مقالات مقالات رأي بحوث ودراسات كتاب الثورة
٢٣ يناير ٢٠٢٦
التباكي على جديلة مقصوصة وتجاهل دماء الأبرياء: الوجه الحقيقي لمروجي الفتنة

أثار مقطه فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر شخص بيده جديلة شعر قيل إنها لمقاتلة من قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بعد مقتلها في المعارك الدائرة في الجزيرة السورية، موجة تفاعل واسعة بين مستنكر ورافض وبين متصيد استثمر الحدث لبث الفتنة وبناء مظلومية جديدة باسم النساء والأكراد.

وسعى هؤلاء المتصيدين إلى تضخيم الحادثة وتحويلها بهدف جعلها قضية رأي عام، وتصنيفها على أنها انتهاك صارخ لا يمكن تجاوزه، إذ تم التركيز على الجانب المرئي فقط دون الإشارة إلى السبب الجذري الذي أدى إلى وقوعها، وهو تجنيد الفتاة قسرياً وزجها في صفوف المعارك والقتال من قبل قسد.

وكثيراً ما كشفت تقارير حقوقية ودولية عن تورط قوات سوريا الديمقراطية خلال السنوات الماضية في عمليات تجنيد شملت فتيات وفتيان، بعد أن خطفتهم من وسط أهاليهم، ومدارسهم، وغسلت أدمغتهم بشعاراتها ومعتقداتها المدعية بأنها من أجل الحرية وحماية المرأة، إلا أن الهدف الحقيقي الحفاظ على مصالح المليشيات، تعزيز السيطرة الإقليمية، وتنفيذ مشاريع تقسيمية.

ومع محاولة مثيري الفتنة ومدعي المظلومية تصدّى ناشطون ومعلقون لهذا السياق، مؤكدين أن التجنيد القسري الذي مارسته قوات "قسد" أفظع بكثير من قص الجديلة، وأن المأساة الحقيقية تكمن في حرمان الفتاة من حياة طبيعية والزج بها في صراعات لا تمثلها.

وكتب Bavê Shêro: "من خطف الفتاة وزجّها في المعركة أحقر بألف مرة ممن مثّل بها، شوف يا بنيّ، حين لم تغضب لما خُطفت الفتاة وسُلب حقها في الحياة وزُجّ بها في معركة لا تشبهها ولا تشبهنا، يعني أنك فاقد المروءة وكل ما يمت للرجال بصلة".

وأضاف: "وتباكيك اليوم إنما يزيدك عاراً ولا يمحو جرم سكوتك ابتداءً، أصحاب هذا التناقض المأساوي -الذي يركز على الإنتهاك المرئي ويتغاضى عن الجذر والجريمة الأصلية- هم شركاء في الجرم".

كما أشارت مقاطع مصورة أخرى إلى أن جماعات "pkk" ارتكبت جرائم بحق المدنيين، موثقة بالصوت والصورة وتباهوا بها معتبرين إياها بطولة وشجاعة، دون أن تحرك أي مشاعر أو تعاطف لمن يدعون المظلومية اليوم.

كما أنهم لم يهتموا للانتهاكات التي ارتكبتها قوات قسد بحق السكان خلال السنوات الماضية، منها نهب الثروات وحرمان أهالي المنطقة منها، وخطف الأطفال وتجريدهم من حياتهم الطبيعية وزجهم في المعسكرات والمعارك، واعتقال المدنيين وتلفيق التهم الكاذبة لهم.

وفي هذا السياق، يشدد الناشطون على أن الهدف من التباكي على جديلة المقاتلة لم يكن التعاطف معها، بل استغلال الحادثة لإثارة الخلافات، وتشويه صورة الجيش العربي السوري، وتعميم أي حادثة على كافة مؤسسات الدولة.

 

اقرأ المزيد
٢٠ يناير ٢٠٢٦
"واشنطن" تعلن رسمياً نهاية مشروع قسد: فصل الختام في تجربة فرض الذات بقوة السلاح

في تطور سياسي هو الأبرز منذ سنوات، أعلنت واشنطن، وعلى لسان مبعوثها الخاص إلى سوريا، توم باراك، نهاية الدور الوظيفي لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، باعتبارها ذراعاً ميدانية اعتمدت عليها الولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم داعش، جاء هذا الإعلان ليغلق فعلياً صفحة مشروع "قسد"، الذي سعى لفرض نموذج انفصالي بحماية أمريكية، دون أي شرعية دستورية أو قبول وطني.

منذ تأسيسها بدعم أمريكي، قُدّمت "قسد" كقوة محلية هدفها المعلن مكافحة الإرهاب، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى كيان سياسي وعسكري فرض نفسه بقوة السلاح على مناطق واسعة من شمال شرق سوريا، مستغلاً الفراغ الذي أوجدته الحرب، ورافعاً شعارات "الإدارة الذاتية" و"الفيدرالية" التي رفضها معظم السوريين.

اليوم، جاء التصريح الأمريكي العلني ليؤكد ما كان واضحاً منذ فترة: المشروع الانفصالي الذي تبنته "قسد" انتهى سياسياً وعسكرياً، بعد أن تحوّلت الدولة السورية من طرف مغيّب إلى شريك معترف به دولياً في التحالف الدولي لمحاربة داعش، وبدأت تستعيد حضورها الأمني والسياسي والدستوري.

أوضح باراك أن المرحلة الحالية تتيح للأكراد فرصة تاريخية للاندماج في الدولة السورية الجديدة، مشيراً إلى أن الحكومة السورية، برئاسة الرئيس أحمد الشرع، باتت مؤهلة وقادرة على تولي الملف الأمني كاملاً، بما في ذلك إدارة سجون ومخيمات داعش، وهي المهام التي كانت تُستخدم سابقاً كمبرر لبقاء "قسد" والوجود الأمريكي.

هذا التصريح يُعبّر عن تحوّل في الاستراتيجية الأمريكية، التي لم تعد ترى فائدة من إدامة كيان موازٍ للدولة، خاصة بعد توقيع الاتفاق الأخير بين دمشق و"قسد" في 18 كانون الثاني، والذي يضع جدولاً زمنياً واضحاً لدمج القوات والمناصب والإدارات، ويسحب ورقة التمرد من يد قيادة قسد.

في لحظة سياسية فارقة، تُسقِط واشنطن عملياً أوراق دعمها السابقة لأي مشاريع حكم ذاتي أو فيدرالي في الشمال السوري، مؤكدة أن البديل الوحيد المقبول هو دولة سورية موحدة، تمنح حقوق المواطنة لجميع مكوناتها، بما في ذلك الأكراد، ضمن إطار وطني جامع.

وبينما شدد باراك على أن بلاده لا تسعى إلى وجود عسكري طويل الأمد، فقد أوضح أن دورها يقتصر الآن على ضمان الانتقال السلمي، ودعم الاندماج الكامل للأكراد داخل مؤسسات الدولة السورية، وتوفير الضمانات اللازمة لحقوقهم الثقافية والسياسية.

