استنزاف الأمهات.. مسؤوليات متراكمة وضغوط تستدعي الانتباه
تواجه الأمهات مسؤوليات يومية متعددة تتوزع بين رعاية الأطفال وإدارة شؤون المنزل والالتزامات الأسرية المختلفة، فيما قد تتراجع احتياجات المرأة النفسية والجسدية أمام هذه المتطلبات، ومع استمرار الضغوط وغياب الراحة أو الدعم الكافي، قد تصل الأم إلى حالة من الاستنزاف تنعكس على صحتها وعلاقتها بأطفالها ومحيطها.
وتبرز أهمية الانتباه إلى المؤشرات المبكرة لهذا الاستنزاف، وعدم التعامل مع الإرهاق المستمر بوصفه جزءاً طبيعياً لا مفر منه من الأمومة، ولا سيما عندما تبدأ أعراضه بالتأثير في النوم والتركيز والحالة المزاجية والقدرة على أداء المسؤوليات اليومية.
متى تتحول مسؤوليات الأمومة إلى استنزاف؟
قالت أخصائية الصحة النفسية عبير قباني، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأمومة تمثل تحولاً كبيراً في حياة المرأة على المستويات النفسية والجسدية والاجتماعية، لما تفرضه من مسؤوليات تجاه الطفل، بالتوازي مع مسؤوليات المرأة تجاه نفسها واحتياجاتها المختلفة.
وأوضحت أن الاستنزاف قد يبدأ عندما تنشغل الأم بتلبية احتياجات أطفالها وإدارة مسؤوليات المنزل، مقابل إهمال احتياجاتها الشخصية، سواء بصورة مقصودة أو غير مقصودة، ما يؤدي مع مرور الوقت إلى تراكم الإرهاق والضغط.
وأشارت قباني إلى أن غياب فترات الراحة وعدم توزيع بعض المهام على الزوج أو أفراد الأسرة، إلى جانب سعي الأم إلى المثالية ومحاولة إنجاز جميع المسؤوليات بمفردها، عوامل يمكن أن تدفعها تدريجياً نحو الاستنزاف النفسي والجسدي.
مؤشرات لا ينبغي تجاهلها
بيّنت قباني أن علامات الاستنزاف قد تظهر على شكل قلق مستمر ونوبات غضب وردود فعل تفوق حجم المواقف التي تثيرها، إلى جانب الشرود الذهني وضعف التركيز والنسيان المتكرر والخمول خلال ساعات النهار.
وأضافت أن الأعراض قد تمتد إلى الجانب الجسدي، فتظهر على شكل صداع ووهن وشد عضلي، وقد ترافق الحالات الأكثر تقدماً بعض الحركات العصبية اللاإرادية في الوجه أو العينين أو الأطراف، بالتزامن مع إنهاك الجهاز العصبي وتراجع جودة النوم.
ولفتت إلى أن استمرار هذه الدوامة قد يجعل المرأة أكثر هشاشة أمام الضغوط، ويزيد سرعة انفعالها وبكائها، ويؤثر في قدرتها على التركيز والتعامل مع تفاصيل حياتها اليومية.
وأكدت أن ظهور هذه المؤشرات يستدعي إعادة النظر في الأولويات ومنح النفس وقتاً للراحة، باعتبار أن صحة الأم النفسية والجسدية تنعكس بصورة مباشرة على قدرتها على رعاية أطفالها وإدارة مسؤولياتها الأسرية.
الدعم يبدأ من العناية بالنفس
أوضحت عبير قباني، في تصريح خاص لـ«شام»، أن وعي المرأة بحاجاتها والعناية بصحتها يمثلان نقطة أساسية في مواجهة الاستنزاف، إلى جانب الاستفادة من الدعم الأسري والاجتماعي المتاح.
وأشارت إلى أن بعض النساء قد لا يمتلكن شبكة دعم أسرية أو اجتماعية كافية، ما يزيد أهمية تنظيم المسؤوليات وترتيب الأولويات وتخصيص مساحة للاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية والعقلية.
وشددت على أن طلب المساعدة أو الحصول على الراحة لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما تقصيراً في أداء دور الأم، إذ إن استمرار تحمل الأعباء دون توقف قد يؤدي في النهاية إلى تراجع قدرتها على القيام بالمسؤوليات التي تحاول المحافظة عليها.
متى تصبح الاستعانة بمختص ضرورية؟
حذرت قباني من بعض المؤشرات التي تستدعي اللجوء إلى مختص نفسي، ومن بينها البكاء المفاجئ واضطرابات النوم المزمنة أو استمرار الشعور بعدم الاكتفاء من النوم رغم الحصول على ساعات طويلة منه.
وأضافت أن ظهور حركات لاإرادية في العينين أو الوجه أو الأطراف، أو اللجوء إلى العنف الجسدي تجاه الأطفال أو النفس، إلى جانب ظهور أعراض وسواسية تؤثر في الحياة اليومية، مؤشرات تستوجب التعامل معها بجدية والحصول على المساعدة المتخصصة.
ويرى مختصون نفسيون أن الاستنزاف لدى الأمهات قد يرتبط بتراكم المسؤوليات والشعور بضرورة تحملها منفردات، إلى جانب الضغط الناتج عن محاولة الوصول إلى صورة مثالية للأمومة، فيما يساعد توزيع المسؤوليات والحصول على فترات من الراحة وطلب الدعم عند الحاجة في الحد من تفاقم الضغوط.
ويبقى الانتباه إلى التغيرات النفسية والجسدية المستمرة خطوة أساسية في التعامل مع الاستنزاف، إذ تختلف قدرة الأمهات على تحمل الضغوط باختلاف ظروفهن ومسؤولياتهن وشبكات الدعم المتاحة لهن، ما يجعل الاعتراف بالحاجة إلى الراحة أو المساعدة جزءاً مهماً من الحفاظ على صحة الأم واستقرار الأسرة.