١ فبراير ٢٠٢٦
رغم مرور أكثر من عام على تحرير سوريا وبداية مرحلة جديدة من بناء الدولة، لا يزال آلاف المعلمين في الشمال السوري يعانون من ظروف معيشية صعبة وأجور متدنية، وسط صمت رسمي ووعود لا تزال حبراً على ورق.
ويبلغ متوسط راتب المعلم في المناطق المحررة نحو 120 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات عشرة أيام فقط، وفق ما يؤكده معلمون في محافظتي إدلب وحلب، يأتي ذلك في ظل موجة تضخم حادّة وارتفاع أسعار السلع الأساسية، ما يدفع بالكثيرين منهم إلى التفكير جدياً في ترك مهنة التعليم والبحث عن بدائل أكثر مردودية، كالتطوع في الشرطة أو الجيش.
إضرابات واحتجاجات... بلا جدوى
نفّذ المعلمون عدة إضرابات ووقفات احتجاجية خلال الشهور الماضية أمام مديريات التربية، مطالبين بتحسين أوضاعهم وزيادة رواتبهم بما يضمن حياة كريمة، إلا أن الاستجابة الرسمية جاءت دائماً على شكل وعود غير مُجدية، وكان وزير التربية قد صرّح في أكثر من مناسبة بأن زيادة الرواتب "قريبة"، غير أن شهر شباط بدأ دون أي قرار فعلي يلامس تطلعات المعلمين.
رسائل تطمين من المحافظين
في محاولة لامتصاص الغضب، وجّه كلٌّ من محافظ إدلب، محمد عبد الرحمن، ومحافظ حلب، المهندس عزام الغريب، رسائل مباشرة إلى الكوادر التعليمية، وقال المحافظ عبد الرحمن: "رسالتكم وصلت بوضوح، وتحسين أوضاعكم أولوية لا تحتمل التأجيل"، مشيراً إلى متابعة يومية للملف بالتنسيق مع وزارتي التربية والمالية.
من جانبه، شدد الغريب على أن صبر المعلمين هو "وقود الاستمرار"، واعداً بأن "الفرج قريب جداً" وأن الجهات المختصة في حالة انعقاد دائم لوضع الحلول.
نزيف الكوادر... التعليم في خطر
وسط هذا الجمود، يشهد قطاع التعليم نزيفاً متواصلاً في الكوادر، حيث بات المعلمون يعزفون عن الاستمرار في المهنة لصالح وظائف تتيح دخلاً أفضل، ويخشى مراقبون من أن استمرار هذا التوجه سيؤثر بشكل مباشر على جودة العملية التعليمية، ويهدد مستقبل الأجيال القادمة.
بين التصريحات والفعل... فجوة تتسع
مما لا شك فيه أن المعلم السوري لا يطالب برفاه، بل بحقوق أساسية تضمن له كرامة العيش، وفي وقت تدعو فيه الحكومة إلى تعزيز التعليم باعتباره ركيزة النهوض الوطني، يبقى تجاهل معاناة المعلمين تناقضاً صارخاً مع هذه الشعارات.
قضية وطنية لا تحتمل التأجيل
لقد أثبت المعلم السوري صموده في أحلك الظروف، من تحت القصف إلى قاعات الصفوف المؤقتة، ومن غياب الأمن إلى غياب الراتب الكافي، واليوم، آن الأوان لأن تُترجم الوعود إلى أفعال ملموسة تعيد الاعتبار لهذه الشريحة الحيوية، فإلى متى سيبقى حق المعلم مؤجلاً؟ سؤال بات بل قضية وطنية بامتياز تتطلب قراراً سيادياً عاجلاً يليق بمكانة المعلّم في سوريا الجديدة.
٢٨ يناير ٢٠٢٦
منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، دخلت سوريا مرحلة انتقالية كان يُفترض أن تُستكمل سريعًا باستعادة الدولة سيادتها على كامل الجغرافيا، غير أن هذا التحول بقي منقوصًا، مع استمرار سيطرة ميليشيات قسد على شرق البلاد وشمالها الشرقي، وبقاء محافظة السويداء خارج سلطة دمشق، ما فتح الباب مبكرًا أمام صراعات مؤجلة سرعان ما انفجرت على أكثر من جبهة.
في آذار/مارس 2025، شهد الساحل السوري أخطر اختبار أمني بعد التحرير، حين نفذت فلول النظام البائد هجومًا منسقًا استهدف الجيش السوري وقوى الأمن والمدنيين، في محاولة لفرض واقع جديد يقوم على استنساخ نموذج التفكك والسيطرة المنفصلة الذي كانت تفرضه قسد في مناطق نفوذها آنذاك، وإعادة تشكيل الخارطة السورية على أسس فوضوية.
لكن هذه المحاولة فشلت عسكريًا، في ظل تعبئة شعبية واسعة، ما أطلق لاحقًا موجة عنف طائفي طالت المكون العلوي، وسط اتهامات سياسية وإعلامية وُجهت في تلك المرحلة لروسيا وميليشيات قسد بالوقوف خلف دعم هذا المسار التخريبي، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات غير معلنة.
في الشهر نفسه، وُقّع اتفاق بين دمشق وقيادة قسد، نصّ على دمج الميليشيات ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة وإنهاء الحالة العسكرية المنفصلة، إلا أن ما تلا ذلك لم يكن مسار تنفيذ، بل عامًا كاملًا من المماطلة والتسويف، تنقلت خلاله قسد بين مطالب الفيدرالية والحكم الذاتي واللامركزية، ورفضت دمج قواتها في الجيش السوري، في محاولة لإعادة فرض شروط سياسية تتناقض مع منطق الدولة الواحدة وتعارض جوهر الاتفاق الموقع بين مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع.
وخلال هذه الفترة، لم تكتفِ قسد بتعطيل المسار السياسي، بل انخرطت بوضوح في تغذية بيئة الفوضى، عبر فتح قنوات تواصل مع فلول النظام البائد، وتجنيد عناصر منهم داخل مناطق سيطرتها وأيضًا في مناطق الدولة السورية، وتقديم دعم مالي ولوجستي أسهم في تنفيذ عشرات الهجمات التي استهدفت الجيش وقوى الأمن والمدنيين في مناطق متفرقة من البلاد.
بالتوازي مع ذلك، بدأت قسد بتشييد خطاب سياسي يقوم على ما سمّته “مظلومية الأقليات”، ليس بوصفه مشروع حماية وطنية، بل كأداة تفاوض وضغط. فعقدت مؤتمرات ولقاءات في مناطق سيطرتها، واستدعت شخصيات درزية وعلوية معروفة بخطابها الانفصالي أو الطائفي، وروّجت لفكرة الشراكة بين “المكونات المظلومة”، في محاولة لتكوين جبهة سياسية موازية للدولة تُستخدم لتحسين موقعها التفاوضي مع دمشق.
