ألف ليرة سورية جديدة للطن الواحد، ضمن إجراءات الحكومة الخاصة بالتحضير لموسم تسويق القمح لعام 2026 وتعزيز الأمن الغذائي في البلاد.
وبالتزامن مع إعلان التسعيرة الجديدة، كشفت المؤسسة السورية للحبوب عن إطلاق منصة رقمية ذكية لتنظيم عمليات حجز وتوريد الأقماح، بهدف تخفيف الازدحام على مراكز الاستلام وتسريع إجراءات التسليم بشكل منظم وأكثر مرونة.
وأثار قرار التسعير تفاعلاً واسعاً بين المزارعين والناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن السعر المحدد لا يواكب ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، خاصة ما يتعلق بالمحروقات والأسمدة والبذار وأجور النقل والري، كما دعا متابعون إلى منح مكافآت إضافية للفلاحين عند تسليم المحصول للمؤسسة السورية للحبوب، بهدف تشجيع التوريد وضمان تحقيق كميات كافية لتغطية احتياجات السوق المحلية.
وفي هذا السياق، قال مدير المؤسسة السورية للحبوب حسن العثمان إن احتياجات البلاد السنوية من القمح تُقدّر بنحو 2.5 مليون طن، بينما يبلغ المخزون الحالي قرابة مليون طن، ما يجعل الموسم الحالي محورياً في تأمين احتياجات البلاد حتى منتصف العام المقبل.
من جهته، قال محمد حاج عثمان، وهو مزارع من بلدة تلمنس بريف إدلب الشرقي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه بعد تحرير المنطقة من قوات النظام البائد، دخل المزارعون أراضيهم العام الماضي وقاموا بزراعتها، إلا أنهم لم يستفيدوا بالشكل المطلوب رغم التكاليف المالية التي تكبدوها، ولم يحصلوا على موسم جيد.
وأضاف أن هذا العام كان الهطول المطري جيداً، ما شجع الأهالي إلى زراعة أراضيهم مجدداً، وتحمل تكاليف مالية إضافية على أمل حصد محصول جيد يساعدهم على العودة من المخيمات إلى قراهم وإعادة إعمار منازلهم المدمرة بسبب القصف من قبل قوات النظام البائد.
وأشار إلى أن تسعيرة القمح الحالية غير منصفة للمزارعين، مؤكداً أن الحكومة يجب أن تعمل على تشجيع الفلاحين على الزراعة، إلا أن التسعيرة المقررة مؤخراً لا تغطي التكاليف، ولفت إلى أن المزارعين كانوا يأملون أن تكون الأسعار ما بين 450 و550 دولاراً بما يحقق لهم الحد الأدنى من الجدوى الاقتصادية.
ونوه عبد الهادي محمد الغجر، وهو مواطن يقيم في بلدة التح بريف إدلب الجنوبي، في تصريح لـ شام إن المزارعين تكبّدوا تكاليف كبيرة خلال زراعة القمح هذا العام، شملت الأسمدة، حيث بلغ سعر كيس سماد اليوريا 30 دولاراً، إضافة إلى شراء بذار القمح بسعر 650 دولاراً للطن، فضلًا عن أجور فلاحة الأرض ورش الأسمدة والمبيدات.
وبين أن الالتزامات لم تتوقف عند هذا الحد خاصة أن هناك مرحلة الحصاد التي تحتاج تكاليف أيضاً، والتي سيضطرون لدفعها قريباً مع بدء جني المحصول، معتبراً أن هذه التكاليف مرتفعة مقارنة بتسعيرة القمح الحالية التي لا تتناسب معها.
وذكر أنهم اشتروا البذار من السوق الحرة بسعر 650 دولاراً للطن الواحد، لافتاً إلى أن عدداً من المزارعين زرعوا إلى جانب القمح محاصيل أخرى مثل الكمون والحمص وحبة البركة، إلا أنها تضررت بفعل الأمطار وأصيبت بأمراض فطرية، ما دفعهم للاعتماد على محصول القمح لتعويض خسائرهم.
وأوضح أنهم عادوا من مخيمات الشمال وهم لا يملكون شيئاً، وبدأوا تأسيس حياتهم من الصفر في قرى العودة، معتمدين بشكل أساسي على الزراعة، وأكد أن المزارعين يطالبون بتحسين تسعيرة القمح، والعمل على تأمين بذار محسّن وأسمدة بأسعار مناسبة تتوافق مع أوضاع الفلاحين، إضافة إلى إنشاء مراكز حبوب قريبة من المناطق الزراعية لتخفيف أعباء النقل والتكاليف عنهم.
