تشهد سوريا، كما هو الحال في العديد من المجتمعات، تزايداً في استخدام منصات التواصل الاجتماعي كمساحة لنشر وتداول محتويات لا تقتصر على التعبير عن الآراء، بل تمتد في بعض الحالات إلى خطابات تحمل طابع التحريض الإلكتروني.
وفي ظل الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد، تبرز مخاوف من استغلال هذه المنصات في بث دعوات وخطابات قد تسهم في إثارة الخلافات المجتمعية وزعزعة الاستقرار والتأثير على السلم الأهلي، بدل أن تبقى وسيلة للتواصل وتبادل المعلومات بشكل مسؤول.
قد يظن البعض أن ما يُنشر أو يُقال عبر منصات التواصل الاجتماعي يبقى في دائرة الافتراض أو الرأي العابر، وأنه يمكن أن يمر دون تبعات قانونية، غير أن الواقع يختلف تماماً، إذ إن بعض العبارات أو المحتويات، خصوصاً تلك التي تحمل طابعاً تحريضياً أو تمس السلم الأهلي، قد تتحول من “نشر إلكتروني” إلى ملف أمام القضاء، يخضع للمساءلة وفق قوانين واضحة وقد يترتب عليه تحريك دعوى قانونية أمام الجهات المختصة.
في هذا السياق، قال باسل محمد موسى، محامٍ ممارس ومسجل لدى نقابة المحامين، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن من واقع النصوص التشريعية والاجتهادات القضائية يُعرَّف التحريض الطائفي بأنه كل سلوك عمدي، سواء كان قوامه اللفظ أو الكتابة أو الصورة أو الإشارة، يستهدف إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية، أو بث الشقاق والكره بين مكونات المجتمع، بما يهدد السلم الأهلي.
وأضاف أنه عندما يُرتكب هذا الفعل عبر الوسائل الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي فإننا نكون أمام جريمة علنية مشددة، إذ إن المنصات الرقمية تمنح الفعل صفة الديمومة وسرعة الانتشار العابرة للحدود، مما يضاعف من خطورته الجرمية مقارنة بالوسائل التقليدية.
وأشار إلى أن هذا الخلط يواجهنا كثيراً في الممارسة العملية، وأن الحد الفاصل بين حرية التعبير والتحريض الطائفي تحكمه معايير قانونية صارمة، مبيناً أن حرية التعبير حق دستوري مكفول يتيح للفرد نقد الأفكار والسياسات والمؤسسات بطريقة موضوعية تبتغي المصلحة العامة دون المساس بكرامة الآخرين.
ولفت إلى أن التحريض الطائفي هو جريمة عمدية تخرج عن حد النقد لتستهدف الإنسان في ذاته أو في معتقده بهدف إقصائه أو الحث على كراهيته وإيذائه، مؤكداً أن القوانين والاتفاقيات الدولية واضحة في أن حرية التعبير تنتهي عندما تبدأ في تقويض حقوق الآخرين وسلامتهم والأمن القومي للمجتمع.
وأفاد بأنه في المنظومة التشريعية السورية والعربية عموماً نعتمد في ملاحقة هذه الجرائم على حزمتين قانونيتين متكاملتين، موضحاً أن قانون العقوبات العام يتضمن مواد تجرّم الأعمال والكتابات التي ترمي إلى إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو تحض على النزاع بين الطوائف مثل المادة 307 من قانون العقوبات السوري.
ونوّه إلى أن قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية الحديث يفرد نصوصاً خاصة ومشددة لتجريم استخدام الشبكة والمعلوماتية في نشر أخبار كاذبة أو النيل من الهيبة الوطنية أو إثارة النعرات الطائفية عبر المنصات الرقمية.
وأوضح أن العقوبات المترتبة على هذا النوع من الجرائم تتراوح بين الجنحية والجنائية الوصف، وتشمل الحبس الذي يبدأ من أشهر ويصل إلى السجن لعدة سنوات، وقد يصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة إذا أدى التحريض إلى وقوع اضطرابات أو جرائم قتل بالفعل.
