لماذا تغرق المدن السورية مع الأمطار؟ وزير الطوارئ يوضح الأسباب وخطط مواجهة الفيضانات
تواجه سوريا تحديات متزايدة مع اقتراب موسم الأمطار 2026–2027، في ظل تضرر شبكات تصريف المياه وتهالك البنية التحتية والتوسع العمراني غير المنظم، وهي عوامل تزيد احتمالات تشكل السيول وتجمع المياه داخل المدن والبلدات، خصوصاً عند هطول أمطار غزيرة خلال فترات زمنية قصيرة.
وكشف وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، عن خطة حكومية للتعامل مع مخاطر الفيضانات قبل وقوعها وأثناءها وبعد انحسارها، تشمل تطوير منظومة الإنذار المبكر، ومراقبة السدود والأنهار، وتأهيل شبكات التصريف، ورفع جاهزية فرق الاستجابة، إلى جانب معالجة المخاطر التي تهدد المخيمات والتجمعات السكانية.
وأوضح الصالح، في مقال نشرته صحيفة الثورة السورية بعنوان «لماذا لا تتحمل البنية التحتية كمية الأمطار؟»، أن إدارة مخاطر الفيضانات تتطلب معالجة الأسباب المرتبطة بضعف البنية التحتية، وتحديد مسؤوليات المؤسسات الحكومية، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التخطيط الوقائي طويل الأمد.
هل يحمل موسم الأمطار المقبل مخاطر استثنائية؟
تناول الصالح التوقعات المناخية لموسم الأمطار 2026–2027، مستعرضاً دراسة أعدها المركز الوطني للأرصاد الجوية حول ظاهرة «النينيو» وانعكاساتها المحتملة على سوريا وشرق البحر المتوسط.
وأوضح أن تأثير الظاهرة في المنطقة ليس مباشراً أو ثابتاً، وإنما يرتبط بالتغيرات التي تحدثها في أنماط الطقس العالمية والإقليمية ومسارات المنخفضات الجوية، إلى جانب عوامل مناخية أخرى.
وأشار إلى أن وجود ظاهرة النينيو لا يعني بالضرورة أن سوريا ستشهد موسماً أكثر غزارة في الأمطار، بل يمثل مؤشراً مناخياً ينبغي تقييمه بالاستناد إلى التوقعات الموسمية والتحديثات الجوية المستمرة.
وأكد أن تطور نماذج التنبؤ الجوي أتاح تحسين القدرة على توقع الهطولات الغزيرة وتحديد المناطق المعرضة للخطر، لكن التنبؤ الدقيق بمكان حدوث الفيضانات المفاجئة وتوقيتها وحجمها النهائي لا يزال يمثل تحدياً علمياً.
وبيّن أن ذلك يعود إلى سرعة تغير الظروف الجوية وتأثير العوامل المحلية، التي قد تؤدي إلى تشكل سيول خلال وقت قصير، حتى مع وجود توقعات مسبقة بهطول أمطار غزيرة.
لماذا تتحول بعض الأمطار إلى فيضانات؟
ميّز وزير الطوارئ بين نوعين رئيسيين من الهطولات المطرية، يختلف تأثيرهما في قدرة التربة وشبكات التصريف على استيعاب المياه.
وأوضح أن الأمطار الفيضانية تتميز بغزارتها الشديدة خلال فترة زمنية قصيرة، ما يؤدي إلى تجاوز القدرة الاستيعابية للأرض والمصارف والأقنية المائية، ويسبب تشكل السيول والفيضانات المفاجئة.
أما الأمطار الانسيابية أو الديمية، فتتوزع على فترات أطول وبمعدلات أقل، ما يمنح التربة وقتاً لامتصاص المياه، ويسمح لشبكات التصريف والوديان بنقلها بصورة تدريجية.
وأشار إلى أن هذا النوع من الأمطار يسهم عادة في تغذية المياه الجوفية وتحسين الموارد المائية والظروف الزراعية، مع انخفاض احتمالات تشكل السيول مقارنة بالهطولات الشديدة والمركزة.
وأكد أن زيادة الأمطار قد تحمل فوائد للسدود والأنهار والمخزون المائي بعد سنوات من تراجع الهطولات، لكنها قد تترافق مع مخاطر كبيرة عندما تهطل كميات مرتفعة خلال ساعات محدودة، ولا سيما في المناطق التي تعاني من ضعف شبكات التصريف أو وجود منشآت وتجمعات سكانية ضمن مجاري السيول.
تهالك البنية التحتية يضاعف مخاطر الغرق
أرجع الصالح تكرار تجمع المياه والفيضانات داخل المدن إلى مجموعة من العوامل الهندسية والعمرانية، موضحاً أن شبكات تصريف الأمطار تُصمم وفق معايير تستند إلى مستويات محددة من الهطولات المتوقعة إحصائياً.
وبيّن أن تجاوز الأمطار تلك المستويات، خصوصاً عند حدوث هطولات استثنائية خلال وقت قصير، قد يؤدي إلى تدفق كميات تفوق قدرة المصارف والعبارات والأقنية على استيعابها، حتى عندما تكون الشبكات مصممة وفق معايير هندسية مناسبة.
