١١ أغسطس ٢٠٢٦
تفتح الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بحق الإرهابي الفار بشار الأسد وعاطف نجيب وعدد من المسؤولين السابقين في نظام الأسد البائد مرحلة جديدة في مسار المحاسبة داخل سوريا، وتضع أمام الدولة والمجتمع اختباراً يرتبط بكيفية التعامل مع إرث عقود من الانتهاكات، وضمان حقوق الضحايا، وترسيخ سلطة القضاء باعتباره الجهة المخولة بتحديد المسؤولية وإصدار الأحكام وفق الأدلة والقانون.
وتأتي أهمية هذه الأحكام من طبيعة الملفات التي يتعامل معها القضاء، ومن مواقع الأشخاص المشمولين بها، ومن حجم الذاكرة السورية المرتبطة بالقتل والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري وغيرها من الانتهاكات التي طالت أعداداً كبيرة من السوريين، وتركت خلفها عائلات تنتظر معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة وكشف مصير أبنائها.
وتفرض هذه المرحلة قراءة الأحكام في سياق أوسع من العقوبات الصادرة، فالقضية الأساسية التي تواجه سوريا اليوم تتعلق ببناء نموذج للمحاسبة يستطيع معالجة إرث الماضي وفق القانون، ويحمي حقوق الضحايا، ويوفر في الوقت ذاته ضمانات قضائية واضحة للمتهمين، ويمنع انتقال المجتمع من مرحلة الإفلات من العقاب إلى منطق الثأر والانتقام.
سقوط الحصانة أمام القضاء
يحمل وصول شخصيات كانت في قمة هرم السلطة والأجهزة الأمنية والعسكرية إلى دائرة المحاسبة دلالة مهمة في دولة عانى مواطنوها لعقود من ارتباط النفوذ السياسي والأمني بالحصانة من المساءلة، حيث شكلت بنية نظام الأسد البائد بيئة سمحت لمسؤولين وأجهزة بممارسة سلطات واسعة بعيداً عن الرقابة والمحاسبة الفعلية.
ويبرز الحكم الصادر بحق بشار الأسد هذه المسألة بصورة واضحة، خاصة مع تحميل المحكمة له مسؤولية الجرائم بوصفه صاحب القرار الأعلى الذي سخّر أجهزة الدولة لتنفيذها، وهو توصيف يضع مسؤولية القيادة وصناعة القرار ضمن نطاق المحاسبة، ويؤكد أن الموقع الأعلى في هرم السلطة لا يمنح صاحبه حصانة عندما تتوافر الأدلة على مسؤوليته عن الجرائم.
ويؤسس تطبيق هذا المبدأ، إذا استمر وفق قواعد موحدة على مختلف القضايا، لقاعدة ضرورية في سوريا الجديدة، تقوم على خضوع المسؤول للقانون مهما كان موقعه، وعلى ارتباط المساءلة بالفعل والأدلة والمسؤولية الشخصية، بعيداً عن النفوذ السياسي أو العسكري أو الأمني.
وتحتاج هذه القاعدة إلى الاستمرار والتحول إلى ممارسة مؤسساتية ثابتة، لأن قيمة العدالة لا تقاس بمحاكمة أسماء بارزة فقط، وإنما بقدرة النظام القضائي على تطبيق المعايير نفسها على مختلف الملفات والأشخاص، وحماية استقلال القضاء من الضغوط السياسية والمجتمعية والإعلامية.
من المحاسبة إلى بناء الثقة
تواجه الدولة السورية تحدياً يتجاوز إصدار الأحكام إلى إعادة بناء ثقة السوريين بالمؤسسات، وهي ثقة تعرضت خلال العقود الماضية لضربات عميقة نتيجة استخدام أجهزة ومؤسسات رسمية في عمليات القمع والاعتقال والتعذيب وملاحقة المعارضين.
ويشكل القضاء إحدى أهم المؤسسات القادرة على المساهمة في استعادة هذه الثقة، عندما يرى المواطن أن الاتهام يخضع للتحقيق، وأن الأدلة تعرض أمام المحكمة، وأن الشهود يُستمع إليهم، وأن الادعاء يقدم مرافعاته، وأن الدفاع يمارس حقوقه، وأن الحكم يصدر عن جهة قضائية وفق إجراءات معلنة.
وتكتسب الإجراءات هنا أهمية توازي أهمية النتائج، لأن بناء دولة القانون يحتاج إلى قضاء يستطيع إقناع المجتمع بأن الأحكام تصدر استناداً إلى ملفات وأدلة وقواعد قانونية، وليس استجابة لموقف سياسي أو رغبة شعبية أو ضغط إعلامي.
ويضع ذلك مسؤولية إضافية على مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام في التعامل مع المحاكمات، عبر احترام اختصاص القضاء، والتمييز بين المتهم والمدان، وعدم استباق الأحكام أو تحويل المحاكمات إلى ساحات للتعبئة، خصوصاً في القضايا التي تحمل شحنة عاطفية كبيرة لدى السوريين.
الضحايا في قلب المسار
يحتل الضحايا والناجون وعائلات المفقودين والمختفين قسرياً موقعاً أساسياً في أي مسار جاد للعدالة الانتقالية، إذ يرتبط مفهوم العدالة بالنسبة إلى هؤلاء بمعرفة ما حدث، ومن كان مسؤولاً عنه، وأين يوجد المفقودون، وكيف يمكن استعادة الحقوق وجبر الأضرار التي تراكمت خلال سنوات طويلة.
وتمنح المحاكمات الضحايا مساحة لرؤية المسؤولية تنتقل من شهاداتهم وذاكرتهم الشخصية إلى ملفات قضائية وأدلة وأحكام، وهو تحول مهم في تثبيت الوقائع ومنح الضحايا اعترافاً مؤسساتياً بما تعرضوا له.
ويحتاج هذا الاعتراف إلى مسارات أخرى موازية، وفي مقدمتها كشف مصير المفقودين والمختفين قسرياً، وتحديد أماكن الاحتجاز والمقابر، وحفظ الأدلة والوثائق، وتمكين العائلات من الوصول إلى المعلومات، ووضع برامج واقعية لجبر الضرر ودعم الناجين والمتضررين.
وتفرض مركزية الضحايا أيضاً التعامل معهم باعتبارهم أصحاب حقوق متنوعة، فليس جميع المتضررين ينظرون إلى العدالة من زاوية العقوبة وحدها، وقد تكون معرفة مصير ابن مفقود أو استعادة حق أو الحصول على اعتراف رسمي بالحقيقة أولوية لا تقل أهمية بالنسبة إلى عائلة عاشت سنوات من الانتظار.
المسؤولية فردية
يكتسب مبدأ المسؤولية الفردية أهمية خاصة في المجتمع السوري، بالنظر إلى الانقسامات التي عمقتها سنوات الحرب في سوريا، وما خلفته الانتهاكات من مشاعر غضب وألم وخوف داخل شرائح واسعة من المجتمع.
ويحدد القضاء المسؤولية وفق الفعل والأدلة، وبذلك يقدم حاجزاً قانونياً وأخلاقياً أمام تحويل جرائم الأفراد إلى اتهامات جماعية تطال عائلاتهم أو مناطقهم أو طوائفهم أو الجماعات التي ينتمون إليها.
ويشكل ترسيخ هذا المبدأ ضرورة للسلم الأهلي، لأن تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال ارتكبها أفراد يفتح الباب أمام الثأر الجماعي ويعيد إنتاج منطق الانتهاكات بصور جديدة، فيما تسمح المحاسبة القضائية بتحديد المسؤول المباشر ومساءلته بصورة شخصية.
وتحتاج الدولة السورية إلى تثبيت هذه القاعدة في خطابها وممارساتها معاً، فالمواطن لا يتحمل مسؤولية جريمة بسبب هويته أو مكان ولادته أو انتمائه الاجتماعي، كما أن المسؤول السابق لا ينبغي أن يفلت من المحاسبة بسبب موقعه أو شبكة نفوذه أو خلفيته.
ضمانات الدفاع جزء من قوة الحكم
تكتسب حقوق الدفاع أهمية مضاعفة في محاكمات رموز نظام الأسد البائد، لأن سلامة الإجراءات تمنح الأحكام قوة قانونية ومصداقية أكبر، وتساعد على تقديم نموذج قضائي مختلف عن الممارسات التي ارتبطت بمحاكم وأجهزة النظام السابق.
ويتعين أن تتوافر للمتهمين إمكانية الدفاع عن أنفسهم وفق القانون، وأن تعرض الأدلة بطريقة تسمح بفحصها ومناقشتها، وأن تخضع الأحكام لطرق المراجعة والطعن التي يقررها النظام القضائي، وأن تستخدم المصطلحات القانونية الدقيقة في توصيف وضع كل شخص خلال مراحل القضية.
ولا ينتقص توفير هذه الضمانات من حقوق الضحايا، لأن الحكم الذي يصدر بعد إجراءات قضائية سليمة يكون أكثر قدرة على الصمود أمام النقد القانوني والحقوقي، وأكثر تعبيراً عن دولة تسعى إلى تأسيس مؤسسات تختلف في قواعد عملها عن المؤسسات التي استخدمها نظام الأسد البائد.
وتظهر أهمية ذلك بصورة أكبر عندما تكون العقوبة الصادرة شديدة، فكلما ارتفعت خطورة العقوبة ازدادت الحاجة إلى التدقيق في الأدلة والإجراءات وحقوق الدفاع وطرق الطعن والمراجعة القانونية.
عقوبة الإعدام والجدل الحقوقي
تفتح أحكام الإعدام الصادرة في هذه القضايا باباً متوقعاً للنقاش مع منظمات حقوقية وجهات دولية تعارض هذه العقوبة من حيث المبدأ، بما في ذلك في القضايا المرتبطة بجرائم جسيمة وانتهاكات واسعة.
ولا ينبغي أن يتحول هذا الاختلاف إلى مواجهة بين الدولة السورية وهذه الجهات، فموقف المنظمة الحقوقية الرافض لعقوبة الإعدام لا يعني بالضرورة رفضها محاسبة المسؤولين عن الجرائم، كما أن تأييد مبدأ المحاسبة لا يفرض الاتفاق على طبيعة العقوبة.
ويتيح التعامل الهادئ مع هذه الاعتراضات للدولة السورية التركيز على العناصر الأكثر أهمية في صورتها القانونية، وفي مقدمتها استقلال القضاء، وسلامة الإجراءات، وحقوق الدفاع، وحقوق الضحايا، واستكمال مراحل التقاضي وفق القانون.
وتستطيع سوريا من خلال هذا النهج الحفاظ على حق مؤسساتها القضائية في ممارسة اختصاصها، مع احترام وجود مواقف قانونية وحقوقية دولية مختلفة، وتجنب سجالات قد تنقل الاهتمام من أصل القضية وحقوق الضحايا إلى صراع سياسي حول المواقف الخارجية.
العدالة الانتقالية أوسع من المحاكمات
تشكل المحاسبة القضائية أحد أعمدة العدالة الانتقالية، فيما يمتد هذا المسار إلى ملفات أخرى شديدة التعقيد والحساسية، تشمل الحقيقة والمفقودين والمختفين قسرياً وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وتحتاج سوريا في ملف الحقيقة إلى عملية واسعة لجمع الوثائق وحماية الأدلة والاستماع إلى الضحايا والناجين وتوثيق أنماط الانتهاكات والمسؤوليات المرتبطة بها، بما يساعد على تكوين سجل وطني يحفظ ذاكرة ما جرى ويمنع إنكار الجرائم أو التلاعب بها مستقبلاً.
ويأتي ملف المفقودين في مقدمة الأولويات، إذ تنتظر آلاف العائلات معلومات حول مصير أبنائها، ويشكل الوصول إلى الحقيقة في هذا الملف أحد أكثر أشكال الإنصاف إلحاحاً، لما يحمله استمرار الغموض من معاناة يومية لأسر لم تعرف طوال سنوات ما إذا كان أبناؤها أحياء أو متوفين أو أين انتهى بهم المصير.
ويحتاج جبر الضرر بدوره إلى رؤية تتعامل مع الآثار المادية والنفسية والاجتماعية للانتهاكات، وتبحث في سبل التعويض ورد الحقوق وإعادة الاعتبار ودعم الناجين والأسر المتضررة، ضمن إمكانات الدولة وأولوياتها.
إصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار
يحدد إصلاح المؤسسات مدى قدرة العدالة الانتقالية على إحداث تغيير طويل الأمد، لأن محاسبة المسؤولين عن جرائم الماضي تفقد جزءاً كبيراً من أثرها إذا بقيت البنى التي سمحت بتلك الجرائم قادرة على إعادة إنتاج الممارسات نفسها.
ويشمل ذلك تطوير القضاء وأجهزة إنفاذ القانون والمؤسسات الأمنية والإدارية، وترسيخ الرقابة والمساءلة، ومنع استخدام أجهزة الدولة لمصلحة أشخاص أو جماعات، وتحديد الصلاحيات بطريقة تمنع تركز السلطة من دون ضوابط.