هذا المسار لم يكن بريئًا ولا معزولًا عن الميدان، بل جاء متزامنًا مع دعم عملي كشفت عنه تقارير دولية، شمل تدريب مقاتلين دروز وتبنّي خطاب سياسي ذهب حدّ دعم الانفصال و”تقرير المصير”، متجاوزًا أي مطالب خدمية أو حقوقية مشروعة، ومكرّسًا استخدام التوترات المحلية كأدوات ضغط وطنية.
وبلغ هذا النهج ذروته مع أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025، حيث ظهرت بصمات قسد بوضوح في الدعم المالي واللوجستي والتحريض السياسي، في محاولة لاستثمار الاحتقان المحلي وتحويله إلى ورقة ابتزاز سياسي بوجه الدولة السورية.
عند هذه النقطة، بات واضحًا أن قسد لا تتعامل مع المكونات السورية بوصفها شركاء في دولة جامعة، بل بوصفها أوراقًا مرحلية تُستخدم عند الحاجة، ثم تُترك لمصيرها حين تتغير الموازين وتتبدل الحسابات.
اليوم، ومع انحسار نفوذ قسد، وخسارتها مناطق النفط والمياه والموارد التي شكّلت شريانها المالي، ومع بدء تفكك شبكاتها السياسية والعسكرية، يبرز هدوء نسبي في الساحل والجنوب وعموم سوريا، لم تشهده البلاد منذ أشهر. هذا الهدوء لم يأتِ مصادفة، بل جاء متزامنًا مع توقف الداعم والمخطط، ومع سقوط مشروع الفوضى الذي ارتدى قناع “حماية الأقليات” فيما كان هدفه الحقيقي تعطيل قيام الدولة وإنقاذ كيان انفصالي مهدد بالزوال.
لم تكن قسد يومًا مظلة حماية، بل كانت رأس حربة، ورأس الأفعى، في مشروع تفكيك الدولة والمجتمع. ومع تراجع نفوذها وهيمنتها، تراجعت الفوضى، وبدأت سوريا تلتقط أنفاسها الأولى على طريق استقرار طال انتظاره.
٢٥ يناير ٢٠٢٦
شكّل الأكراد في سوريا جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، لكنهم عاشوا لعقود طويلة تحت وطأة التهميش والإقصاء، خاصة في عهد نظام الأسد الأب، حافظ، الذي كرّس سياسات ممنهجة لقمع الهويّة الكردية، عبر إنكار وجودها دستورياً، وحرمان مئات الآلاف من الأكراد من الجنسية السورية، وفرض قيود مشددة على لغتهم وثقافتهم، وصولاً إلى ما عُرف بـ"الحزام العربي" الذي استهدف تغيير ديموغرافيا مناطقهم في الحسكة والقامشلي وريف حلب.
التجريد من الجنسية… ضربة للهوية
كان التعداد الاستثنائي عام 1962 في محافظة الحسكة بمثابة كارثة قانونية واجتماعية للأكراد، إذ جُرّد أكثر من 120 ألف كردي من الجنسية السورية، بذريعة "التسلل" من تركيا، رغم أن أغلبهم من مواليد سوريا، واستمرت هذه السياسات في عهد حافظ الأسد، ولم تُصحح، مما حرم الأكراد من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التوظيف والتملك والتعليم والسفر.
الأسد الابن… وعود بلا تنفيذ
ومع تولي بشار الأسد السلطة عام 2000، أبدى بعض التوجهات "الإصلاحية" الشكلية، لكن سرعان ما تبخرت بعد انتفاضة الأكراد في القامشلي عام 2004، والتي قمعتها قوات الأمن بوحشية، ما أسفر عن مقتل واعتقال المئات، وقد أُبقي على سياسة التهميش، واستُخدمت قضية الأكراد كورقة سياسية عند الحاجة، دون تقديم حلول فعلية تضمن حقوقهم أو تعترف بهويتهم.
الرئيس أحمد الشرع… تصحيح المسار وإنصاف الأكراد
مع وصول الرئيس أحمد الشرع إلى الحكم، بدأ فصل جديد في التعامل مع المسألة الكردية، قائم على الاعتراف والعدالة والمواطنة المتساوية، ففي خطوة تاريخية، أصدر الشرع المرسوم الجمهوري رقم 13 لعام 2026، الذي أنهى عقوداً من الظلم بحق الأكراد، وأعاد لمن سُحبت منهم الجنسية حقوقهم الكاملة، معترفاً بهم كمواطنين سوريين متساوين في الحقوق والواجبات.
المواطنة الكاملة والتنوع الوطني
أكد المرسوم الجمهوري أن الأكراد جزء لا يتجزأ من سوريا، وركيزة من ركائز التنوع الوطني، مشدداً على أن الدولة تلتزم بصون حقوقهم الثقافية واللغوية، وتوفير الفرص المتكافئة لهم، بما يضمن اندماجاً حقيقياً في الحياة السياسية والاجتماعية، بعيداً عن سياسات الإنكار والإقصاء التي مارسها نظام الأسد البائد.
رسالة وحدة وعدالة
جاءت خطوة الرئيس الشرع لتؤكد أن سوريا الجديدة تُبنى على أسس الشراكة الحقيقية، وأنها لم تعد تقبل باستمرار أي شكل من أشكال الظلم ضد مكوناتها، سواء كانوا أكراداً أو عرباً أو غيرهم. فالوطن، كما أكد الشرع مراراً، يتسع لجميع أبنائه، ولا مكان فيه لتمييز أو إقصاء أو تهميش.
بين عهدين من القمع والتمييز، بزغ فجر جديد أنصف الأكراد وأعاد لهم مكانتهم كمكوّن وطني فاعل، ومع صدور المرسوم الجمهوري رقم 13، طُويت صفحة دامية من التهميش، لتبدأ مرحلة إعادة بناء الثقة، والانخراط الفعلي في مشروع وطني جامع، عنوانه العدالة والمساواة والمواطنة الكاملة.
٢٥ يناير ٢٠٢٦
لم تُولد قسد «قوات سوريا الديمقراطية» بوصفها تحالفًا متعدّد المكونات كما جرى الترويج لها، بل تشكّلت منذ لحظتها الأولى كتنظيم كردي خالص تقوده وحدات حماية الشعب، قبل أن تُعاد صياغتها سياسيًا وإعلاميًا في خريف عام 2015 لتأخذ اسم «قسد»، في خطوة هدفت بالدرجة الأولى إلى توفير غطاء محلي ودولي يسمح للولايات المتحدة بالاعتماد عليها في الحرب ضد تنظيم داعش (الدولة الإسلامية في الشام والعراق)، من دون الظهور بمظهر الداعم المباشر لذراع مرتبط بـ حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيا.
