«الاقتصادية» تدخل اختبار الصحافة المتخصصة.. مؤسسة الوحدة تراهن على البيانات للوصول إلى جمهور جديد
«الاقتصادية» تدخل اختبار الصحافة المتخصصة.. مؤسسة الوحدة تراهن على البيانات للوصول إلى جمهور جديد
● اقتصاد ١١ سبتمبر ٢٠٢٦

«الاقتصادية» تدخل اختبار الصحافة المتخصصة.. مؤسسة الوحدة تراهن على البيانات للوصول إلى جمهور جديد

تدخل مؤسسة الوحدة تجربة جديدة في الصحافة المتخصصة مع استعدادها لإطلاق مجلة «الاقتصادية» خلال أيام، في مشروع لا يقتصر على إصدار ورقي نصف شهري، بل يجمع بين المجلة ومنصة رقمية ومركز للمؤشرات الاقتصادية، في محاولة لبناء منتج إعلامي يقرأ تحولات الاقتصاد السوري بالأرقام ويقدمها لجمهور تتباين اهتماماته بين تفاصيل المعيشة وحركة الأسواق والاستثمار والإنتاج.

ويأتي إطلاق المشروع في مرحلة تتسارع فيها التحولات الاقتصادية وتتزايد معها الحاجة إلى تفسير القرارات الحكومية وقياس نتائجها، بينما يفرض انتشار المنصات الرقمية تحدياً إضافياً على أي إصدار ورقي جديد، الأمر الذي دفع القائمين على «الاقتصادية» إلى توزيع المحتوى بين نسخة مطبوعة تستهدف المستثمرين والباحثين والأكاديميين، ومنصات إلكترونية تسعى للوصول بصورة أكبر إلى الشباب ومتابعي الأخبار اليومية.

من الخبر الاقتصادي إلى تفسير أثره

يراهن القائمون على المجلة على أن تكون الأرقام نقطة انطلاق للمعالجة الصحفية وليست مجرد بيانات تضاف إلى الخبر، إذ أوضح رئيس تحرير «الاقتصادية» مناف قومان، في حديث لصحيفة «الثورة السورية»، أن المشروع يسعى إلى تفسير القرارات والسياسات الحكومية وربط المؤشرات الاقتصادية بنتائجها المباشرة على حياة المواطنين والقطاعات الإنتاجية.

وتتوزع أجندة المجلة على ملفات واسعة تبدأ من الغذاء والقمح والأسعار والرواتب والليرة، وتمتد إلى الطاقة والصناعة والمناطق الصناعية والضرائب والمالية العامة والإسكان وفرص العمل، وهي ملفات يطمح فريق التحرير إلى التعامل معها من زاوية تفسيرية وتحليلية بدلاً من الاكتفاء بمتابعة القرارات والتصريحات المرتبطة بها.

ويظهر هذا التوجه بصورة أوضح في إنشاء قسم مخصص لجمع الأرقام وتحليلها، والعمل على تطوير مؤشرات اقتصادية تستند إلى منهجيات محددة، بحيث تصبح المجلة مع مرور الوقت قادرة على إنتاج بياناتها ومقارنتها وتتبع تغيراتها، وصولاً إلى إصدار وثيقة دورية ترصد حركة الاقتصاد السوري خلال مرحلة إعادة البناء.

معضلة البيانات قبل الوصول إلى القارئ

تواجه التجربة منذ مرحلة التأسيس تحديين أساسيين، أولهما محدودية عدد الصحفيين المتخصصين في الاقتصاد، وثانيهما نقص البيانات المتاحة حول عدد من القطاعات، وهي مشكلة تجعل الانتقال من التغطية الخبرية العامة إلى صحافة اقتصادية قائمة على التحليل أكثر صعوبة.

ويشير قومان إلى أن المؤسسة بدأت التعامل مع التحدي الأول عبر برامج تدريبية للصحفيين ستستمر خلال المرحلة المقبلة، بينما يفترض أن يساعد القسم المتخصص بالبيانات في معالجة الجانب الآخر من خلال جمع الأرقام وتصنيفها وتحليلها، بدلاً من بقاء العمل الصحفي مرتبطاً بما يصدر بصورة متفرقة من بيانات ومعلومات.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة لأن نجاح الصحافة الاقتصادية لا يرتبط بكثرة الأرقام بقدر ارتباطه بالقدرة على تفسيرها، فمؤشرات الأسعار أو الأجور أو الإنتاج أو الاستثمار لا تقدم صورة مكتملة ما لم توضع ضمن سياق زمني وقطاعي يسمح للقارئ بمعرفة اتجاهها وأسباب تغيرها وتأثيرها على الاقتصاد.

المجلة تخرج إلى المحافظات

تسعى «الاقتصادية» إلى تجاوز نموذج المجلة التي تنتظر وصول القارئ إليها، إذ تتضمن خطتها إنشاء منتدى تفاعلي ينتقل بين المحافظات ويلتقي المنتجين والفعاليات الاقتصادية، بهدف مناقشة مشكلات كل منطقة وتحويل جزء منها إلى ملفات صحفية تصل إلى الجهات المعنية وصناع القرار.