ويحمل مفهوم ضمان عدم التكرار أهمية مركزية للسوريين، فالمطلوب من معالجة الماضي أن توفر حماية للمستقبل، وأن تنتج مؤسسات تمنع الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري واستخدام القوة خارج القانون، وتتيح للمواطن وسائل فعلية للاعتراض والتقاضي والمحاسبة.
ويصبح نجاح العدالة الانتقالية مرتبطاً، وفق هذا المنظور، بقدرة المواطن السوري مستقبلاً على الشعور بأن حقوقه لا تتوقف على هوية المسؤول الذي يتعامل معه أو موقعه أو نفوذه، وأن الدولة تمتلك آليات تستطيع محاسبة من يتجاوز القانون.
القضاء في مواجهة منطق الثأر
تؤدي العدالة المؤسسية وظيفة شديدة الحساسية في المراحل الانتقالية، فهي تنقل حق المحاسبة من الشارع والجماعات والأفراد إلى القضاء، وتحد من فرص نشوء دوائر انتقام متبادلة يصعب ضبطها لاحقاً.
ويحتاج المجتمع السوري، بعد حجم هائل من الخسائر والانتهاكات، إلى هذا النوع من الحماية، لأن مشاعر الغضب لدى الضحايا والمتضررين مفهومة، غير أن تحويلها إلى أفعال انتقامية سيضيف ضحايا جدداً ويضعف سلطة الدولة ويهدد السلم الأهلي.
ويقدم القضاء طريقاً مختلفاً، يبدأ بالاتهام والتحقيق والأدلة والدفاع وينتهي بالحكم، مع بقاء الإجراءات القانونية اللاحقة وفق وضع كل قضية، وهو المسار الذي يسمح للدولة باحتكار إنفاذ القانون ومنع الاقتصاص الفردي.
وتزداد أهمية هذه المعادلة كلما اتسع نطاق المحاسبة، لأن الهدف في النهاية هو بناء ثقافة عامة ترى المحكمة مكاناً لاستعادة الحقوق، بدلاً من البحث عنها عبر القوة أو النفوذ أو الثأر.
اختبار الاستمرارية والعدالة المتساوية
تواجه العدالة الانتقالية في سوريا اختباراً أساسياً يتعلق بالاستمرارية، إذ سيكون من الضروري أن تتجاوز المحاكمات الأسماء الأكثر شهرة إلى التحقيق المنهجي في مختلف ملفات الانتهاكات وفق الأدلة المتاحة والأولويات القضائية.
وتواجه أيضاً اختبار المساواة، لأن مصداقية المسار ترتبط بقدرة القضاء على تطبيق المعايير نفسها على أي شخص تثبت مسؤوليته عن انتهاك، بعيداً عن موقعه السياسي أو العسكري أو الأمني، وعن علاقته بأي طرف أو مرحلة.
ويمنع الالتزام بهذه القاعدة تحول العدالة الانتقالية إلى أداة لتصفية حسابات سياسية، ويعطي الضحايا والمجتمع رسالة واضحة بأن المعيار المعتمد هو الجريمة والمسؤولية والأدلة.
ويضع ذلك المؤسسات الجديدة أمام مسؤولية كبيرة، فالدولة التي تريد بناء شرعيتها على القانون تحتاج إلى إثبات استقلال مؤسساتها في القضايا الصعبة قبل السهلة، وفي الملفات التي قد تثير خلافاً مجتمعياً أو سياسياً قبل تلك التي تحظى بإجماع واسع.
ما بعد الحكم
تبدأ بعد صدور الأحكام مرحلة لا تقل حساسية عن المحاكمة نفسها، وتتعلق بالوضع القانوني للأحكام وطرق الطعن والمراجعة وتنفيذ ما يصبح واجب التنفيذ منها، إضافة إلى مواصلة التحقيق في الملفات المرتبطة بالانتهاكات وعدم التعامل مع قضية واحدة باعتبارها نهاية لمسار المحاسبة.
وتقع على الإعلام أيضاً مسؤولية في هذه المرحلة، عبر تقديم معلومات قانونية دقيقة حول الأحكام، وعدم وصفها بأنها نهائية أو قطعية قبل تأكيد وضعها من الجهات القضائية المختصة، والفصل بين الخبر القضائي وردود الفعل المجتمعية والسياسية.
ويستطيع الإعلام المساهمة في توسيع النقاش باتجاه القضايا التي تمثل جوهر العدالة الانتقالية، من خلال منح الضحايا والناجين مساحة تحترم كرامتهم، وشرح آليات المحاسبة، ومتابعة ملف المفقودين، وطرح أسئلة جبر الضرر وإصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار.
سوريا أمام فرصة تأسيسية
تمنح المحاكمات الحالية الدولة السورية فرصة لتأسيس علاقة جديدة بين المواطن والمؤسسة العامة، يكون القانون فيها أعلى من الأشخاص والمناصب، ويستطيع فيها الضحية المطالبة بحقه أمام القضاء، ويستطيع المتهم الحصول على حقوقه القانونية، ويخضع المسؤول للمساءلة عندما تثبت الأدلة مسؤوليته.
وتحتاج هذه الفرصة إلى حماية مستمرة، عبر استقلال القضاء، ودقة الإجراءات، ورفض الانتقائية، واحترام قرينة البراءة قبل الإدانة، وضمان حقوق الدفاع، وإبقاء الضحايا وحقوقهم في مركز العملية.
وتكشف الأحكام الصادرة بحق رموز من نظام الأسد البائد بداية اختبار طويل للعدالة السورية، وستتحدد قيمة هذا المسار بقدرته على التحول إلى نهج مؤسساتي مستدام يشمل مختلف ملفات الانتهاكات، ويقدم للسوريين إجابات عن المفقودين، وينصف الضحايا، ويصلح المؤسسات التي ساهمت في الانتهاكات أو عجزت عن منعها.
وتبقى الغاية الأوسع بناء دولة يستطيع السوري أن يثق بأن القانون فيها يحميه من السلطة مثلما يحاسبه عند مخالفته، وأن المنصب لا يوفر حصانة من القضاء، وأن الجريمة لا تتحول إلى إدانة لعائلة أو طائفة أو منطقة، وأن حقوق الضحايا لا تضيع مع تغير الحكومات والظروف السياسية.
وتضع سوريا بهذه المعادلة أساساً ضرورياً للاستقرار والسلم الأهلي، فالدولة التي تستطيع مواجهة إرث الانتهاكات بالقضاء والحقيقة والإنصاف وإصلاح المؤسسات تفتح الطريق أمام مجتمع أكثر قدرة على تجاوز آثار الماضي، وتمنح السوريين فرصة لبناء مستقبل تكون فيه سيادة القانون ضمانة للجميع، وتصبح فيه العدالة حقاً للضحايا ومسؤولية للدولة ومهمة دائمة لمؤسساتها.
٩ أغسطس ٢٠٢٦
تجاوز رجل وامرأة، بعد عقود من العشرة، سؤال: "هل نحب بعضنا؟"، منذ أن قررا، في يوم مضى، أن يصيرا لبعضهما، تركا للسنوات أن تنسج بينهما حياةً كاملة، فتداخلت الأيام، وتراكمت الذكريات، وتشابكت المسؤوليات، حتى صار كل واحد منهما جزءاً من تعريف الآخر لنفسه وحياته، صارا أكثر من زوج وزوجة، كيانين ألف كل منهما الآخر حتى أصبح يتصرف على بداهة لا تحتاج إلى سؤال: هذا لي، وهذه لي، وهذا بيتي، وهذا الإنسان الذي اخترته رفيقاً لطريقي.
وفي مثل هذه العلاقات، لا تكون قيمة الاستمرار في عدد السنوات وحده، وإنما في ذلك الشعور العميق بأن الآخر صار من ثوابت الحياة، مثل البيت الذي تعود إليه، والوجه الذي تعرفه قبل أن يتكلم، واليد التي اعتدت وجودها إلى جوارك حتى لم تعد تفكر في أنها يمكن أن تغيب، ولذلك فإن التهديد المتكرر بالطلاق يهز تصوراً كاملاً للحياة تشكل على مدى سنوات طويلة.
حين تقول الزوجة، عند كل خلاف صغير: "أريد الطلاق"، قد ترى في عبارتها جملة عابرة خرجت في لحظة غضب، فيسمع الزوج فيها احتمالاً لم يكن يريد أن يفكر فيه، يسمع أن ما ظنه ثابتاً يمكن أن يصبح مؤقتاً، وأن ما اعتاد أن يعدّه من مسلّمات حياته قد يتحول، عند أول عاصفة، إلى شيء قابل للانتهاء.
ماذا يحدث حين يصبح الثابت مهدداً في كل خلاف؟
في المرة الأولى، يخاف الزوج. ليس خوفه من كلمة الطلاق بحد ذاتها، وإنما من سقوط اليقين الذي عاش عليه، فيسارع إلى الاحتواء، ويعتذر، ويشرح، ويتنازل، وربما يحمل نفسه فوق طاقتها كي يعيد الأمور إلى موضعها، يتصرف آنذاك كمن يحاول حماية بيت لا يريد أن يرى جدرانه تتصدع بسبب عاصفة عابرة.
لكن المشكلة تبدأ حين تصبح العاصفة عادة، فالإنسان يستطيع أن يتحمل الخوف إذا كان استثناءً، لكنه لا يستطيع أن يجعله نظاماً دائماً للحياة، ومع تكرار التهديد، يتغير شيء في داخله، لا يعود يسمع "أريد الطلاق" كحادثة استثنائية، بل كاحتمال متكرر، والاحتمالات المتكررة تتحول في النفس إلى واقع محتمل.
وهنا تبدأ الثقة بالاهتزاز، لا بمعنى أن الزوج يتهم زوجته بالكذب، وإنما بمعنى أعمق: يفقد ثقته في ثبات العلاقة، ويصبح غير واثق من أن ما اتفقا عليه ضمنياً قبل عقود ما زال قائماً اليوم، وإذا كانت سنوات طويلة من المشاركة يمكن أن توضع على حافة النهاية بسبب خلاف صغير، فما الذي بقي إذن من معنى ذلك العهد القديم؟
متى يبدأ الإنسان في حماية نفسه ممن اعتاد أن يكون مأمنه؟
حين يتكرر التهديد، يبدأ الزوج في مراقبة كلماته، لا يعود يدخل النقاش بعفوية الرجل الذي يشعر أن بيته مأمنه، بل بعقل الرجل الذي يحسب العواقب. هل أقول هذا؟ هل أعترض على ذاك؟ هل يمكن أن يتحول هذا النقاش إلى "إذن طلّقني"؟
وهنا يحدث شيء شديد الخطورة: يبدأ الإنسان في إدارة العلاقة بدل أن يعيشها، ويصبح همه ألا يستفز الموقف، لا أن يكون صريحاً، يختار الصمت لا لأنه مقتنع، وإنما لأنه مرهق، ويتنازل لا لأنه يرى التنازل عادلاً، وإنما لأنه يريد أن تنتهي الأزمة قبل أن تصل إلى العبارة التي بات يخشاها.
وقد يبدو هذا من الخارج استقرارًا. لا صراخ، لا مشاكل كبيرة، لا مشاجرات متكررة، لكن الهدوء الذي يأتي بعد أن يتعلم أحد الطرفين كبت نفسه ليس بالضرورة سلاماً، قد يكون مجرد انسحاب من المعركة.
والإنسان حين يضطر إلى كبت نفسه طويلاً داخل أقرب علاقاته، يبدأ في الانفصال عن العلاقة من الداخل، فليس المطلوب من الزواج أن يخلو من الخلاف، وإنما أن يكون الخلاف ممكناً دون أن يصبح وجود العلاقة نفسها موضع مساومة.
لماذا يتغير التعلق حين يفقد الإنسان الأمان؟
التعلق لا يعيش في الفراغ، إنه يحتاج إلى شعور بأن الآخر باقٍ، وأن وجوده ليس معلقاً على مزاج اللحظة، وعندما يهتز هذا الشعور مراراً، تبدأ النفس، بصورة دفاعية، في تخفيف مقدار تعلقها.
ليس قراراً واعياً من نوع: "سأتوقف عن التعلق"، إنها آلية أكثر هدوءاً من ذلك، يقل الانتظار، يقل القلق عند الغياب، يقل الانشغال بردود الفعل، وتصبح فكرة الحياة من دون الآخر أقل غرابة مما كانت عليه.
وهنا قد يصل الزوج إلى مرحلة مؤلمة: لا يعود يخاف من الطلاق كما كان يخافه سابقاً ،ليس لأنه قرر الرحيل، وليس لأنه لم يعد يرى قيمة السنوات التي عاشها، وإنما لأن النفس البشرية تتعلم التكيف مع ما يتكرر، وما كان مستحيل التصور في الأمس يصبح قابلاً للتصور في الغد، خصوصاً إذا تكرر التلويح به أمامها حتى صار جزءاً من المشهد.
