سلطت صحيفة "التايمز" البريطانية الضوء على انطلاق محاكمة عاطف نجيب، أحد أبرز رموز نظام الأسد البائد، في العاصمة دمشق، مشيرة إلى أن هذه القضية تمثل أول محاكمة بارزة لشخصية رفيعة من النظام السابق، في إطار مساعي السلطات لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات.
وأوضحت الصحيفة أن نجيب، ابن خالة الإرهابي الفار بشار الأسد، ظهر داخل قفص الاتهام مرتدياً زي السجن، في مشهد يعكس تحوّلاً لافتاً من موقع النفوذ الأمني إلى المساءلة القضائية، بعد سنوات من دوره البارز في الأجهزة الأمنية.
وبيّنت "التايمز" أن نجيب كان يشغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا مع بداية الاحتجاجات عام 2011، حيث ارتبط اسمه بإجراءات قمعية شملت اعتقال شبان وتعذيبهم، إضافة إلى الإشراف على عمليات إطلاق النار ضد المتظاهرين، ما ساهم في تصاعد الأحداث آنذاك.
ولفت التقرير إلى أن سلوك نجيب وشخصيته أثارا جدلاً واسعاً، خاصة مع تكراره لعبارات تعكس استعلاءً في السلطة، إلى جانب اتهامات تتعلق بالاعتقال التعسفي والانتهاكات بحق المدنيين، بما في ذلك الأطفال.
وأشار إلى أن هذه المحاكمة تأتي ضمن مسار أوسع للعدالة الانتقالية، رغم التحديات التي تواجه هذا الملف، في ظل غياب إطار قانوني شامل للتعامل مع مختلف مستويات المسؤولية داخل النظام السابق.
كما تناولت الصحيفة الخلفية العائلية لنجيب، موضحة أن صعوده داخل المنظومة الأمنية ارتبط بعلاقته بعائلة مخلوف المقربة من الأسد، والتي لعبت دوراً محورياً في الاقتصاد والنفوذ خلال فترة حكم النظام البائد.
وأكدت "التايمز" أن السلطات السورية تواصل ملاحقة المتورطين في الجرائم الجسيمة، مشيرة إلى اعتقال شخصيات أخرى مرتبطة بانتهاكات موثقة، في خطوة تعكس توجهاً نحو توسيع نطاق المحاسبة.
واعتبرت الصحيفة أن محاكمة نجيب تمثل بداية مسار طويل نحو العدالة، وسط مطالبات بضمان الشفافية ومحاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات، بما يسهم في إنصاف الضحايا وترسيخ سيادة القانون.
من هو عاطف نجيب؟
يُعد عاطف نجيب أحد أبرز الضباط الأمنيين السابقين في نظام الأسد البائد، حيث شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا خلال فترة مفصلية سبقت اندلاع الثورة السورية، وارتبط اسمه بشكل مباشر بملفات القمع والانتهاكات.
كما يعرف بانتمائه إلى عائلة السلطة، إذ إنه ابن خالة بشار الأسد، ما منحه نفوذاً واسعاً داخل الأجهزة الأمنية ومكّنه من لعب دور محوري في إدارة الملف الأمني في درعا آنذاك.
ولد نجيب عام 1960 في مدينة جبلة الساحلية التابعة لمحافظة اللاذقية، حيث تلقى تعليمه في مراحلها الابتدائية والإعدادية والثانوية، قبل أن يلتحق بالكلية الحربية في حمص، المعروفة بـ"أم الكليات العسكرية في سوريا".
وتخرج منها برتبة ملازم، لينضم لاحقاً إلى جهاز المخابرات، ويتدرج في المناصب الأمنية إلى أن تسلم رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا، وهو الموقع الذي شكّل نقطة تحول في مسيرته وارتبط باسمه بأحداث الثورة السورية عام 2011.
وفي تلك المرحلة، كان نجيب المسؤول المباشر عن التعامل مع الاحتجاجات التي انطلقت من درعا، والتي بدأت بعد اعتقال مجموعة من الأطفال بسبب كتابتهم شعارات مناهضة للنظام على جدران المدارس، وتشير شهادات موثقة إلى أن هؤلاء الأطفال تعرضوا لتعذيب شديد داخل مراكز الاحتجاز، شمل اقتلاع الأظافر والانتهاكات الجسدية القاسية.