سقوط الغطاء الأمريكي عن "قسد" لا يعني فقط تخلّي واشنطن عن شريك ميداني، بل يعني نهاية مشروع حاول أن يفرض وجوده خارج إطار الدولة، بالاستقواء بالخارج ورفض التفاهم الوطني، وومع انتهاء هذا الدور، تجد "قسد" نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بالاندماج الكامل في الدولة السورية وفق التفاهمات الموقعة، أو المغامرة بمصير مجهول يفتح أبواب الصدام والفوضى.

ما أعلنته واشنطن اليوم هو إعلان نهاية لمشروع سياسي وعسكري لم يُكتب له أن يستمر، والرسالة التي تُبعث من خلف هذا الإعلان واضحة: من لا يندمج في الدولة، لا مكان له في مستقبل سوريا، ومن يراهن على القوى الأجنبية لتحقيق طموحات سياسية ضيقة، سيجد نفسه وحيداً حين تتغيّر الحسابات الدولية.

بهذا الإعلان، تُطوى صفحة "قسد" كمشروع انفصالي، وتُفتح أمام الأكراد صفحة جديدة للانخراط في وطنهم، لا بوصفهم طرفاً على هامش الدولة، بل جزءاً أصيلاً من نسيجها الوطني والسياسي، كما أراد معظم أبناء سوريا.

اقرأ المزيد
١٩ يناير ٢٠٢٦
الأنفاق التي شيّدتها "قسد".. أرض محصّنة وشعب ناقم أطاح بالمشروع

تتكشف يوماً بعد يوم، حجم التحصينات التي بنتها قوات سوريا الديمقراطية لاسيما الأنفاق في مناطق سيطرتها السابقة مثل الرقة، دير الزور، دير حافر، منبج، تل رفعت، والشيخ مقصود، والتي لم تستطع "قسد" رغم تعقيدها وتحصينها استثمارها في الصمود أمام تقدم قوات الجيش السوري وثورة الحاضنة الشعبية من أبناء المنطقة، مع الانسحاب السريع وانهزام مشروعها.

شبكة معقدة وحصينة تمتد لعشرات الكيلومترات، قد تصل قرى وأحياء ببعضها البعض، ضمن المناطق السكنية وعلى خطوط التماس، كانت تبنيها "قسد" طيلة سنوات من العمل، مستمدة الفكرة من التجربة الفيتنامية، لتكون سلاحاً لحماية مشروعها الانفصالي والحفاظ على مناطق سيطرتها، لكن هذه النفاق سقطت تباعاً كما سقط المشروع.

فكرة الأنفاق ليست وليدة اللحظة، بل لها جذور عميقة في نظريات الحروب التقليدية، فقد كانت الأنفاق جزءاً من النظرية الماوية - الفيتنامية لحرب التحرير الشعبية، التي جسدت استراتيجية الحرب طويلة الأمد القائمة على الفلاحين، وتحويل الأرض نفسها إلى حليف سياسي - عسكري، في سياق استعمار وريفي واسع مع تفوق جوي للعدو، ومجتمع متجانس في الثورة.

لكن المشكلة تكمن في نقل هذا المفهوم خارج سياقه التاريخي والفكري، والتعامل معه كـ“وصفة جاهزة” صالحة لكل زمان ومكان، وهذا ما ارتكبه تنظيم حزب العمال الكردستاني حين تبنى خيار الأنفاق في سوريا، متأثراً بالتجربة الفيتنامية، من دون مراعاة التحولات العميقة في طبيعة الحرب الحديثة، وفي التكنولوجيا، والجغرافيا، وفي بنية المجتمع.

حروب اليوم ليست حروب خمسينيات القرن الماضي، لم تعد مسألة “الاختباء والعمق الشعبي” وحدها كافية لمواجهة قوة عسكرية أو سياسية، بل أصبحت الحرب هجينة متعددة الأبعاد، تفرض التكامل بين القدرات العسكرية، والشرعية السياسية، والحاضنة الاجتماعية.

الأنفاق في تجربة “قسد”: من أداة إلى عقيدة بلا جدوى
صُمّمت أنفاق “قسد” لتكون ضمانة للصمود، وتدبيراً تكتيكياً لصد الهجمات، والحفاظ على المواقع الحيوية. لكن الواقع أثبت العكس، إذ لم تغير الأنفاق موازين القوة على الأرض، ولا أفشلت أي هجوم، ولم تمنع الهزائم أو الخسائر التكتيكية في المعارك الفاصلة، كما انها لم تنتج مكاسب سياسية حقيقية داخل المجتمع السوري، ولم تحقّق أية شرعية شعبية تمنح النظام الذي تبنّاها استمراراً في البقاء.

تحولت الأنفاق من أداة ضمن استراتيجية شاملة إلى غاية بحد ذاتها من دون جدوى، نتيجة جمود فكري وعقائدي، يرفض الاعتراف بتغير طبيعة الصراع، وقد اتضح أن النسخ الأعمى للتجارب الثورية القديمة دون تعديلها بحسب سياقات الحرب الحديثة هو مجرد جمود عقائدي ينتهي بانهيار المشروع بأكمله.

سوريا اليوم: الأرض بلا أنفاق، لكنها بالشرعية الشعبية
خسارة “قسد” لهذه التحصينات لم تكن مجرد نتيجة تقدّم عسكري فحسب، بل كانت انعكاساً لسقوط مشروعها السياسي والاجتماعي، فالأنفاق تحصّن الموضع، لكن من يحصّن قلوب الناس ويحظى بثقتهم هو الذي يبقى.

فقد سقطت شرعية “قسد” أمام ثورة الشعب الناقم من أبناء الجزيرة العربية، الذين وجدوا في سياساتها الأمنية والإدارية تجلياً للظلم والتمييز، وغياباً لحياة كريمة ومستقبل آمن، وعند أول معركة سقطت أوهام "قسد" وثار أبناء المنطقة ضدها حين سنحت لهم الفرصة مع تقدم الجيش السوري، فتخلّى الناس عنها، وسقطت قوة التحصين والأنفاق.

خلاصة: دروس من الأنفاق
الفشل في كسب الحاضنة الشعبية يقضي على أي مشروع عسكري أو سياسي مهما طال البناء، والحرب الحديثة تتطلب أكثر من تقنيات دفاعية؛ تحتاج إلى شرعية، وهوية، واتحاد مع المجتمع، ولقد أثبتت التجربة السورية أن القوة الحقيقية تكمن في تقدّم الدولة الشرعية المعترف بها وطنياً ودولياً، التي تعتمد على حوار شامل، وشراكة مجتمعية، واستقلال القرار، وليس في أنفاق تُحفر في الأرض وحدها.

اقرأ المزيد
١٩ يناير ٢٠٢٦
نهاية مشروع "قسد".. رسالة قوية للهجري في السويداء: فهل يُسلّم ويسلّم..؟

مع الإعلان الرسمي عن الاتفاق بين الدولة السورية وميليشيا "قسد"، والذي قضى عملياً بإنهاء الكيان العسكري والإداري المنفصل الذي كانت تسعى الميليشيا لتكريسه في شمال شرقي البلاد، وعودة سلطة الدولة إلى الرقة ودير الزور والحسكة، تكون صفحة من المشاريع الانفصالية قد أُغلقت بالكامل.

