يلعب المعلم دوراً محورياً في تجربة الطالب التعليمية، إذ يمتلك القدرة على جعل المادة محبوبة أو مكروهة في أعين طلابه، ويعتمد ذلك بشكل أساسي على أسلوبه في التعامل معهم وطريقة تقديم المعلومة بأسلوب جذاب وفعّال، خاصة أن التعليم لا يقتصر على إعطاء الدر س فحسب، بل يقوم على الثقة والتفاعل وغرس الشغف في الطالب للتعلم.
ويعد الانطباع الأول الذي يتركه المعلم لدى الطلاب أمراً بالغ الأهمية في علاقة الطالب بالمادة وبالصف نفسه، فاللقاء الأول يحدد شعور الطالب بالأمان والراحة ويؤثر على مدى استعداده للتفاعل والمشاركة في الدروس القادمة، لذلك يُنصح بأن يظهر المعلم هدوءه وطريقته الودية منذ البداية، فيستقبل الطلاب بابتسامة أو نبرة إيجابية، ما يكسبهم ثقتهم ويسهّل عملية التعلم لاحقاً، كما يُفضل أن تكون الحصة الأولى فرصة للتعارف والترحيب وبعث شعور الاطمئنان في نفوس الطلاب، ليحبوا الدروس ويشاركوا فيها بفاعلية.
يروي محمد تقى، طالب في الصف الثامن، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أنه في بداية العام الدراسي دخل معلم مادة التاريخ محاولاً السيطرة على الصف منذ اللقاء الأول، فكان مقطب الجبين، ووبخ الطلاب بسبب الضوضاء في الصف، ثم بدأ الدرس مباشرة دون أي مقدمات، مما جعل الطلاب يشعرون بالخوف منه، فصاروا يتجنبون المزاح معه، وحتى طرح الأسئلة عليه أصبح أمراً يقلقهم أحياناً.
في المقابل، يستقبل الطلاب أحياناً حصة المعلم بحماس بالغ، ينتظرونها بلهفة ويجلسون في مقاعدهم مستعدين، بل يشارك بعضهم في تزيين اللوح وتنظيفه للمعلم، وما إن تبدأ الحصة، تتحول دقائقها إلى لحظات مليئة بالمشاركة والتفاعل والحماس، مع أيادٍ مرتفعة وأسئلة متدفقة، لدرجة أن الطالب قد لا يشعر بمرور الوقت وقد يندهش عند نهايتها.
وعلى النقيض، هناك طلاب يتهربون من الحصة، يتجنبون التواصل مع معلمهم، ويشعرون بالملل طوال فترة الدرس، ملتزمين بالصمت، يراقبون الساعة مراراً ويعدون الدقائق حتى نهايتها، فتبدو أعينهم مع المعلم بينما يسرح ذهنهم في مكان آخر بعيد.
في هذا السياق، يؤكد العديد من الطلاب أن الموضوع مرتبط بالمعلم وطريقة تعامله معهم وتدريسه للمادة، فالبعض منهم يدخل إلى الصف يلقي التحية فقط ثم يتجه إلى الدرس مباشرة، ويشرح المعلومات وكأنه يسردها دون أي نشاط ترفيهي، حتى أن هناك من يتعامل مع الطلاب بأسلوب قاسي عند ارتكاب خطأ، مما دفعهم لتجنب المشاركة أو طرح الأسئلة.
في المقابل، هناك معلمون يتبعون أساليب مختلفة خلال الدرس، ويدعمونها بالأنشطة الجماعية، ويضيفون روح الفكاهة والمزاح إلى الدرس، كما يهتمون بالشؤون الخاصة للطلاب إذا تغيبوا عن الدرس أو واجهوا ظروفاً طارئة، أو عانوا من مشاكل تؤثر على حياتهم ودراستهم.
وتروي جميلة الصالح، 36 عاماً، أم لأربعة أطفال من مدينة أطمة في ريف إدلب الشمالي، أن ابنتها غابت عن المدرسة بسبب المرض، ومنذ اليوم الأول تواصلت معها معلمة ابنتها، مطمئنة إياها بأنها سترسل لها المعلومات والدروس التي فاتتها.
