رسوم مرتفعة وإنتاج متعثر.. الإسمنت في سوريا بين عبء الضرائب وضغط إعادة الإعمار
يتصدر ملف مادة الإسمنت واجهة الجدل الاقتصادي في سوريا، مع تصاعد مطالب التجار والمستوردين بخفض الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة عليها، في وقت يشهد فيه قطاع البناء ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع التكاليف وتراجع الإنتاج المحلي، ما ينعكس مباشرة على أسعار السكن ومشاريع إعادة الإعمار.
ويأتي هذا الجدل في ظل معطيات تشير إلى أن الرسوم المفروضة على الإسمنت المستورد بلغت مستويات مرتفعة، إذ تتجاوز 40% من سعر الطن قبل وصوله إلى المستهلك، ما يحوّل هذه المادة الأساسية إلى عبء مالي إضافي في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى تسهيل تدفق مواد البناء لا تعقيدها.
وفق تقديرات متقاطعة من السوق، فإن طن الإسمنت المستورد من تركيا بسعر يقارب 77 دولاراً، يخضع لرسوم جمركية مباشرة تصل إلى 27 دولاراً، تضاف إليها رسوم وأعباء أخرى بنحو 3.5 دولارات، ما يرفع الكلفة الجمركية إلى أكثر من 30 دولاراً للطن الواحد، دون احتساب تكاليف النقل والشحن، وهو ما يدفع السعر النهائي إلى حدود 130 دولاراً أو أكثر.
هذا الواقع مرشح لمزيد من التعقيد بعد فرض ضريبة إضافية بنسبة 2% على السلع المستوردة، بما فيها مواد البناء، ما يزيد الضغط على السوق ويهدد بارتفاعات جديدة في الأسعار، وسط مخاوف من انعكاس ذلك على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى كلفة المشاريع السكنية.
توسع في الأرقام الرسمية: الجمارك ركيزة إيرادات الدولة
تعكس الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة المالية حجم الاعتماد الحكومي على الرسوم الجمركية كمصدر رئيسي للإيرادات، حيث أعلنت الوزارة في بيانها الأخير الصادر في 7 نيسان، أن هذه الرسوم شكّلت نحو 39% من إجمالي الإيرادات العامة للدولة.
وبحسب البيان، بلغت الإيرادات العامة نحو 384.2 مليار ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل قرابة 3.5 مليارات دولار أمريكي، ما يوضح أن أي تخفيض محتمل للرسوم الجمركية، بما فيها المفروضة على الإسمنت، يضع الحكومة أمام معادلة حساسة بين الحفاظ على موارد الخزينة من جهة، وتحفيز النشاط الاقتصادي من جهة أخرى.
ويشير هذا الواقع إلى أن السياسة الجمركية الحالية لا ترتبط فقط بتنظيم السوق، بل أيضاً بتأمين موارد مالية مباشرة للدولة، وهو ما يفسر جزئياً استمرار فرض نسب مرتفعة على السلع المستوردة، رغم انعكاساتها السلبية على قطاعات حيوية مثل البناء.
إعادة الإعمار.. أرقام ضخمة وضغوط متزايدة
تكتسب قضية الإسمنت أهمية مضاعفة في سوريا، باعتبارها مادة أساسية في عملية إعادة الإعمار، التي قدّر البنك الدولي تكلفتها بنحو 216 مليار دولار، وفق تقريره حول تقييم الأضرار بين عامي 2011 و2024.
هذه الأرقام تعكس حجم الطلب المتوقع على مواد البناء، وفي مقدمتها الإسمنت، ما يجعل استقرار أسعاره عاملاً حاسماً في تسريع أو إبطاء عملية إعادة الإعمار. كما تشير التقديرات إلى أن سوريا تحتاج إلى ملايين الأطنان سنوياً من الإسمنت لتغطية احتياجات مشاريع السكن والبنية التحتية، وهو ما يضع القطاع تحت ضغط متزايد في ظل الفجوة الحالية بين العرض والطلب.
ويرى متابعون أن استمرار ارتفاع تكاليف الإسمنت، سواء بسبب الرسوم أو ضعف الإنتاج، قد يؤدي إلى تضخم إضافي في تكاليف إعادة الإعمار، ويؤخر تنفيذ مشاريع حيوية، خصوصاً في ظل محدودية القدرة التمويلية لدى الأفراد والقطاع الخاص.
أزمة إنتاج محلي.. “الكلنكر” في قلب المشكلة
على صعيد الإنتاج، يواجه قطاع الإسمنت تحديات بنيوية، أبرزها توقف إنتاج مادة “الكلنكر” الأساسية، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة التي تشكل أكثر من 65% من كلفة الإنتاج، إضافة إلى تهالك خطوط الإنتاج ونقص الصيانة في عدد من المعامل.
هذا التراجع في الإنتاج المحلي أدى إلى فجوة واضحة بين العرض والطلب، حيث يقدّر الإنتاج بنحو 4.6 ملايين طن سنوياً، مقابل حاجة تتراوح بين 8 و9 ملايين طن، ما يفرض الاعتماد على الاستيراد لتغطية ما يقارب 40% من احتياجات السوق.