الاتفاق، الذي وصفه مراقبون بـ"اتفاق الاستسلام"، لم يكن مجرد وقف إطلاق نار، بل تضمن تفكيكاً تدريجياً لبنية "قسد"، عبر الاندماج الفردي لعناصرها في مؤسسات الدولة، وسيطرة دمشق على حقول النفط والمعابر، وصولاً إلى عودة مؤسسات الدولة بكامل صلاحياتها، بما فيها في الحسكة، مع خصوصية إدارية محدودة فقط لمدينة كوباني.

السياق أوسع من الشمال الشرقي
هذا التحول الكبير في الجغرافيا السياسية السورية لا يقتصر تأثيره على المناطق الشرقية فحسب، بل يرسل رسائل قوية إلى مناطق أخرى حاولت اتخاذ مسارات مماثلة خارج سلطة الدولة، وعلى رأسها محافظة السويداء التي يحتكر قرار أهلها الشيخ "حكمت الهجري" لصالح مشاريع محدودة معلناً التمرد على سلطة الدولة.

اليوم، ومع انهيار نموذج ومشروع "قسد"، وتفكك الغطاء الدولي عنها رغم سنوات من الدعم، باتت الرسالة واضحة: لا مشروع خارج الدولة يمكنه الاستمرار، لا بغطاء أجنبي ولا بحماية السلاح المحلي.

فهل يُسلّم الهجري ويسلّم؟
الخيارات أمام "الهجري" ومن يدور في فلكه في السويداء باتت محدودة: فإما التفاعل مع الحلول الوطنية التي تضمن عودة السويداء إلى حضن الدولة ومؤسساتها، ضمن صيغة تحفظ الخصوصية وتمنع الفوضى، أو مواجهة سيناريوهات مشابهة لما حدث في الشرق السوري، حيث لم تمنع الشعارات الانفصالية من السقوط عندما حانت ساعة الحقيقة.

الدولة تمد يدها... مرة أخرى
موقف الدولة السورية، كما عبّر عنه مراراً الرئيس أحمد الشرع، يؤكد على وحدة الأرض والشعب، واستعداد الحكومة للانفتاح على كل الطروحات التي تحافظ على السيادة وتعزز المواطنة، ولكنها في المقابل، لا تقبل بأي مشروع يُهدد وحدة البلاد أو يعيد إنتاج الانقسام تحت مسميات محلية أو مذهبية.

وهنا، فإن الرسالة إلى السويداء، ورموز "الحياد السلبي" فيها، لم تعد تحتمل التأويل: التجارب خارج الدولة انتهت، ومن يراهن على الزمن أو الغموض الدولي، فليقرأ جيداً ما جرى في الرقة والحسكة ودير الزور لأن نهاية مشروع "قسد" هي تحوّل استراتيجي يعيد رسم خطوط السيادة السورية، ويؤكد أن لامشاريع انفصال أو خروج عن سلطة الدولة.

 

اقرأ المزيد
١٨ يناير ٢٠٢٦
اتفاق دمشق – قسد... نهاية المشروع الانفصالي وتعزيز لسلطة الدولة السورية

في تحول سياسي وميداني غير مسبوق، جاء إعلان الاتفاق بين الحكومة السورية وميليشيا "قسد" ليمثّل منعطفاً مفصلياً في مصير شمال شرقي سوريا، ويضع حداً عملياً لما سُمّي بـ"المشروع الانفصالي" الذي حاولت قسد فرضه لسنوات، عبر سياسات الأمر الواقع، بدعم خارجي وتحالفات متبدّلة. 


الاتفاق، الذي وُصف بأنه شامل، لم يكن وليد حوار هادئ، بل جاء تتويجاً لضغط عسكري واسع النطاق من قبل الجيش السوري وتقدم ميداني مدروس، بالتوازي مع انتفاضة شعبية متصاعدة في الرقة ودير الزور.

انتهاء الطموحات الانفصالية
ما يميّز هذا الاتفاق عن سابقيه، وخاصة اتفاق آذار 2023، أن قسد لم تتمكن هذه المرة من المناورة أو كسب الوقت، فالمعادلة تغيّرت، التقدم العسكري على الأرض، واحتضان البيئة المحلية لعودة الدولة، وفشل قسد في إدارة المنطقة، كلها عوامل أسقطت أوراق الضغط من يدها، ودفعها إلى القبول باتفاق يفكك بشكل جذري مشروع "الإدارة الذاتية" ويعيد كامل المناطق إلى سيطرة الدولة، عسكرياً ومدنياً.

تعزيز السيادة على الثروات والمعابر
الاتفاق نصّ بوضوح على تسليم المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في الرقة ودير الزور والحسكة للحكومة السورية، وهو ما يعني استعادة الدولة لمواردها السيادية التي كانت تُستنزف بعيداً عن المؤسسات الرسمية، كما يُعيد هذا الترتيب الاعتبار لمصرف سوريا المركزي وسلطة الدولة الاقتصادية، في إدارة موارد البلاد وتوجيهها لخدمة عموم المواطنين.

بسط السيطرة على الجغرافيا الوطنية
من خلال بندي دمج قسد ضمن مؤسسات الدولة، وتولي دمشق الإدارة الكاملة للمناطق الشرقية، تستعيد الدولة وحدتها الجغرافية والمؤسسية بعد سنوات من الانقسام، بما ينعكس على ملف الخدمات، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، وهذا ما يمهّد لـ إغلاق ملف الانفصال نهائياً، تحت سقف الدستور والمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي منح الحقوق الثقافية واللغوية للمكون الكردي، ضمن إطار وطني جامع.

تراجع النفوذ الخارجي
من اللافت أيضاً أن الاتفاق ينص على إخراج كافة العناصر غير السورية من حزب العمال الكردستاني (PKK)، وهو ما يُفهم كخطوة متقدمة في استعادة السيادة، وتقليص نفوذ الخارج في القرار المحلي، كما أن التنسيق المعلن مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، يشير إلى مرحلة جديدة من العلاقات الدولية السورية مبنية على المصالح المتبادلة، لا على الابتزاز السياسي أو العسكري.

خلاصة القول:
الاتفاق الأخير لم يُمنح لقسد، بل انتزع منها تحت ضغط شعبي وميداني عسكري، وهو نهاية فعلية لمشروع انفصالي فشل في تأمين شرعية داخلية أو خارجية، ويمثل عودة متدرجة وحاسمة للدولة السورية إلى الشرق السوري، ومن هنا، فإن ما بعد الاتفاق سيشكّل مرحلة جديدة من ترميم الهوية الوطنية وتكريس سلطة الدولة على كامل أراضيها، دون استثناء.

اقرأ المزيد
١٨ يناير ٢٠٢٦
خسارة الرقة .. ضربة استراتيجية تهز مشروع "قسد" شرق الفرات

تشكل مدينة الرقة نقطة تحول مفصلية في مجريات الأحداث شرق الفرات، حيث تُمثل السيطرة عليها –سواء عسكرياً أو سياسياً– ورقة بالغة الأهمية في خضم الأحداث المشتعلة، لما لها من وزن جغرافي واقتصادي ورمزي، ومع تصاعد التحركات الشعبية والعسكرية المناهضة لـ"قسد"، تبرز أهمية هذه المدينة مجدداً، وسط مؤشرات متسارعة على اقتراب لحظة الحسم.

