شكاوى من أعطال بعد تعبئة الوقود.. من يراقب جودة المحروقات في الأسواق؟
أعادت شكاوى متداولة من سائقين وأصحاب مركبات قالوا إن سياراتهم تعرضت لأعطال بعد التزود بالوقود، ملف جودة المحروقات المطروحة في الأسواق إلى الواجهة، وسط تساؤلات حول آليات فحص المادة ومراقبتها خلال مراحل النقل والتخزين والتوزيع، وصولاً إلى خزانات محطات الوقود.
وتأتي هذه الشكاوى بالتزامن مع تغيرات شهدها سوق المحروقات خلال الفترة الماضية، شملت تعديل الأسعار وطرح أنواع مختلفة من مادة المازوت بمواصفات واستخدامات وأسعار متفاوتة، ما يرفع أهمية وجود رقابة فنية قادرة على ضمان الفصل بين الأصناف والتحقق من جودة المادة التي تصل إلى المستهلك.
وقال أصحاب مركبات إن أعطالاً مفاجئة ظهرت في سياراتهم عقب تعبئتها بالوقود، فيما أظهرت عمليات فحص وصيانة أجريت لبعض المركبات مشكلات في المحرك أو منظومة الوقود، وسط اعتقاد لدى أصحابها بوجود ارتباط بين الأعطال ونوعية المادة التي استخدموها.
ولا تكفي هذه الحالات بحد ذاتها لإثبات أن الوقود هو سبب الأعطال، إذ يتطلب تحديد العلاقة إجراء فحوص فنية للمركبات وتحاليل مخبرية لعينات من المادة المستخدمة، بما يسمح بتحديد طبيعة الخلل ومصدره والمسؤول عنه.
ثلاثة أنواع للمازوت
وكانت وزارة الطاقة قد أعلنت في منتصف أيلول الماضي اعتماد ثلاثة مستويات من مادة المازوت تختلف في السعر والاستخدام، إذ حدد سعر الليتر المخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة بـ115 ليرة سورية، فيما حدد سعر المازوت المخصص لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة بـ150 ليرة.
كما حدد سعر المازوت بالمواصفات القياسية بـ175 ليرة لليتر، في إطار آلية قالت الوزارة إنها تهدف إلى توفير أصناف تتناسب مع طبيعة الاستخدام وتخفيف التكلفة عن بعض الشرائح والقطاعات.
وبدأت الشركة السورية للبترول إعداد الآلية التنفيذية لتطبيق القرار، بالتوازي مع تخصيص محطات محددة لبيع المشتقات الناتجة عن المصافي المحلية.
ويجعل وجود أكثر من صنف في السوق عملية الرقابة أكثر تعقيداً، إذ لا تقتصر المسألة على معرفة سعر المادة المباعة، وإنما تمتد إلى التحقق من نوعها ومصدرها ومواصفاتها، وطريقة نقلها وتخزينها، وضمان عدم اختلاطها بصنف آخر قبل وصولها إلى خزانات المركبات.
هل يجري خلط الأصناف؟
وترافقت شكاوى الأعطال مع اتهامات متداولة بحق بعض محطات الوقود بشأن احتمال خلط أصناف مختلفة من المحروقات أو بيع مادة بغير مواصفاتها، إلا أن إثبات مثل هذه المخالفات يحتاج إلى نتائج مخبرية وضبوط رسمية تحدد نوع المادة ومصدرها وطبيعة المخالفة.
ويبرز هنا الفرق بين الاشتباه بوجود وقود غير مطابق للمواصفات وبين إثبات ذلك فنياً، خصوصاً أن أعطال المركبات يمكن أن تنتج عن أسباب متعددة، ما يجعل فحص عينات من الوقود في الحالات المبلغ عنها أساسياً قبل تحديد المسؤولية.
وفي حال ثبوت وجود مادة غير مطابقة للمواصفات، يصبح تحديد المرحلة التي وقع فيها الخلل مسألة أساسية، إذ يمكن أن يرتبط بالمصدر أو بعمليات النقل والتخزين أو بالمحطة نفسها، وهو ما يتطلب تتبع المادة عبر كامل سلسلة التوريد بدلاً من حصر الرقابة في نقطة البيع النهائية.
الرقابة أبعد من السعر والعداد
ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول طبيعة الرقابة المفروضة على محطات الوقود، وما إذا كانت تركز بصورة أساسية على الأسعار والعدادات والكميات، أم تشمل أيضاً أخذ عينات دورية وفحص المواصفات الفنية للمواد المباعة.
فالالتزام بالسعر والبيع عبر العداد النظامي لا يكفيان وحدهما لضمان حقوق المستهلك إذا لم تكن جودة المادة نفسها خاضعة للفحص، خصوصاً مع اختلاف الأصناف المطروحة في السوق.
كما تبرز أهمية مراقبة خزانات المحطات وآليات تفريغ الصهاريج وحفظ كل صنف بصورة منفصلة، إلى جانب وجود سجل يسمح بتتبع مصدر المادة والكميات التي دخلت إلى المحطة وما بيع منها.
153 مخالفة وإغلاق 8 محطات
وفي المقابل، تواصل مديريات خدمات الطاقة في المحافظات تنفيذ حملات رقابية على محطات الوقود، ضمن إجراءات تقول وزارة الطاقة إنها تهدف إلى ضبط السوق ومراقبة الالتزام بالتعليمات الناظمة.
