اليوم العالمي للوقاية من الانتحار.. علامات مبكرة قد تنقذ حياة ودور حاسم للأسرة والمجتمع
يصادف العاشر من أيلول/سبتمبر اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، في مناسبة تسلط الضوء على أهمية رفع الوعي بمخاطر الانتحار، وتعزيز سبل الوقاية والتدخل المبكر، وتشجيع الأفراد والمجتمعات على التعامل بجدية مع الصحة النفسية، والحد من الوصمة الاجتماعية التي قد تحول دون طلب الأشخاص للمساعدة عند مرورهم بأزمات نفسية.
وتتداخل عوامل نفسية واجتماعية وحياتية متعددة في ظهور الأفكار الانتحارية، ولا يمكن ربطها بسبب واحد أو تعميمها على جميع الحالات، ما يجعل فهم الظروف المحيطة بالشخص وملاحظة التغيرات التي تطرأ على سلوكه وحالته النفسية خطوة أساسية لاكتشاف الخطر مبكراً، وتقديم الدعم المناسب قبل تفاقم الأزمة.
عوامل نفسية واجتماعية متداخلة
قالت آمنة الإسماعيل، المتخصصة في التربية الخاصة والصحة النفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التفكير الانتحاري قد ينتج عن تشابك مجموعة من العوامل، لافتة إلى أن الاضطرابات النفسية، وفي مقدمتها الاكتئاب الشديد واضطراب ثنائي القطب واضطراب ما بعد الصدمة واضطرابات القلق الحادة، تظهر ضمن العوامل المتكررة في العديد من الحالات.
وأوضحت أن الشعور باليأس وفقدان الأمل في تحسن الظروف قد يدفع الشخص إلى الاعتقاد بأن معاناته مستمرة ولا سبيل للخروج منها، وقد يترافق ذلك مع الإحساس بالعجز وانعدام القيمة والذنب المفرط، وهي مشاعر تستدعي الانتباه إليها وعدم التقليل من أهميتها.
وأضافت أن عوامل اجتماعية وحياتية قد تزيد بدورها من حدة الأزمة، من بينها العزلة وفقدان الدعم الأسري والاجتماعي، أو التعرض لصدمات كبيرة مثل وفاة شخص عزيز أو الطلاق أو الفشل الدراسي والمهني أو الأزمات المالية الحادة، ولا سيما عندما تترافق هذه الظروف مع قابلية نفسية مسبقة.
وأشارت إلى أن الوصمة المرتبطة بطلب الدعم النفسي قد تشكل عائقاً إضافياً، إذ تدفع بعض الأشخاص إلى إخفاء معاناتهم والامتناع عن الحديث عنها أو مراجعة المختصين، ما يزيد من أهمية توفير بيئة آمنة تسمح بالتعبير عن المشاعر وطلب المساعدة دون خوف من الأحكام الاجتماعية.
علامات تستوجب التعامل بجدية
لفتت الإسماعيل إلى أن العلامات التحذيرية لا تظهر بصورة واحدة لدى جميع الأشخاص، إلا أن بعض التغيرات قد تستدعي الانتباه، ومنها الانسحاب المفاجئ من الأسرة والأصدقاء، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، وإهمال المظهر والنظافة الشخصية، إلى جانب حدوث تغيرات واضحة في النوم أو الشهية.
وأضافت أن مؤشرات أخرى قد تظهر من خلال الحديث المتكرر عن الموت أو الانتحار بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو التعبير عن اليأس الشديد والشعور بأن الشخص يشكل عبئاً على الآخرين أو أن حياته فقدت معناها، وقد تترافق الأزمة أحياناً مع سلوكيات متهورة أو زيادة تعاطي المخدرات والكحول، أو تصرفات غير معتادة مثل توزيع الممتلكات أو إعداد وصية.
وأكدت الإسماعيل، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أن التعامل مع هذه المؤشرات يتطلب الإصغاء إلى الشخص بجدية ومن دون إصدار أحكام أو الاستهانة بمشاعره، موضحة أن سؤاله بصورة مباشرة عن وجود أفكار انتحارية لا يدفعه إلى تنفيذها، وإنما قد يفتح أمامه مساحة آمنة للحديث عن معاناته والشعور بأنه مسموع ومفهوم.