موقع استراتيجي يربط شرق الفرات بغربه
تقع الرقة في قلب الشمال الشرقي السوري، وتمتاز بموقعها الحيوي الذي يربط بين دير الزور شرقاً، والحسكة شمالاً، وحلب غرباً، ما يجعلها مركز عبور استراتيجي على ضفتي نهر الفرات، وقد شكّل هذا الموقع سبباً رئيسياً في التنافس للسيطرة عليها من قبل مختلف القوى، نظراً لما يمنحه من امتيازات في التحكم بخطوط الإمداد والتأثير على مناطق واسعة في الشمال السوري.

خسارة رمزية قاصمة لـ"قسد"
منذ إعلان تنظيم "داعش" المدينة عاصمة لخلافته المزعومة، ثم سيطرة "قسد" عليها بدعم غربي، أصبحت الرقة مقرّاً رمزياً لما يسمى "الإدارة الذاتية"، وبوابة دعائية لمشروع قسد السياسي، وبالتالي، فإن خسارتها اليوم، بعد سنوات من توظيفها كرمز للنفوذ، تمثل ضربة قاسية لما تبقى من سردية قسد، خاصة في ظل الانتفاضة الشعبية المتصاعدة ضد وجودها في المنطقة.

أهمية اقتصادية ومرافق استراتيجية
اقتصادياً، تمثل الرقة مركز ثقل في الزراعة وتوليد الطاقة، حيث تضم سد الفرات، أكبر منشأة مائية وكهربائية في البلاد، إلى جانب شبكة من المنشآت الخدمية والمرافق العامة، وقد استثمرت "قسد" هذه الموارد طيلة السنوات الماضية كمصدر تمويل وتحكّم بالسكان، ما يعني أن خسارتها للرقة سيفقدها أهم روافدها الاقتصادية والإدارية.

تداعيات عسكرية وأمنية
على الصعيد العسكري، تمثل الرقة بوابة لامتداد النفوذ غربي الفرات، وإحدى أهم نقاط تمركز قسد في مواجهة أي تحرك مضاد، ومع سيطرة الجيش السوري على مدينة الطبقة وسد الفرات، واقترابه من مركز الرقة بالتوازي مع حراك العشائر داخل المدينة ضد "قسد"، تصبح المدينة في مهبّ معركة قد تغيّر خريطة السيطرة بشكل جذري، خاصة في ظل تزايد الانشقاقات داخل صفوف "قسد"، وتقدّم أبناء العشائر باتجاه مواقعها الحيوية.

نهاية مشروع... وبداية تحول
خسارة "قسد" للرقة تعني بشكل لايقبل الشك إسدال الستار على مشروع "الإدارة الذاتية" كمفهوم قائم في الشمال الشرقي، وتكريس واقع جديد قوامه انتفاضة شعبية موحّدة، ترفض مشاريع التفتيت والانفصال، وتتمسّك بعودة الدولة ومؤسساتها.

الرقة اليوم في خضم الاشتباكات داخل أحيائها، ووصول قوات الجيش السوري إلى مشارفها، تعكس مرآة التحولات الكبرى التي يشهدها المشهد السوري، ورسالة واضحة بأن موازين القوى بدأت تتبدل، وأن المشروع الانفصالي فقد شرعيته الشعبية وبات على مشارف الانهيار.

وقلتها في مقال سابق، أمام "قسد" اليوم فرصة حقيقية – وربما أخيرة – لتطبيق اتفاق العاشر من آذار بروح واقعية، وبالوسائل السياسية، قبل أن يُفرَض عليها التنفيذ بالقوة كما جرى في غرب الفرات، ولا شك أن دخول الدولة إلى المحافظات السورية شرق الفرات وبسط سيادتها بات مسألة وقت لا أكثر، خاصة مع تغيّر المعادلات الدولية والإقليمية، وتراجع الغطاء الأميركي السياسي والعسكري عن ميليشيا "قسد".

من يقرأ المعطيات الميدانية والسياسية بدقة، يدرك أن مشروع "قسد" لم يعد قابلاً للحياة، فمع تحوّل المنطقة إلى ساحة تفاهمات دولية جديدة، لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى التنظيم بوصفه حليفاً إستراتيجياً طويل الأمد، بل ورقة استُنزفت أغراضها، ويمكن التخلي عنها في أي لحظة.

اقرأ المزيد
١٧ يناير ٢٠٢٦
ما بعد غرب الفرات… هل تلتقط "قسد" الفرصة الأخيرة قبل السقوط..؟

انتهت المرحلة الأولى من عملية تفكيك ميليشيا "قسد" بإحكام السيطرة على المناطق التي كانت تحتلها غرب نهر الفرات، في تحرك عسكري مدروس فتح الباب أمام تحولات كبرى شرق سوريا، وما جرى بمثابة نقطة تحوّل استراتيجية تكرّس استعادة الدولة لسيادتها وتعيد رسم خريطة النفوذ في الجزيرة السورية.

اتفاق آذار… آخر الفرص
أمام "قسد" اليوم فرصة حقيقية – وربما أخيرة – لتطبيق اتفاق العاشر من آذار بروح واقعية، وبالوسائل السياسية، قبل أن يُفرَض عليها التنفيذ بالقوة كما جرى في غرب الفرات، ولا شك أن دخول الدولة إلى المحافظات السورية شرق الفرات وبسط سيادتها بات مسألة وقت لا أكثر، خاصة مع تغيّر المعادلات الدولية والإقليمية، وتراجع الغطاء الأميركي السياسي والعسكري عن ميليشيا "قسد".

الخيارات تضيق بسرعة أمام مظلوم عبدي، قائد "قسد"، الذي يجد نفسه بين مسارين لا ثالث لهما: إما الانخراط الكامل في مؤسسات الدولة السورية وطيّ صفحة المشاريع الانفصالية، أو التمسك بوهم التجزئة، الذي لن يؤدي إلا إلى نهايات مأساوية ومصير لا يليق بمن كان يمتلك فرصة أن يكون جزءاً من الحل.

بين الجغرافيا والسياسة
من يقرأ المعطيات الميدانية والسياسية بدقة، يدرك أن مشروع "قسد" لم يعد قابلاً للحياة، فمع تحوّل المنطقة إلى ساحة تفاهمات دولية جديدة، لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى التنظيم بوصفه حليفاً إستراتيجياً طويل الأمد، بل ورقة استُنزفت أغراضها، ويمكن التخلي عنها في أي لحظة.

في المقابل، ظهر البديل الوطني الذي يمتلك مرونة سياسية، وحضوراً ميدانياً، وقدرة تفاوضية تستند إلى الأرض، وإلى مشروع جامع لا يفرّق بين مكون وآخر، بل يسعى إلى استعادة الدولة الواحدة بحدودها ومؤسساتها.