وهل يمكن أن يبقى الرجل في البيت وقد غادر العلاقة من الداخل؟ نعم، وربما هذه هي المرحلة الأكثر التباساً والأشد قسوة، وقد يبقى الرجل في البيت، يؤدي واجباته، ينفق، يسأل، يرافق، يجلس مع الأسرة، يزور الأقارب، ويظهر أمام الناس بصورة الزوج نفسه الذي عرفوه طوال السنوات، لكن شيئًا داخله يكون قد تغير، لم يعد يفعل الأشياء نفسها بالدافع نفسه، وإنما لأنه يعرف أن الحياة لها مسؤوليات، وأن البيوت لا تُدار كلها بالعاطفة، وأن وراء كل قرار تاريخاً طويلاً وأبناء وذكريات ومصالح واعتبارات كثيرة.
وهنا تبدأ الحياة في اتخاذ شكل مسرحي غريب، لا أحد يكذب بالضرورة، لكن الجميع يؤدي دوره، الزوج يقوم بما يجب عليه، والزوجة تقوم بما يجب عليها، والبيت مستمر، والأيام تمضي، والصورة الخارجية سليمة، بينما تنكمش المساحة الداخلية التي كان فيها كل طرف يشعر أن الآخر جزء لا يتجزأ من كيانه.
قد يجلسان إلى المائدة نفسها، لكن كل واحد منهما يعيش في مكان نفسي مختلف، قد يتحدثان عن الأولاد والعمل والمصروف والمواعيد، لكن الأشياء التي كانت تُقال بلا تفكير تصبح أثقل من أن تُقال، وقد يستمر الاحترام، وتستمر المسؤولية، وتبقى الصحبة، لكن ذلك الشعور القديم بأن "هذا الإنسان لي، وأنا له" يبدأ في التراجع أمام سؤال أكثر قسوة: "إلى متى سيبقى هذا الإنسان لي؟"
٩ أغسطس ٢٠٢٦
فرض سقوط نظام الأسد البائد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر واقعاً سياسياً جديداً في سوريا، لم يقتصر على تغيير السلطة في دمشق، بل امتد إلى ملفات شديدة التعقيد تراكمت خلال سنوات الحرب في سوريا، وفي مقدمتها شكل الوجود العسكري الأجنبي والعلاقات التي أقامها النظام السابق مع حلفائه، وعلى رأسهم روسيا، التي امتلكت حضوراً عسكرياً واسعاً في الساحل السوري عبر قاعدتي حميميم وطرطوس.
إرث ثقيل أمام الدولة الجديدة
كان ملف الوجود الروسي بالغ الحساسية، تشابكت فيه الاعتبارات السياسية والعسكرية والاقتصادية، فحميميم شكلت منذ عام 2015 مركزاً رئيسياً للعمليات الجوية الروسية في سوريا، فيما مثل الوجود الروسي في طرطوس نقطة ارتكاز بحرية ولوجستية مهمة لموسكو على البحر المتوسط.
خلال أكثر من عام، لم يكن من مصلحة سوريا الانتقال من مرحلة التبعية التي فرضها نظام الأسد البائد إلى سياسة تقوم على القطيعة غير المحسوبة، كما لم يكن ممكناً استمرار الترتيبات السابقة وكأن التحول السياسي الذي شهدته البلاد لم يحدث، ومن هنا برز التفاوض باعتباره الطريق الأكثر قدرة على إعادة صياغة العلاقة من موقع الدولة ومصالحها.
18 شهراً من التفاوض
استغرقت المفاوضات والمباحثات بين دمشق وموسكو نحو عام ونصف، وقادتها وزارة الخارجية والمغتربين وصولاً إلى مذكرة تفاهم ترسم إطاراً مختلفاً للوجود الروسي في سوريا، وهي مدة تكشف في حد ذاتها حجم التعقيدات المرتبطة بالملف، وحاجة الطرفين إلى الوصول إلى صيغة تحافظ على المصالح المتبادلة، من دون إبقاء الوضع الذي تشكل خلال حقبة نظام الأسد البائد على حاله.
ويحمل الوصول إلى اتفاق برضى الدولتين دلالة سياسية مهمة، فالتحول في طبيعة الوجود الروسي لم يأت عبر مواجهة أو إجراءات أحادية الجانب، وإنما من خلال التفاوض المباشر، وهو ما يمنح الترتيبات الجديدة فرصة أكبر للاستمرار، ويضع العلاقة السورية ـ الروسية أمام قواعد أكثر وضوحاً من المرحلة السابقة.
استعادة المنشآت المدنية
تشكل استعادة الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني إحدى أبرز نتائج التفاهم، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، بما يتيح إعادة إدماج هذه المنشآت تدريجياً في منظومة الإدارة والاستثمار المدني.
ولا تبدو هذه الخطوة إدارية فحسب، إذ تحمل مضموناً سيادياً واقتصادياً في آن واحد، فعودة منشآت استراتيجية إلى الإدارة السورية تعني توسيع قدرة مؤسسات الدولة على إدارة أصولها ومرافقها، والاستفادة منها ضمن احتياجات الاقتصاد والنقل والتجارة والطيران المدني، بدلاً من استمرار ارتباطها بالترتيبات العسكرية التي حكمت استخدامها خلال السنوات الماضية.
وقد بدأت بعض النتائج العملية لهذا المسار بالظهور، مع إعلان الهيئة العامة للمنافذ والجمارك التوصل إلى اتفاق لتسلم المواقع التجارية التي كان يشغلها الجانب الروسي في مرفأ طرطوس، وفي مقدمتها الرصيف رقم "4" بجميع مستودعاته والمنشآت التابعة له.
وتزامن ذلك مع إعلان الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي تسلم مطار اللاذقية الدولي، وبدء الفرق المختصة تقييم وضعه الفني والتشغيلي ومرافقه وأنظمته، تمهيداً لإعادة تأهيله ورفع جاهزيته وإعادته إلى منظومة الطيران المدني واستقبال الرحلات وفق المعايير المعتمدة.
من القواعد إلى مراكز التدريب
يحمل الجانب العسكري من الاتفاق تحولاً أكثر عمقاً في شكل العلاقة، إذ تقضي التفاهمات بإعادة صياغة وظيفة القواعد والمنشآت العسكرية الروسية، والانتقال بها من نموذج القواعد العسكرية بصيغته السابقة إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل.
ويعني ذلك أن القضية لا تتعلق بتغيير أسماء المنشآت، وإنما بإعادة تعريف وظيفتها وموقعها ضمن العلاقة بين البلدين، فالقاعدة العسكرية بصيغتها التقليدية ترتبط بوجود عملياتي مستقل واعتبارات عسكرية واستراتيجية واسعة، بينما تضع صيغة التدريب والتأهيل المشترك العلاقة في إطار مختلف، يقوم بصورة أكبر على التعاون بين مؤسسات الدولتين.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي أدته قاعدة حميميم خلال عهد نظام الأسد البائد، إذ شكلت منذ التدخل الروسي عام 2015 مركزاً رئيسياً للعمليات العسكرية الروسية، وانطلقت منها آلاف الطلعات الجوية التي استهدفت مناطق سورية عدة، وسقط خلالها آلاف المدنيين، ما جعل اسم القاعدة مرتبطاً بمرحلة دامية من الحرب في سوريا.
ثلاثة أشهر لترجمة الاتفاق
تتجاوز أهمية مذكرة التفاهم مضمونها السياسي إلى وجود جدول زمني لتنفيذها، إذ حدد الطرفان سقفاً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحول والدخول في الترتيبات الجديدة.
ويمنح هذا الجدول الاتفاق بعداً تنفيذياً، ويخرجه من دائرة البيانات السياسية المفتوحة إلى مسار يفترض أن تكون نتائجه قابلة للقياس على الأرض، سواء فيما يتعلق بإدارة المنشآت المدنية، أو إعادة تنظيم المنشآت العسكرية، أو تحديد طبيعة الدور الروسي في المرحلة المقبلة.
كما يقلص تحديد المهلة الزمنية مساحة الغموض التي أحاطت بمصير القواعد الروسية منذ سقوط نظام الأسد البائد، حين تعددت التقديرات بشأن مستقبل حميميم وطرطوس، وظهرت تحركات عسكرية ولوجستية روسية أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت موسكو تستعد للانسحاب أم لإعادة التموضع.
لا قطيعة مع موسكو
يكمن أحد أهم أبعاد الاتفاق في أنه لا يقدم العلاقة مع روسيا باعتبارها ملفاً يجب إنهاؤه، وإنما علاقة تحتاج إلى إعادة بناء وفق الواقع السوري الجديد، فالانتقال من القواعد العسكرية إلى مراكز التدريب، مع استعادة المنشآت المدنية، يشير إلى محاولة الفصل بين استمرار العلاقات بين الدولتين وبين استمرار الصيغة التي حكمت الوجود الروسي في عهد نظام الأسد البائد.
وهنا تظهر معادلة مختلفة، عنوانها أن الحفاظ على العلاقات والمصالح المشتركة لا يستوجب بالضرورة الإبقاء على الامتيازات والترتيبات السابقة، وفي المقابل، فإن استعادة سوريا إدارة منشآتها وإعادة تحديد وظيفة الوجود العسكري الروسي لا تعني بالضرورة الذهاب نحو خصومة سياسية مع موسكو.
اختبار للدبلوماسية السورية
يعكس الوصول إلى هذه الصيغة كذلك اختباراً مبكراً لقدرة الدبلوماسية السورية على معالجة الملفات التي خلفتها المرحلة السابقة، ولا سيما الملفات التي ترتبط بدول كبرى تمتلك مصالح استراتيجية وأوراق نفوذ متراكمة داخل سوريا.
ويقدم المسار التفاوضي في هذا السياق نموذجاً لمعالجة هذه القضايا عبر التفاوض المباشر، بدلاً من تركها عرضة للتصعيد أو الغموض، إذ استطاعت دمشق وموسكو بعد أشهر طويلة من المباحثات الوصول إلى أرضية مشتركة تعيد تنظيم العلاقة وتحفظ في الوقت ذاته قنوات التعاون بينهما.
علاقة مختلفة لا نهاية للعلاقة
يفتح اتفاق حميميم وطرطوس، في المحصلة، الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات السورية ـ الروسية، فالتحول الأساسي لا يكمن في خروج روسيا من المشهد السوري، بقدر ما يتمثل في إعادة تعريف موقعها وطبيعة وجودها ضمن قواعد مختلفة عن تلك التي تأسست في عهد نظام الأسد البائد.
ويضع الاتفاق أمام الدولة السورية فرصة لاستعادة إدارة منشآتها المدنية والاستراتيجية، وفي الوقت نفسه يتيح إعادة بناء العلاقة مع موسكو على قاعدة المصالح المتبادلة والتفاهم بين الدولتين، بدلاً من استمرار ترتيبات صنعتها ظروف الحرب والارتهان السياسي والعسكري للنظام السابق.
ويبقى نجاح هذه الصيغة مرتبطاً بما سيحدث خلال الأشهر الثلاثة المحددة للتنفيذ، فالمعيار الحقيقي لن يكون في مضمون مذكرة التفاهم وحده، وإنما في ترجمتها على الأرض، وفي قدرة الدولة السورية على تحويل استعادة المنشآت وإعادة تنظيم الوجود الروسي إلى نموذج أوسع لإدارة علاقاتها الخارجية، يقوم على سيادة القرار السوري، والمصالح المتبادلة، وإقامة شراكات لا تنتقص من قدرة الدولة على إدارة أراضيها ومؤسساتها.
٧ أغسطس ٢٠٢٦
تتجه السعودية وتركيا وباكستان إلى بناء إطار دفاعي مشترك يضيف بعداً عسكرياً وأمنياً إلى العلاقات المتنامية بين الدول الثلاث، مستنداً إلى شراكات دفاعية قائمة أصلاً بين الرياض وإسلام آباد، وإلى تقارب واسع بين أنقرة وكل من السعودية وباكستان.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في منطقة تشهد تحولات أمنية متسارعة، مع تصاعد التوترات الإقليمية، وتنامي الحاجة إلى ترتيبات ردع أكثر تماسكاً بين الدول التي تتقاطع مصالحها العسكرية والسياسية.
سوريا ليست طرفاً في هذا الاتفاق، ولا توجد أي معطيات رسمية تشير إلى شمولها ببند للدفاع المشترك. أهمية الاتفاق بالنسبة لدمشق تظهر في مكان آخر، وتحديداً في طبيعة العلاقة التي تبنيها سوريا مع السعودية وتركيا، وفي موقعها الجغرافي والأمني داخل المنطقة التي تتحرك فيها الدول الثلاث.