وأعلنت الوزارة ضبط 153 مخالفة وإغلاق ثماني محطات وقود، موضحة أن المخالفات شملت البيع بسعر زائد، والتصرف بالمخزون الاحتياطي، والبيع خارج العدادات النظامية، وعدم الالتزام بالتعليمات التنفيذية، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
كما نفذت دائرة رقابة الجودة في مديرية خدمات الطاقة جولات على محطات الوقود، أسفرت إحداها عن تشميع محطة بعد ضبط مخالفات تتعلق بالبيع خارج العدادات وعدم الالتزام بالقوانين والتعليمات الناظمة لعمل المحطات.
وتظهر طبيعة المخالفات المعلنة وجود نشاط رقابي على عمليات البيع والتوزيع، إلا أن شكاوى أصحاب المركبات تفتح جانباً آخر يتعلق بنتائج فحوص جودة المادة نفسها، ومدى وجود رقابة مخبرية دورية قادرة على اكتشاف أي خلل في المواصفات.
توقف بانياس وزيادة الحاجة إلى الاستيراد
وتأتي هذه التطورات في مرحلة شهدت تغيرات في مصادر تأمين المشتقات النفطية، بالتزامن مع توقف مصفاة بانياس مؤقتاً لإجراء أعمال صيانة شاملة، ما أدى إلى زيادة الحاجة إلى استيراد منتجات نفطية جاهزة.
وكانت وزارة الطاقة قد أوضحت أن كلفة المشتقات المكررة لا تتحدد بسعر النفط الخام وحده، وإنما تدخل فيها تكاليف التكرير والنقل والشحن والتأمين، إضافة إلى حجم المعروض وظروف طرق الإمداد.
كما أعلنت الوزارة إعادة تشغيل عدد من المصافي المحلية بطاقة تصل إلى 35 ألف برميل يومياً من النفط الخام، على أن يخصص إنتاجها من المازوت للنوع المدعوم، ضمن خطة لتأمين احتياجات قطاعات محددة.
ومع تعدد مصادر المشتقات بين الإنتاج المحلي والاستيراد، تصبح عملية التحقق من المواصفات في مختلف مراحل سلسلة التوريد عاملاً أساسياً لضمان وصول المادة بالجودة المحددة إلى المستهلك.
من أين يبدأ التحقيق في الشكاوى؟
يتطلب حسم الحالات التي يتحدث عنها أصحاب المركبات الانتقال من الشكوى العامة إلى التحقق الفني، بدءاً من تحديد المحطة وتوقيت التعبئة ونوع الوقود المستخدم، وصولاً إلى أخذ عينات من خزانات المحطة ومقارنتها بالمواصفات المحددة للصنف المباع.
كما يتطلب الأمر فحص المركبة المتضررة لتحديد طبيعة العطل وما إذا كان من الممكن ربطه فنياً بنوعية الوقود، إذ لا يمكن تحميل المحطة أو المورد المسؤولية اعتماداً على التزامن الزمني بين التعبئة وظهور المشكلة وحده.
وفي حال أظهرت التحاليل وجود خلل في المادة، يمكن تتبع مسارها إلى الصهريج والمستودع ومصدر التوريد لتحديد المكان الذي حدثت فيه المشكلة، وما إذا كانت ناتجة عن خلط أو تخزين غير مناسب أو مادة غير مطابقة منذ المصدر.
من يتحمل الضرر؟
ويبرز إلى جانب الرقابة سؤال آخر يتعلق بحقوق أصحاب المركبات في حال ثبوت أن الأعطال نجمت عن وقود غير مطابق للمواصفات، والجهة التي تتحمل تكاليف الإصلاح والأضرار الناتجة عنه.
فالوصول إلى المسؤولية يتطلب أولاً إثبات العلاقة بين المادة والعطل، ثم تحديد المرحلة التي وقع فيها الخلل والجهة المسؤولة عنه، بما يمنع تحميل المستهلك وحده كلفة مشكلة لم يكن طرفاً في حدوثها، وفي الوقت نفسه يحول دون توجيه اتهامات إلى محطات أو موردين من دون دليل فني.
النتائج المعلنة تحسم الجدل
ومع تعدد أنواع الوقود ومصادره، لا تبدو معالجة الشكاوى مرتبطة بزيادة عدد الجولات الرقابية وحدها، وإنما بنوعية الرقابة وقدرتها على تتبع المادة وفحصها منذ دخولها سلسلة التوريد وحتى وصولها إلى المستهلك.
كما أن نشر نتائج الفحوص المتعلقة بالشكاوى، وتوضيح ما إذا كانت العينات مطابقة للمواصفات من عدمه، يمكن أن يحسم جانباً من الجدل المتداول ويحدد مكمن الخلل عند وجوده، بدلاً من بقاء المسؤولية موزعة بين المصدر والنقل والتخزين والمحطات.
وبين شكاوى أصحاب المركبات والحملات التي تعلن عنها وزارة الطاقة، يبقى الفحص المخبري والفني هو الطريق لتحديد حقيقة وجود وقود غير مطابق للمواصفات، ومن ثم تحديد المسؤولية ومعالجة الضرر على أساس نتائج موثقة، لا على الاتهامات أو الاحتمالات.