تسعيرة القمح بين الجدوى العالمية والتكاليف المحلية المرتفعة
بدوره، قال المهندس الزراعي عبد الناصر مسلماني، رئيس اتحاد فلاحي إدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تسعيرة القمح الحالية تُعد جيدة مقارنة بالسعر العالمي، إلا أن الظروف المحلية تختلف بسبب غياب الدعم الحكومي للفلاحين، مشيراً إلى أن السعر المحدد للموسم الحالي لا يغطي تكاليف الإنتاج، خاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة.
وأشار إلى أن السعر العادل الذي يحقق منفعة للفلاح لا يقل عن 55 ألف ليرة سورية للطّن، في حال ثبات قيمة الليرة السورية، مؤكداً أن التسعيرة الحالية ستؤدي إلى خسائر مباشرة للفلاحين وعزوفهم عن زراعة القمح في المواسم المقبلة.
ولفت إلى أن الخسائر هذا العام جاءت رغم وفرة الإنتاج، نتيجة غرق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، إضافة إلى غياب الدعم الحكومي في تأمين البذار والأسمدة والمحروقات، وعدم توفر الأصناف النقية عالية الإنتاج، وأضاف أن هذه الظروف ستؤدي إلى إرهاق الفلاحين وتحميلهم ديوناً كبيرة، خاصة بعد المواسم السيئة السابقة الناتجة عن الجفاف.
وأكد لـ "شام" أن مزارعي محافظة إدلب هم الأكثر تضرراً من هذه التسعيرة، بسبب عدم تفعيل المصارف الزراعية لتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار منافسة، ما اضطر الفلاحين إلى شرائها من السوق السوداء بأسعار مرتفعة، إلى جانب الأضرار الناتجة عن غرق الأراضي الزراعية هذا الموسم.
واقترح المهندس تقديم مكافأة إضافية مجزية على سعر الطن من قبل السيد الرئيس، بهدف إنصاف الفلاحين وضمان استمرارية زراعة محصول القمح باعتباره محصولاً استراتيجياً.
وبحسب تقديرات وزارة الزراعة، قد يتجاوز إنتاج القمح خلال الموسم الحالي 2.3 مليون طن في حال استمرار الظروف المناخية المناسبة، بينما كانت الخطة الزراعية تستهدف إنتاج نحو 2.8 مليون طن، كما بلغت المساحات المزروعة بالقمح هذا العام نحو 1.2 مليون هكتار بنسبة تنفيذ وصلت إلى 86 بالمئة من الخطة الزراعية، في مؤشر تعتبره الجهات الرسمية إيجابياً مقارنة بالمواسم السابقة.
باحث اقتصادي يحذر من سياسة تسعير القمح: الأمن الغذائي في سوريا يواجه مخاطر متصاعدة
من جهته، انتقد الباحث "عبد الوهاب عاصي"، آلية تسعير القمح التي اعتمدتها وزارة الاقتصاد، معتبراً أن أحد أبرز الأخطاء يتمثل في ربط سعر شراء القمح المحلي بالسعر العالمي، وأوضح عاصي أن تحديد سعر شراء الطن عند 340 دولاراً يبدو قائماً على مقارنته بتكلفة الاستيراد، مع إضافة هامش محدود جداً للفلاح السوري، رغم اختلاف طبيعة العمليتين.
ولفت عاصي في منشور على "فيسبوك" إلى أن استيراد القمح يتم بالدولار ويتضمن تكاليف شحن وتأمين وتجميد أموال، بينما شراء القمح المحلي يتم بالعملة الوطنية ويُعد عملياً “بيعاً مؤجلاً” من قبل الفلاح للدولة.
أكد عاصي أن شراء القمح في سوريا لا ينبغي التعامل معه كعملية تجارية تهدف إلى الربح، بل كسياسة سيادية مرتبطة بحماية الأمن الغذائي الوطني، وشدد على أن معيار التسعير الحقيقي يجب أن يكون مرتبطاً بقدرة الفلاح على الاستمرار في أرضه وتحفيزه على زراعة المواسم المقبلة، لا بمؤشرات السوق العالمية فقط.
وحذر من أن استمرار التسعير الحالي قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وخروج مساحات واسعة من الأراضي من دائرة الإنتاج، وأوضح الباحث أن السعر المحدد حالياً يضع الزراعة البعلية عند حافة الخسارة، بينما يضع الزراعة المروية والمزارعين المستأجرين للأراضي في دائرة الخسارة الفعلية.
وأشار إلى أن فقدان الجدوى الاقتصادية سيدفع الفلاحين إلى التخلي عن الزراعة، وهو ما حدث سابقاً في العراق قبل أن تتدخل الحكومة العراقية وترفع سعر شراء القمح لموسم 2026 إلى نحو 620 دولاراً للطن، أي ما يقارب ضعف السعر العالمي، وأضاف أن بغداد تحملت خسائر مالية كبيرة مقابل حماية الأمن الغذائي ومنع انهيار القطاع الزراعي.