وتضيف أن المعلمة زارتهم في المنزل للاطمئنان على وضع الطفلة، مما جعل ابنتها تشعر بالسعادة لاهتمام المعلمة بها، وكتبت لها المعلومات المهمة التي حصل عليها الطلاب خلال الأيام السابقة، ووعدتها بشرح أي نقطة صعبة لم تفهمها، ونوهت الأم إلى أنها قدرت هذه اللفتة من المعلمة وتمنت لو أن جميع المعلمين يتعاملون بنفس هذا الاهتمام والرعاية.
وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، يروي المدرس علي السلوم تجربته قائلاً إنه يعمل مدرّسا منذ 37 عاماً، حيث بدأ مسيرته التعليمية عام 1990 في تدريس مادة الرياضيات، مشيراً إلى أن حبه للمادة كان سبب دخوله هذا المجال، وأنه كان من الأوائل في المواد العلمية خلال دراسته الثانوية العامة.
ويضيف أن العديد من طلابه اختاروا دراسة الرياضيات في الجامعة نتيجة محبتهم للمادة بفضل أسلوب تعامله معهم، بينما التحق القسم الآخر بتخصصات الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة، ويلفت إلى أنه كان دائماً يتعامل مع الطلاب بوجه مبتسم وبشوش، منوهاً إلى أنه في بداية مسيرته لم تتوفر لدى مدارسهم سوى وسائل تعليمية بسيطة مثل دفتر التحضير.
ويتابع السلوم أنه كان يحفز الطلاب على التفاعل والمنافسة من خلال إعطائهم تمارين ومسائل تشجيعية تجعلهم يتسابقون لحلها، مردفاً إلى أن أكبر تحدٍ كان لديه هو العدد الكبير في الصف، ومع ذلك كان قادراً على ضبط الصف والسيطرة عليه.
ويشير إلى أنه كان يعتبر الطلاب أبناءه، وأن علاقته الشخصية بهم تقوم على أسس الأبوة والاحترام، وهو ما ساهم في نجاحه المهني، مضيفاً أنه بالكاد جلس على الكرسي أثناء إعطاء الدروس، إلا أحياناً عند حل الطلاب للتمارين.
ويظهر التعامل الجيد للمعلم تأثيراً واضحًا في النتائج، حيث يحب الطالب المادة ويدرك أهميتها، ويهتم بالدفاتر والواجبات والملاحظات، ويشارك بفاعلية في الصف، وتظهر علامات تحسّن واضحة في امتحاناته، ويشعر بسعادة وحماس خلال الحصة.
أما الأسلوب القاسي أو الجاف في التدريس فيؤدي إلى نتائج سلبية، فالطلاب قد يفقدون اهتمامهم بالمادة، تقل مشاركتهم، يهملون الواجبات، وقد تنخفض درجاتهم، ويشعرون بالملل وعدم الرغبة في الحصة، ما يؤثر على تجربتهم التعليمية بشكل عام.
ويشير الخبراء إلى أن أسلوب المعلم وطريقة تقديمه للمادة تؤثر مباشرة على تعلق الطالب بها، فربط الدروس بالحياة اليومية واستخدام الأنشطة التفاعلية وطرح الأسئلة المفتوحة يزيد من مشاركة الطالب ويجعله يرى المادة ممتعة وذات معنى، بينما الأسلوب الجاف أو الصارم قد يؤدي إلى الملل وفقدان الاهتمام.
كما يؤكد التربويون أن العلاقة الإيجابية بين المعلم والطالب تؤثر على أداء الطالب، فالثقة المتبادلة والاستماع لاحتياجات الطالب تجعله أكثر استعداداً للمشاركة، وتزيد قدرته على فهم المادة وتطبيقها، كما تحوّل التعلم من واجب إجباري إلى تجربة محفزة ومحبوبة.
ويعد أسلوب المعلم وطريقة تعامله مع الطلاب في الصف من أبرز العوامل التي تؤثر على تجاوبهم مع المادة ومستوى مشاركتهم، فالتعامل الإيجابي يعزز الاهتمام والتحصيل، بينما الأسلوب الجاف يقلل التفاعل ويؤثر على أداء الطالب الدراسي.