وأضاف أن هناك أيضًا غرامات مالية مشددة تفرضها قوانين الجرائم الإلكترونية الحديثة، إلى جانب عقوبات تبعية وتكميلية مثل مصادرة الأدوات والأجهزة المستخدمة، وإغلاق الحسابات أو المواقع الإلكترونية حكمًا، ومنع الجاني من النشر أو إسقاط بعض حقوقه المدنية.
وشدد على أن النزاعات الرقمية تفرض تحديات خاصة في الإثبات، إلا أن التطور التقني لجهاز الضابطة العدلية (فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية) قد ذلّل الكثير من العقبات، مبيناً أن الأدلة المعتمدة تشمل التقارير الفنية الجنائية وعنوان الـ IP وبصمة البيانات الرقمية التي تثبت عائدية الحساب للمتهم، إضافة إلى المعاينات القضائية للمنشورات والتعليقات والاعترافات.
وبيّن أن مكمن الصعوبة لا يكمن في النص، بل في الجوانب التقنية مثل استخدام حسابات وهمية أو شبكات إخفاء VPN أو خوادم خارج اختصاص الدولة، مما يتطلب جهدًا تقنيًا مضاعفاً لربط الدليل الرقمي بالشخص الفيزيائي.
وذكر من واقع الممارسة وتحليل الظواهر الإجرامية أن الآثار القانونية والاجتماعية لهذا الخطاب يمكن رصدها بوضوح، موضحاً أن من أبرز الآثار القانونية تقويض النظام العام والسكينة العامة، وتزايد ظاهرة العدالة الخاصة وتراجع هيبة القانون، وارتفاع معدلات الجرائم التبعية، إضافة إلى التقييد الاضطراري للحريات الرقمية.
وأكد أن من أبرز الآثار الاجتماعية تفتيت النسيج الاجتماعي ورابطة المواطنة: يحلّ الولاء الطائفي أو المذهبي الضيق محل 'الهوية الوطنية الجامعة'، مما يقطع أواصر العيش المشترك ويبني جدراناً نفسية بين أبناء المجتمع الواحد.
وأيضا تحول العنف الافتراضي إلى عنف مادي ملموس، وخلق بيئة حاضنة للفكر الراديكالي: يمنح التحريض الإلكتروني المجموعات المتطرفة أو الخارجة عن القانون مادة دسمة لاستقطاب الشباب وتجنيدهم تحت لواء 'المظلومية والدفاع عن الطائفة'.
فضلاً عن ضرب الاستقرار الاقتصادي والنزوح غير المباشر: يولد الخوف الطائفي حركة نزوح أو هجرة صامتة للأفراد بحثاً عن بيئات أكثر أماناً، مما يؤدي لخلل ديموغرافي وهروب لرؤوس الأموال والاستثمارات التي لا تزدهر إلا في بيئة يسودها السلم الأهلي.
ويرى مختصون في علم الاجتماع أن خطورة المحتوى التحريضي عبر منصات التواصل الاجتماعي لا تقتصر على بعدها الرقمي، بل تمتد إلى التأثير المباشر على العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع، حيث يسهم تكرار خطاب الكراهية أو النعرات في تعزيز الانقسام بين المجموعات الاجتماعية وإضعاف الشعور المشترك بالانتماء، ويشيرون إلى أن البيئة الرقمية باتت تعكس التوترات الاجتماعية وتعيد إنتاجها بشكل أسرع وأوسع انتشاراً.
قد يترتب على المحتوى المنشور عبر منصات التواصل الاجتماعي آثار قانونية مباشرة إذا تجاوز حدود حرية التعبير ووصل إلى التحريض أو إثارة النعرات التي تمس السلم الأهلي، وتخضع هذه الأفعال للمساءلة القانونية وفق القوانين النافذة، بما في ذلك قانون العقوبات وتشريعات الجرائم المعلوماتية.