لفت عاصي إلى ما وصفه بـ”التناقض” في السياسة الاقتصادية الحالية، موضحاً أن الدولة ألغت الدعم عن الخبز والطحين على مستوى الاستهلاك، لكنها في المقابل ما تزال تشتري القمح من الفلاحين بأسعار منخفضة وكأن الدعم ما يزال قائماً.
وأشار إلى أن النتيجة الحالية تتمثل في بيع الفلاح محصوله بسعر “مدعوم”، بينما يشتري المواطن الخبز وفق أسعار السوق، ما يعني أن الفارق السعري لم يعد يذهب لا للفلاح ولا للمستهلك، واعتبر أن هذا الأمر يعكس ارتباكاً في النهج الاقتصادي، وعدم وضوح ما إذا كانت الحكومة تتبنى سياسة دعم للإنتاج أم تتجه نحو تحرير السوق بشكل كامل.
غياب دعم مدخلات الإنتاج
أكد الباحث أن من أبرز المشكلات الحالية غياب الدعم الفعلي لمدخلات الإنتاج الزراعي، مثل المازوت والأسمدة والبذار، مقارنة بما كان معمولاً به قبل عام 2025، وأوضح أن نظام الأسد البائد كان يقدم دعماً للمازوت الزراعي ويوزع الأسمدة عبر المصرف الزراعي بأسعار مدعومة، إضافة إلى منح قروض موسمية للفلاحين.
كما أشار إلى أن الإدارة الذاتية الكردية قبل تفككها كانت تشتري القمح بسعر أعلى يقارب 420 دولاراً للطن، بينها 70 دولاراً كدعم مباشر، إضافة إلى دعم البذار ومازوت الحصادات.
إشادة بخطوات حكومية وتحذير من اتساع الخلل
رغم انتقاداته، أشار عاصي إلى وجود خطوات إيجابية اتخذتها الحكومة السورية في الملف الزراعي، منها توسيع مراكز استلام القمح إلى 37 مركزاً، وتأمين تمويل للمؤسسة السورية للحبوب، والعمل على إعداد قروض حسنة للمزارعين، كما لفت إلى اعتماد أصناف قمح مقاومة للجفاف في إطار مواجهة التحديات المناخية.
إلا أنه حذر من أن الخلل القائم في سياسة التسعير ومنظومة الدعم قد يؤدي إلى تقويض أثر هذه الإجراءات على المدى المتوسط، ويهدد مستقبل القطاع الزراعي والأمن الغذائي في سوريا.
ويطالب الفلاحون بضرورة إعادة النظر في تسعيرة شراء القمح ورفعها بما يتناسب مع تكاليف الإنتاج والظروف المعيشية الصعبة، مؤكدين أن الزراعة تمثل مصدر الدخل الأساسي لعدد كبير منهم، كما يشيرون إلى أن جزءاً من المزارعين يواجهون التزامات إضافية تتعلق بإعادة إعمار منازلهم المدمرة والعودة إلى الاستقرار في قراهم، ما يجعل أي فارق في التسعيرة عاملاً حاسماً في قدرتهم على الاستمرار بالزراعة.
١٧ مايو ٢٠٢٦
تشهد الفضاءات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي نقاشات متزايدة حول مواقف متباينة من النظام البائد، حيث تظهر بين حين وآخر أصوات تتبنى روايات تبريرية أو دفاعية عنه، رغم الانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات الثورة، سواء عبر التصريحات أو المحتوى المنشور أو حتى في سياق المقابلات العامة.
إلا أن هذا الخطاب لا يبقى محصوراً في دائرة الجدل السياسي، بل يمتد تأثيره إلى الفضاء الاجتماعي والإنساني، إذ ينعكس بشكل مباشر على ذوي الضحايا والمتضررين، الذين يجدون أنفسهم أمام إعادة استحضار مفتوحة لآلامهم وتجاربهم القاسية، ما يدفع بعضهم إلى التعبير عن رفضهم لهذه الطروحات والمطالبة بوقف تداولها، لما تسببه من أذى نفسي ومعنوي متجدد.
خطاب تمجيد الجرائم بين حرية التعبير ومسؤولية العدالة وحماية السلم الأهلي
قالت المحامية أسماء نعسان في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تمجيد الجرائم أو تبريرها ليس مسألة بسيطة كما يُطرح أحياناً كحرية تعبير، بل إن أثره عميق وخطير، موضحةً أن هذا الخطاب يوجّه رسالة مباشرة للضحايا بأن ما تعرضوا له مبرر، وهو ما يُعد إعادة إيلام لهم بدل الوقوف إلى جانبهم والاعتراف بوجعهم والمطالبة بالمحاسبة.