وشددت على ضرورة عدم ترك الشخص بمفرده عند وجود خطر وشيك، وإبعاد ما يمكن استخدامه لإيذاء النفس قدر الإمكان، وطلب المساعدة المهنية بصورة عاجلة، سواء عبر خدمات الصحة النفسية أو أقرب مستشفى أو طبيب مختص، مؤكدة أن حماية حياته تتقدم على الحفاظ على سرية ما يبوح به عندما تكون سلامته مهددة.
التدخل المبكر ودور الأسرة والمجتمع
أكدت الإسماعيل أن التدخل النفسي المبكر يمثل ركناً أساسياً في الوقاية، إذ قد يكون الشخص الذي يمر بأزمة انتحارية باحثاً عن وسيلة لإنهاء الألم النفسي الشديد الذي يعيشه، بينما يمكن للدعم والتدخل المهني في الوقت المناسب أن يساعداه على تجاوز ذروة الأزمة ورؤية بدائل لم يكن قادراً على إدراكها في تلك اللحظة.
وأوضحت أن مستوى الخطورة يصبح أعلى عند الإفصاح عن نية مباشرة للانتحار، أو وجود خطة محددة، أو اندفاع شديد يهدد الحياة، أو تاريخ من المحاولات السابقة، أو غياب الدعم الأسري والاجتماعي، وفي مثل هذه الحالات ينبغي التعامل مع الوضع بوصفه حالة طارئة تستدعي طلب المساعدة الفورية وعدم ترك الشخص بمفرده.
وأشارت إلى أن مسؤولية الوقاية لا تقع على الفرد وحده، بل تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدارس والمؤسسات الصحية ووسائل الإعلام والمجتمع، إذ تحتاج الأسرة إلى بناء علاقة قائمة على الاستماع والقبول بعيداً عن اللوم، وملاحظة التغيرات النفسية والسلوكية والتعامل معها بجدية، وترسيخ ثقافة طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.
ودعت الإسماعيل إلى تعزيز التوعية بالصحة النفسية في المدارس ووسائل الإعلام ومنصات التواصل، وتوسيع خدمات الدعم النفسي، وتدريب المعلمين والمرشدين والكوادر الصحية على اكتشاف العلامات التحذيرية والتعامل مع الأزمات، إلى جانب العمل على تخفيف الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية وطلب العلاج.
وأكدت أن الأفكار الانتحارية قد تكون تعبيراً عن معاناة نفسية عميقة تستوجب الفهم والدعم والتدخل المتخصص، مشددة على أن الإصغاء الصادق، وأخذ مؤشرات الخطر على محمل الجد، وعدم التردد في الاستعانة بالمختصين، خطوات يمكن أن تسهم في حماية شخص يمر بأزمة ومساعدته على تجاوزها.
وكانت أطلقت منظمة الصحة العالمية، بالتعاون مع الرابطة الدولية لمنع الانتحار، اليوم العالمي للوقاية من الانتحار عام 2003، ليُحيى في العاشر من أيلول/سبتمبر من كل عام، بهدف تعزيز الوعي بأن الانتحار قضية صحية عامة يمكن الحد من مخاطرها عبر الوقاية والتدخل المبكر وتوسيع خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 720 ألف شخص يموتون بسبب الانتحار سنوياً حول العالم، فيما تحدث النسبة الأكبر من هذه الوفيات في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وتؤكد المنظمة أن الوقاية تتطلب استجابة متعددة المستويات تشمل الأفراد والأسر والمجتمعات والأنظمة الصحية، إلى جانب الحد من الوصمة وتسهيل الوصول إلى الرعاية النفسية المتخصصة.
وتعتمد منظمة الصحة العالمية في استراتيجيتها للوقاية على مجموعة من التدخلات، من بينها الحد من الوصول إلى وسائل الانتحار، وتعزيز التغطية الإعلامية المسؤولة، وتنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية لدى المراهقين، والكشف المبكر عن الأشخاص المتأثرين بالسلوك الانتحاري وتقييمهم ومتابعتهم، بما يساعد على التدخل قبل وصول الأزمة إلى مراحل أكثر خطورة.