وبحسب تقارير متعددة، بينها رسمية وإعلامية، فإن إدماج المكونات العربية داخل «قسد» لم يكن نتاج شراكة متكافئة أو خيار طوعي في كثير من الحالات، بل جاء عبر الضغط العسكري وفرض الأمر الواقع في المناطق العربية، ولا سيما في الرقة وريفها ودير الزور.
هذا النمط ظهر بوضوح في المواجهات التي خاضتها «قسد» ضد فصائل عربية رفضت الانضواء تحت رايتها، كما حدث مع لواء ثوار الرقة، الذي دخل في اشتباكات مباشرة معها بعدما حاول الحفاظ على استقلاله وارتباطه بخط الثورة السورية ورفع علمها، قبل أن يُحاصر سياسيًا وعسكريًا ويُدفع إلى التفكك والذوبان والاندماج القسري.
ورغم أن «قسد» سوّقت نفسها لاحقًا كتحالف ذي غالبية عربية، وهو توصيف استندت إليه تقارير أمريكية وبحثية أكدت أن العرب شكّلوا نسبة كبيرة من مقاتليها، فإن هذا الواقع العددي لم ينعكس يومًا على بنية القرار، فالقيادة العسكرية والأمنية والاقتصادية بقيت حكرًا على وحدات حماية الشعب، فيما استُخدم المقاتلون العرب كقوة بشرية في المعارك، لا سيما خلال الحملات ضد تنظيم داعش، من دون أن يقابل ذلك شراكة حقيقية في الحكم أو إدارة الموارد.
وفي مناطق السيطرة، ترسّخت معادلة قوامها أن السلطة الفعلية والموارد، وفي مقدمتها النفط، بيد القيادة الكردية، بينما تُركت المناطق العربية مثقلة بالأعباء الأمنية والاجتماعية.
هذا الخلل البنيوي تراكم مع الزمن، وولّد حالة نفور متصاعدة داخل البيئة العربية، تفاقمت مع شكاوى واسعة من الانتهاكات، والتجنيد الإجباري، وفرض المناهج الدراسية، ما جعل «قسد» في نظر شريحة واسعة من السكان قوة مفروضة بالقوة لا إطارًا جامعًا.
وبحسب تقارير رسمية ووقائع ميدانية موثقة، شهدت المناطق ذات الغالبية العربية الخاضعة لسيطرة «قسد» تسربًا واسعًا للطلاب، ولا سيما في المرحلتين المتوسطة والثانوية، نتيجة فرض مناهج تعليمية حملت أفكارًا أيديولوجية متطرفة، سعت من خلالها «قسد» إلى إعادة تشكيل وعي جيل كامل بما يخدم مشروعها السياسي. وأمام هذا الواقع، لجأت أعداد كبيرة من العائلات إلى منع أبنائها من استكمال التعليم، في ظل مخاوف متزايدة على هويتهم ومستقبلهم، ما دفع كثيرًا من الأطفال إلى سوق العمل في سن مبكرة بدلًا من مقاعد الدراسة.
وإلى جانب التفكك الاجتماعي والتعليمي، أظهرت وقائع السنوات الماضية أن المناطق العربية الخاضعة لسيطرة «قسد» عاشت أوضاعًا معيشية بالغة القسوة، حيث تفشّى الفقر المدقع وتدهورت البنية التحتية إلى مستويات وُصفت بأنها من الأسوأ على امتداد الجغرافيا السورية، رغم أن هذه المناطق كانت تضم معظم الثروات النفطية والزراعية في البلاد، ورغم تلقي «قسد» دعمًا أمريكيًا بملايين الدولارات تحت عناوين الاستقرار وإعادة الإعمار. هذا التناقض الصارخ بين حجم الموارد وحجم التدهور عكس، وفق مراقبين، طبيعة الإدارة القائمة على الاستحواذ الأمني لا على التنمية أو تحسين حياة السكان.
وتزداد حدة هذه الصورة عند مقارنتها بمناطق مثل إدلب، التي تعرضت لسنوات طويلة لقصف مكثف من قبل نظام الأسد وروسيا، من دون أن تمتلك أي موارد طبيعية تُذكر، ومع ذلك نجحت في بناء بنية تحتية خدمية وتعليمية تُعد من الأفضل نسبيًا في عموم سوريا، بجهود محلية وإدارة مدنية، وهو ما سلّط الضوء على فشل نموذج «قسد» في إدارة المناطق التي سيطرت عليها، رغم الإمكانات والدعم الخارجي الكبير الذي حظيت به.
ومع التحولات السياسية والعسكرية الأخيرة في شمال شرق سوريا، وصل هذا المسار إلى نهايته الطبيعية، حين أعلنت معظم الفصائل والمجالس العشائرية العربية انشقاقها عن «قسد» وولاءها للدولة السورية الجديدة، منهية عمليًا الصيغة التي أُنشئت عليها.
في هذا السياق، فإن «قسد» بوصفها بناءً عسكريًا وسياسيًا لم تعد قائمة، وأن ما تبقى على الأرض هو وحدات حماية الشعب وامتداداتها فقط، وهذا يعني أن الاسم الذي استُخدم لسنوات كغطاء سياسي فقد مضمونه، مع خروج المكوّن العربي الذي منح هذا الغطاء حدًا أدنى من القبول المحلي والدولي.
ومع ذلك، لا تزال وحدات حماية الشعب تصدر بيانات وتتبنى مواقف باسم «قسد»، في وقت تشير فيه الوقائع الميدانية إلى أن هذا الكيان انتهى فعليًا بالشكل الذي جرى إنشاؤه وتسويقه.
استخدام الاسم اليوم لم يعد توصيفًا دقيقًا للواقع، بل محاولة للإبقاء على شرعية سياسية سابقة، رغم أن القوى التي شكّلت واجهته العربية انسحبت أو انقلبت عليه.
ما تبقى، بحسب معطيات المرحلة، هو بنية عسكرية كردية صِرفة، إلى جانب مجموعات مرتبطة بفلول النظام السابق، وبعض العناصر العربية المتهمة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد السوريين، ما عمّق القطيعة بينها وبين محيطها الاجتماعي.
من هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل يجوز الاستمرار في استخدام اسم «قسد» بعد تفكك مكوناته الأساسية، أم أن مقتضيات الواقع تفرض التسمية الحقيقية لما تبقى على الأرض؟ الإجابة التي تفرضها التطورات الأخيرة تقول إن «قسد» انتهت كتحالف، وأن استمرار استخدامها كعنوان سياسي أو إعلامي لم يعد سوى ستار يخفي حقيقة فصيل واحد فقد الغطاء الذي أُنشئ من أجله.