وأشارت إلى أن هذا النوع من الخطاب يؤدي إلى انقسام اجتماعي وسياسي، ويزيد من حدة الاستقطاب، خصوصاً عندما يُقدَّم تبرير لمرتكبي الجرائم عبر تفسيرات من قبيل أنهم كانوا “مضطرين” أو “فقراء” أو “يريدون العيش”، معتبرة أن ذلك يكون على حساب الضحايا وحقوقهم ووجعهم.
ولفتت إلى أن خطابات تمجيد النظام أو المجرمين تُرسّخ فكرة خطيرة مفادها أن القوي لا يُحاسَب، ما يبعث برسالة سلبية للضحايا والمجتمع، مؤكدة ضرورة عدم ترسيخ هذه الثقافة.
وأضافت أن هناك نصاً قانونياً ضمن المادة 49 من الإعلان الدستوري يجرّم تمجيد رموز النظام السابق أو تبرير الجرائم، وقد تم تطبيقه في بعض الحالات مؤخراً، معتبرة أنه نص مهم لضبط هذا النوع من السلوك.
وأكدت أن السلم الأهلي لا يمكن أن يُبنى على الإنكار، بل على الاعتراف بالجرائم والمحاسبة، وإلا فإنه سيكون سلمياً شكلياً وهشاً ومعرّضاً للانفجار عند أي أزمة، وشددت على أن تمجيد النظام ليس رأياً سياسياً، بل يُعد جريمة يجب التعامل معها على هذا الأساس.
وفيما يتعلق بالتوفيق بين حرية التعبير ومنع خطاب تبرير الجرائم، أوضحت أن المسألة دقيقة لأنها تقوم على موازنة بين حرية التعبير من جهة وحماية المجتمع والضحايا من جهة أخرى، مشيرة إلى أن حرية التعبير قيمة أساسية، وبيّنت أن جميع الدول تضع حدوداً لحرية التعبير عندما تتحول إلى تحريض أو كراهية أو تبرير لجرائم ضد الإنسانية، موضحة الفرق بين النقد السياسي المشروع وبين تمجيد المجرمين أو تبرير الجرائم.
وأكدت أن المادة القانونية المتعلقة بهذا الشأن واضحة في تحديد مفهوم التمجيد والتبرير، ما يساعد على ضبط الفهم العام، وليس الهدف منها تقييد حرية التعبير بل وضع حدود تمنع التعدي على حقوق الآخرين، وأضافت أن النقد حالة صحية ومطلوبة، ولا يجوز وصمه بأنه انتماء لأجندات، محذّرة من الخلط بين النقد المشروع وبين التبرير أو التمجيد.
ودعت إلى تعزيز التوعية المجتمعية بمفاهيم العدالة الانتقالية وحدود حرية التعبير، لأن القانون وحده لا يكفي دون وعي مجتمعي، وأكدت أن تحقيق هذا التوازن ممكن، لكنه يحتاج إلى وقت وتجربة وتطوير مستمر.
وفي سياق آخر، قالت إن خطابات تمجيد الجرائم تُشكّل كارثة حقيقية على الضحايا وأهاليهم، موضحة أنها لا تُفهم لديهم كآراء سياسية بل كإهانة مباشرة لدم أبنائهم وذكرياتهم، وأشارت إلى أن العديد من العائلات ما زالت تعيش حالة فقد وغموض حول مصير أبنائها، ما يجعل أي خطاب تبريري سبباً في إعادة الألم من جديد وإبقاء الجرح مفتوحاً.
وأكدت أن الضحايا ما زالوا يعيشون حالة مظلومية مستمرة، وأن إنكار الجرائم أو تبريرها يزيد من فقدان الثقة بين المجتمع والدولة، وشددت على أن تمجيد النظام السابق يُعد إهانة لذكريات المفقودين والشهداء، وأن المجتمع يرفضه ويعتبره سلوكاً مجرّماً وليس رأي فحسب.
أما حول سبل الحد من هذه الظاهرة، فأوضحت أن الأمر يتطلب عملاً جاداً على عدة مستويات وليس مجرد شعارات، مع ضرورة تفعيل العدالة الانتقالية بشكل فعلي وسريع، وتجاوز البيروقراطية القضائية التي تؤخر الوصول إلى العدالة.
وأشارت إلى أهمية دور الإعلام في التوعية بمفاهيم العدالة الانتقالية عبر تقديم نماذج وتجارب دول أخرى، إضافة إلى توضيح أن تمجيد الجرائم يُعد جريمة وليس حرية رأي، وأكدت أن نشر الوعي المجتمعي بهذه المفاهيم يسهم في تخفيف الاحتقان وتعزيز السلم الأهلي.
