مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع الجزيرة.. رسائل إلى الخارج ورؤية لسوريا الجديدة
مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع الجزيرة.. رسائل إلى الخارج ورؤية لسوريا الجديدة
● آراء ومقالات ٢٨ يوليو ٢٠٢٦

مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع الجزيرة.. رسائل إلى الخارج ورؤية لسوريا الجديدة

شكّلت الحلقة الأولى من مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع برنامج "المقابلة" على قناة الجزيرة محطة إعلامية بارزة، ليس فقط لما تضمنته من مواقف سياسية تناولت ملفات داخلية وإقليمية ودولية، وإنما أيضاً لطبيعة الجمهور الذي استهدفته المقابلة، إذ جاءت في سياق مخاطبة الرأي العام العربي والدولي، بعد مرحلة كان فيها الخطاب الرسمي يتركز بدرجة أكبر على الشأن الداخلي.

وقدّم الرئيس خلال المقابلة رؤية متكاملة لسياسة سوريا الجديدة، شملت أولويات إعادة بناء الدولة، والانفتاح على العالم، وإعادة صياغة العلاقات الإقليمية، إلى جانب ملفات العدالة الانتقالية والاقتصاد والعلاقات مع دول الجوار والقضايا الأمنية.

وفق القراءة الأولية لتفاعل الجمهور، حققت المقابلة، حضوراً لافتاً لدى شريحة واسعة من المشاهدين العرب الذين لم يسبق لهم متابعة الرئيس أحمد الشرع في مقابلة تلفزيونية مطولة ومباشرة بهذا الشكل، وهو ما منح الحلقة أهمية تتجاوز حدود الساحة السورية.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة بالنظر إلى أن الجمهور المستهدف لم يكن المتابع السوري المعتاد، وإنما جمهور عربي متنوع المشارب والخلفيات، الأمر الذي جعل المقابلة وسيلة لعرض ملامح السياسة السورية الجديدة أمام شريحة واسعة من الرأي العام في المنطقة.

كما أن مؤشرات التفاعل أظهرت أن الحلقة حظيت بنسبة مشاهدة مرتفعة، رغم الجدل الذي رافقها على منصات التواصل الاجتماعي، وظهر الرئيس خلالها بصورة واثقة قدم من خلالها رؤيته لعدد من الملفات السياسية والاقتصادية والإقليمية.

كما برزت انطباعات إيجابية لدى قطاعات من الجمهور الفلسطيني، ولا سيما في ما يتعلق بحديثه عن الحرب والسلام مع إسرائيل، إذ رأى بعض المتابعين أن الطرح اتسم بالواقعية والمصارحة، مقارنة بخطابات تصعيدية كانت سائدة في المنطقة خلال السنوات الماضية.

كما لاقت الرسائل المتعلقة بعلاقات سوريا مع دول الخليج صدى إيجابياً لدى شريحة من الجمهور الخليجي، التي رأت في الخطاب الجديد مؤشراً على توجه سوريا نحو بناء شراكات تقوم على المصالح المشتركة والاستقرار، بما يجعلها شريكاً في دعم أمن المنطقة وتنميتها.

هل كانت التصريحات مكررة؟
أثار بعض المتابعين ملاحظات اعتبرت أن عدداً من المواقف التي طرحها الرئيس سبق أن وردت في لقاءات أو تصريحات سابقة، إلا أن طبيعة الخطاب الرسمي في القضايا السيادية تجعل ثبات المواقف أمراً متوقعاً، إذ إن الملفات المرتبطة بالدستور والعدالة الانتقالية وبناء الدولة لا تتغير بتغير المنصة الإعلامية.

ومن هذا المنطلق - وفق خبراء السياسة - فإن تطابق الرسائل بين أكثر من ظهور إعلامي يعكس اتساق الموقف الرسمي، بينما كان اختلافها أو تناقضها هو ما كان سيطرح علامات استفهام حول ثبات السياسات المعلنة.

يتجاهل جزء من الانتقادات طبيعة الجمهور الذي خوطب في هذه المقابلة، إذ إن متابعي قناة الجزيرة في العالم العربي يختلفون عن الجمهور السوري الذي يواكب بصورة يومية الخطاب الرسمي والتصريحات الحكومية.

ولهذا، فإن ما قد يبدو مألوفاً للمتابع داخل سوريا قد يمثل معلومات أو مواقف تُطرح للمرة الأولى أمام قطاعات واسعة من الجمهور العربي، وهو ما يمنح إعادة عرض هذه الرسائل في منصة عربية جماهيرية بعداً مختلفاً عن تكرارها في وسائل الإعلام المحلية.

بالتطرق إلى (الجدل حول إسرائيل)، تركزت بعض الانتقادات على حديث الرئيس عن السعي إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، إلا أن هذا الجدل لا يرتبط بالمقابلة نفسها بقدر ما يعكس مواقف سياسية قائمة لدى بعض الشرائح منذ إعلان هذا التوجه، وبالتالي فإن إثارة الملف في أي منصة إعلامية كانت ستنتج ردود فعل متقاربة بصرف النظر عن توقيت الطرح أو وسيلته.

هل الجدل يعني الفشل؟
يرتبط ظهور رئيس دولة في مقابلة مطولة مع منصة إعلامية بحجم قناة الجزيرة بطبيعة الحال بنقاشات واسعة ومواقف متباينة، وهو أمر معتاد في المقابلات السياسية ذات التأثير الإقليمي، ولا يُقاس نجاح مثل هذه الإطلالات بغياب الانتقادات، وإنما بقدرتها على إيصال الرسائل الأساسية إلى الجمهور المستهدف وتحقيق الأهداف الاتصالية التي أُجريت من أجلها.

وفي هذا السياق، فإن حجم النقاش الذي أعقب الحلقة يمكن النظر إليه بوصفه مؤشراً على وصول المقابلة إلى مساحة واسعة من الجمهور وإثارتها نقاشاً عاماً حول مضامينها، وهو ما لم يكن ليتحقق لو مرت دون اهتمام أو تفاعل.

في قراءة أولية، تشير الحصيلة العامة للحلقة الأولى إلى أنها نجحت في إيصال ملامح السياسة السورية الجديدة إلى جمهور عربي واسع، مع المحافظة على اتساق الخطاب الرسمي في القضايا الأساسية، بالتوازي مع فتح نقاش إقليمي حول توجهات دمشق في المرحلة المقبلة.

وبينما برزت ملاحظات وانتقادات من بعض الأوساط، ولا سيما داخل سوريا، فإن تقييم المقابلة لا يقتصر على ردود الفعل المحلية وحدها، بل يشمل أيضاً مدى نجاحها في الوصول إلى جمهور خارجي واسع، وتكوين انطباعات إيجابية لدى شرائح عربية، من بينها جمهور في فلسطين ودول الخليج، وهو ما يجعل نتائجها، في هذه المرحلة، تميل إلى تحقيق أهدافها الإعلامية والسياسية أكثر من كونها مجرد مناسبة لإثارة الجدل.

الكاتب: أحمد نور الرسلان
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