وتزداد أهمية هذه الاتفاقية بالنسبة لسوريا مع إشارة مسؤول تركي إلى أنها مفتوحة أمام انضمام دول إقليمية أخرى، ضمن مساعي توسيع التعاون والتنسيق الأمني والدفاعي. ويكشف هذا التصريح أن الدول الثلاث لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره إطاراً مغلقاً، ما يترك المجال أمام توسع محتمل قد يشمل مستقبلاً دولاً مثل الأردن ومصر أو دولاً خليجية أخرى، إذا تقاطعت مصالحها الأمنية مع التوجه الذي تقوم عليه المنظومة.
وبالنسبة لدمشق، فإن توسع الاتفاق على هذا النحو سيجعل أهميته أكبر حتى إذا بقيت سوريا خارجه. فوجود الأردن مثلاً داخل إطار أمني يجمعه مع تركيا والسعودية سيضع سوريا جغرافياً بين عدد من الدول المنخرطة في المنظومة نفسها، ويزيد من أهمية استقرار أراضيها وحدودها بالنسبة إلى حركة التجارة والأمن الإقليمي. كما أن انضمام دول عربية او اسلامية أخرى سيمنح الاتفاق ثقلاً سياسياً أكبر، وقد يوسع مساحة التنسيق في ملفات تمس دمشق مباشرة، من ضبط الحدود ومكافحة التنظيمات المسلحة إلى أمن طرق النقل ومواجهة أي تصعيد يهدد استقرار المنطقة.
وتزداد قيمة هذا الاحتمال بالنسبة لسوريا مع اتساع تعاونها العسكري مع أنقرة وتقاربها السياسي والاقتصادي مع الرياض. فكلما اتسعت دائرة الدول المشاركة في المنظومة، أصبحت دمشق أقرب إلى شبكة من المصالح الأمنية المتداخلة، حتى من دون أن تكون عضواً فيها. وهنا تحديداً تظهر أهمية موقع سوريا، باعتبارها نقطة جغرافية تصل تركيا بالأردن ومنه بالسعودية والخليج، وساحة يرتبط استقرارها بصورة مباشرة بعدد متزايد من مشاريع الأمن والنقل والتجارة الإقليمية.
تبدو تركيا الطرف الأكثر ارتباطاً بما يحدث داخل سوريا. الحدود المشتركة بين البلدين تجعل الملف السوري جزءاً مباشراً من الحسابات الأمنية التركية، سواء فيما يتعلق بالتنظيمات المسلحة، وضبط الحدود، وحركة التجارة، وملف اللاجئين، أو التوازنات العسكرية في شمال سوريا وشرقها.
ومع سقوط النظام البائد وتشكيل الحكومة السورية الجديدة، بدأت العلاقة بين دمشق وأنقرة تتحرك باتجاه تعاون أمني وعسكري أوسع. تركيا أبدت استعدادها للمساهمة في تدريب الجيش السوري وتطوير قدراته، وبدأت بالفعل خطوات لدعم المؤسسة العسكرية السورية، في وقت تؤكد فيه دمشق أن هدفها هو توحيد السلاح ضمن مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي السورية.
هذا المسار يجعل سوريا ذات أهمية عسكرية مباشرة بالنسبة إلى أنقرة. فاستقرار الجيش السوري وقدرته على ضبط الحدود ومواجهة التنظيمات والتشكيلات المسلحة ينعكس على الأمن التركي نفسه، ويقلل من احتمالات بقاء مناطق خارجة عن سلطة الدولة يمكن أن تتحول إلى مصدر تهديد مستمر لتركيا.
كما أن التعاون العسكري بين البلدين يمنح دمشق منفذاً إلى خبرة عسكرية تركية كبيرة، سواء في التدريب أو إعادة هيكلة القوات أو تطوير القدرات الدفاعية، وهو أمر يكتسب أهمية خاصة في مرحلة تعيد فيها سوريا بناء جيشها بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.
ومن هذه الزاوية، فإن دخول تركيا في إطار دفاعي أوسع مع السعودية وباكستان يزيد من الوزن الإقليمي لأحد أهم الشركاء العسكريين لدمشق، ويمنح أنقرة مساحة أكبر للحركة والتنسيق مع قوتين تملكان ثقلاً سياسياً وعسكرياً مهماً.
العلاقة السعودية السورية تتحرك في مسار مختلف، لكنه يلتقي مع المقاربة التركية عند مسألة استقرار الدولة السورية.
الرياض دعمت الحكومة السورية والرئيس السوري أحمد الشرع سياسياً، وأكدت بصورة متكررة دعم وحدة سوريا وسيادتها وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. كما أبدت تأييداً لدمج التشكيلات المسلحة ضمن المؤسسات الرسمية، ووسعت تعاونها السياسي والاقتصادي والأمني مع دمشق.
وترافق ذلك مع تحرك سعودي في ملفات اقتصادية وتنموية، ما يجعل استقرار سوريا مرتبطاً بصورة متزايدة بمصالح سعودية تتجاوز الموقف السياسي التقليدي.
هذا الحضور مهم عند قراءة الاتفاق الدفاعي الجديد. فالسعودية التي ترى في استقرار سوريا جزءاً من استقرار المنطقة، وتعمل على بناء علاقة طويلة المدى مع الحكومة السورية، تصبح أكثر ارتباطاً بما يجري داخل البلاد وبقدرة دمشق على تثبيت مؤسسات الدولة.
ويزداد هذا الارتباط مع المشاريع المطروحة للربط الاقتصادي والنقل بين تركيا وسوريا والأردن والسعودية. فقد تحدث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عن مشاريع للربط السككي تمتد من تركيا مروراً بسوريا والأردن وصولاً إلى السعودية، إلى جانب إعادة تفعيل مشروع “البحار الأربعة” الذي يقوم على تحويل سوريا إلى نقطة وصل بين طرق التجارة الإقليمية.
نجاح مثل هذه المشاريع يحتاج قبل أي شيء إلى دولة مستقرة وقادرة على حماية أراضيها وحدودها وطرق النقل التي تمر بها. ولهذا يصبح استقرار سوريا مهماً لأنقرة والرياض من زاوية الأمن والاقتصاد معاً.
الفائدة السورية من الاتفاق لا ترتبط بالحصول على مظلة دفاع مباشرة، وإنما بالبيئة الإقليمية التي يمكن أن يخلقها.
سوريا تبني علاقة عسكرية متقدمة مع تركيا، وعلاقة سياسية واقتصادية متنامية مع السعودية. وإذا أصبحت أنقرة والرياض جزءاً من إطار دفاعي أكثر تماسكاً، فإن ذلك قد يزيد من مستوى التنسيق بين دولتين تعتبران استقرار سوريا مصلحة لهما.
ويتضح هذا بصورة أكبر في الملف الإسرائيلي. السعودية وتركيا تتبنيان موقفاً واضحاً في رفض الاعتداءات الإسرائيلية داخل سوريا، وتؤكدان دعم وحدة أراضيها وسيادتها واستقرارها، في وقت ترى فيه دمشق أن الهجمات الإسرائيلية تعرقل عملية إعادة بناء الدولة وتزيد من التوتر الداخلي والإقليمي، وبالتأكيد سيحمل هذا الاتفاق تخوفات اسرائيلية كبيرة خاصة فيما يتعلق بقدرتها على زعزة استقرار سوريا بشكل مباشرة.
هنا تظهر إحدى أهم دلالات الاتفاق بالنسبة لسوريا. فإذا تعرضت البلاد مستقبلاً لتصعيد واسع يهدد استقرار الدولة، فإن أنقرة والرياض لن تتعامل بالضرورة مع التطورات باعتبارها حدثاً بعيداً عن مصالحهما.
بالنسبة إلى تركيا، أي انهيار أمني كبير في سوريا سينعكس مباشرة على حدودها وعلى ملفات الإرهاب والتنظيمات المسلحة واللاجئين والتجارة. وبالنسبة إلى السعودية، فإن زعزعة سوريا تعني تهديداً لاستثمارات سياسية واقتصادية متنامية، وتعطيلاً لمشاريع إقليمية تسعى الرياض إلى دعمها.
ولا يعني ذلك توقع رد عسكري مشترك. فأدوات الدول في مثل هذه الحالات واسعة، ويمكن أن تشمل التنسيق السياسي والضغط الدبلوماسي، وتبادل المعلومات الأمنية، وزيادة الدعم العسكري والتدريب للجيش السوري، وتعزيز قدرات الدولة على حماية أراضيها.
أما باكستان، فيبقى تأثيرها على سوريا أقل مباشرة. فإسلام آباد لا تملك حدوداً مشتركة مع سوريا ولا ترتبط بالملف السوري بالطريقة نفسها التي ترتبط بها تركيا أو السعودية. أهميتها تأتي من ثقلها العسكري وعلاقاتها الدفاعية الوثيقة مع الرياض وأنقرة، وهو ما يزيد من قوة الإطار الذي تتحرك فيه الدولتان.
بالنسبة لدمشق، تكمن أهمية المنظومة الجديدة في أنها تتشكل في وقت تتقارب فيه سوريا مع أهم طرفين فيها. تركيا تتحول إلى شريك عسكري وأمني رئيسي، والسعودية توسع حضورها السياسي والاقتصادي وتدعم استقرار الدولة السورية.
ومع استمرار هذا المسار، قد يصبح استقرار سوريا جزءاً أساسيًا من الحسابات الأمنية للدول المشاركة في الاتفاق، خصوصاً إذا تعمق التعاون العسكري السوري التركي، وتوسعت الاستثمارات السعودية، وبدأ تنفيذ مشاريع الربط البري والسككي التي تجعل الأراضي السورية ممراً بين تركيا والأردن والسعودية.
سوريا تبقى خارج الاتفاق وفق كل ما هو معلن حتى الآن. ومع ذلك، فإن موقعها الجغرافي والسياسي والعسكري، وعلاقاتها الجديدة مع أنقرة والرياض، تجعلها واحدة من الدول التي يمكن أن تتأثر مباشرة بالبيئة الأمنية التي سينتجها. وبالنسبة لدمشق، تبدو القيمة الأساسية في وجود دولتين تدعمان استقرارها وتملكان معها مصالح متنامية داخل إطار دفاعي إقليمي يرفع مستوى التنسيق بينهما.
٢٨ يوليو ٢٠٢٦
شكّلت الحلقة الأولى من مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع برنامج "المقابلة" على قناة الجزيرة محطة إعلامية بارزة، ليس فقط لما تضمنته من مواقف سياسية تناولت ملفات داخلية وإقليمية ودولية، وإنما أيضاً لطبيعة الجمهور الذي استهدفته المقابلة، إذ جاءت في سياق مخاطبة الرأي العام العربي والدولي، بعد مرحلة كان فيها الخطاب الرسمي يتركز بدرجة أكبر على الشأن الداخلي.
وقدّم الرئيس خلال المقابلة رؤية متكاملة لسياسة سوريا الجديدة، شملت أولويات إعادة بناء الدولة، والانفتاح على العالم، وإعادة صياغة العلاقات الإقليمية، إلى جانب ملفات العدالة الانتقالية والاقتصاد والعلاقات مع دول الجوار والقضايا الأمنية.
وفق القراءة الأولية لتفاعل الجمهور، حققت المقابلة، حضوراً لافتاً لدى شريحة واسعة من المشاهدين العرب الذين لم يسبق لهم متابعة الرئيس أحمد الشرع في مقابلة تلفزيونية مطولة ومباشرة بهذا الشكل، وهو ما منح الحلقة أهمية تتجاوز حدود الساحة السورية.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة بالنظر إلى أن الجمهور المستهدف لم يكن المتابع السوري المعتاد، وإنما جمهور عربي متنوع المشارب والخلفيات، الأمر الذي جعل المقابلة وسيلة لعرض ملامح السياسة السورية الجديدة أمام شريحة واسعة من الرأي العام في المنطقة.
كما أن مؤشرات التفاعل أظهرت أن الحلقة حظيت بنسبة مشاهدة مرتفعة، رغم الجدل الذي رافقها على منصات التواصل الاجتماعي، وظهر الرئيس خلالها بصورة واثقة قدم من خلالها رؤيته لعدد من الملفات السياسية والاقتصادية والإقليمية.
كما برزت انطباعات إيجابية لدى قطاعات من الجمهور الفلسطيني، ولا سيما في ما يتعلق بحديثه عن الحرب والسلام مع إسرائيل، إذ رأى بعض المتابعين أن الطرح اتسم بالواقعية والمصارحة، مقارنة بخطابات تصعيدية كانت سائدة في المنطقة خلال السنوات الماضية.
كما لاقت الرسائل المتعلقة بعلاقات سوريا مع دول الخليج صدى إيجابياً لدى شريحة من الجمهور الخليجي، التي رأت في الخطاب الجديد مؤشراً على توجه سوريا نحو بناء شراكات تقوم على المصالح المشتركة والاستقرار، بما يجعلها شريكاً في دعم أمن المنطقة وتنميتها.