بهذا المعنى، لم يعد النقاش قائمًا حول تراجع نفوذ «قسد» أو ضعف حضورها، بل حول سقوط المشروع السياسي الذي أُنشئت على أساسه منذ البداية، ومع انهيار هذا المشروع وخروج مكوناته الأساسية، يغدو الإصرار على الإبقاء على مسماها الحالي ممارسة سياسية مضلِّلة، تهدف إلى تغطية واقع بات واضحًا على الأرض ولا يمكن القفز فوقه.
٢٣ يناير ٢٠٢٦
أثار مقطه فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر شخص بيده جديلة شعر قيل إنها لمقاتلة من قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بعد مقتلها في المعارك الدائرة في الجزيرة السورية، موجة تفاعل واسعة بين مستنكر ورافض وبين متصيد استثمر الحدث لبث الفتنة وبناء مظلومية جديدة باسم النساء والأكراد.
وسعى هؤلاء المتصيدين إلى تضخيم الحادثة وتحويلها بهدف جعلها قضية رأي عام، وتصنيفها على أنها انتهاك صارخ لا يمكن تجاوزه، إذ تم التركيز على الجانب المرئي فقط دون الإشارة إلى السبب الجذري الذي أدى إلى وقوعها، وهو تجنيد الفتاة قسرياً وزجها في صفوف المعارك والقتال من قبل قسد.
وكثيراً ما كشفت تقارير حقوقية ودولية عن تورط قوات سوريا الديمقراطية خلال السنوات الماضية في عمليات تجنيد شملت فتيات وفتيان، بعد أن خطفتهم من وسط أهاليهم، ومدارسهم، وغسلت أدمغتهم بشعاراتها ومعتقداتها المدعية بأنها من أجل الحرية وحماية المرأة، إلا أن الهدف الحقيقي الحفاظ على مصالح المليشيات، تعزيز السيطرة الإقليمية، وتنفيذ مشاريع تقسيمية.
ومع محاولة مثيري الفتنة ومدعي المظلومية تصدّى ناشطون ومعلقون لهذا السياق، مؤكدين أن التجنيد القسري الذي مارسته قوات "قسد" أفظع بكثير من قص الجديلة، وأن المأساة الحقيقية تكمن في حرمان الفتاة من حياة طبيعية والزج بها في صراعات لا تمثلها.
وكتب Bavê Shêro: "من خطف الفتاة وزجّها في المعركة أحقر بألف مرة ممن مثّل بها، شوف يا بنيّ، حين لم تغضب لما خُطفت الفتاة وسُلب حقها في الحياة وزُجّ بها في معركة لا تشبهها ولا تشبهنا، يعني أنك فاقد المروءة وكل ما يمت للرجال بصلة".
وأضاف: "وتباكيك اليوم إنما يزيدك عاراً ولا يمحو جرم سكوتك ابتداءً، أصحاب هذا التناقض المأساوي -الذي يركز على الإنتهاك المرئي ويتغاضى عن الجذر والجريمة الأصلية- هم شركاء في الجرم".
كما أشارت مقاطع مصورة أخرى إلى أن جماعات "pkk" ارتكبت جرائم بحق المدنيين، موثقة بالصوت والصورة وتباهوا بها معتبرين إياها بطولة وشجاعة، دون أن تحرك أي مشاعر أو تعاطف لمن يدعون المظلومية اليوم.
كما أنهم لم يهتموا للانتهاكات التي ارتكبتها قوات قسد بحق السكان خلال السنوات الماضية، منها نهب الثروات وحرمان أهالي المنطقة منها، وخطف الأطفال وتجريدهم من حياتهم الطبيعية وزجهم في المعسكرات والمعارك، واعتقال المدنيين وتلفيق التهم الكاذبة لهم.
وفي هذا السياق، يشدد الناشطون على أن الهدف من التباكي على جديلة المقاتلة لم يكن التعاطف معها، بل استغلال الحادثة لإثارة الخلافات، وتشويه صورة الجيش العربي السوري، وتعميم أي حادثة على كافة مؤسسات الدولة.
٢٠ يناير ٢٠٢٦
في تطور سياسي هو الأبرز منذ سنوات، أعلنت واشنطن، وعلى لسان مبعوثها الخاص إلى سوريا، توم باراك، نهاية الدور الوظيفي لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، باعتبارها ذراعاً ميدانية اعتمدت عليها الولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم داعش، جاء هذا الإعلان ليغلق فعلياً صفحة مشروع "قسد"، الذي سعى لفرض نموذج انفصالي بحماية أمريكية، دون أي شرعية دستورية أو قبول وطني.
منذ تأسيسها بدعم أمريكي، قُدّمت "قسد" كقوة محلية هدفها المعلن مكافحة الإرهاب، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى كيان سياسي وعسكري فرض نفسه بقوة السلاح على مناطق واسعة من شمال شرق سوريا، مستغلاً الفراغ الذي أوجدته الحرب، ورافعاً شعارات "الإدارة الذاتية" و"الفيدرالية" التي رفضها معظم السوريين.
اليوم، جاء التصريح الأمريكي العلني ليؤكد ما كان واضحاً منذ فترة: المشروع الانفصالي الذي تبنته "قسد" انتهى سياسياً وعسكرياً، بعد أن تحوّلت الدولة السورية من طرف مغيّب إلى شريك معترف به دولياً في التحالف الدولي لمحاربة داعش، وبدأت تستعيد حضورها الأمني والسياسي والدستوري.
أوضح باراك أن المرحلة الحالية تتيح للأكراد فرصة تاريخية للاندماج في الدولة السورية الجديدة، مشيراً إلى أن الحكومة السورية، برئاسة الرئيس أحمد الشرع، باتت مؤهلة وقادرة على تولي الملف الأمني كاملاً، بما في ذلك إدارة سجون ومخيمات داعش، وهي المهام التي كانت تُستخدم سابقاً كمبرر لبقاء "قسد" والوجود الأمريكي.
هذا التصريح يُعبّر عن تحوّل في الاستراتيجية الأمريكية، التي لم تعد ترى فائدة من إدامة كيان موازٍ للدولة، خاصة بعد توقيع الاتفاق الأخير بين دمشق و"قسد" في 18 كانون الثاني، والذي يضع جدولاً زمنياً واضحاً لدمج القوات والمناصب والإدارات، ويسحب ورقة التمرد من يد قيادة قسد.
في لحظة سياسية فارقة، تُسقِط واشنطن عملياً أوراق دعمها السابقة لأي مشاريع حكم ذاتي أو فيدرالي في الشمال السوري، مؤكدة أن البديل الوحيد المقبول هو دولة سورية موحدة، تمنح حقوق المواطنة لجميع مكوناتها، بما في ذلك الأكراد، ضمن إطار وطني جامع.