وأضاف أن المخاطر تتفاقم بسبب التوسع العمراني غير المنظم، والتعديات على مجاري السيول الطبيعية، وانسداد المصارف بالنفايات والترسبات، إلى جانب تأثير التغيرات المناخية في شدة بعض الظواهر الجوية المتطرفة.
وفي الحالة السورية، أشار الصالح إلى أن المشكلة تتجاوز الهطولات الاستثنائية، نظراً إلى أن أجزاء من البنية التحتية لم تُصمم لاستيعاب التوسع العمراني الذي شهدته المدن والمناطق غير المنظمة.
وأكد أن شبكات المياه والصرف الصحي عانت من الإهمال وغياب الصيانة لفترات طويلة، إضافة إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بها خلال سنوات الحرب نتيجة قصف نظام الأسد وتدميره مرافق خدمية أساسية.
وأوضح أن هذه العوامل مجتمعة تجعل بعض المدن والبلدات أكثر عرضة لتجمع المياه والفيضانات، وتزيد الحاجة إلى إعادة تأهيل الشبكات وتطوير قدرتها الاستيعابية، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة الانسدادات بعد وقوعها.
كيف تستعد الحكومة قبل هطول الأمطار؟
أكد الصالح أن إدارة مخاطر الفيضانات تبدأ قبل حدوث الحالة الجوية، من خلال تحليل البيانات المناخية والهيدرولوجية وتقييم المناطق الأكثر عرضة للخطر.
وأوضح أن دائرة الإنذار المبكر، بالتعاون مع المركز الوطني للأرصاد الجوية في الوزارة، تعمل على متابعة المعطيات الجوية وإعداد التقييمات اللازمة، تمهيداً لإصدار التحذيرات ومشاركتها مع الوزارات والمؤسسات والمحافظات.
وتتولى الجهات المعنية، وفق اختصاصاتها، تنفيذ الإجراءات الوقائية، ومنها تنظيف مجاري المياه وشبكات التصريف، وصيانة المرافق، وتجهيز فرق الإنقاذ والآليات والمعدات.
وأشار إلى أن وزارة الطاقة ومؤسساتها معنية بمراقبة الأنهار والسدود ومناسيب المياه والواردات المائية، بينما يجري التنسيق مع وزارة الإدارة المحلية والبيئة لضمان جاهزية شبكات تصريف الأمطار ومعالجة نقاط الاختناق.
وتشمل الإجراءات أيضاً تحديد المناطق المهددة بالفيضانات ورفع جاهزية فرق الاستجابة، وربط الخطط الميدانية بالتنبؤات والتحذيرات الجوية الصادرة عن الجهات المختصة.
المخيمات في مقدمة المناطق المعرضة للخطر
خصص الصالح جانباً من حديثه للمخيمات التي تواجه مخاطر السيول والفيضانات، مؤكداً أن الوزارة تعمل على تقييم أوضاعها وتحديد المواقع الواقعة ضمن مناطق الخطورة.
وأوضح أن الجهود الحكومية تشمل تعزيز استعداد المخيمات المعرضة للخطر، وضمان وصول التحذيرات والتعليمات الوقائية إلى سكانها في الوقت المناسب، بالتنسيق مع الجهات المعنية.
وكشف أن الوزارة تمكنت، في إطار المرسوم الرئاسي رقم 59 ورؤية «سوريا بدون مخيمات»، من تأمين عودة أكثر من 11 ألف عائلة، وإغلاق 157 مخيماً حتى الآن.
وأضاف أن التحضيرات جارية لإغلاق 220 مخيماً إضافياً، بالتوازي مع حصر المخيمات الواقعة في المناطق المهددة وتقييم أوضاعها والبحث عن حلول للحد من المخاطر.
وأكد أن التوجه الحكومي يستهدف تأمين عودة كريمة وطوعية ومستدامة للسكان، بما يسهم في تقليل تعرض العائلات لمخاطر الظروف الجوية القاسية.
سدة السيحة ضمن أولويات التدخل الوقائي
أشار وزير الطوارئ إلى أن سدة السيحة الترابية تمثل أحد المواقع التي تحتاج إلى متابعة فنية خاصة، إلى جانب السدود الترابية الأخرى والمنشآت المائية الواقعة في مناطق الخطورة.
وأوضح أن الوزارة تنفذ خطة طارئة استباقية في منطقة السيحة، بالتعاون مع وزارتي الطاقة والزراعة ومحافظتي حلب وإدلب، بهدف الحد من الأضرار المحتملة قبل حلول فصل الشتاء.
وأكد أن التعامل مع السدود والمنشآت المائية يجب أن يستند إلى تقييم فني مسبق، وتحديد الإجراءات الوقائية المطلوبة دون انتظار حدوث أمطار شديدة أو ارتفاع خطير في مناسيب المياه.