ويؤكد حقوقيون أن الجدل حول خطاب تبرير الانتهاكات لا يمكن فصله عن مسار العدالة الانتقالية الأوسع، إذ تعتبر هذه النقاشات جزءاً من اختبار قدرة المجتمع على التعامل مع ماضيه دون إعادة إنتاجه أو تبريره، ويشيرون إلى أن خطورة هذا الخطاب لا تقتصر على البعد الأخلاقي أو العاطفي، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الوعي العام حول مفهوم المسؤولية والمساءلة، خاصة في سياق ما يزال يعاني من انقسام اجتماعي عميق وعدم استقرار قانوني كامل.
وينوه الحقوقيون أن التعامل مع هذه الظاهرة يحتاج إلى مقاربة متعددة المستويات، تشمل تعزيز دور المؤسسات القضائية في توضيح حدود الخطاب المسموح به قانونياً، إلى جانب دور المجتمع المدني في التوعية بمخاطر التطبيع مع الانتهاكات أو تبريرها، بما يضمن عدم تحول الفضاء العام إلى مساحة لإعادة تلميع التجارب العنيفة أو إعادة إنتاجها بشكل رمزي.
ويبقى خطاب تبرير الانتهاكات في الفضاء العام موضوعاً مثيراً للجدل، لما له من انعكاسات على الذاكرة الجمعية ومشاعر ذوي الضحايا، ويستمر هذا النقاش بالتزامن مع الدعوات إلى تعزيز الوعي العام وتطوير الأطر القانونية ذات الصلة، بما يواكب مسار العدالة الانتقالية ويحد من إعادة إنتاج الانتهاكات في الفضاء العام.
١٧ مايو ٢٠٢٦
بعد الفراغ من الامتحانات، يضع كثير من الطلاب تصوّراً مبدئياً لنتائجهم اعتماداً على ما كتبوه داخل ورقة الإجابة، فيتوقعون علامات قد تكون قريبة من تقديراتهم أو أعلى منها.
لكن بعد تصحيح الاختبارات وإعلان النتائج، يتفاجأ بعضهم بأن العلامة الفعلية أقل بكثير مما كانوا ينتظرون، الأمر الذي قد ينعكس عليهم في شكل حالة من الغضب أو الإحباط أو القلق، وقد يصل أحياناً إلى شعور بالانزعاج والتوتر، وفي بعض الحالات تنشأ نقاشات أو خلافات مع الأسرة نتيجة هذا التباين بين التوقع والواقع.
ويعود هذا التباين في التوقعات عموماً إلى طبيعة التجربة الامتحانية نفسها، حيث يختلف إدراك الطالب لأدائه أثناء الامتحان وبعده عن النتيجة التي تعكسها الورقة المصححة، إذ يتداخل الانطباع اللحظي مع ما تبقى في الذاكرة بعد الخروج من القاعة، ما يجعل التقدير الشخصي للعلامة غير دقيق في كثير من الحالات.
وغالباً ما ترد مع إعلان النتائج شكاوى من بعض الطلاب وأسرهم، حيث يعبّرون عن شعورهم بأن النتائج لم تكن منصفة أو أن التصحيح لم يعكس مستوى الإجابات بالشكل الذي توقعوه، وهو ما يفتح نقاشاً واسعاً حول عدالة التقييم ودقة تقدير العلامات.
فجوة التوقعات بين إجابات الطلاب ونتائجهم الفعلية في الامتحانات
قال الأستاذ أحمد حركاوي، مدير مدرسة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن بعض الطلاب يتفاجؤون أحياناً بالعلامات التي يحصلون عليها رغم توقعهم لنتائج أعلى، موضحاً أن ذلك يظهر بشكل أكبر في الأسئلة التحريرية، نتيجة اعتماد بعض الطلاب على الحفظ دون الفهم، وعدم الدخول في أجواء الامتحان بشكل جيد، إلى جانب إهمال حل أسئلة سابقة، وتأثرهم بالعواطف والتوتر، ما ينعكس على قدرتهم على التركيز والإجابة الدقيقة.
وأضاف أن من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى وجود فجوة بين توقعات الطالب وعلاماته الفعلية، اعتقاد بعض الطلاب أنهم يستحقون الدرجة الكاملة رغم أن إجاباتهم قد تكون غير مكتملة، في حين يعتمد المصحح معايير دقيقة تستند إلى الخبرة وسلّم التصحيح المعتمد.