وبينما شدد باراك على أن بلاده لا تسعى إلى وجود عسكري طويل الأمد، فقد أوضح أن دورها يقتصر الآن على ضمان الانتقال السلمي، ودعم الاندماج الكامل للأكراد داخل مؤسسات الدولة السورية، وتوفير الضمانات اللازمة لحقوقهم الثقافية والسياسية.
سقوط الغطاء الأمريكي عن "قسد" لا يعني فقط تخلّي واشنطن عن شريك ميداني، بل يعني نهاية مشروع حاول أن يفرض وجوده خارج إطار الدولة، بالاستقواء بالخارج ورفض التفاهم الوطني، وومع انتهاء هذا الدور، تجد "قسد" نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بالاندماج الكامل في الدولة السورية وفق التفاهمات الموقعة، أو المغامرة بمصير مجهول يفتح أبواب الصدام والفوضى.
ما أعلنته واشنطن اليوم هو إعلان نهاية لمشروع سياسي وعسكري لم يُكتب له أن يستمر، والرسالة التي تُبعث من خلف هذا الإعلان واضحة: من لا يندمج في الدولة، لا مكان له في مستقبل سوريا، ومن يراهن على القوى الأجنبية لتحقيق طموحات سياسية ضيقة، سيجد نفسه وحيداً حين تتغيّر الحسابات الدولية.
بهذا الإعلان، تُطوى صفحة "قسد" كمشروع انفصالي، وتُفتح أمام الأكراد صفحة جديدة للانخراط في وطنهم، لا بوصفهم طرفاً على هامش الدولة، بل جزءاً أصيلاً من نسيجها الوطني والسياسي، كما أراد معظم أبناء سوريا.
١٩ يناير ٢٠٢٦
تتكشف يوماً بعد يوم، حجم التحصينات التي بنتها قوات سوريا الديمقراطية لاسيما الأنفاق في مناطق سيطرتها السابقة مثل الرقة، دير الزور، دير حافر، منبج، تل رفعت، والشيخ مقصود، والتي لم تستطع "قسد" رغم تعقيدها وتحصينها استثمارها في الصمود أمام تقدم قوات الجيش السوري وثورة الحاضنة الشعبية من أبناء المنطقة، مع الانسحاب السريع وانهزام مشروعها.
شبكة معقدة وحصينة تمتد لعشرات الكيلومترات، قد تصل قرى وأحياء ببعضها البعض، ضمن المناطق السكنية وعلى خطوط التماس، كانت تبنيها "قسد" طيلة سنوات من العمل، مستمدة الفكرة من التجربة الفيتنامية، لتكون سلاحاً لحماية مشروعها الانفصالي والحفاظ على مناطق سيطرتها، لكن هذه النفاق سقطت تباعاً كما سقط المشروع.
فكرة الأنفاق ليست وليدة اللحظة، بل لها جذور عميقة في نظريات الحروب التقليدية، فقد كانت الأنفاق جزءاً من النظرية الماوية - الفيتنامية لحرب التحرير الشعبية، التي جسدت استراتيجية الحرب طويلة الأمد القائمة على الفلاحين، وتحويل الأرض نفسها إلى حليف سياسي - عسكري، في سياق استعمار وريفي واسع مع تفوق جوي للعدو، ومجتمع متجانس في الثورة.
لكن المشكلة تكمن في نقل هذا المفهوم خارج سياقه التاريخي والفكري، والتعامل معه كـ“وصفة جاهزة” صالحة لكل زمان ومكان، وهذا ما ارتكبه تنظيم حزب العمال الكردستاني حين تبنى خيار الأنفاق في سوريا، متأثراً بالتجربة الفيتنامية، من دون مراعاة التحولات العميقة في طبيعة الحرب الحديثة، وفي التكنولوجيا، والجغرافيا، وفي بنية المجتمع.
حروب اليوم ليست حروب خمسينيات القرن الماضي، لم تعد مسألة “الاختباء والعمق الشعبي” وحدها كافية لمواجهة قوة عسكرية أو سياسية، بل أصبحت الحرب هجينة متعددة الأبعاد، تفرض التكامل بين القدرات العسكرية، والشرعية السياسية، والحاضنة الاجتماعية.
الأنفاق في تجربة “قسد”: من أداة إلى عقيدة بلا جدوى
صُمّمت أنفاق “قسد” لتكون ضمانة للصمود، وتدبيراً تكتيكياً لصد الهجمات، والحفاظ على المواقع الحيوية. لكن الواقع أثبت العكس، إذ لم تغير الأنفاق موازين القوة على الأرض، ولا أفشلت أي هجوم، ولم تمنع الهزائم أو الخسائر التكتيكية في المعارك الفاصلة، كما انها لم تنتج مكاسب سياسية حقيقية داخل المجتمع السوري، ولم تحقّق أية شرعية شعبية تمنح النظام الذي تبنّاها استمراراً في البقاء.
تحولت الأنفاق من أداة ضمن استراتيجية شاملة إلى غاية بحد ذاتها من دون جدوى، نتيجة جمود فكري وعقائدي، يرفض الاعتراف بتغير طبيعة الصراع، وقد اتضح أن النسخ الأعمى للتجارب الثورية القديمة دون تعديلها بحسب سياقات الحرب الحديثة هو مجرد جمود عقائدي ينتهي بانهيار المشروع بأكمله.
سوريا اليوم: الأرض بلا أنفاق، لكنها بالشرعية الشعبية
خسارة “قسد” لهذه التحصينات لم تكن مجرد نتيجة تقدّم عسكري فحسب، بل كانت انعكاساً لسقوط مشروعها السياسي والاجتماعي، فالأنفاق تحصّن الموضع، لكن من يحصّن قلوب الناس ويحظى بثقتهم هو الذي يبقى.
فقد سقطت شرعية “قسد” أمام ثورة الشعب الناقم من أبناء الجزيرة العربية، الذين وجدوا في سياساتها الأمنية والإدارية تجلياً للظلم والتمييز، وغياباً لحياة كريمة ومستقبل آمن، وعند أول معركة سقطت أوهام "قسد" وثار أبناء المنطقة ضدها حين سنحت لهم الفرصة مع تقدم الجيش السوري، فتخلّى الناس عنها، وسقطت قوة التحصين والأنفاق.
خلاصة: دروس من الأنفاق
الفشل في كسب الحاضنة الشعبية يقضي على أي مشروع عسكري أو سياسي مهما طال البناء، والحرب الحديثة تتطلب أكثر من تقنيات دفاعية؛ تحتاج إلى شرعية، وهوية، واتحاد مع المجتمع، ولقد أثبتت التجربة السورية أن القوة الحقيقية تكمن في تقدّم الدولة الشرعية المعترف بها وطنياً ودولياً، التي تعتمد على حوار شامل، وشراكة مجتمعية، واستقلال القرار، وليس في أنفاق تُحفر في الأرض وحدها.