الكرة في ملعب "قسد"
لم يعد أمام مظلوم عبدي إلا خيار الاندماج الوطني، لا من باب الضعف بل من موقع الإدراك العاقل أن الزمن لم يعد يسمح بالمراوغة، فالانخراط في مسار بناء الدولة السورية يبقى أقل كلفة من الاحتماء بمشاريع عابرة للوطنية، لا جذور لها ولا مستقبل.

ولعل قرار التحول من كيان عسكري فرضته الحرب، إلى شريك مدني سياسي داخل بنية الدولة، هو ما سيحكم على "قسد" بالبقاء أو بالذوبان، فإما أن تختار لنفسها مكاناً في سوريا المستقبل، أو يُترَك لها مصير الخروج من المدن إلى الجبال، كما خرج غيرها من المغامرين.

ما بعد العملية... لحظة الحقيقة
من المؤكد أن ما بعد إحكام السيطرة على غرب الفرات ليس كما قبله، وأن الدولة السورية لن تتوقف عند نصف الإنجاز، فاستعادة السيادة مسار مستمر، وخيارات "قسد" تنكمش باطراد، كما أن وحده قرار شجاع من عبدي يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة تحفظ ما تبقى من التنظيم وتعيد ربطه بالوطن، بدلاً من رهنه لقوى عابرة لن تبقى معه إلى الأبد.

في الختام، لقد انتهت مرحلة العبث بالجغرافيا السورية، وحان وقت تثبيت الحدود السياسية تحت راية الدولة الواحدة، وها هي الدولة السورية تمد يدها مجدداً نحو التنظيمات الخارجة عن سلطتها، بفرصة للانخراط، لا للإقصاء، لكن على "قسد" أن تُدرك أن الوقت ليس في صالحها، وأن الفرصة التي بين يديها اليوم قد لا تتكرر غداً.

اقرأ المزيد
١٧ يناير ٢٠٢٦
"إعادة التموضع" من نهج "الأسد" إلى قواميس "قسد": هزائم بلغة جديدة

في بيان أعلن فيه مظلوم عبدي، القائد العام لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، سحب قواته من مناطق التماس في شرق حلب فجر اليوم السبت، بدا لافتاً استخدام تعبير "إعادة التموضع" كمبرر للانسحاب من منطقة تتعرض لهجمات مكثفة منذ يومين، في خطوة تُقرأ بوضوح كاستجابة مباشرة للضغط العسكري المتزايد من الجيش العربي السوري.

قد يبدو التعبير في ظاهره جزءاً من خطاب دبلوماسي يراعي الحساسيات السياسية، إلا أن المتابعين لمسار الحرب في سوريا لا يحتاجون إلى جهد كبير لتذكر السياق الذي اشتهر فيه هذا المصطلح، عندما استخدمه النظام السوري سابقاً للتغطية على سلسلة من الخسائر والانكسارات في أكثر من منطقة، مفضلاً عبارة "إعادة التموضع" على "الانسحاب" أو "الهزيمة".

اليوم، وبعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد وإعادة تموضعه خارج السلطة، تستعير "قسد" هذا الأسلوب في توصيف ميدانيّات خسارتها، محاولةً الالتفاف على حقائق باتت واضحة في الميدان، فالمناطق التي تغادرها قسد شرق حلب كانت تمثل نقاط ارتكاز لها في محاولة فرض أمر واقع سياسي وجغرافي ضمن مشروعها الانفصالي.

الهروب بتغطية دبلوماسية
في بيانه، يُرجع مظلوم عبدي قرار الانسحاب إلى "دعوات الدول الصديقة والوسطاء"، مظهراً الخطوة كجزء من التزام بـ"حسن النية" تجاه اتفاق العاشر من آذار، وهي صيغة دبلوماسية تتناسى حقيقة التصعيد العسكري في المنطقة، والذي لم يكن ليحدث لولا رفض قسد تنفيذ الاتفاق على الأرض.

الواقع يؤكد أن الانسحاب لم يكن خياراً إرادياً، بل نتيجة حتمية لضربات عسكرية استباقية شنها الجيش العربي السوري ضد مواقع قسد وPKK، بعد رصد تحركات استفزازية واعتداءات على مناطق مدنية ونقاط تمركز الجيش.

نهج واحد... بأسماء مختلفة
سواء تحدث النظام سابقاً عن "إعادة تموضع تكتيكي" في إدلب وريف دمشق ودرعا، أو تتحدث قسد اليوم عن "إعادة تموضع شرق الفرات"، فإن النتيجة واحدة: خسارة مواقع وفقدان السيطرة، واللافت أن كلا الطرفين - النظام البائد وقسد - يحاولان تقديم هذه الخسائر بلبوس سياسي أو تفاوضي، بينما الواقع يقول إن الميدان هو من يفرض الإيقاع.

هل انتهى وهم التمدد الانفصالي غرب الفرات؟
سحب قسد من شرق حلب اليوم يفتح الباب أمام أسئلة جديدة حول مصير انتشارها في باقي مناطق شرقي الفرات، فهذه الخطوة قد تكون بداية انسحاب أوسع في حال استمرت العمليات العسكرية بنفس الزخم، خاصة أن قسد لم تعد قادرة على مجاراة التصعيد، لا سياسياً ولا عسكرياً، في ظل الانشقاقات الداخلية والخسائر المتتالية.

رسائل دمشق واضحة: لا انفصال... لا أمر واقع
انسحاب قسد من شرق حلب يحمل أيضاً رسالة واضحة مفادها أن الدولة السورية لن تقبل بأي مشاريع تقسيم أو إدارة ذاتية مفروضة بقوة السلاح، وأن الحوار الوطني، لا فرض الوقائع، هو الطريق الوحيد للمكوّنات السورية كافة، للوصول إلى صيغة تعايش تحترم السيادة الوطنية وتضمن الحقوق الثقافية والمدنية دون استقواء بالخارج.

اقرأ المزيد
١٦ يناير ٢٠٢٦
قادة "PKK" يتحكمون في "قسد" ويعرقلون اتفاق آذار: مراوغة سياسية تهدد الاستقرار شرقي سوريا

في ظل التطورات الميدانية المتسارعة شرق حلب، تتزايد المؤشرات على أن القرار داخل "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) لم يعد بيد قياداتها المحلية، بل يخضع لتوجيه مباشر من كوادر حزب العمال الكردستاني (PKK)، الذين باتوا يمسكون بمفاصل القرار السياسي والعسكري للتنظيم، ويقودونه بعيدًا عن أي توافق وطني محتمل مع الحكومة السورية.

حضور متزايد لقيادات PKK
خلال الأيام الماضية، رصدت هيئة العمليات العسكرية في الجيش العربي السوري تحركات لعناصر من حزب العمال الكردستاني داخل المناطق الخاضعة لسيطرة "قسد"، لا سيما في دير حافر ومسكنة ومحيط الطبقة، كدت الهيئة وصول المدعو باهوز أردال، أحد أبرز قادة PKK القادمين من جبال قنديل، إلى منطقة الطبقة، للإشراف على إدارة العمليات العسكرية هناك بالتنسيق مع "قسد"، في خطوة تؤكد تغلغل قيادات الحزب داخل البنية القيادية للتنظيم.