وأشار حركاوي إلى أن بعض الطلاب يبالغون أحياناً في تقدير أدائهم داخل الامتحان، لافتاً إلى أن التقدير الصحيح يجب أن يجمع بين الجهد المبذول والنتيجة المحققة، لكن الأهم هو أن يكون هذا الجهد موجّهاً بطريقة صحيحة تؤدي إلى الفهم الحقيقي للمادة، وليس مجرد الحفظ القائم على قراءة المعلومات دون استيعابها بعمق، لأن ذلك قد يسبب النسيان أو الارتباك، خاصة عند تغيير صيغة السؤال.
وفيما يتعلق بالمعايير المعتمدة في إعداد الأسئلة الامتحانية، أوضح أن هناك مجموعة من الأسس التي تُراعى لضمان عدالتها ومناسبتها لمستوى الطلاب، من بينها الشمولية بحيث تغطي كامل المنهاج الدراسي، والوضوح والدقة، ومراعاة الفروق الفردية، وتنوع الأسئلة، والابتعاد عن الأسئلة الغامضة، إلى جانب التوزيع الدقيق للدرجات والتدرج في مستوى الأسئلة.
وحول آلية توزيع الدرجات وتصحيح الأوراق الامتحانية، بيّن حركاوي في تصريح خاص لـ شام، أن توزيع الدرجات يتم وفق أسس تربوية تهدف إلى قياس مستوى فهم الطلبة بدقة، موضحاً أن الدرجة لا تُمنح فقط على النتيجة النهائية، وإنما تُوزّع على خطوات الحل أيضاً، مع اعتماد سلّم تصحيح موحّد.
وأكد أن المعلم يراعي خلال عملية التصحيح مجموعة من الجوانب المهمة، أبرزها الالتزام بسلّم التصحيح المعتمد، وقراءة الإجابة كاملة وعدم الاكتفاء بالنظر إلى النتيجة النهائية، إضافة إلى الإشارة إلى الأخطاء وعدم الاكتفاء بوضع الدرجة فقط، فضلاً عن تحقيق السرعة والدقة معاً، والعمل على تصحيح الأخطاء الشائعة وشرحها ضمن التغذية الراجعة للطلاب.
يرى تربويون أن الفجوة بين توقعات بعض الطلاب للعلامات ونتائجهم الفعلية قد ترتبط أحياناً بطريقة تقييمهم لأدائهم داخل الامتحان، إذ يربط بعضهم الشعور بالارتياح أثناء الإجابة بالحصول على علامة مرتفعة، رغم أن معايير التصحيح تعتمد على دقة الإجابة واستيفائها للعناصر المطلوبة.
كما قد يركز الطالب على الأسئلة التي أجاب عنها بشكل جيد، مقابل التقليل من تأثير الأخطاء أو الأجزاء غير المكتملة، ما يمنحه تصوراً أعلى من النتيجة الواقعية.
ويشير التربويون إلى أن ضعف إدارة الوقت داخل القاعة الامتحانية وعدم الاعتياد على نماذج التصحيح وآلية توزيع الدرجات من العوامل التي تؤدي أيضاً إلى تفاوت التوقعات مع النتائج، إضافة إلى أن بعض الطلاب يبنون تقديراتهم على مقارنات سريعة مع زملائهم بعد الامتحان، أو على الانطباع العام عن أدائهم، وليس على تقييم دقيق لمستوى الإجابات وفق المعايير المعتمدة في التصحيح.
وينوه اختصاصيون في علم النفس التربوي إلى أن مبالغة بعض الطلاب في تقدير أدائهم أو خطئهم في الحكم على نتائجهم داخل الامتحان تعود إلى عوامل إدراكية وانفعالية متداخلة، إذ يميل الطالب أحياناً إلى الاعتماد على شعوره أثناء الإجابة كمعيار للحكم على مستواه، فيربط بين الإحساس بالثقة أو سهولة الأسئلة وبين تحقيق نتيجة مرتفعة، رغم أن هذا الشعور لا يعكس دائماً دقة الإجابات أو اكتمالها.
كما يوضحون أن القلق أو التوتر أثناء الامتحان، أو حتى الارتياح المفرط بعده، قد يؤثر على الذاكرة والانطباع الذاتي، ما يدفع الطالب إلى تقييم غير موضوعي لأدائه الحقيقي مقارنة بالمعايير الفعلية للتصحيح.
تختلف توقعات الطلاب للعلامات عن النتائج الفعلية بعد إعلانها، نتيجة تداخل عدة عوامل تتعلق بطريقة الإجابة داخل الامتحان وآلية احتساب الدرجات وفق معايير التصحيح، ويؤدي هذا الاختلاف في كثير من الحالات إلى تباين بين الانطباع الذي يتكوّن لدى الطالب بعد الامتحان والنتيجة النهائية المسجلة في كشف العلامات.