هل كانت التصريحات مكررة؟
أثار بعض المتابعين ملاحظات اعتبرت أن عدداً من المواقف التي طرحها الرئيس سبق أن وردت في لقاءات أو تصريحات سابقة، إلا أن طبيعة الخطاب الرسمي في القضايا السيادية تجعل ثبات المواقف أمراً متوقعاً، إذ إن الملفات المرتبطة بالدستور والعدالة الانتقالية وبناء الدولة لا تتغير بتغير المنصة الإعلامية.
ومن هذا المنطلق - وفق خبراء السياسة - فإن تطابق الرسائل بين أكثر من ظهور إعلامي يعكس اتساق الموقف الرسمي، بينما كان اختلافها أو تناقضها هو ما كان سيطرح علامات استفهام حول ثبات السياسات المعلنة.
يتجاهل جزء من الانتقادات طبيعة الجمهور الذي خوطب في هذه المقابلة، إذ إن متابعي قناة الجزيرة في العالم العربي يختلفون عن الجمهور السوري الذي يواكب بصورة يومية الخطاب الرسمي والتصريحات الحكومية.
ولهذا، فإن ما قد يبدو مألوفاً للمتابع داخل سوريا قد يمثل معلومات أو مواقف تُطرح للمرة الأولى أمام قطاعات واسعة من الجمهور العربي، وهو ما يمنح إعادة عرض هذه الرسائل في منصة عربية جماهيرية بعداً مختلفاً عن تكرارها في وسائل الإعلام المحلية.
بالتطرق إلى (الجدل حول إسرائيل)، تركزت بعض الانتقادات على حديث الرئيس عن السعي إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، إلا أن هذا الجدل لا يرتبط بالمقابلة نفسها بقدر ما يعكس مواقف سياسية قائمة لدى بعض الشرائح منذ إعلان هذا التوجه، وبالتالي فإن إثارة الملف في أي منصة إعلامية كانت ستنتج ردود فعل متقاربة بصرف النظر عن توقيت الطرح أو وسيلته.
هل الجدل يعني الفشل؟
يرتبط ظهور رئيس دولة في مقابلة مطولة مع منصة إعلامية بحجم قناة الجزيرة بطبيعة الحال بنقاشات واسعة ومواقف متباينة، وهو أمر معتاد في المقابلات السياسية ذات التأثير الإقليمي، ولا يُقاس نجاح مثل هذه الإطلالات بغياب الانتقادات، وإنما بقدرتها على إيصال الرسائل الأساسية إلى الجمهور المستهدف وتحقيق الأهداف الاتصالية التي أُجريت من أجلها.
وفي هذا السياق، فإن حجم النقاش الذي أعقب الحلقة يمكن النظر إليه بوصفه مؤشراً على وصول المقابلة إلى مساحة واسعة من الجمهور وإثارتها نقاشاً عاماً حول مضامينها، وهو ما لم يكن ليتحقق لو مرت دون اهتمام أو تفاعل.
في قراءة أولية، تشير الحصيلة العامة للحلقة الأولى إلى أنها نجحت في إيصال ملامح السياسة السورية الجديدة إلى جمهور عربي واسع، مع المحافظة على اتساق الخطاب الرسمي في القضايا الأساسية، بالتوازي مع فتح نقاش إقليمي حول توجهات دمشق في المرحلة المقبلة.
وبينما برزت ملاحظات وانتقادات من بعض الأوساط، ولا سيما داخل سوريا، فإن تقييم المقابلة لا يقتصر على ردود الفعل المحلية وحدها، بل يشمل أيضاً مدى نجاحها في الوصول إلى جمهور خارجي واسع، وتكوين انطباعات إيجابية لدى شرائح عربية، من بينها جمهور في فلسطين ودول الخليج، وهو ما يجعل نتائجها، في هذه المرحلة، تميل إلى تحقيق أهدافها الإعلامية والسياسية أكثر من كونها مجرد مناسبة لإثارة الجدل.
٢٦ يوليو ٢٠٢٦
لا تبدو المنشورات الطائفية التي يكتبها ماهر شرف الدين موجهة إلى أبناء السنّة بقدر ما تخاطب جمهوراً داخل السويداء. فالسنّة يظهرون في هذا الخطاب بوصفهم خصماً جماعياً، تُستخدم صورته لتخويف أبناء الطائفة الدرزية وإقناعهم بأن محيطهم السوري يشكل تهديداً دائماً لهم.
يعتمد شرف الدين على حوادث وانتهاكات تقع في مناطق مختلفة، ثم ينقلها من إطارها الفردي أو المحلي إلى اتهام طائفي واسع. وبدلاً من تحديد المسؤولية بشخص أو مجموعة مسلحة، تتحول الواقعة في منشوراته إلى دليل على طبيعة جماعة كاملة، ويصبح ملايين السوريين مسؤولين عن أفعال لم يشاركوا فيها.
بعد ذلك ينقل شرف الدين هذه الصورة إلى داخل السويداء، مستخدماً عبارات مثل «يا أهل السويداء»، ليقول لأبناء المحافظة إن ما يعرضه عليهم هو المصير الذي كان ينتظرهم لو عاد حضور مؤسسات الدولة أو تغيرت موازين القوى داخل المحافظة.
وفي أحد منشوراته، جمع أخباراً قال إنها توثق اعتداءات تعرض لها علويون خلال يوم واحد، ثم ادعى أن هذه الوقائع تبين لأهالي السويداء كيف كانت ستصبح حياتهم لو دخلت القوات الحكومية إلى المحافظة. هنا لم تعد الحوادث مرتبطة بالضحايا أو بمحاسبة مرتكبيها، وإنما تحولت إلى مادة سياسية هدفها ترسيخ الخوف.
يبدأ شرف الدين بعض منشوراته بعبارة «يا سنّة سوريا»، لكن مضمونها لا يتضمن حواراً فعلياً أو محاولة للإقناع. فالأسئلة التي يطرحها تأتي غالباً بصيغة الاتهام، وتطالب أبناء الطائفة السنية بتفسير أفعال ارتكبها أفراد أو مجموعات محددة.
وتبدو هذه المخاطبة أقرب إلى عرض سياسي موجه إلى جمهور آخر. فالسنّة هم الطرف الذي يجري اتهامه علناً، لكن الرسالة الأساسية تصل إلى أبناء السويداء، ومضمونها أن الخلاف مع بقية السوريين ليس سياسياً أو مرتبطاً بجهات محددة، وإنما عداء طائفي مستمر، وحتى يصل على اعتباره عداء وجودي.
كما يستفيد هذا الخطاب من ردود الفعل التي يثيرها. فكل شتيمة طائفية أو رد غاضب يمكن اقتطاعه وإعادة نشره، ثم تقديمه دليلاً على صحة التحذيرات التي يكررها شرف الدين. وبهذا يصنع الخطاب الاستفزاز، ثم يستخدم نتائجه لتبرير المزيد منه.
يترافق خطاب التخويف مع محاولة لعزل أبناء السويداء عن المصادر التي قد تقدم رواية مختلفة. فقد حذر شرف الدين سكان المحافظة من التعامل، حسب وصفه، «ببراءة وحسن نية» مع الإعلام العربي، ووضع مؤسسات إعلامية مختلفة في خانة العداء من دون تمييز بين خبر موثق ومعلومة خاطئة.
وتخدم هذه اللغة بناء دائرة معلومات مغلقة، يصبح فيها كل مصدر مخالف جزءاً من مؤامرة، وكل رواية لا تنسجم مع خطاب ميليشيات الهجري رواية معادية للمحافظة والطائفة.
ولا يعود المطلوب من الجمهور مقارنة المعلومات أو التحقق منها، وإنما رفض ما يأتي من الخارج مسبقاً، ثم الاعتماد على المصادر المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري والقوى المتحالفة معه.
يسعى شرف الدين أيضاً إلى تقديم السويداء باعتبارها كتلة واحدة تقف خلف الهجري. وقد ادعى في أحد منشوراته أن موقف الأخير أصبح موقف «كل أهل الجبل»، بمن فيهم من لم يكونوا مؤيدين له سابقاً.
غير أن المحافظة تضم اتجاهات سياسية واجتماعية متعددة، كما ظهرت خلال الأشهر الماضية مؤشرات تذمر مرتبطة بتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية والأمنية واستمرار حالة الجمود.
وبرزت الخلافات بصورة أوضح في ملف طلاب الشهادات العامة، بعدما تحول مكان الامتحانات وآلية وصول الطلاب إليها إلى قضية سياسية وأمنية، وسط تقارير عن ضغوط وقطع للطرقات، ومطالبات بإبعاد التعليم ومستقبل الطلاب عن التجاذبات.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو الحديث عن موقف موحد لكل سكان السويداء محاولة لتغطية التململ الداخلي وحماية القوى المسيطرة من المساءلة.
لا يناقش شرف الدين كثيراً نتائج الخيارات السياسية والعسكرية المتبعة داخل السويداء، ولا يتوقف عند آثارها على حياة السكان والاقتصاد والتعليم والخدمات. وبدلاً من ذلك، يعيد توجيه النقاش نحو خطر خارجي مفترض.
وتقوم الرسالة على أن الاعتراض على الأوضاع الداخلية قد يضعف المحافظة أمام عدو طائفي، وأن انتقاد الهجري أو التشكيلات التابعة له يهدد أمن أبناء الطائفة. وبهذا يتحول الخوف إلى أداة لضبط الجمهور، ويصبح الاختلاف السياسي تهديداً وجودياً.
ولا يحتاج هذا الخطاب إلى تقديم أدلة تثبت عداء السوريين للدروز. يكفيه انتقاء حوادث محددة، وحذف ظروفها وهوية مرتكبيها ومواقف المجتمع منها، ثم تقديمها ضمن رواية جاهزة.
لا يدافع هذا الأسلوب عن أبناء السويداء بقدر ما يعزلهم عن محيطهم، ويلغي حقهم في الاختلاف، ويبرر استمرار نفوذ ميليشيات الهجري. فالدفاع عن الضحايا يتطلب تحديد المسؤولين عن الانتهاكات ومحاسبتهم، ولا يحتاج إلى اتهام طائفة كاملة أو تحميل ملايين الأشخاص مسؤولية جرائم أفراد.
ويكشف مجمل خطاب ماهر شرف الدين أن استفزاز السنّة ليس غايته النهائية، وإنما وسيلة لصناعة خصم دائم وشد العصب الداخلي. أما الهدف السياسي الأوسع، فيبدو مرتبطاً بمنع التململ داخل السويداء من التحول إلى مراجعة حقيقية للواقع الذي وصلت إليه المحافظة.
٢٠ يوليو ٢٠٢٦
كلما دار الحديث عن تحسين البيئة الاستثمارية، يتجه النقاش سريعًا نحو القوانين والتشريعات الجديدة وكأن الاستثمار يبدأ من النصوص وينتهي عندها.
لكن المستثمر لا يدخل أي سوق لأنه أعجب بقانونٍ ما
ما يبحث عنه في النهاية ليس جودة النص بل إمكانية الاعتماد عليه.
فالمحامي يقرأ القانون ليحدد معناه أما المستثمر فيقرأه ليحدد نتيجته وهذان مساران مختلفان في الفهم والغاية
في العمل القانوني يُعد النص المرجع النهائي أما في الاستثمار فالنص ليس سوى نقطة البداية وما يحدد القرار الاستثماري فعليًا هو ما يحدث بعد ذلك: كيف يتحول القانون إلى قرار؟ وكيف يتحول القرار إلى ممارسة؟ وهل تنتج هذه الممارسة نتائج يمكن التنبؤ بها؟
قد يكون القانون متقدمًا من حيث الصياغة، واضحًا في أحكامه، ومتماسكًا في بنيته لكن إذا أُنتجت عنه نتائج مختلفة باختلاف الجهة أو التوقيت أو أسلوب التفسير، فإنه يفقد أهم قيمة اقتصادية يمكن أن يوفرها: اليقين
فالاستثمار لا يُبنى على النصوص وحدها، بل على قابلية التنبؤ بسلوك المؤسسات التي تطبق هذه النصوص.