وفي ظل هذا العجز، ارتفعت أسعار الإسمنت خلال الفترة الأخيرة لتتراوح بين 120 و150 دولاراً للطن، مع تسجيل تقلبات مرتبطة بعوامل العرض والاستيراد وتكاليف الطاقة.
مطالب بخفض الرسوم ودعم الإنتاج
في مواجهة هذه التحديات، تتصاعد مطالب الفاعلين في السوق بإعادة النظر في هيكلية الرسوم الجمركية، خاصة على مادة الكلنكر، باعتبارها مدخلاً أساسياً في عملية الإنتاج، حيث ترى الشركة العامة لصناعة وتسويق الإسمنت “عمران” أن تخفيض هذه الرسوم سينعكس مباشرة على خفض كلفة الإنتاج وبالتالي أسعار البيع.
كما يدعو خبراء اقتصاديون إلى تبني مقاربة شاملة تتضمن دعم قطاع الطاقة المخصص للصناعة، وتحديث خطوط الإنتاج، وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، بما يسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي تدريجياً وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ويرى محللون أن الحل لا يكمن في الاستيراد وحده، بل في إعادة هيكلة القطاع بالكامل، من خلال تحسين الحوكمة، وضبط سلاسل التوريد، وتحديد هوامش ربح عادلة، بما يحقق التوازن بين المنتجين والمستهلكين.
فرص استثمارية ومسار إصلاحي
ورغم التحديات، يبرز قطاع الإسمنت كأحد أبرز المجالات الواعدة للاستثمار، في ظل الطلب المرتفع المتوقع خلال السنوات المقبلة، حيث تشير تقديرات إلى أن سوريا قد تحتاج إلى ملايين الأطنان سنوياً لتلبية متطلبات إعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، تعمل الحكومة السورية على طرح عدد من المعامل للاستثمار، وإبرام شراكات مع شركات إقليمية لإعادة تأهيل خطوط الإنتاج، إلى جانب خطط لتطوير البنية التحتية الصناعية ورفع الكفاءة التشغيلية.
كما تشمل الخطط المستقبلية إعادة تأهيل معامل رئيسية في حماة وطرطوس، ودخولها الخدمة خلال السنوات المقبلة، ما قد يسهم في زيادة الإنتاج المحلي إلى نحو 3.5 ملايين طن سنوياً، أي ما يقارب 40% من حاجة السوق.
بين الضرائب والتنمية.. معادلة معقدة
يعكس ملف الإسمنت في سوريا معادلة معقدة بين حاجة الدولة إلى الإيرادات من جهة، ومتطلبات تحفيز الاقتصاد وخفض تكاليف الإنتاج من جهة أخرى، في ظل مرحلة حساسة تتطلب سياسات مرنة تدعم التعافي الاقتصادي.
وبينما ترى الجهات الرسمية أن بعض الإجراءات تهدف إلى تنظيم السوق وتعزيز الموارد المالية، يؤكد الفاعلون الاقتصاديون أن تخفيف الأعباء الضريبية والجمركية على مواد البناء، وعلى رأسها الإسمنت، يشكل خطوة أساسية لتسريع وتيرة إعادة الإعمار، وتقليل كلفة السكن، وتحقيق استقرار فعلي في السوق.
وفي ظل استمرار الجدل، يبقى مستقبل أسعار الإسمنت مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين دعم الإنتاج المحلي، وضبط الاستيراد، وتأمين الإيرادات، وتخفيف الأعباء عن المواطنين، في واحدة من أكثر الملفات تأثيراً على المشهد الاقتصادي والمعيشي في البلاد.
وتواجه صناعة الإسمنت في سوريا تحديات مالية وبنيوية كبيرة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مواد البناء لتلبية متطلبات إعادة الإعمار، حيث تشير تقديرات متخصصة إلى أن البلاد تحتاج ما بين 60 و80 مليون طن من الإسمنت خلال السنوات العشر المقبلة، أي نحو 6 إلى 8 ملايين طن سنوياً لإعادة بناء نحو مليوني وحدة سكنية مدمّرة إلى جانب مشاريع البنية التحتية.
وفي هذا السياق، ألغت وزارة الاقتصاد والصناعة قرار فرض “الضمائم” على منتجي الإسمنت بهدف تخفيف الأعباء المالية وتعزيز القدرة التنافسية للمنتج المحلي، وهو ما اعتُبر خطوة إصلاحية لمعالجة سياسات سابقة أثقلت القطاع الإنتاجي وخفّضت قدرته على المنافسة مع المستوردات.
ويرى عاملون في القطاع أن القرار يمنح الصناعة دفعة مهمة، خاصة في ظل الفارق الكبير في تكاليف الإنتاج مقارنة بالدول المجاورة، إذ يبلغ سعر طن الإسمنت في سوريا نحو 95 دولاراً مقابل نحو 50 دولاراً في الأردن.