١٩ يناير ٢٠٢٦
مع الإعلان الرسمي عن الاتفاق بين الدولة السورية وميليشيا "قسد"، والذي قضى عملياً بإنهاء الكيان العسكري والإداري المنفصل الذي كانت تسعى الميليشيا لتكريسه في شمال شرقي البلاد، وعودة سلطة الدولة إلى الرقة ودير الزور والحسكة، تكون صفحة من المشاريع الانفصالية قد أُغلقت بالكامل.
الاتفاق، الذي وصفه مراقبون بـ"اتفاق الاستسلام"، لم يكن مجرد وقف إطلاق نار، بل تضمن تفكيكاً تدريجياً لبنية "قسد"، عبر الاندماج الفردي لعناصرها في مؤسسات الدولة، وسيطرة دمشق على حقول النفط والمعابر، وصولاً إلى عودة مؤسسات الدولة بكامل صلاحياتها، بما فيها في الحسكة، مع خصوصية إدارية محدودة فقط لمدينة كوباني.
السياق أوسع من الشمال الشرقي
هذا التحول الكبير في الجغرافيا السياسية السورية لا يقتصر تأثيره على المناطق الشرقية فحسب، بل يرسل رسائل قوية إلى مناطق أخرى حاولت اتخاذ مسارات مماثلة خارج سلطة الدولة، وعلى رأسها محافظة السويداء التي يحتكر قرار أهلها الشيخ "حكمت الهجري" لصالح مشاريع محدودة معلناً التمرد على سلطة الدولة.
اليوم، ومع انهيار نموذج ومشروع "قسد"، وتفكك الغطاء الدولي عنها رغم سنوات من الدعم، باتت الرسالة واضحة: لا مشروع خارج الدولة يمكنه الاستمرار، لا بغطاء أجنبي ولا بحماية السلاح المحلي.
فهل يُسلّم الهجري ويسلّم؟
الخيارات أمام "الهجري" ومن يدور في فلكه في السويداء باتت محدودة: فإما التفاعل مع الحلول الوطنية التي تضمن عودة السويداء إلى حضن الدولة ومؤسساتها، ضمن صيغة تحفظ الخصوصية وتمنع الفوضى، أو مواجهة سيناريوهات مشابهة لما حدث في الشرق السوري، حيث لم تمنع الشعارات الانفصالية من السقوط عندما حانت ساعة الحقيقة.
الدولة تمد يدها... مرة أخرى
موقف الدولة السورية، كما عبّر عنه مراراً الرئيس أحمد الشرع، يؤكد على وحدة الأرض والشعب، واستعداد الحكومة للانفتاح على كل الطروحات التي تحافظ على السيادة وتعزز المواطنة، ولكنها في المقابل، لا تقبل بأي مشروع يُهدد وحدة البلاد أو يعيد إنتاج الانقسام تحت مسميات محلية أو مذهبية.
وهنا، فإن الرسالة إلى السويداء، ورموز "الحياد السلبي" فيها، لم تعد تحتمل التأويل: التجارب خارج الدولة انتهت، ومن يراهن على الزمن أو الغموض الدولي، فليقرأ جيداً ما جرى في الرقة والحسكة ودير الزور لأن نهاية مشروع "قسد" هي تحوّل استراتيجي يعيد رسم خطوط السيادة السورية، ويؤكد أن لامشاريع انفصال أو خروج عن سلطة الدولة.
١٨ يناير ٢٠٢٦
في تحول سياسي وميداني غير مسبوق، جاء إعلان الاتفاق بين الحكومة السورية وميليشيا "قسد" ليمثّل منعطفاً مفصلياً في مصير شمال شرقي سوريا، ويضع حداً عملياً لما سُمّي بـ"المشروع الانفصالي" الذي حاولت قسد فرضه لسنوات، عبر سياسات الأمر الواقع، بدعم خارجي وتحالفات متبدّلة.
الاتفاق، الذي وُصف بأنه شامل، لم يكن وليد حوار هادئ، بل جاء تتويجاً لضغط عسكري واسع النطاق من قبل الجيش السوري وتقدم ميداني مدروس، بالتوازي مع انتفاضة شعبية متصاعدة في الرقة ودير الزور.
انتهاء الطموحات الانفصالية
ما يميّز هذا الاتفاق عن سابقيه، وخاصة اتفاق آذار 2023، أن قسد لم تتمكن هذه المرة من المناورة أو كسب الوقت، فالمعادلة تغيّرت، التقدم العسكري على الأرض، واحتضان البيئة المحلية لعودة الدولة، وفشل قسد في إدارة المنطقة، كلها عوامل أسقطت أوراق الضغط من يدها، ودفعها إلى القبول باتفاق يفكك بشكل جذري مشروع "الإدارة الذاتية" ويعيد كامل المناطق إلى سيطرة الدولة، عسكرياً ومدنياً.
تعزيز السيادة على الثروات والمعابر
الاتفاق نصّ بوضوح على تسليم المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في الرقة ودير الزور والحسكة للحكومة السورية، وهو ما يعني استعادة الدولة لمواردها السيادية التي كانت تُستنزف بعيداً عن المؤسسات الرسمية، كما يُعيد هذا الترتيب الاعتبار لمصرف سوريا المركزي وسلطة الدولة الاقتصادية، في إدارة موارد البلاد وتوجيهها لخدمة عموم المواطنين.
بسط السيطرة على الجغرافيا الوطنية
من خلال بندي دمج قسد ضمن مؤسسات الدولة، وتولي دمشق الإدارة الكاملة للمناطق الشرقية، تستعيد الدولة وحدتها الجغرافية والمؤسسية بعد سنوات من الانقسام، بما ينعكس على ملف الخدمات، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، وهذا ما يمهّد لـ إغلاق ملف الانفصال نهائياً، تحت سقف الدستور والمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي منح الحقوق الثقافية واللغوية للمكون الكردي، ضمن إطار وطني جامع.
تراجع النفوذ الخارجي
من اللافت أيضاً أن الاتفاق ينص على إخراج كافة العناصر غير السورية من حزب العمال الكردستاني (PKK)، وهو ما يُفهم كخطوة متقدمة في استعادة السيادة، وتقليص نفوذ الخارج في القرار المحلي، كما أن التنسيق المعلن مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، يشير إلى مرحلة جديدة من العلاقات الدولية السورية مبنية على المصالح المتبادلة، لا على الابتزاز السياسي أو العسكري.