وأشار إلى العمل على إعداد خطة استراتيجية متكاملة لتأهيل منطقة السيحة وتهيئتها للاستثمار الزراعي، بما يدعم التنمية المحلية ويحسن الظروف الاقتصادية والمعيشية للأهالي.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن توجه أوسع لتقييم السدود الترابية وإعادة تأهيلها وفق المعايير الهندسية ومتطلبات السلامة، بالتنسيق بين الجهات الحكومية المختصة.
حلول عاجلة وأخرى طويلة الأمد
بيّن الصالح أن الخطة الحكومية تقوم على مسارين متوازيين، يركز الأول على الإجراءات الوقائية العاجلة، بينما يتناول الثاني معالجة الأسباب البنيوية التي تزيد من مخاطر الفيضانات.
ويشمل المسار العاجل مراقبة السدود والأنهار، وتنظيف شبكات التصريف ومجاري السيول، وتحديد نقاط الاختناق، وتجهيز فرق الاستجابة، مع تحديث الإجراءات وفق التوقعات الجوية.
أما المسار طويل الأمد، فيتضمن إعادة تأهيل البنية التحتية وتطوير شبكات تصريف الأمطار، وإجراء تقييم هندسي شامل للسدود الترابية، ومعالجة التعديات والإشغالات غير الآمنة ضمن حرم نهر الفرات وبقية الأنهار ومجاري السيول، وفق الأطر القانونية والفنية.
وأوضح أن الوزارة تعمل أيضاً على تعزيز الرصد الهيدرولوجي والمناخي، وربط بيانات الهطولات ومناسيب الأنهار وواردات السدود بمنظومة الإنذار المبكر.
ويهدف هذا الربط إلى تحسين القدرة على توقع المخاطر واتخاذ الإجراءات الوقائية في الوقت المناسب، بدلاً من اقتصار التدخل على التعامل مع الأضرار بعد وقوعها.
ماذا يحدث عند وقوع الفيضانات؟
أكد الصالح أن حدوث السيول أو الفيضانات يستدعي تفعيل خطة الطوارئ بالتنسيق بين وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث والوزارات والهيئات المعنية.
وأوضح أن الاستجابة تبدأ بمتابعة التطورات الميدانية وإصدار التحذيرات والتحديثات للسكان، وتنفيذ عمليات الإنقاذ والإخلاء عند الضرورة.
كما تشمل فتح الطرق المتضررة، والعمل على ضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وتقييم الأضرار بصورة متواصلة لتوجيه الفرق والمعدات والموارد نحو المناطق الأكثر احتياجاً.
وأشار إلى أن سرعة تبادل المعلومات بين الجهات الحكومية تمثل عاملاً أساسياً في فاعلية الاستجابة، نظراً إلى أن طبيعة الفيضانات قد تتغير خلال وقت قصير وتتطلب اتخاذ قرارات ميدانية عاجلة.
وأضاف أن العمل لا ينتهي بانحسار المياه، إذ تبدأ بعد المرحلة الطارئة أعمال التعافي وإزالة آثار الأضرار، إلى جانب مراجعة الإجراءات المتخذة وتحديث خطط الوقاية والاستجابة بالاستناد إلى النتائج الميدانية.
الحوكمة وتحديد المسؤوليات بين المؤسسات
شدد الصالح على أن نجاح إدارة مخاطر الفيضانات لا يعتمد على توافر البيانات والخطط والمعدات وحدها، بل يحتاج إلى منظومة واضحة لتنسيق الأدوار وتحديد المسؤوليات بين المؤسسات الحكومية.
وأوضح أن الحوكمة تمثل الرابط بين مراحل تقييم المخاطر والتنبؤ والإنذار المبكر والاستجابة والتعافي، بما يضمن انتقال المعلومات إلى الجهات المختصة واتخاذ القرارات في الوقت المناسب.
وأشار إلى أهمية تقييم الأداء بصورة مستمرة، وتطوير آليات التنسيق وتبادل البيانات، حتى تتمكن المؤسسات المعنية من العمل بصورة متكاملة عند مواجهة الحالات الجوية الطارئة.
وأكد أن الهدف الأساسي يتمثل في حماية الأرواح والممتلكات وتقليل الخسائر، من خلال تحسين التخطيط والاستعداد المسبق، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة المخاطر.
وتوضح المعطيات التي عرضها وزير الطوارئ أن الحد من أضرار الأمطار في سوريا يتطلب الجمع بين إجراءات الصيانة والتنظيف العاجلة ومشاريع إعادة التأهيل طويلة الأمد، خصوصاً في المدن التي تعاني من شبكات تصريف متضررة أو غير قادرة على استيعاب التوسع العمراني.
ويبقى تنفيذ هذه الخطط مرتبطاً بفاعلية التنسيق بين الجهات المعنية، وتحديد المواقع الأكثر عرضة للخطر، وتوفير الموارد اللازمة لمعالجة أوجه القصور في البنية التحتية قبل تحول الهطولات الغزيرة إلى فيضانات تهدد السكان وممتلكاتهم.