ضياع العقد لا يعني ضياع الحق.. كيف يثبت القانون الحقوق عند فقدان الوثائق؟
يفقد بعض الأشخاص عقوداً أو وثائق تشكل أساساً لإثبات حقوق مالية أو تعاقدية، ما يثير مخاوف من تعذر المطالبة بهذه الحقوق أمام القضاء، إلا أن فقدان السند الأصلي لا يعني بالضرورة سقوط الحق، إذ يمكن في حالات محددة الاستناد إلى وسائل إثبات بديلة، تختلف قوتها وإمكانية قبولها بحسب طبيعة الوثيقة والحق والظروف التي أدت إلى فقدانها.
وتكتسب المحافظة على الأدلة البديلة أهمية خاصة عند ضياع الوثائق، إذ يمكن للمراسلات والإيصالات والفواتير والسجلات الرسمية وغيرها من القرائن أن تساعد في إثبات وجود العلاقة بين الأطراف، فيما تبقى للمحكمة صلاحية تقدير الأدلة المقدمة وفق طبيعة كل دعوى.
ما البدائل عن الوثيقة الأصلية؟
قالت المحامية أسماء برهوم، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن فقدان عقد أو وثيقة تثبت حقاً لا يؤدي تلقائياً إلى استحالة إثباته، موضحة أنه يمكن اللجوء إلى وسائل إثبات أخرى عندما يتعذر تقديم السند الأصلي، وفق الشروط التي يحددها القانون.
وأوضحت أن الإثبات بشهادة الشهود قد يكون متاحاً في بعض الحالات عند فقدان السند، شريطة إثبات أنه كان موجوداً في الأصل، كما يمكن الاستناد إلى الإيصالات والفواتير التي تثبت دفع الأموال، والمراسلات والمكاتبات المتبادلة بين أطراف العلاقة التعاقدية.
وأشارت إلى أن الحقوق المتعلقة بالعقارات قد تدعمها البيانات الموجودة في السجل العقاري، ومنها وجود إشارة دعوى لمصلحة صاحب العقد أو السند، فيما يشكل إقرار الطرف الآخر أمام القضاء بوجود العلاقة التعاقدية دليلاً مهماً يمكن الاستناد إليه عند نظر الدعوى.
وأضافت برهوم أن صور العقود والنسخ الإلكترونية والمراسلات يمكن تقديمها ضمن الأدلة والقرائن الداعمة عند فقدان الأصل، إلا أن قيمتها في الإثبات تتحدد وفق طبيعتها وظروف القضية وما يتوفر إلى جانبها من أدلة أخرى.
الشهود والقرائن أمام القضاء
أكدت برهوم، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أن شهادة الشهود في القضايا المدنية لا تعد في الأصل وسيلة تنشئ ملكية العقار بذاتها، وإنما يمكن أن تستخدم لإثبات وقائع مادية مرتبطة بالنزاع، مثل الحيازة أو وضع اليد، وأنها قد تشكل دليلاً مساعداً إلى جانب الإيصالات والفواتير وما يثبت السداد.
وبينت أنه يمكن الاستعانة بالشهود أيضاً في الحالات التي يتعذر فيها وجود دليل كتابي نتيجة مانع مادي أو أدبي، كما يمكن اللجوء إلى الأشخاص الذين حضروا إبرام العقد أو توقيعه أو شهدوا تنفيذ الالتزامات الناشئة عنه، مثل تسليم البضائع أو دفع المبالغ المتفق عليها.
وأوضحت أنه في حال أنكر الطرف الآخر وجود العقد بعد فقدانه، يستطيع صاحب الحق تقديم ما لديه من أوراق أو مراسلات صادرة عن الخصم، بما فيها الرسائل والمكاتبات الإلكترونية، إلى جانب التحويلات والحركات البنكية وغيرها من المؤشرات التي يمكن أن يستخلص منها القاضي وجود علاقة مالية أو تعاقدية بين الطرفين.
وأضافت أن الاستجواب والإقرار يمثلان بدورهما من وسائل الإثبات التي يمكن اللجوء إليها، إذ يستطيع القاضي استجواب الطرف الآخر بشأن وقائع النزاع، وقد يفضي ذلك إلى إقرار بوجود العقد أو العلاقة التعاقدية أو الحق المطالب به.
اليمين الحاسمة عند غياب الأدلة
أشارت برهوم إلى أن اليمين الحاسمة قد تصبح إحدى الوسائل المتاحة عندما لا تتوفر أدلة أخرى كافية، إذ يمكن توجيهها إلى الطرف الآخر للفصل في الواقعة المتنازع عليها، وتترتب على حلفها أو النكول عنها أو ردها آثار قانونية مباشرة على الدعوى.
وأوضحت أنه إذا حلف الطرف الذي وجهت إليه اليمين وفق الواقعة محل النزاع، حُسم النزاع في حدودها لمصلحته، أما إذا امتنع عن أدائها دون أن يردها، فقد تترتب نتيجة لمصلحة خصمه، وفي حال رد اليمين على الطرف الذي وجهها وأداها، تُحسم الواقعة وفق الأثر القانوني المترتب عليها.
ماذا تفعل عند فقدان وثيقة؟
شددت برهوم على أهمية اتخاذ إجراءات سريعة عند فقدان وثيقة رسمية، تبدأ بتقديم بلاغ لدى الجهة المختصة وتوثيق واقعة الفقدان والاحتفاظ بنسخة من الضبط، بما يساعد على إثبات تاريخ فقدان الوثيقة ويحد من المخاطر التي قد تنتج عن استخدامها بصورة غير مشروعة.
وأشارت إلى إمكانية اتخاذ إجراءات إضافية بحسب نوع الوثيقة، ومنها الإعلان عن فقدانها عند الحاجة، ومراجعة الجهات الرسمية المرتبطة بالحق، كالمصالح العقارية أو الجهات الخدمية المختصة، لاتخاذ التدابير التي تحول دون إجراء معاملات غير مشروعة استناداً إلى الوثيقة المفقودة.
ولفتت إلى أنه إذا كان العقد منظماً بين الطرفين لكنه غير مسجل لدى الجهة المختصة، يمكن التواصل مع الطرف الآخر لإعادة تنظيمه بالتراضي والإشارة إلى أنه بدل عن العقد المفقود، أما عند رفض ذلك، فيبقى اللجوء إلى القضاء ورفع الدعوى المناسبة لإثبات التعاقد والحقوق الناشئة عنه من الخيارات القانونية المتاحة.
وتبقى سرعة التحرك بعد فقدان الوثيقة، والمحافظة على أي نسخة ورقية أو إلكترونية منها، وحفظ الإيصالات والتحويلات والمراسلات المرتبطة بالعلاقة، عوامل مهمة في دعم موقف صاحب الحق، فيما تحدد طبيعة النزاع والأدلة المتوفرة والإجراءات القانونية المطبقة مدى إمكانية إثبات الحق أمام القضاء.