اتفاق العاشر من آذار: رهينة بيد الخارج
يأتي هذا التصعيد في وقت كانت فيه الوساطات الدولية تعمل لإحياء اتفاق العاشر من آذار، الذي يُفترض أن يُشكّل إطارًا لتفاهم شامل بين الحكومة السورية "قسد" بشأن آليات الدمج، وتوحيد الإدارة، وحلّ الملفات الأمنية والسياسية العالقة. 


ورغم إعلان عدد من قيادات "قسد" مراراً التزامهم بمسار الاتفاق، فإن الوقائع على الأرض، والامتناع عن تنفيذ بنوده، يكشفان عن رغبة حقيقية في التعطيل، لا سيما من قبل قيادات PKK التي تخشى خسارة نفوذها في حال تم التوصل لاتفاق مع دمشق.

مراوغة سياسية... لا نية حقيقية للتنفيذ
خطاب "قسد" الإعلامي المعلن يتحدث عن "إعادة تموضع" و"الالتزام بالحوار"، في حين تؤكد الوقائع الميدانية أن الحزب الموجّه للتنظيم يسعى إلى إطالة أمد التوتر، واستخدام الورقة الكردية للمساومة السياسية، سواء في مواجهة الدولة السورية أو في حساباته الإقليمية الخاصة، خصوصاً مع استمرار الدعم الأمريكي والأوروبي المشروط لبقاء التنظيم كقوة أمر واقع.

وكان مظلوم عبدي، القائد العام لقسد، قد أعلن في بيان رسمي أن قواته ستنسحب من مناطق التماس شرق حلب صباح السبت، في خطوة وُصفت بأنها "إعادة تموضع" نحو مناطق شرق الفرات، استجابةً لوساطات دولية، لكن مصادر عسكرية سورية أكدت أن ما جرى هو نتيجة لضربات مركزة على مواقع قسد، دفعت قياداتها للانسحاب التكتيكي، مع استمرار محاولة ترويج الخطوة على أنها تعبير عن "حسن نية" ضمن مسار اتفاق آذار.

تساؤلات حول استقلالية مظلوم عبدي
وسط هذا المشهد، يبرز تساؤل محوري: هل يمتلك مظلوم عبدي فعلياً القدرة على مقاومة الضغوط القادمة من جبال قنديل؟ وهل يستطيع فرض قرار مستقل داخل "قسد" بعيداً عن إرادة قادة حزب العمال الكردستاني؟ وهل سيسمح له نفوذ "PKK" باتخاذ خطوات جادة باتجاه تنفيذ اتفاق آذار مع الحكومة السورية؟

ما يبدو حتى اللحظة هو أن القائد العام لـ"قسد" محاط بمعادلات معقدة ومصالح متشابكة، تحدّ من هامش المناورة السياسي لديه، وتجعل أي محاولة للخروج من هيمنة قنديل محفوفة بالمخاطر الداخلية، لا سيما أن العديد من مواقع القرار العسكري والأمني داخل "قسد" باتت عملياً بيد عناصر وافدة من PKK.

موقف دمشق: لا مكان للمراوغة
في المقابل، تؤكد الدولة السورية التزامها الكامل بالحوار المسؤول الذي يهدف إلى إعادة دمج جميع المكونات الوطنية في إطار الدولة الواحدة، لكنها في الوقت ذاته ترفض أي محاولة لاستغلال الوضع أو فرض أجندات خارجية تحت عناوين زائفة،وتُحمّل دمشق قيادة قسد وحلفاءه من فلول النظام المخلوع وقيادات PKK، المسؤولية الكاملة عن إجهاض الاتفاق، ومفاقمة معاناة المدنيين، واستخدامهم كدروع بشرية.

خلاصة
ما لم تُفكك الهيمنة التنظيمية لـ"PKK" داخل "قسد"، وما لم يمتلك مظلوم عبدي الجرأة على كسر هذه التبعية، فإن آفاق الحل السياسي ستبقى رهينة حسابات لا تمثل المصلحة الوطنية، وتُبقي المنطقة عرضة للتصعيد والانقسام، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى الاستقرار والحوار أكثر من أي وقت مضى.

اقرأ المزيد
١٦ يناير ٢٠٢٦
"الشرع" يقطع الطريق على "قسد" وينهي المتاجرة بالورقة الكردية… مرسوم تاريخي يعترف بالكرد ولغتهم وتراثهم

أصدر الرئيس أحمد الشرع اليوم الجمعة المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، في خطوة تاريخية تهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية وتثبيت الحقوق الثقافية والمدنية للمواطنين السوريين من المكون الكردي، وهو ما يمثل ضربة موجعة لمزاعم تنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي طالما تبنّت قضية الكرد لتحقيق مشاريع انفصالية ومكاسب سياسية على حساب وحدة البلاد.

وجاء المرسوم، الذي استند إلى أحكام الإعلان الدستوري ومقتضيات المصلحة الوطنية العليا، ليضع حدّاً للاستغلال السياسي للهوية الكردية، مؤكداً أن المواطنين السوريين الكرد جزء أصيل من النسيج الوطني، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تُعد جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحّدة.

ويؤكد المرسوم على التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم، ضمن إطار السيادة الوطنية ووحدة الأراضي السورية.

من أبرز ما نصّ عليه المرسوم:
• اعتماد اللغة الكردية كلغة وطنية، والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكّل فيها الكرد نسبة كبيرة من السكان، سواء ضمن المناهج الاختيارية أو في النشاطات الثقافية والتعليمية.

• إلغاء جميع القوانين والتدابير الاستثنائية الناتجة عن إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، وهو إجراء طال انتظاره وأنهى حالة التمييز القانوني التي عاشها الكثير من أبناء المجتمع الكردي.

• منح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد، مع ضمان مساواتهم الكاملة في الحقوق والواجبات.

• اعتبار عيد النوروز عطلة رسمية مدفوعة الأجر في جميع أنحاء الجمهورية، باعتباره عيداً وطنياً يعبر عن الربيع والتآخي بين مختلف مكوّنات المجتمع السوري.

تأتي هذه الخطوة الرئاسية في وقت تشهد فيه البلاد تحولات سياسية وأمنية، وتؤكد دور الدولة السوريّة في تعزيز السيادة الوطنية وقطع الطريق على محاولات الاستغلال الانفصالي للهوية الكردية، وتعيد القضية إلى سياقها الوطني الشامل، بعيداً عن مشاريع التفتيت والتقسيم.

ترسّخ قرارات الشرع نموذجاً جديداً في التعاطي مع القضايا الثقافية واللغوية في سوريا، وتضع حداً للمواقف غير الوطنية التي كانت تستغل ملف المكوّن الكردي لأغراض سياسية ضيقة، في رسالة واضحة بأن الهوية الوطنية السورية هي الأصل، وأن جميع مكوّنات الشعب السوري تُعزّز هذه الوحدة ولا تُقسّمها.

