العمل والسكن والدخل.. خبير اقتصادي يوضح تحديات الزواج أمام الشباب في سوريا
يواجه كثير من الشباب السوري صعوبات في تحقيق الاستقلال المادي وتكوين أسر جديدة، نتيجة محدودية فرص العمل وضعف القدرة الشرائية للأجور وارتفاع تكاليف السكن ومتطلبات الزواج، ما يدفع بعضهم إلى تأجيل هذه الخطوة سنوات طويلة، أو البحث عن فرص عمل خارج البلاد لتحسين أوضاعهم المعيشية.
وتتجاوز التحديات تكاليف الزواج المباشرة، لتشمل القدرة على تأمين مسكن مستقل وتغطية النفقات الأساسية بصورة مستمرة، في ظل انتشار العمل المؤقت وعدم استقرار الدخل، الأمر الذي ينعكس على قرارات الشباب المتعلقة بمستقبلهم الأسري والمهني.
وفي حديث لشبكة شام الإخبارية، أوضح المحلل الاقتصادي رضوان الدبس أن معالجة هذه المشكلة تتطلب سياسات اقتصادية توفر فرص عمل مستقرة ودخولاً مناسبة، إلى جانب برامج للإسكان والتمويل الميسر تساعد الشباب على تأسيس حياتهم.
البطالة وضعف الأجور يعرقلان الاستقلال المادي
قال الدبس إن البطالة وانخفاض الأجور يمثلان أبرز العوائق أمام استقلال الشباب السوري، مشيراً إلى أن المشكلة تتمثل في صعوبة الحصول على فرصة عمل من جهة، وعدم كفاية الدخل لتغطية الاحتياجات الأساسية من جهة أخرى.
وأوضح أن الشاب قد يعمل بدوام كامل، لكنه يعجز عن تأمين نفقات السكن والغذاء والنقل والطاقة، فضلاً عن الادخار والاستعداد لتحمل مسؤوليات أسرة جديدة.
وأضاف أن انتشار العمل المؤقت وغير المنظم، وغياب الاستقرار الوظيفي، يجعلان اتخاذ قرارات طويلة الأجل أكثر صعوبة، نتيجة عدم وجود ضمانات كافية لاستمرار الدخل.
وأشار إلى أن هذه الظروف تضع الشباب أمام تحديين متزامنين، هما محدودية فرص العمل وتراجع القيمة الفعلية للأجور مقارنة بتكاليف المعيشة.
السكن ومتطلبات الزواج.. أعباء تتجاوز القدرة المالية
بيّن الدبس أن تأمين السكن يأتي في مقدمة الأعباء الاقتصادية التي تواجه الشباب الراغبين في الزواج، سواء من خلال شراء منزل أو استئجاره، في ظل ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات وتكاليف البناء والترميم.
وتضاف إلى ذلك نفقات المهر والذهب والأثاث والأجهزة الكهربائية وحفلات الزفاف، التي قد تتحول إلى التزامات مالية تفوق إمكانات الشباب، خصوصاً مع الضغوط المرتبطة ببعض العادات والتقاليد.
وأوضح أن الأعباء لا تنتهي بإتمام الزواج، إذ تبدأ بعدها النفقات الشهرية المتعلقة بالغذاء والكهرباء والتدفئة والنقل والصحة والتعليم، ما يتطلب دخلاً مستقراً يكفي لتغطيتها.
ولفت إلى أن غياب برامج التمويل الميسر يضطر الشباب إلى الادخار سنوات لتأمين متطلبات الزواج، فيما قد يؤدي التضخم إلى تراجع القيمة الشرائية لمدخراتهم خلال تلك الفترة.
وأكد أن المشكلة الأساسية تتعلق بتكاليف تأسيس حياة مستقلة والقدرة على استمرارها، وليس بنفقات حفل الزواج وحدها.
تأجيل الزواج والهجرة والاعتماد على الأسرة
أشار المحلل الاقتصادي إلى أن الضغوط المعيشية تدفع شريحة من الشباب إلى تأجيل الزواج حتى تتحسن ظروفهم المالية، مع تحول العمل المستقر والسكن والدخل المناسب إلى متطلبات يصعب تجاوزها قبل تكوين الأسرة.