وعلى سبيل المثال تظهر هذه الفجوة جلياً في الإجراءات اللوجستية والمالية فقد يمنح القانون إعفاءً جمركياً واضحاً لمدخلات إنتاج معينة، ولكن عند التطبيق العملي على المنافذ، يواجه المستثمر تفسيرات متباينة لتصنيف تلك المواد، مما يربك حسابات التكلفة والجدوى الاقتصادية للمشروع بأكمله قبل أن يبدأ فعلياً
وهنا تظهر الإشكالية الحقيقية ليست في القانون ذاته، بل فيما يمكن تسميته بـ«هندسة التطبيق» أي الطريقة التي يُفهم بها القانون داخل الجهاز التنفيذي، وكيف يُترجم إلى قرارات عملية
وتزداد أهمية هذه المسألة في الاقتصادات التي تمر بمرحلة إعادة بناء أو تحول اقتصادي، حيث يكون إصدار التشريعات الجديدة أسرع بكثير من ترسيخ الممارسات المؤسسية المستقرة. فالقوانين يمكن أن تتغير خلال أشهر، أما الثقة فتحتاج إلى وقت أطول لتتشكل
وفي مثل هذه المراحل الانتقالية، تصبح القدرة على بناء الثقة المؤسسية عاملًا اقتصاديًا بحد ذاته. فالمستثمر لا يقيّم حجم الفرص المتاحة فقط، بل يقارن بين حجم الفرصة ومستوى اليقين المرتبط بها. ولهذا فإن استقرار التطبيق واتساق القرار الإداري لا يقلان أهمية عن الحوافز والتسهيلات التي تقدمها القوانين نفسها
في بعض الحالات، ينص القانون على حوافز واضحة لمشروعات محددة، لكن اختلاف الجهات المعنية في تفسير شروط الاستفادة منها يؤدي إلى نتائج متباينة رغم تشابه الوقائع. عندها لا يعود النص هو العامل الحاسم، بل طريقة تطبيقه
المسألة لا تتعلق بكمال القانون، بل بدرجة استقرار تطبيقه. فالقانون الذي لا ينتج النتيجة نفسها عند تطبيقه على حالتين متشابهتين، هو قانون لم يكتمل بعد من منظور استثماري، مهما بلغت جودة صياغته
لا يقيم المستثمر البيئة القانونية من خلال عدد القوانين أو حداثة نصوصها، بل من خلال اتساق نتائجها. فهو لا يطلب نظامًا مثاليًا، ولا بيئة خالية من التحديات، بل يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار في ثلاثة أمور أساسية: كيف يُفسَّر القانون؟ كيف يُطبَّق؟ وكيف يُحسم الخلاف عند اختلاف التفسير؟
غياب هذا الحد الأدنى لا يمنع الاستثمار بالضرورة، لكنه يرفع تكلفة القرار ويزيد من هامش المخاطر. وفي عالم الاستثمار، كثيرًا ما تكون القدرة على توقع النتيجة أكثر أهمية من مضمون النتيجة نفسها
ولهذا، فإن القانون الجيد في نظر المستثمر ليس الأكثر تفصيلًا أو الأكثر صرامة، بل القانون الذي يُنتج أثرًا ثابتًا يمكن توقعه عبر الزمن والحالات المختلفة. فالاستثمار، في جوهره، ليس قرارًا قانونيًا بقدر ما هو قرار مبني على درجة اليقين داخل النظام القانوني.
إن علاج هذه الفجوة لا يكمن في إنتاج المزيد من التشريعات، بل في إعادة صياغة العلاقة بين النص والموظف المنفذ له. ويتطلب ذلك اتخاذ خطوات عملية واضحة:
أولاً: إلزام الجهات الحكومية بإصدار (أدلة تفسيرية موحدة)ومتاحة للعامة، تُغلق الباب أمام الاجتهادات الفردية وتوحد معايير اتخاذ القرار
ثانياً: تفعيل الرقابة اللاحقة والتدقيق على القرارات الإدارية لضمان عدم خروجها عن فلسفة القانون ومقاصده الاستثمارية. ثالثاً: تسريع وتيرة التحول الرقمي وأتمتة الخدمات الاستثمارية؛ إذ إن رقمنة الإجراءات لا تسهّل المعاملات فحسب، بل تُقصي العنصر البشري وتحد من تباين التفسيرات والآراء الشخصية في تطبيق القوانين
ولهذا السبب، أصبحت مسألة اليقين القانوني أحد المؤشرات الأساسية التي تعتمدها المؤسسات المالية الدولية وصناديق الاستثمار عند تقييم الأسواق الناشئة فالتجارب الاقتصادية الحديثة أثبتت أن رأس المال يستطيع التعايش مع مستويات مختلفة من المخاطر السياسية أو الاقتصادية، لكنه يتردد كثيرًا أمام البيئات التي يصعب فيها توقع كيفية تطبيق القواعد أو استقرارها بمرور الوقت
ومن هنا، فإن بناء الثقة الاستثمارية لا يبدأ فقط من تحديث التشريعات، بل من ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل تطبيق القانون أكثر اتساقًا ووضوحًا وقابلية للتنبؤ.
وفي النهاية، لا تُختبر القوانين عندما تصدر بشكل رسمي، بل عندما يقرر أول مستثمر أن يبني قراره عليها
هناك فقط يتبين الفرق بين نص قانوني جيد… وبيئة قانونية جديرة بالاستثمار
٢ يوليو ٢٠٢٦
عكست زيارة وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني إلى لبنان، وما رافقها من استقبال رسمي وشعبي ولافتات ترحيب في بيروت وطرابلس، تحولاً لافتاً في طبيعة التعاطي اللبناني مع الدولة السورية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد البائد، بعد عقود ارتبطت فيها العلاقة بين البلدين بإرث ثقيل من التوتر والعداء والانقسامات السياسية.
وشكّلت العلاقة بين لبنان ونظام الأسد البائد واحدة من أكثر الملفات حساسية في المنطقة، إذ تركت سنوات الوصاية السورية على لبنان، وما رافقها من تدخلات أمنية وسياسية، إضافة إلى ملفات الاعتقالات والاغتيالات والاختفاء القسري، آثاراً عميقة في الذاكرة اللبنانية، ورسخت لدى شريحة واسعة من اللبنانيين مشاعر الغضب والرفض تجاه النظام الذي حكم سوريا لعقود.
إرث من الصراع
وامتد هذا الإرث إلى محطات مفصلية في تاريخ لبنان، بدءاً من دخول القوات السورية عام 1976، مروراً بسنوات النفوذ السياسي والأمني، وصولاً إلى الانسحاب العسكري عام 2005 عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وما تبعه من اتهامات سياسية وأزمات متلاحقة زادت من اتساع الفجوة بين النظام السوري السابق وشرائح واسعة من المجتمع اللبناني.
كما بقيت ملفات المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، والانتهاكات التي تعرض لها معارضون وسياسيون وصحفيون، من أبرز القضايا التي غذّت هذا الإرث، إلى جانب ما خلّفته الحرب في سوريا من تداعيات أمنية واقتصادية ونزوح واسع أثّر بشكل مباشر على لبنان.
مشهد مختلف
لكن المشهد الذي رافق زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني حمل مؤشرات مختلفة عن السنوات الماضية، إذ شهدت بيروت وطرابلس استقبالاً رسمياً، إلى جانب مظاهر ترحيب شعبية ولافتات رحبت بالوفد السوري، في مشهد كان يصعب تخيله قبل أشهر فقط، عندما كانت صورة الدولة السورية لا تزال مرتبطة في أذهان كثير من اللبنانيين بممارسات نظام الأسد البائد.
ويعكس هذا التحول، بالنسبة لكثير من المراقبين، تمييزاً واضحاً بين الدولة السورية الجديدة والنظام السابق، إذ باتت قطاعات من المجتمع اللبناني تنظر إلى السلطة الجديدة باعتبارها بداية لمرحلة مختلفة يمكن أن تؤسس لعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل والسيادة والتعاون، بعيداً عن سياسات الوصاية والتدخل التي طبعت العقود الماضية.
فرصة لإعادة بناء العلاقة
وتفرض المرحلة الحالية على دمشق وبيروت فرصة لإعادة صياغة العلاقات الثنائية على أسس جديدة، تقوم على معالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها ترسيم الحدود، وضبط المعابر، ومكافحة التهريب، والتعاون الأمني، إضافة إلى معالجة ملف اللاجئين السوريين بما يراعي مصالح البلدين ويحفظ كرامة اللاجئين.
كما يبرز التعاون الاقتصادي كأحد أبرز الملفات التي يمكن أن تعيد الحيوية للعلاقات، في ظل حاجة سوريا إلى الانفتاح على محيطها العربي، وحاجة لبنان إلى استقرار حدوده الشرقية وتنشيط حركة التجارة والترانزيت نحو الأسواق العربية عبر الأراضي السورية.
التغيير في الوعي اللبناني
ولا يعني الترحيب الذي رافق زيارة الشيباني أن اللبنانيين تجاوزوا إرث العقود الماضية أو أغلقوا ملفاتها، إلا أنه يعكس تغيراً ملحوظاً في النظرة إلى سوريا الجديدة، وفصلاً متزايداً بين النظام الذي ارتبط في الذاكرة اللبنانية بالاغتيالات والاعتقالات والتدخلات، وبين الدولة السورية التي تسعى اليوم إلى بناء علاقات مختلفة مع جيرانها.
ويشير هذا التحول إلى أن سقوط نظام الأسد البائد لم يغيّر المشهد داخل سوريا فحسب، بل بدأ ينعكس أيضاً على البيئة الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان، حيث تبدو العلاقة بين البلدين أمام اختبار جديد، عنوانه الانتقال من إرث الصراع وعدم الثقة إلى مرحلة تقوم على الحوار والتعاون واحترام السيادة، مع بقاء نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة الطرفين على ترجمة هذه التحولات إلى سياسات عملية ومستدامة.
١٣ يونيو ٢٠٢٦
في الحروب التقليدية، كانت عملية تحديد الأهداف العسكرية تستغرق ساعات طويلة من جمع المعلومات وتحليلها ومراجعتها قبل اتخاذ القرار.
أما في الحرب الأمريكية على إيران، فقد واجهت واشنطن تحدياً مختلفاً يتمثل في إدارة بنك أهداف ضخم تجاوز 13 ألف موقع خلال أول 38 يوماً من العمليات، بمعدل يقارب 342 هدفاً يومياً.
وفي ظل هذا الحجم غير المسبوق من البيانات والأهداف، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أهم أدوات إدارة المعركة، حيث تولت الخوارزميات تحليل المعلومات الواردة من عشرات المصادر وتحويلها إلى أهداف قابلة للتنفيذ خلال وقت قياسي.
لماذا احتاجت واشنطن إلى الذكاء الاصطناعي؟
لم تكن المشكلة أمام الجيش الأمريكي خلال الحرب على إيران في نقص المعلومات، بل في حجمها الهائل، فالأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والرادارات وأنظمة الاستطلاع الإلكتروني كانت تنتج تدفقات متواصلة من الصور والإشارات والبيانات على مدار الساعة.
ومع اتساع رقعة العمليات وارتفاع عدد الأهداف المحتملة إلى أكثر من 13 ألف موقع خلال أسابيع قليلة، أصبح من الصعب على المحللين البشر وحدهم فرز هذه الكميات الضخمة من المعلومات بالسرعة المطلوبة.
ولهذا اتجهت وزارة الدفاع الأمريكية إلى الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل البيانات وربطها وتصنيفها خلال دقائق، وتحويلها إلى قوائم أهداف مرتبة بحسب الأولوية العسكرية والأهمية العملياتية.
من مشروع لمراقبة الطائرات المسيّرة إلى منصة تدير المعركة
تعود جذور هذه القدرات إلى مشروع "مافن" الذي أطلقه البنتاغون عام 2017 بهدف مساعدة المحللين العسكريين على التعامل مع الكم الهائل من الصور ومقاطع الفيديو القادمة من الطائرات المسيّرة.
وفي ذلك الوقت كانت أجهزة الاستخبارات تواجه صعوبة متزايدة في مراجعة آلاف الساعات من التسجيلات والبيانات الواردة من مناطق العمليات.
ومع مرور السنوات تطور المشروع بصورة كبيرة، وانتقل من مجرد أداة لتحليل الصور إلى منصة متكاملة قادرة على دمج البيانات القادمة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والرادارات ووسائل الاستطلاع الإلكتروني والاتصالات المعترضة والمصادر البشرية في نظام واحد يعرف اليوم باسم "مافن الذكي".
كيف بُني بنك الأهداف؟
تعتمد المنظومة على جمع المعلومات من عشرات المصادر المختلفة وتحويلها إلى ما يشبه "الصورة العملياتية الموحدة" لساحة المعركة.
وبدلاً من انتقال القادة بين عدد كبير من الشاشات وقواعد البيانات، تُعرض المعلومات في واجهة واحدة تتيح تتبع المواقع العسكرية والتحركات والأنشطة المشتبه بها بصورة لحظية.
وعند رصد نشاط معين، يقوم النظام بمقارنة المعلومات الواردة من مصادر متعددة للتأكد من أهميته العسكرية. وبعد ذلك تُصنف الأهداف المحتملة وتُرتب وفق معايير تشمل مستوى التهديد والقيمة العملياتية والأهمية الاستراتيجية، ما يسمح ببناء بنك أهداف متجدد باستمرار.
أرقام تكشف حجم العملية
تكشف البيانات المعلنة عن حجم غير مسبوق للعمليات العسكرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. فخلال أول 38 يوماً من الحرب، أعلنت الولايات المتحدة استهداف أكثر من 13 ألف موقع داخل إيران.