خلاصة القول:
الاتفاق الأخير لم يُمنح لقسد، بل انتزع منها تحت ضغط شعبي وميداني عسكري، وهو نهاية فعلية لمشروع انفصالي فشل في تأمين شرعية داخلية أو خارجية، ويمثل عودة متدرجة وحاسمة للدولة السورية إلى الشرق السوري، ومن هنا، فإن ما بعد الاتفاق سيشكّل مرحلة جديدة من ترميم الهوية الوطنية وتكريس سلطة الدولة على كامل أراضيها، دون استثناء.
١٨ يناير ٢٠٢٦
تشكل مدينة الرقة نقطة تحول مفصلية في مجريات الأحداث شرق الفرات، حيث تُمثل السيطرة عليها –سواء عسكرياً أو سياسياً– ورقة بالغة الأهمية في خضم الأحداث المشتعلة، لما لها من وزن جغرافي واقتصادي ورمزي، ومع تصاعد التحركات الشعبية والعسكرية المناهضة لـ"قسد"، تبرز أهمية هذه المدينة مجدداً، وسط مؤشرات متسارعة على اقتراب لحظة الحسم.
موقع استراتيجي يربط شرق الفرات بغربه
تقع الرقة في قلب الشمال الشرقي السوري، وتمتاز بموقعها الحيوي الذي يربط بين دير الزور شرقاً، والحسكة شمالاً، وحلب غرباً، ما يجعلها مركز عبور استراتيجي على ضفتي نهر الفرات، وقد شكّل هذا الموقع سبباً رئيسياً في التنافس للسيطرة عليها من قبل مختلف القوى، نظراً لما يمنحه من امتيازات في التحكم بخطوط الإمداد والتأثير على مناطق واسعة في الشمال السوري.
خسارة رمزية قاصمة لـ"قسد"
منذ إعلان تنظيم "داعش" المدينة عاصمة لخلافته المزعومة، ثم سيطرة "قسد" عليها بدعم غربي، أصبحت الرقة مقرّاً رمزياً لما يسمى "الإدارة الذاتية"، وبوابة دعائية لمشروع قسد السياسي، وبالتالي، فإن خسارتها اليوم، بعد سنوات من توظيفها كرمز للنفوذ، تمثل ضربة قاسية لما تبقى من سردية قسد، خاصة في ظل الانتفاضة الشعبية المتصاعدة ضد وجودها في المنطقة.
أهمية اقتصادية ومرافق استراتيجية
اقتصادياً، تمثل الرقة مركز ثقل في الزراعة وتوليد الطاقة، حيث تضم سد الفرات، أكبر منشأة مائية وكهربائية في البلاد، إلى جانب شبكة من المنشآت الخدمية والمرافق العامة، وقد استثمرت "قسد" هذه الموارد طيلة السنوات الماضية كمصدر تمويل وتحكّم بالسكان، ما يعني أن خسارتها للرقة سيفقدها أهم روافدها الاقتصادية والإدارية.
تداعيات عسكرية وأمنية
على الصعيد العسكري، تمثل الرقة بوابة لامتداد النفوذ غربي الفرات، وإحدى أهم نقاط تمركز قسد في مواجهة أي تحرك مضاد، ومع سيطرة الجيش السوري على مدينة الطبقة وسد الفرات، واقترابه من مركز الرقة بالتوازي مع حراك العشائر داخل المدينة ضد "قسد"، تصبح المدينة في مهبّ معركة قد تغيّر خريطة السيطرة بشكل جذري، خاصة في ظل تزايد الانشقاقات داخل صفوف "قسد"، وتقدّم أبناء العشائر باتجاه مواقعها الحيوية.
نهاية مشروع... وبداية تحول
خسارة "قسد" للرقة تعني بشكل لايقبل الشك إسدال الستار على مشروع "الإدارة الذاتية" كمفهوم قائم في الشمال الشرقي، وتكريس واقع جديد قوامه انتفاضة شعبية موحّدة، ترفض مشاريع التفتيت والانفصال، وتتمسّك بعودة الدولة ومؤسساتها.
الرقة اليوم في خضم الاشتباكات داخل أحيائها، ووصول قوات الجيش السوري إلى مشارفها، تعكس مرآة التحولات الكبرى التي يشهدها المشهد السوري، ورسالة واضحة بأن موازين القوى بدأت تتبدل، وأن المشروع الانفصالي فقد شرعيته الشعبية وبات على مشارف الانهيار.
وقلتها في مقال سابق، أمام "قسد" اليوم فرصة حقيقية – وربما أخيرة – لتطبيق اتفاق العاشر من آذار بروح واقعية، وبالوسائل السياسية، قبل أن يُفرَض عليها التنفيذ بالقوة كما جرى في غرب الفرات، ولا شك أن دخول الدولة إلى المحافظات السورية شرق الفرات وبسط سيادتها بات مسألة وقت لا أكثر، خاصة مع تغيّر المعادلات الدولية والإقليمية، وتراجع الغطاء الأميركي السياسي والعسكري عن ميليشيا "قسد".
من يقرأ المعطيات الميدانية والسياسية بدقة، يدرك أن مشروع "قسد" لم يعد قابلاً للحياة، فمع تحوّل المنطقة إلى ساحة تفاهمات دولية جديدة، لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى التنظيم بوصفه حليفاً إستراتيجياً طويل الأمد، بل ورقة استُنزفت أغراضها، ويمكن التخلي عنها في أي لحظة.
١٧ يناير ٢٠٢٦
انتهت المرحلة الأولى من عملية تفكيك ميليشيا "قسد" بإحكام السيطرة على المناطق التي كانت تحتلها غرب نهر الفرات، في تحرك عسكري مدروس فتح الباب أمام تحولات كبرى شرق سوريا، وما جرى بمثابة نقطة تحوّل استراتيجية تكرّس استعادة الدولة لسيادتها وتعيد رسم خريطة النفوذ في الجزيرة السورية.
اتفاق آذار… آخر الفرص
أمام "قسد" اليوم فرصة حقيقية – وربما أخيرة – لتطبيق اتفاق العاشر من آذار بروح واقعية، وبالوسائل السياسية، قبل أن يُفرَض عليها التنفيذ بالقوة كما جرى في غرب الفرات، ولا شك أن دخول الدولة إلى المحافظات السورية شرق الفرات وبسط سيادتها بات مسألة وقت لا أكثر، خاصة مع تغيّر المعادلات الدولية والإقليمية، وتراجع الغطاء الأميركي السياسي والعسكري عن ميليشيا "قسد".
الخيارات تضيق بسرعة أمام مظلوم عبدي، قائد "قسد"، الذي يجد نفسه بين مسارين لا ثالث لهما: إما الانخراط الكامل في مؤسسات الدولة السورية وطيّ صفحة المشاريع الانفصالية، أو التمسك بوهم التجزئة، الذي لن يؤدي إلا إلى نهايات مأساوية ومصير لا يليق بمن كان يمتلك فرصة أن يكون جزءاً من الحل.