إسقاط ورقة "الشرعية الأخلاقية" من يد قسد
لطالما استخدمت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) الورقة الكردية كذريعة لتبرير مشاريعها الانفصالية، وفرض سلطة الأمر الواقع في مناطق الشمال والشرق السوري، روجت لنفسها كـ"حامية لحقوق الكرد"، بينما مارست التمييز ضد مكونات أخرى، وامتنعت عن الحوار الجاد مع الدولة السورية، وسعت لتحويل الخصوصية الثقافية الكردية إلى مشروع انفصال سياسي.

المرسوم الجديد يضرب هذه السردية في الصميم، حيث لم يعد هناك ما يبرر استمرار "قسد" في احتكار التمثيل الكردي أو فرض مشاريع سياسية غير وطنية، فالدولة السورية اليوم تعترف بالكرد، وتُقر بحقوقهم في الإطار الوطني الجامع، وتفتح الباب أمام اندماج حقيقي، قائم على الشراكة والمساواة.

رسالة سياسية ومجتمعية
قرار الرئيس الشرع يعكس إرادة سياسية واضحة لتوحيد المجتمع السوري، على قاعدة الاعتراف المتبادل والاحترام المتكافئ بين مكوّناته. وهو في الوقت نفسه رسالة للمجتمع الدولي، مفادها أن دمشق ليست فقط قادرة على الإصلاح الداخلي، بل سبّاقة إلى ذلك حين يرتبط بوحدة البلاد وتماسكها الاجتماعي.

كما يحمل القرار دلالات إنسانية، بإنهائه أحد أبرز الملفات الحقوقية الشائكة في سوريا، المتمثل في قضية مكتومي القيد، الذين عاشوا لعقود بلا أوراق رسمية، ولا اعتراف قانوني، رغم أنهم وُلدوا على الأرض السورية وينتمون إليها.

نحو عقد وطني جديد
بهذا المرسوم، تكون الدولة السورية قد خطت خطوة كبيرة باتجاه تجديد عقدها الوطني، وتأكيد أن المواطنة لا تقوم على الإنكار أو الإقصاء، بل على الاعتراف والاندماج. وإذا ما أُتبعت هذه الخطوة بإجراءات تنفيذية ومؤسساتية جادة، فإنها ستمثل تحولاً حقيقياً نحو سوريا جديدة، تنبذ الانقسام وتحتفي بالتنوع.

يشكل المرسوم لحظة فارقة، تُسحب فيها ورقة المتاجرة بالهوية الكردية من يد "قسد"، وتُعاد إلى أصحابها الحقيقيين، ضمن دولة تفتح ذراعيها لكل أبنائها، وتبني مستقبلها على التعدد لا التشرذم.

اقرأ المزيد
١٤ يناير ٢٠٢٦
حجب مقابلة الرئيس "الشرع" على قناة "شمس": بين المهنية والمسؤولية… أم الانحياز والتحيز؟

في قرار أثار موجة من الجدل، أعلنت قناة «شمس» الكردية الناطقة بالعربية عدم بث مقابلة مسجّلة مع الرئيس أحمد الشرع، مؤكدة أن ذلك جاء بعد تقييم مهني لمحتوى اللقاء وتداعياته السياسية المحتملة. 


وقد برّرت القناة هذا القرار بـ«الحرص على التهدئة وتفادي التصعيد»، بينما كشف مصدر أمني كردي عن تهديدات باستهداف مقرها إذا بُثّت المقابلة، ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق لأبعاد هذا القرار وآثاره على الساحة الإعلامية والسياسية.

القرار، مهما كانت مبرراته، يطرح أكثر من سؤال حول دور الإعلام كمنصة للحوار وتبادل الأفكار، لا كأداة للتقييد والإقصاء، وقد جاءت تبريرات القناة – التي ربطت القرار بالحرص على التهدئة – في سياق يبدو فيه الإعلام شريكاً في عملية رقابية غير معلنة على خطاب الضيف، بدل أن يكون مساحة للسؤال والاجتهاد والمواجهة الفكرية.

من الملاحظ أن بعض المراقبين رأوا في المقابلة فرصة نادرة، ربما أولى من نوعها، أن يُعبّر الرئيس الشرع بصراحة عن رؤيته تجاه قضية الكرد والمسار السوري بشكل عام، بالنسبة لهم، لقدّم الرئيس من خلال قناة حديثة مثل «شمس» رسالة تؤكد إرادة السياسي في مخاطبة شريحة حضارية ولغوية وثقافية بعينها، وليس عبر المنابر التقليدية فقط، وهذا يضعنا أمام نقطة مهمة: الإعلام ليس ملكاً لمنبر معين، ولا يحتكر صدى خطاب طرف واحد، وإذا كان الرئيس الشرع يرى في «شمس» منبراً مناسباً، فإن ذلك لم يكن بلا دلالة أو حسابات سياسية.

مواجهات الماضي والآثار التي خلفتها ميليشيا «قسد» وانتهاكاتها في مناطق سورية عدّة قد أثارت مشاعر شديدة في الشارع الكردي والعربي على حدٍ سواء، وقد جاء حديث الرئيس الشرع في المقابلة – كما نقل بعض المحللين – بوصفه صوتاً ينطلق من جرح تاريخي وألم سياسي حقيقي، وليس مهماً ما إذا كان الخطاب ناعمًا أو قاسياً؛ المهم أنه محاولة لتقديم رؤية صريحة في لحظة مفصلية.

منع بث المقابلة يعكس، في جانب منه، نوعاً من الرقابة الذاتية أو الخارجية على الرسائل السياسية في الإعلام الكردي، ما يُبرز سؤالاً أخلاقياً ومهنياً: هل يكون دور قناة إعلامية هو فقط تسويق خطابات تروق لقاعدة جماهيرية معينة، أم أنها يجب أن تكون منصة للتنوّع والتعدد، حتى لو كان الخطاب المختلف يؤدي إلى توتر مؤقت في المشاعر؟

ولا يمكن تجاهل ما ذهب إليه البعض من أن قرار الحجب يصبّ في خانة الانحياز الإعلامي ويعكس قناعة قناة بدليل ما قد يثيره الحديث من ردود أفعال، وهو ما يجعل البعض يربط القرار بتوجهات أيديولوجية أكثر منه تبني موقف مهني مهني محايد، وهذا يدفعنا إلى التساؤل: هل أصبحت بعض وسائل الإعلام جزءاً من البروباغندا التنظيمية أو المؤسسية، بدل أن تكون جسرًا للحوار والتفاهم؟

في المقابل، ليس من المقبول أن تُستخدم التهديدات الأمنية كذريعة لإسكات خطاب سياسي أو إعلامي؛ فالإعلام في أصله يجب أن يقف أمام التحديات، لا أن يتراجع أمامها، خصوصاً في بيئة انفجارات سياسية ومفارقات اجتماعية متعددة كما هو واقعنا السوري.

كان من الممكن أن تستفيد «شمس» من فرصة المقابلة ليس فقط لبث خطاب الرئيس الشرع، بل أيضاً لاستضافة وجهات نظر متناظرة أو مقابلة مقابلة مع ممثلين عن الطرف الآخر، ما يعيد تعريف الإعلام كمنبر للحوار العلمي والسياسي، لا مجرد منصة لإعادة إنتاج وجهات نظر أحادية.