وشملت القائمة أكثر من ألفي موقع للقيادة والسيطرة، ونحو 1500 هدف للدفاعات الجوية، إضافة إلى أكثر من 1450 موقعاً مرتبطاً بالبنية الصناعية العسكرية.
وتعني هذه الأرقام أن مراكز القيادة كانت تتعامل مع مئات الأهداف يومياً، وهو حجم يصعب إدارته بالوسائل التقليدية المعتمدة على التحليل البشري وحده.
عندما أصبحت الخوارزميات شريكاً في القرار العسكري
لم يعد دور الذكاء الاصطناعي يقتصر على جمع المعلومات وتحليلها، بل امتد إلى المساعدة في ترتيب الأولويات واقتراح الخيارات المتاحة للقادة العسكريين.
فالنظام قادر على تحديد الوحدات الأقرب إلى الهدف، وتقديم تصورات متعددة للتعامل معه، وتوفير تقييم سريع للخيارات المتاحة استناداً إلى البيانات الواردة من الميدان.
كما ساهم دمج نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الحديثة في تعزيز هذه القدرات، حيث أصبح بالإمكان إنتاج قوائم أهداف متخصصة أو تحديث الأولويات بصورة شبه فورية وفقاً للتطورات الميدانية.
من أيام إلى دقائق
يعد اختصار الزمن أحد أبرز الإنجازات التي حققتها هذه المنظومات. ففي السابق كانت عملية اكتشاف الهدف وتحليل المعلومات المرتبطة به ورفع التوصيات بشأنه تستغرق ساعات طويلة وربما أياماً في بعض الحالات.
أما اليوم، فأصبحت هذه المراحل تُنجز خلال دقائق معدودة. ويستطيع النظام إعادة تقييم المشهد العملياتي باستمرار، وإنتاج قوائم أهداف جديدة فور ورود معلومات إضافية، ما يمنح القادة قدرة أكبر على مواكبة المتغيرات المتسارعة في ساحة القتال.
بنك أهداف يتجدد باستمرار
لا تنتهي مهمة النظام عند تنفيذ الضربة العسكرية، بل تبدأ مرحلة جديدة من التحليل. فبعد كل عملية، تستقبل المنظومة صوراً حديثة وتقارير تقييم الأضرار وبيانات الاستطلاع، ثم تعيد فحص بنك الأهداف بالكامل.
وإذا جرى تدمير هدف معين يتم استبعاده من القائمة، بينما تُضاف الأهداف الجديدة التي تظهر نتيجة التطورات الميدانية. وبهذه الطريقة يتحول بنك الأهداف إلى منظومة ديناميكية تتحدث باستمرار بدلاً من كونه قائمة ثابتة تُعد مسبقاً.
الوجه الآخر للسرعة
ورغم المزايا التي توفرها هذه التقنيات، فإن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي أثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط العسكرية والأكاديمية والحقوقية.
فكلما ازدادت سرعة إنتاج الأهداف وتحديثها، تقلص الوقت المتاح للمراجعة البشرية والتدقيق المستقل.
ويحذر خبراء من ظاهرة تعرف باسم "انحياز الأتمتة"، حيث يميل المستخدمون إلى الثقة بنتائج الأنظمة الذكية بسبب سرعتها وكفاءتها، ما قد يؤدي إلى تمرير أخطاء ناجمة عن بيانات غير محدثة أو تقديرات غير دقيقة إذا لم تخضع لمراجعة بشرية كافية.
عصر الحروب الخوارزمية
تكشف الحرب الأمريكية على إيران عن تحول عميق في طبيعة الصراعات الحديثة. فإدارة أكثر من 13 ألف هدف خلال 38 يوماً لم تكن لتتحقق بالاعتماد على القدرات البشرية التقليدية وحدها، بل استندت إلى منظومات ذكاء اصطناعي قادرة على جمع البيانات وتحليلها وتحديثها بصورة متواصلة.
ومع استمرار تطور هذه التقنيات، تبدو الجيوش الحديثة أمام مرحلة جديدة تصبح فيها الخوارزميات شريكاً أساسياً في إدارة العمليات العسكرية.
وبينما يرى مؤيدو هذه الأنظمة أنها تمنح الجيوش سرعة وكفاءة غير مسبوقتين، يحذر منتقدوها من أن مستقبل الحروب قد يشهد اعتماداً متزايداً على قرارات تنتجها الآلات، في معادلة لا تزال حدودها النهائية موضع نقاش عالمي متواصل.
٣١ مايو ٢٠٢٦
حين يتجدد الحديث عن أطفال الدكتورة رانيا العباسي، لا يعود السوريون إلى الماضي، لأنهم في الحقيقة لم يغادروه يوماً بعض الجراح لا تتحول إلى ذكرى، بل تبقى حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، في صورة طفل يذهب إلى مدرسته، في مقعد فارغ على مائدة العائلة، وفي أم تنتظر خبراً تأخر سنوات طويلة حتى تحول الانتظار نفسه إلى شكل من أشكال العذاب.
الفقد في سوريا لم يكن فقداً عادياً لم يكن موتاً تعرف العائلات مكانه وزمانه وتودع فيه أبناءها بدموع أخيرة كان فقداً معلقاً بين السماء والأرض، آلاف الأمهات لم يعرفن إن كان أبناؤهن أحياء أم أمواتاً.
آلاف الآباء ناموا على أمل أن يطرق الباب غائب عاد من السجن أو المنفى أو المجهول سنوات طويلة عاشها السوريون أسرى سؤال واحد: أين هم؟
التغييب القسري لم يكن مجرد إجراء أمني مارسته أجهزة النظام البائد، بل كان سلاحاً نفسياً بالغ القسوة كان الموت البطيء للعائلات المعتقل يُسلب حريته، أما أهله فتُسلب منهم الطمأنينة واليقين.
كل يوم يمر يتحول إلى جلسة تعذيب جديدة، وكل شائعة أو خبر أو صورة مسربة تصبح أملاً وخوفاً في آن واحد كان النظام لا يكتفي باعتقال الضحية، بل يعاقب الأسرة كلها، ويتركها عالقة في دائرة الانتظار والشك والعجز.
ثم جاءت السنوات محملة بصور لا يمكن أن تمحى من الذاكرة السورية صور الأطفال الذين اختنقوا بالغازات السامة وهم نائمون في أحضان أمهاتهم صور المعتقلين الذين خرجوا من السجون هياكل بشرية أنهكها التعذيب صور الجثث المكدسة والوجوه التي فقدت ملامحها من شدة ما تعرضت له من تنكيل ومشاهد الإعدام التي كشفت تباعاً، يجزم كل سوري أنه في زمن النظام البائد تحول القتل إلى ممارسة يومية باردة لا يهتز لها ضمير الجلاد.
وفي قلب هذه المشاهد يقف اسم أمجد يوسف بوصفه أحد أكثر الوجوه تعبيراً عن منظومة القتل التي حكمت سوريا لسنوات طويلة لم يكن مجرد فرد ارتكب جريمة منفردة، بل صورة مكثفة لعقلية كاملة تأسست على تجريد الإنسان من إنسانيته.
أمجد الوحش الذي ارتبط اسمه بمجزرة التضامن لم يظهر في التسجيلات مصاباً بنوبة غضب أو حالة استثنائية من العنف، بل ظهر وهو يمارس القتل ببرود مرعب، وكأن أرواح الضحايا لا تساوي شيئاً تلك المشاهد لم تصدم السوريين بسبب عدد الضحايا فقط، بل لأنها كشفت كيف يمكن أن يتحول القتل إلى عمل روتيني داخل منظومة اعتادت سفك الدماء.
ولهذا فإن الحديث عن احتمال تورطه في مصير أطفال رانيا العباسي لا يفتح ملف جريمة جديدة فحسب، بل يعيد التذكير بطبيعة النظام الذي أنتج أمثال هؤلاء فالمشكلة لم تكن في جلاد واحد أو ضابط واحد أو فرع أمني واحد، بل في شبكة كاملة جعلت من القمع والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري أدوات للحكم والسيطرة.
كان هناك قرار دائم بأن الخوف يجب أن ينتصر على الحياة، وأن الصمت يجب أن يفرض بالقوة، وأن كل من يخرج عن إرادة النظام البائد يختفي دون أثر.
ما يؤلم السوريين اليوم ليس فقط معرفة أن أطفالاً أبرياء انتهت حياتهم بهذه الطريقة المأساوية، بل تخيل السنوات التي سبقت انكشاف الحقيقة تخيل كم أم سورية كانت تحلم بمستقبل أبنائها، تخيل كم لعبة بقيت في المنزل تنتظر أصحابها دفاتر مدرسية لم تكتمل صفحاتها أسرة كاملة اختفت دفعة واحدة وكأنها لم تكن موجودة هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل المأساة أكبر من الأرقام والإحصاءات، لأنها تعيد الضحايا إلى صورتهم الإنسانية الحقيقية أطفال لهم أحلام وأصوات وضحكات وأسماء.
لهذا يبدو الحديث النسيان إهانة جديدة للضحايا وعائلاتهم فلا يمكن مطالبة شعب نجا من المجازر أن لا ينسى الوجع الذي لن ينسى، ولا مطالبة أم فقدت أبناءها أن تطوي الصفحة، ولا مطالبة المعتقل الذي خرج من السجن بآثار التعذيب على جسده وروحه أن يتصرف وكأن شيئاً لم يحدث العدالة الحقيقية لا تُبنى على محو الذاكرة، بل على كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة المسؤولين، والاعتراف بحجم المأساة التي عاشها السوريون.
قد تمر السنوات وتتغير الوجوه والظروف، لكن دموع الأمهات لن تسقط من ذاكرة هذا البلد ستبقى أسماء الأطفال المفقودين، والمعتقلين، وضحايا المجازر، محفورة في وجدان السوريين كشاهد دائم على مرحلة من أحلك مراحل تاريخهم وستبقى العدالة، مهما تأخرت، مطلباً أخلاقياً وإنسانياً لا يسقط بالتقادم، لأن الشعوب قد تتعب، لكنها لا تنسى أبناءها، ولأن الدم الذي سُفك ظلماً لا يطالب بالانتقام، بل بالحقيقة والإنصاف، حتى ينال كل مجرم جزاءه العادل أمام الله وأمام الناس.
٢١ مايو ٢٠٢٦
بعد أكثر من 14 عاماً من الحرب، تواجه سوريا تحدياً هندسياً واقتصادياً هائلاً يتمثل في ملايين الأطنان من الأنقاض والركام المنتشرة في المدن المتضررة، وهو ما يشكل أحد أكبر العوائق أمام مشاريع إعادة الإعمار وإعادة الخدمات.
وتقدّر تقارير أممية أن الحروب والكوارث تخلّف كميات ضخمة من مخلفات البناء والهدم تُعرف عالمياً باسم Construction & Demolition Waste (C&D Waste)، والتي تشمل الخرسانة والحديد والطوب والزجاج والإسفلت والأسلاك المعدنية.
لكن التطور السريع في تقنيات إعادة التدوير والذكاء الاصطناعي غيّر طريقة التعامل مع هذا الركام، إذ لم يعد يُنظر إليه كنفايات فقط، بل كمصدر مواد أولية يمكن إعادة استخدامها اقتصادياً وتقنياً.
الذكاء الاصطناعي يدخل قطاع إعادة التدوير
أحدث التحولات العالمية في هذا القطاع تعتمد على أنظمة فرز ذكية تستخدم الكاميرات والخوارزميات والروبوتات لفصل مواد البناء بشكل آلي.
وطوّر باحثون في جامعة "ستوني بروك" الأميركية نظاماً يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل وفرز النفايات بسرعة أعلى بكثير من الفرز البشري، باستخدام كاميرات منخفضة التكلفة وخوارزميات قادرة على التعرّف على المواد المختلفة داخل أكوام الركام.
وتقوم هذه الأنظمة بتحديد الخرسانة والمعادن والبلاستيك والأخشاب تلقائياً، ما يقلل نسبة المواد المهدورة ويرفع كفاءة إعادة التدوير.
روبوتات قادرة على رفع معدلات التدوير 6 أضعاف
أظهرت دراسة هندسية حديثة من جامعة الدنمارك التقنية أن أنظمة الفرز الروبوتية يمكن أن ترفع معدل إعادة تدوير مخلفات البناء من نحو 5% في الأنظمة التقليدية إلى أكثر من 32% باستخدام الروبوتات والفرز الذكي.
وتعتمد هذه التقنيات على أذرع روبوتية مزودة بحساسات بصرية وتقنيات رؤية حاسوبية تستطيع التقاط المواد القابلة لإعادة الاستخدام بدقة عالية حتى داخل الركام المختلط.
كما تستخدم بعض الأنظمة تقنيات تصوير متعددة الأطياف تشمل الأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء القصيرة لتحديد نوع المواد حتى لو كانت مغطاة بالغبار أو متضررة جزئياً.