١٦ مايو ٢٠٢٦
في ظل تعقيدات المشهد القضائي في سوريا، وما يرافقه من تساؤلات تتعلق بآليات سير الدعوى الجزائية وضمانات العدالة، يسلّط القانونيون الضوء على المراحل الأساسية التي تمر بها القضايا منذ لحظة تقديم الشكوى وحتى صدور الحكم النهائي، مروراً بدور النيابة العامة وقاضي التحقيق والمحاكم المختصة.
كما يبرز النقاش حول أهمية جمع الأدلة، وعلنية المحاكمات، وحقوق الدفاع، كعناصر محورية في تحقيق العدالة وضمان عدم المساس بحقوق المتهمين والضحايا على حد سواء.
وفي هذا السياق، يقدّم المحامي علي محمد إسكان قراءة قانونية مفصلة حول أبرز محطات العمل القضائي في النظام الجزائي السوري، والدور الذي تؤديه كل جهة في بناء الملف القضائي وصولاً إلى الحكم.
وقال المحامي علي محمد إسكان، محامٍ وباحث في السياق القانوني والحقوقي، وأستاذ لدى فرع نقابة المحامين في الحسكة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الدعاوى الجزائية في القانون السوري تخضع لقانون أصول المحاكمات الجزائية، وتبدأ المراحل الأولية عبر عدة مسارات، حيث يمكن أن تبدأ عبر الشكوى أو الادعاء الشخصي، والتي يتم تقديمها إما إلى النيابة العامة أو قاضي التحقيق أو أحد مراكز الضابطة العدلية، كما يمكن أن تبدأ عبر الإبلاغ عن وقوع جريمة من أي شخص.
وأضاف أن دور الضابطة العدلية يبدأ بعد تقديم الشكوى إلى أقسام أو مخافر الشرطة، حيث يتم تنظيم ضبط بالواقعة بناءً على أقوال الجهة الشاكية، ثم تُحال القضية إلى النيابة العامة التي تقوم بدراسة الملف، وتتخذ أحد الإجراءات التالية: إما حفظ الملف في حال عدم وجود أدلة كافية، أو إذا كان الفعل لا يشكل جرماً، أو تحريك الدعوى الجزائية وإحالتها إلى قاضي التحقيق.
وأوضح أن قاضي التحقيق يقوم باستجواب المدعى عليه وسماع الشهود ودراسة الأدلة، ومن ثم يصدر قراره إما بمنع المحاكمة لعدم كفاية الأدلة، أو قرار اتهام وإحالة الملف إلى المحكمة المختصة، والتي تشمل محكمة الصلح أو محكمة بداية الجزاء أو محكمة الجنايات، وفي حال كان المتهم حدثاً تُحال القضية إلى محكمة جنايات الأحداث.
وأشار إلى أن النيابة العامة تلعب دوراً أساسياً باعتبارها تمثل الادعاء العام، موضحاً أنها تستلم الشكوى أو الإبلاغ أو الضبوط الواردة من الشرطة، وتقوم بدراسة القضية والتأكد من وجود جرم، وتوجيه الضابطة العدلية لجمع الأدلة وسماع الشهود وإجراء التحقيق الأولي والإشراف عليه.
ونوه إلى أنها تقوم بتحريك الدعوى الجزائية والادعاء على المشتبه به أو الجهة المدعى عليها أو المشكو منها، ثم تتخذ عدة إجراءات قبل الإحالة إلى قاضي التحقيق، منها حفظ الأوراق في حال عدم توفر أدلة كافية أو إذا كان الفعل لا يشكل جرماً، أو طلب استكمال التحقيق، أو طلب التوقيف أو إخلاء سبيل المتهم.
وبيّن الحقوقي أنه في حال توافر الأدلة الكافية يتم اتخاذ قرار إحالة الملف إلى قاضي التحقيق بلائحة ادعاء رسمية تتضمن التهمة والوقائع وكافة الأدلة المتوفرة، ثم تقوم النيابة بتمثيل الحق العام في القضية، وأكد أن مرحلة التحقيق تُعد من أهم مراحل سير الدعوى الجزائية، لأنها المرحلة التي يُبنى عليها القرار القضائي، سواء بإحالة القضية إلى المحكمة المختصة أو إيقاف الدعوى لعدم كفاية الأدلة أو عدم وجود فعل يشكل جرماً.
وأضاف أن قاضي التحقيق يقوم بفحص وقائع الجرم بدقة، والتحقق من صحة الادعاءات وسماع الشهادات وجمع الأدلة، بما يشكل الأساس الذي يُبنى عليه حكم المحكمة لاحقاً، وأشار إلى أن التحقيق يهدف إلى حماية جميع أطراف الدعوى، من خلال منع الاتهام دون دليل، وتمكين المدعي من تقديم أدلته، وضمان حق الدفاع، وتحديد مسار القضية وفقاً للمعطيات القانونية.