وتنسجم هذه الخطوة مع توجه نحو صحافة الحلول، بحيث لا تتوقف التغطية عند توصيف المشكلة، وإنما تبحث في أسبابها والخيارات الممكنة لمعالجتها، مع محاولة الوصول إلى أصحاب النشاط الاقتصادي والمواطنين خارج المراكز الرئيسية وإدخال قضاياهم ضمن النقاش الاقتصادي الأوسع.

وتعتمد خطة الوصول إلى الجمهور كذلك على شبكة مكاتب مؤسسة الوحدة في المحافظات لتوزيع النسخة المطبوعة، إلى جانب إيصالها إلى منازل ومكاتب المشتركين، فيما توفر المنصة الإلكترونية نسخة رقمية وتحليلات وتغطيات يومية، ما يجعل المشروع أقرب إلى منظومة اقتصادية متعددة المنصات منه إلى مجلة ورقية تقليدية.

إعادة تشكيل منتجات مؤسسة الوحدة

يأتي إطلاق «الاقتصادية» ضمن عملية أوسع تعمل من خلالها مؤسسة الوحدة على إعادة تشكيل منتجاتها الإعلامية وتوزيعها وفق الاختصاص والجمهور المستهدف، إذ تستعد كذلك لإطلاق «الموقف الرياضي» كمنصة رياضية متخصصة، بالتوازي مع تطوير خمس منصات للإعلام المجتمعي المحلي.

ووسعت صحيفة «الثورة السورية» مساحة الرأي ومشاركة القراء، ووصل عدد متابعيها على «فيسبوك» إلى أكثر من 780 ألفاً، وفق المعطيات المقدمة، فيما افتتحت المؤسسة مكتباً لصحيفة «الفرات» في الجزيرة السورية لتعزيز التغطية المحلية ونقل قضايا سكان المنطقة.

واستعادت المؤسسة بالتوازي جزءاً من بنيتها الإنتاجية بعد إعادة تهيئة نحو نصف منظومة الطباعة والتقنيات التابعة لها، وبرز ضمن نشاطها الإنتاجي طباعة نحو مليون ونصف المليون نسخة من الكتب المدرسية، في مؤشر على محاولة إعادة تشغيل الإمكانات الفنية بالتوازي مع تطوير المحتوى والمنصات.

الاختبار يبدأ بعد العدد الأول

يبقى التحدي الحقيقي أمام «الاقتصادية» مرتبطاً بما ستقدمه بعد مرحلة الإطلاق، إذ إن بناء مجلة اقتصادية مرجعية يحتاج إلى تدفق منتظم للبيانات، وكوادر قادرة على تحليلها، وشبكة مصادر تمتد إلى القطاعات والمحافظات، فضلاً عن المحافظة على انتظام الإصدار الورقي وسرعة المنصة الرقمية.

ويجعل الجمع بين المجلة المطبوعة والموقع اليومي والمؤشرات والمنتدى المتنقل الرهان أكبر من مجرد إضافة مطبوعة جديدة إلى السوق، إذ تسعى التجربة إلى بناء مساحة متخصصة يمكن أن يعتمد عليها المواطن والباحث والتاجر والصناعي في قراءة التحولات الاقتصادية واتخاذ القرارات.

تكتسب الصحافة الاقتصادية المتخصصة أهمية متزايدة في سوريا مع اتساع الملفات المرتبطة بمرحلة إعادة البناء، وما يرافقها من تغيرات في السياسات المالية والنقدية والاستثمارية والإنتاجية، الأمر الذي يرفع الحاجة إلى محتوى يتجاوز نقل القرارات والأخبار نحو تفسيرها وقياس انعكاساتها على المواطنين والأسواق وقطاعات الأعمال.

وتواجه التغطية الاقتصادية في المقابل تحديات تتعلق بتوفر البيانات المحدثة وانتظام صدورها وإمكانية الوصول إليها، إلى جانب الحاجة إلى صحفيين يمتلكون القدرة على قراءة المؤشرات والموازنات والأسعار وتحويل الأرقام المعقدة إلى معلومات واضحة، ما يجعل بناء قواعد بيانات ومؤشرات اقتصادية منتظمة أحد العوامل الأساسية لتطوير هذا النوع من الصحافة.

وتضع هذه المتغيرات مجلة «الاقتصادية» أمام مساحة يمكن أن تشغلها في المشهد الإعلامي السوري، خصوصاً إذا استطاعت الجمع بين البيانات والتحليل والعمل الميداني في المحافظات، وتحويل المؤشرات الاقتصادية إلى أدوات تساعد القارئ على فهم التحولات الجارية وتأثيرها المباشر على المعيشة والإنتاج والاستثمار.

 

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