بين الجغرافيا والسياسة
من يقرأ المعطيات الميدانية والسياسية بدقة، يدرك أن مشروع "قسد" لم يعد قابلاً للحياة، فمع تحوّل المنطقة إلى ساحة تفاهمات دولية جديدة، لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى التنظيم بوصفه حليفاً إستراتيجياً طويل الأمد، بل ورقة استُنزفت أغراضها، ويمكن التخلي عنها في أي لحظة.
في المقابل، ظهر البديل الوطني الذي يمتلك مرونة سياسية، وحضوراً ميدانياً، وقدرة تفاوضية تستند إلى الأرض، وإلى مشروع جامع لا يفرّق بين مكون وآخر، بل يسعى إلى استعادة الدولة الواحدة بحدودها ومؤسساتها.
الكرة في ملعب "قسد"
لم يعد أمام مظلوم عبدي إلا خيار الاندماج الوطني، لا من باب الضعف بل من موقع الإدراك العاقل أن الزمن لم يعد يسمح بالمراوغة، فالانخراط في مسار بناء الدولة السورية يبقى أقل كلفة من الاحتماء بمشاريع عابرة للوطنية، لا جذور لها ولا مستقبل.
ولعل قرار التحول من كيان عسكري فرضته الحرب، إلى شريك مدني سياسي داخل بنية الدولة، هو ما سيحكم على "قسد" بالبقاء أو بالذوبان، فإما أن تختار لنفسها مكاناً في سوريا المستقبل، أو يُترَك لها مصير الخروج من المدن إلى الجبال، كما خرج غيرها من المغامرين.
ما بعد العملية... لحظة الحقيقة
من المؤكد أن ما بعد إحكام السيطرة على غرب الفرات ليس كما قبله، وأن الدولة السورية لن تتوقف عند نصف الإنجاز، فاستعادة السيادة مسار مستمر، وخيارات "قسد" تنكمش باطراد، كما أن وحده قرار شجاع من عبدي يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة تحفظ ما تبقى من التنظيم وتعيد ربطه بالوطن، بدلاً من رهنه لقوى عابرة لن تبقى معه إلى الأبد.
في الختام، لقد انتهت مرحلة العبث بالجغرافيا السورية، وحان وقت تثبيت الحدود السياسية تحت راية الدولة الواحدة، وها هي الدولة السورية تمد يدها مجدداً نحو التنظيمات الخارجة عن سلطتها، بفرصة للانخراط، لا للإقصاء، لكن على "قسد" أن تُدرك أن الوقت ليس في صالحها، وأن الفرصة التي بين يديها اليوم قد لا تتكرر غداً.
١٧ يناير ٢٠٢٦
في بيان أعلن فيه مظلوم عبدي، القائد العام لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، سحب قواته من مناطق التماس في شرق حلب فجر اليوم السبت، بدا لافتاً استخدام تعبير "إعادة التموضع" كمبرر للانسحاب من منطقة تتعرض لهجمات مكثفة منذ يومين، في خطوة تُقرأ بوضوح كاستجابة مباشرة للضغط العسكري المتزايد من الجيش العربي السوري.
قد يبدو التعبير في ظاهره جزءاً من خطاب دبلوماسي يراعي الحساسيات السياسية، إلا أن المتابعين لمسار الحرب في سوريا لا يحتاجون إلى جهد كبير لتذكر السياق الذي اشتهر فيه هذا المصطلح، عندما استخدمه النظام السوري سابقاً للتغطية على سلسلة من الخسائر والانكسارات في أكثر من منطقة، مفضلاً عبارة "إعادة التموضع" على "الانسحاب" أو "الهزيمة".
اليوم، وبعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد وإعادة تموضعه خارج السلطة، تستعير "قسد" هذا الأسلوب في توصيف ميدانيّات خسارتها، محاولةً الالتفاف على حقائق باتت واضحة في الميدان، فالمناطق التي تغادرها قسد شرق حلب كانت تمثل نقاط ارتكاز لها في محاولة فرض أمر واقع سياسي وجغرافي ضمن مشروعها الانفصالي.
الهروب بتغطية دبلوماسية
في بيانه، يُرجع مظلوم عبدي قرار الانسحاب إلى "دعوات الدول الصديقة والوسطاء"، مظهراً الخطوة كجزء من التزام بـ"حسن النية" تجاه اتفاق العاشر من آذار، وهي صيغة دبلوماسية تتناسى حقيقة التصعيد العسكري في المنطقة، والذي لم يكن ليحدث لولا رفض قسد تنفيذ الاتفاق على الأرض.
الواقع يؤكد أن الانسحاب لم يكن خياراً إرادياً، بل نتيجة حتمية لضربات عسكرية استباقية شنها الجيش العربي السوري ضد مواقع قسد وPKK، بعد رصد تحركات استفزازية واعتداءات على مناطق مدنية ونقاط تمركز الجيش.
نهج واحد... بأسماء مختلفة
سواء تحدث النظام سابقاً عن "إعادة تموضع تكتيكي" في إدلب وريف دمشق ودرعا، أو تتحدث قسد اليوم عن "إعادة تموضع شرق الفرات"، فإن النتيجة واحدة: خسارة مواقع وفقدان السيطرة، واللافت أن كلا الطرفين - النظام البائد وقسد - يحاولان تقديم هذه الخسائر بلبوس سياسي أو تفاوضي، بينما الواقع يقول إن الميدان هو من يفرض الإيقاع.
هل انتهى وهم التمدد الانفصالي غرب الفرات؟
سحب قسد من شرق حلب اليوم يفتح الباب أمام أسئلة جديدة حول مصير انتشارها في باقي مناطق شرقي الفرات، فهذه الخطوة قد تكون بداية انسحاب أوسع في حال استمرت العمليات العسكرية بنفس الزخم، خاصة أن قسد لم تعد قادرة على مجاراة التصعيد، لا سياسياً ولا عسكرياً، في ظل الانشقاقات الداخلية والخسائر المتتالية.
رسائل دمشق واضحة: لا انفصال... لا أمر واقع
انسحاب قسد من شرق حلب يحمل أيضاً رسالة واضحة مفادها أن الدولة السورية لن تقبل بأي مشاريع تقسيم أو إدارة ذاتية مفروضة بقوة السلاح، وأن الحوار الوطني، لا فرض الوقائع، هو الطريق الوحيد للمكوّنات السورية كافة، للوصول إلى صيغة تعايش تحترم السيادة الوطنية وتضمن الحقوق الثقافية والمدنية دون استقواء بالخارج.