وأوضح أن قاضي التحقيق يتولى استجواب المدعى عليه وسماع الشهود وجمع الأدلة، مع إمكانية الاستعانة بالخبراء، واتخاذ قرارات احترازية مثل التوقيف أو إخلاء السبيل، إضافة إلى التكييف القانوني للفعل وتحديد ما إذا كان جناية أو جنحة، وصولاً إلى القرار النهائي بالإحالة أو منع المحاكمة.
ونوه في تصريح خاص لـ شام إلى أن جمع الأدلة وسماع الشهود يُعدان من أهم عناصر بناء الملف القضائي، لأن الإدانة لا تقوم على الشك، بل على أدلة قانونية دامغة ومقنعة تشمل الأدلة المادية والفنية والشهادات، وأضاف أن الشهود يلعبون دوراً محورياً في كشف الحقيقة، من خلال إعادة تصوير الواقعة وكشف التناقضات بين الروايات، ودعم أو إضعاف أقوال الأطراف.
وذكر أن القاضي يقيّم مصداقية الشهادات ومدى انسجامها مع الوقائع والأدلة الأخرى، مؤكداً أن ترابط الأدلة وتكاملها هو الأساس في الوصول إلى القناعة القضائية، وأن ضعف الأدلة يؤدي إلى منع المحاكمة أو البراءة، وأوضح أن التوقيف الاحتياطي في القانون السوري لا يُعد عقوبة، بل هو إجراء احترازي مؤقت يُتخذ قبل صدور الحكم، استناداً إلى مبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي مبرم.
وأضاف أنه يُلجأ إلى التوقيف الاحتياطي لمنع هروب المتهم أو التأثير على التحقيق، خاصة فيما يتعلق بالشهود أو الأدلة، وأشار إلى أن الاعتراف لا يُعتمد عليه وحده لإصدار حكم الإدانة، بل يجب أن يكون مدعوماً بأدلة وقرائن أخرى، بسبب احتمال الإكراه أو الضغط أو الخطأ أو الكذب.
وأشار إلى أن مبدأ قناعة القاضي هو الأساس، حيث يجب أن يبني حكمه على قناعة راسخة مستندة إلى مجموعة من الأدلة وليس دليلاً واحداً فقط، وأكد أن الاعتراف يُعتد به إذا كان صريحاً وواضحاً وصادراً عن إرادة حرة، ومتوافقاً مع الوقائع والأدلة، لكنه يبقى ضمن منظومة الأدلة وليس الدليل الوحيد.
وأوضح أن حق الدفاع يُعد من أهم ضمانات المحاكمة العادلة، باعتباره حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وأضاف أن من أهم ضمانات هذا الحق إمكانية توكيل محامٍ أو تسخير محامٍ في حال عدم القدرة على ذلك، وأن وجود محامٍ في قضايا الجنايات يعد إلزامياً لضمان العدالة.
وذكر أن من ضمانات الدفاع أيضاً حق الرد والمرافعة، والاطلاع على ملف الدعوى، ومناقشة الشهود، وتقديم الأدلة المضادة، إضافة إلى حماية المتهم من الإكراه وعلنية المحاكمة، ونوه إلى أن علنية المحاكمات تعزز الثقة بالقضاء وتضمن الشفافية والرقابة المجتمعية، وتسهم في تعزيز العدالة وحماية حقوق المتهم.
ولفت أن بعض القضايا تستغرق وقتاً طويلاً نتيجة تعقيدها، وكثرة المتهمين أو الوقائع، وتعدد الأدلة، إضافة إلى إجراءات الطعن مثل الاستئناف والنقض، فضلاً عن الروتين القضائي وضغط العمل، وأشار إلى أن العدالة الانتقالية تُعد مرحلة ما بعد النزاع، وتهدف إلى تحقيق التوازن بين المحاسبة ومنع الانتقام أو الإفلات من العقاب.
وأضاف أنها تقوم على كشف الحقيقة عبر لجان تقصي الحقائق، والاعتراف بالضحايا، وتشجيع المصالحة المجتمعية، وتعويض الضحايا وجبر الضرر، ونوه إلى أهمية التدرج وعدم التسرع في إصدار الأحكام دون أدلة كافية أو تحت ضغط.
وأكد في ختام حديثه أن هذا المسار القضائي يمكن أن يسهم في إعادة الثقة بالقضاء في سوريا، من خلال ضمان محاكمات عادلة للمتهمين ومنصفة للضحايا، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، ومنع الإفلات من العقاب، وتعزيز علنية المحاكمات وعدم تسييس القضايا.