كما نسبت إليه عبارات مهينة وجهها إلى أهالي الأطفال المعتقلين، من بينها مطالبته لهم بنسيان أبنائهم، وهو ما أدى إلى تصاعد حالة الغضب الشعبي في المحافظة، وتحول الاحتجاجات إلى انتفاضة واسعة سرعان ما امتدت إلى مختلف أنحاء سوريا.
ولم تقتصر الانتهاكات المنسوبة إليه على ملف الأطفال، بل شملت أيضاً دوره في إدارة عمليات القمع الأمني في درعا، وسط اتهامات بارتكاب جرائم بحق مدنيين، ما وضعه في صدارة الأسماء المرتبطة ببداية الحراك الشعبي ومسار العنف الذي تلاه، قبل أن تتم إقالته من منصبه مع تصاعد الاحتجاجات، لينتقل إلى دمشق ويختفي عن الأنظار مع توسع رقعة المظاهرات والعمليات العسكرية.
في كانون الثاني/يناير 2025، أعلن الأمن الداخلي إلقاء القبض على العميد عاطف نجيب داخل مدينة اللاذقية، بعد عملية أمنية وُصفت بالدقيقة، وذلك عقب سنوات من اختفائه داخل البلاد منذ سقوط النظام في ديسمبر 2024.
حيث أفادت مصادر حينها أنه كان متخفياً خلال تلك الفترة، قبل أن يحاول مؤخراً التواصل مع بعض المعارف في درعا طالباً مساعدتهم للوصول إلى الناطق باسم المجلس الإسلامي السوري الشيخ مطيع البطين، بهدف الحصول على شهادة تنفي عنه مسؤوليته عن تعذيب الأطفال.
وأكدت المعلومات أن الأشخاص الذين تواصل معهم قاموا بإبلاغ الأمن بتفاصيل اتصالاته، ما أتاح تعقب تحركاته والوصول إلى مخبئه وإلقاء القبض عليه، في حين تداول نشطاء رواية أخرى تشير إلى أنه قام بتسليم نفسه، وسط تضارب في التفاصيل المتعلقة بلحظة توقيفه.
وفي سياق متصل، كان الشيخ مطيع البطين قد علّق قبل إعلان اعتقاله على مسألة طلب الشهادات، مؤكداً أن الشهود الحقيقيين على تلك الجرائم هم الأطفال الذين أصبحوا اليوم رجالاً، وأن شهاداتهم وشهادات ذويهم هي الفيصل، مشدداً على أن الجرائم المرتكبة في درعا لم تقتصر على تعذيب الأطفال، بل شملت أيضاً مجازر مروعة، وأن أي ادعاء يحتاج إلى إثبات مكانه القضاء، وعلى المتهم أن يمثل أمام العدالة أولاً.
وبحسب ما أعلنته الجهات الرسمية، يواجه نجيب اتهامات بالتورط في ارتكاب جرائم بحق مواطنين، من بينهم أطفال، ضمن ملفات تنظر فيها الجهات القضائية المختصة، في حين ينظر إلى محاكمته المرتقبة بوصفها محطة مفصلية في مسار تحقيق العدالة، خاصة مع التأكيد على أنها ستكون علنية وبحضور الأهالي ووسائل الإعلام.
وتعد هذه الخطوة، وفق تقديرات متابعين، بداية لمسار أوسع لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتُكبت بحق السوريين، حيث يُنظر إلى اعتقال ومحاكمة عاطف نجيب باعتبارها مؤشراً على إمكانية كسر حالة الإفلات من العقاب، وفتح الباب أمام ملاحقة شخصيات أخرى تلطخت أيديها بالدماء خلال السنوات الماضية.
وكان أعلن النائب العام للجمهورية العربية السورية القاضي المستشار حسان التربة فتح دعوى الحق العام بحق عدد من الشخصيات المتهمة بارتكاب جرائم وانتهاكات جسيمة خلال السنوات الماضية، وذلك ضمن إطار تطبيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين وضمان حقوق الضحايا وأسرهم.