وأوضح أن بعض الشباب يتجهون إلى الهجرة بحثاً عن فرص عمل أفضل، ما قد يحرم الاقتصاد السوري من جزء من طاقاته البشرية وكفاءاته، فيما يضطر آخرون إلى الاستمرار في السكن مع أسرهم أو الاعتماد على الدعم العائلي بعد الزواج.
وبحسب الدبس، قد تؤدي هذه الظروف إلى تأخر تكوين الأسر، وانخفاض معدلات الإنجاب، وزيادة الضغوط النفسية والاجتماعية، إلى جانب اتساع الفوارق بين الشباب الذين يتلقون دعماً عائلياً أو يمتلكون دخلاً خارجياً، وأولئك الذين يعتمدون على أجورهم المحلية.
وحذر من تحول هذه التحديات إلى مشكلة طويلة الأمد تؤثر في التركيبة السكانية ومستقبل التنمية، نظراً إلى الدور الأساسي للشباب في التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
برامج تشغيل وتمويل لدعم الشباب
أكد الدبس أن معالجة التحديات الاقتصادية التي تواجه الشباب تتطلب الانتقال إلى سياسات توفر فرص عمل فعلية ودخولاً تسمح بتحقيق الاستقلال المادي.
واقترح إطلاق برنامج وطني لتشغيل الشباب، يركز على القطاعات القادرة على توفير فرص عمل، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والطاقة والإنشاءات والخدمات، مع ربط برامج التدريب المهني باحتياجات سوق العمل.
كما دعا إلى دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال قروض إنتاجية ميسرة وضمانات مناسبة وفترات سماح، بما يساعد الشباب على تأسيس مشروعاتهم وتوفير فرص عمل إضافية.
وشدد على أهمية تحسين الأجور والقدرة الشرائية بصورة تدريجية، بما يتناسب مع تكاليف المعيشة والإنتاجية، بالتوازي مع إجراءات للحد من التضخم.
وأشار أيضاً إلى ضرورة تحفيز القطاع الخاص على توفير وظائف مستقرة للشباب، من خلال حوافز للمؤسسات التي تتيح فرص عمل حقيقية، وتعزيز برامج التدريب المهني والتقني.
الإسكان الشبابي وتخفيف تكاليف تأسيس الأسر
طرح الدبس مقترحاً لإطلاق برنامج للإسكان الشبابي يوفر مساكن صغيرة ومتوسطة بأسعار مناسبة، من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وأوضح أن البرنامج يمكن أن يعتمد صيغاً متعددة، منها الإيجار طويل الأجل أو التملك بالتقسيط الميسر، بما يخفف الأعباء المالية المرتبطة بتأمين السكن.
كما دعا إلى توفير برامج تمويل اجتماعي ميسر لمساعدة الشباب على تغطية الاحتياجات الأساسية للزواج وتأسيس الأسرة، من خلال قروض حسنة أو تمويل منخفض التكلفة يراعي مستويات الدخل.
وأكد أن هذه الإجراءات ينبغي أن تتكامل مع سياسات التشغيل وتحسين الأجور، حتى يتمكن الشباب من تحمل الالتزامات المالية المترتبة على الزواج بصورة مستدامة.
استقلال الشباب ضمن أولويات التعافي الاقتصادي
شدد الدبس على ضرورة إدراج قضايا الشباب والزواج ضمن استراتيجية التعافي الاقتصادي في سوريا، باعتبارها مرتبطة بسوق العمل ومستويات الدخل وتوفر السكن.
وأوضح أن تكوين أسرة جديدة يحتاج إلى ثلاثة مقومات رئيسية، هي فرصة عمل مستقرة، ودخل مناسب، ومسكن يمكن تحمل تكاليفه.
واعتبر أن الاستثمار في تشغيل الشباب وتحسين دخولهم وتوفير السكن يمثل استثماراً في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسكاني.
وأكد أهمية ألا يتحول الزواج إلى امتياز اقتصادي يقتصر على من يمتلكون الثروة أو الدعم العائلي، مشيراً إلى أن قدرة الشباب على العمل والاستقلال وتكوين أسر تعكس مدى تقدم الاقتصاد في مسار التعافي والتنمية.
وتبقى زيادة فرص العمل وتحسين القدرة الشرائية وتوفير خيارات سكن ميسرة من أبرز المتطلبات التي يمكن أن تساعد الشباب السوري على تجاوز العوائق الاقتصادية التي تؤخر استقلالهم وتكوين أسرهم.