دقة تصل إلى 99%
في الإمارات، طوّر باحثون نظاماً يعتمد على التعلم العميق لتصنيف مخلفات البناء والهدم باستخدام الصور والذكاء الاصطناعي، وحقق دقة وصلت إلى 99.5% في تمييز الخرسانة والخشب والسيراميك والمواد المختلطة.
ويعتمد النظام على كاميرات ميدانية وخوارزميات تعلم آلي قادرة على تحليل آلاف الصور بسرعة كبيرة، ما يفتح الباب أمام استخدام هذه التقنيات في مواقع الدمار واسعة النطاق.
كسارات متنقلة تعمل داخل المدن المدمرة
من أبرز التقنيات الحديثة أيضاً "الكسارات المتنقلة" (Mobile Crushers)، وهي معامل متنقلة تُنقل مباشرة إلى مواقع الدمار لمعالجة الركام دون الحاجة إلى شحنه لمسافات طويلة.
وتقوم هذه المعدات بطحن الخرسانة وتحويلها إلى حصويات تُستخدم في تعبيد الطرق أو صناعة الخرسانة منخفضة الكلفة، بينما تُفصل المعادن تلقائياً باستخدام أنظمة مغناطيسية.
وتسعى شركات عالمية مثل Holcim إلى توسيع استثماراتها في البناء الدائري وإعادة تدوير الأنقاض، حيث أعلنت الشركة أنها تستهدف إعادة تدوير 20 مليون طن من مخلفات الهدم سنوياً بحلول عام 2030، بعد أن أعادت تدوير 5.6 ملايين طن خلال أول تسعة أشهر من عام 2025 فقط.
طائرات مسيّرة لرسم خرائط الدمار
أصبحت الطائرات المسيّرة "الدرون" جزءاً أساسياً من عمليات إزالة الركام الحديثة.
وتُستخدم هذه الطائرات لإنشاء خرائط ثلاثية الأبعاد للأحياء المدمرة، وتقدير حجم الأنقاض بدقة، وتحديد الأبنية الخطرة قبل بدء عمليات الهدم أو إعادة التدوير.
كما تسمح تقنيات المسح الرقمي والذكاء الاصطناعي بحساب كميات الحديد والخرسانة القابلة للاسترجاع، ما يساعد في تخفيض كلفة إعادة الإعمار.
سوق عالمي بمليارات الدولارات
تشير تقديرات حديثة إلى أن سوق إعادة تدوير مخلفات البناء والهدم عالمياً تجاوز 148 مليار دولار خلال عام 2025، مع توقعات باستمرار النمو خلال السنوات المقبلة نتيجة تشدد القوانين البيئية وارتفاع أسعار مواد البناء.
كما بلغ حجم سوق أنظمة الفرز الروبوتي لمخلفات البناء أكثر من مليار دولار في 2024، وسط توسع الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية في أوروبا وآسيا.
هل يمكن تطبيق هذه التقنيات في سوريا؟
يرى مختصون أن سوريا تمتلك فرصة للاستفادة من هذه التقنيات مستقبلاً، خصوصاً مع الحاجة إلى إزالة كميات هائلة من الركام في المدن المتضررة.
لكن تطبيق هذه الأنظمة يتطلب بنية تحتية تقنية، وتمويلاً كبيراً، إضافة إلى تشريعات تنظّم استخدام المواد المعاد تدويرها في مشاريع البناء.
كما أن وجود مخلفات حربية وألغام في بعض المناطق يشكل تحدياً إضافياً أمام عمليات الفرز والمعالجة الآلية.
من "أنقاض حرب" إلى مواد لإعادة البناء
في التجارب الحديثة، تحوّلت مخلفات الحرب من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي يدخل مجدداً في مشاريع الطرق والإسكان والبنية التحتية.
ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات الصناعية، قد تصبح إعادة تدوير الركام أحد أهم القطاعات المرتبطة بإعادة إعمار المدن السورية خلال السنوات المقبلة، ليس فقط لإزالة الدمار، بل لتحويله إلى مادة خام لبناء جديد.
١٤ مايو ٢٠٢٦
عندما بدأت الحرب الروسية الأوكرانية في شباط عام 2022، كانت التقديرات العسكرية تتحدث عن معركة سريعة قد تنتهي خلال أيام قليلة لصالح موسكو، بالنظر إلى حجم الترسانة الروسية والتفوق في سلاح الجو والصواريخ والقوات البرية.
لكن الحرب التي توقعت موسكو حسمها بالنيران الثقيلة تحولت تدريجياً إلى ساحة اختبار لأرخص الأسلحة وأكثرها ذكاءً، لتدخل المعارك الحديثة مرحلة جديدة عنوانها "صراع السماء الرقمي".
في الأشهر الأولى للحرب، امتلأت منصات التواصل بمشاهد مصورة لأرتال روسية تتعرض للاستهداف، بينما كانت طائرات صغيرة تحلق فوقها وتنقل صوراً مباشرة من أرض المعركة.
لم تكن تلك الطائرات قاذفات استراتيجية أو مقاتلات شبحية، بل مسيّرات منخفضة الكلفة نسبياً، مزودة بكاميرات رقمية وأنظمة ملاحة تعتمد على الأقمار الصناعية، وقدرات هجومية دقيقة غيرت شكل المواجهة بالكامل.
برزت حينها مسيّرات مثل Bayraktar TB2 التي استخدمت في ضرب خطوط الإمداد واستهداف العربات والمدرعات، لتتحول الدرونز خلال أشهر قليلة من أداة استطلاع مساندة إلى العمود الفقري للعمليات العسكرية لدى الطرفين.
ثورة "FPV".. قناصة السماء الجديدة
أحد أكبر التحولات التي شهدتها الحرب كان الانتشار الواسع لطائرات "إف بي في" FPV، وهي مسيّرات صغيرة يتم التحكم بها عبر نظارات واقع افتراضي تمنح المشغل رؤية مباشرة وكأنه داخل الطائرة نفسها.
هذه الدرونز، التي لا تتجاوز تكلفة بعضها بضع مئات من الدولارات، استطاعت تدمير دبابات ومدرعات تبلغ قيمتها ملايين الدولارات.
كما منحت الجنود قدرة غير مسبوقة على تنفيذ ضربات دقيقة ضد الأهداف المتحركة أو التحصينات أو حتى داخل الخنادق، ما جعل بعض القادة العسكريين يصفونها بـ"قناصة السماء".
ومع الوقت، تحولت ورشات صغيرة في أوكرانيا وروسيا إلى خطوط إنتاج شبه يومية لهذه المسيّرات، حيث يتم تعديل الطائرات التجارية وربطها بأنظمة بث رقمية وعبوات متفجرة وأجهزة توجيه منخفضة الكلفة.
نهاية مفهوم التفوق الجوي التقليدي
لعقود طويلة، كان مفهوم التفوق الجوي يعني السيطرة على السماء عبر الطائرات المقاتلة الحديثة مثل "إف-16" أو "سوخوي".
لكن في أوكرانيا، وبسبب كثافة أنظمة الدفاع الجوي لدى الطرفين، أصبحت المقاتلات المأهولة عاجزة عن التحليق بحرية قرب خطوط الاشتباك.
هذا الفراغ ملأته الدرونز
فأصبحت السماء تعج بآلاف الطائرات الصغيرة التي تنفذ مهام استطلاع ومراقبة واستهداف على مدار الساعة، حتى بات خبراء عسكريون يصفون أرض المعركة بأنها "أرض شفافة"، إذ لم يعد بالإمكان تحريك دبابة أو مجموعة جنود دون أن ترصدها كاميرا حرارية أو مجس رقمي ينقل الإحداثيات فوراً إلى المدفعية أو وحدات الاستهداف.
الحرب تتحول إلى شبكة بيانات ضخمة
الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على النيران والذخيرة، بل على سرعة جمع البيانات وتحليلها ونقلها في الزمن الحقيقي.
فالدرون العسكري اليوم يشبه "حاسوباً طائراً" أكثر من كونه مجرد طائرة صغيرة، إذ يعتمد على منظومة إلكترونية معقدة تضم أنظمة ملاحة مرتبطة بالأقمار الصناعية، وكاميرات حرارية ونهارية فائقة الدقة، وحساسات لقياس الحركة والاتجاه والارتفاع، إضافة إلى وحدات بث مباشر مشفرة ومعالجات إلكترونية قادرة على تحليل الصور والبيانات أثناء الطيران بشكل فوري.
ومع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، باتت بعض الطائرات المسيّرة قادرة على تتبع الأهداف تلقائياً أو العودة الذاتية عند فقدان الاتصال، فيما تعمل جيوش كبرى على تطوير "أسراب درونز" تتواصل فيما بينها وتنسق هجماتها بشكل شبه مستقل.
ويعكس ذلك تحول المعارك الحديثة إلى صراع تقني لا يدور فقط بين الجنود والأسلحة، بل بين البرمجيات والخوارزميات وأنظمة الحرب الإلكترونية أيضاً.
حرب التشويش والاختراق الإلكتروني
ومع ازدياد الاعتماد على الدرونز، ظهرت جبهة قتال جديدة تُعرف بالحرب الإلكترونية.
ففي أوكرانيا، أصبح التشويش على إشارات GPS أو اختراق قنوات الاتصال جزءاً أساسياً من المعركة اليومية.
الطائرة التي تنجح اليوم في اختراق الدفاعات قد تصبح عديمة الفاعلية بعد أيام فقط، بسبب تحديثات برمجية أو أنظمة تشويش جديدة.
ولهذا تتسابق الشركات العسكرية لتطوير أنظمة اتصالات أكثر تعقيداً وبرمجيات قادرة على تجاوز التشويش أو العمل حتى في حال انقطاع الإشارة.
كما ظهرت تقنيات مضادة تعتمد على بنادق تشويش إلكترونية أو أنظمة ليزر ورادارات صغيرة مخصصة لرصد المسيّرات منخفضة الارتفاع.
من أوكرانيا إلى سوريا.. الدرونز تدخل معارك الحسم
لكن التحول الذي صنعته الدرونز لم يقتصر على أوكرانيا فقط، بل امتد إلى ساحات صراع أخرى، بينها سوريا، حيث لعبت المسيّرات دوراً بارزاً خلال معركة "ردع العدوان" التي انتهت بسقوط نظام الأسد عسكرياً.
في تلك المعركة برز استخدام مسيّرات "شاهين"، التي وفرت للقوات المهاجمة قدرة كبيرة على الرصد اللحظي وتحديد الإحداثيات بدقة عالية، إضافة إلى تنفيذ عمليات استهداف مباشرة ومراقبة التحركات العسكرية بشكل متواصل.
كما ساهمت تلك المسيّرات في تقليل فعالية التحصينات التقليدية، ومنحت الوحدات الميدانية قدرة هجومية واستطلاعية كانت تحتاج سابقاً إلى غطاء جوي متكامل، الأمر الذي عكس التحول الكبير في طبيعة الحروب غير التقليدية.
هذا التحول أظهر أن امتلاك قوة جوية لم يعد حكراً على الجيوش النظامية، بل أصبح بالإمكان بناء قدرات هجومية فعالة عبر منظومات مسيّرة صغيرة ومنخفضة الكلفة وسهلة التشغيل نسبياً.
سباق عالمي نحو حروب المستقبل
تشير تقديرات عسكرية إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية شهدت استخدام عشرات آلاف الطائرات المسيّرة بمختلف أنواعها، فيما تجاوزت قيمة سوق الدرونز العسكرية عالمياً 35 مليار دولار، مع توقعات بنمو متسارع خلال السنوات المقبلة.
واليوم تعمل دول مثل الولايات المتحدة والصين وتركيا وروسيا على تطوير جيل جديد من الطائرات المسيّرة يشمل أسراباً ذكية وغواصات غير مأهولة ومسيّرات بحرية وأنظمة قتالية تعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي.
كما تتجه بعض الشركات الدفاعية إلى تطوير درونز صغيرة جداً بحجم راحة اليد لأغراض التجسس داخل المدن والمباني، إضافة إلى طائرات أسرع من الصوت أو مزودة بأنظمة شبحية تقلل من إمكانية اكتشافها عبر الرادارات.
عصر جديد من الحروب الرقمية
كل ذلك يشير إلى أن شكل الحروب يتغير بصورة متسارعة، فإذا كانت الدبابة والطائرة المقاتلة قد شكلتا لعقود رمز القوة العسكرية التقليدية، فإن الطائرات المسيّرة تبدو اليوم مرشحة لتكون السلاح الذي يعيد تعريف مفهوم السيطرة العسكرية في القرن الحادي والعشرين.
ومن أوكرانيا إلى سوريا، أثبتت الدرونز أن التكنولوجيا منخفضة الكلفة قادرة على تغيير موازين القوى، فيما تبدو معارك المستقبل أقل اعتماداً على كثافة النيران، وأكثر ارتباطاً بمن يمتلك البيانات والخوارزميات والسيطرة الرقمية على ساحة القتال.