الفشل في نقل هذا الخطاب أو منعه يعكس أيضاً مأزقاً في الخطاب الكردي ذاته، الذي يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الانفتاح على الآخر، والاستماع إليه، بعيداً عن حمى الصراع التنظيمي والسياسي. فالحوار لا يبدأ إلا بالاستماع، والاستماع لا يحدث إلا عندما تُفتح منصات الإعلام أمام جميع الأصوات.

في المحصلة، القرار الإعلامي الأخير يكشف عن توتر في وظيفة الإعلام بين المهنية والمسؤولية الاجتماعية من جهة، والانحياز والتحيّز من جهة أخرى، ومن شأن هذا التوتر أن يعيد فتح النقاش حول دور الوسيلة الإعلامية في بيئة سياسية معقّدة كالسورية: هل هي مرآة تعكس الواقع بكل تناقضاته، أم أنها أداة لتصفية حسابات سياسية تحت غطاء مهني؟

القرار ليس محايداً؛ فهو يضع الإعلام في مفترق طرق: إما أن يظل محتكراً لخطاب معين، أو أن يكون فعلاً منصة للحوار المفتوح بين جميع الأطراف، وهو ما يحتاجه المجتمع السوري في هذه المرحلة الدقيقة من التاريخ.

اقرأ المزيد
١٣ يناير ٢٠٢٦
قسد من التفاهم مع الأسد والقبول بالقليل إلى التعطيل والرفض مع الدولة الجديدة

لم يكن نفاق الخطاب السياسي لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” طارئًا أو مرتبطًا بمرحلة ما بعد سقوط النظام السوري البائد، بل هو سلوك متجذّر في ممارسات قيادتها، سبق سقوط الأسد واستمر بعده، ويتكرر كلما اصطدمت شعاراتها بالتهديدات المحيطة بها، وكلما وُضعت قيادتها أمام الاستحقاقات والقرارات.

قبل سقوط النظام، اعتادت قسد التفاوض مع دمشق من موقع الضعف، مطالِبة بالقليل، وقابلة بأقل منه في كثير من الأحيان.

فكلما شعرت قيادتها بتهديد محدق، كما حدث مرارًا خلال العمليات العسكرية التي نفذها الجيش التركي شمال سوريا، كانت تسارع إلى أبواب دمشق، لا للمطالبة بحقوق سياسية أو صيغة حكم، بل للطلب من النظام البائد أن يتدخل سياسيًا وعسكريًا، وأن “يدافع عن البلاد” في مواجهة تركيا، في مفارقة تختصر حجم التناقض بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية.

وفي هذا السياق، لم يكن خافيًا أن قسد أبدت استعدادًا للانخراط في جيش الأسد مقابل دخول النظام الحرب إلى جانبها ضد تركيا، ولولا تحفظ موسكو حينها وخشيتها من تدهور علاقاتها مع أنقرة، لكانت قسد اليوم جزءًا معلنًا من جيش النظام، لا مشروعًا “تحرريًا” كما رُوّج لها.

الفارق الوحيد بين الأمس واليوم أن الوثائق باتت أكثر وضوحًا، والتصريحات أكثر مباشرة، وأن هامش المناورة أمام الرأي العام لم يعد واسعًا كما كان.

في عام 2019، وقّعت قيادة قسد، ممثلة بمظلوم عبدي وسيبان حمو، على مذكرة تفاهم تقبل صراحة بانتشار قوات الجيش العربي السوري على مساحات واسعة من شمال وشرق البلاد، وتؤكد الالتزام بوحدة الأراضي السورية والعمل تحت راية الجمهورية العربية السورية.

لم تتضمن الوثيقة أي ذكر لروجآفا، ولا للحكم الذاتي، ولا لأي توصيف قومي خاص، بل جاءت نصًا عمليًا أسقط، دفعة واحدة، الخطاب الذي جرى تسويقه طويلًا عن مشروع بديل للدولة السورية وهويتها.

يومها، لم يُسمع صوت احتجاج من القيادات الكردية ولا من الإعلاميين الذين يرفعون اليوم رايات “الخصوصية” و”المكتسبات التاريخية” و”الهوية القومية”. صمتوا تمامًا، ولم يطالبوا حتى بجزء يسير مما يطالبون به اليوم من حكم ذاتي، وجيش مستقل، وإدارة منفصلة، وهي مطالب تتجاوز الحقوق المشروعة، وتمهّد فعليًا لمشروع انفصالي مؤجل.

والمفارقة الأوضح أن غالبية مناطق شرق سوريا ذات أغلبية عربية، ما يطرح سؤالًا جوهريًا تتجاهله قسد عمدًا: كيف يستقيم، سياسيًا أو أخلاقيًا، أن تحكم قيادة ذات طابع قومي منطقة يغلب عليها العرب، ثم تروّج لمشروع دولة كردية تحت مسمى “روجآفا – غرب كردستان”؟

بعد سقوط النظام البائد، تغيّر السياق بالكامل، وتغيّرت طبيعة العرض. الدولة السورية الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، لم تطرح على قسد مجرد ترتيبات أمنية أو عودة شكلية لسلطة مركزية، بل قدّمت اتفاقًا سياسيًا يتضمن اعترافًا صريحًا بالمجتمع الكردي كمكوّن أصيل، وضمان حقوق المواطنة، والمشاركة السياسية، ودمج المؤسسات، ووقف إطلاق النار، وفتح باب الوساطة مع تركيا، وهي تنازلات لم يكن النظام السابق ليقترب منها أصلًا. ومع ذلك، قوبل هذا العرض بالتلكؤ والمماطلة، بما لا يمكن تفسيره بذريعة الخوف أو انعدام الثقة وحدهما.

أحداث الشيخ مقصود والأشرفية في حلب جاءت لتعرّي هذا التناقض بأوضح صوره. فبينما كانت الدولة تتحدث عن تنفيذ الاتفاق وإنهاء الجيوب المسلحة داخل المدن، قدّمت قسد روايات متضاربة، وأنكرت بداية وجودها العسكري في حلب، وادّعت أن الموجودين مجرد عناصر أمن بأسلحة خفيفة. غير أن الوقائع الميدانية سرعان ما كشفت زيف هذا الخطاب، مع سقوط قتلى من قيادات قسد، والعثور على دبابات وعربات مدرعة وأسلحة ثقيلة، إضافة إلى شبكة أنفاق أُعدّت لمعركة طويلة الأمد.

وحين شعرت قسد بفقدان سيطرتها على الحيين، لجأت إلى سلوك انتقامي عبثي، تمثل في استهداف مواقع حكومية ومدنية بالقذائف والمسيرات، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، في سلوك يعكس منطق الميليشيا لا منطق الشراكة.

تصريح وزير الخارجية أسعد الشيباني لمجلة “المجلة” جاء ليضع النقاط على الحروف. حين قال إن الحكومة السورية ذهبت إلى أقصى ما يمكن في التسهيلات، وإنها عرضت ما لم يكن نظام الأسد ليمنحه حتى بنسبة عشرين في المئة، لم يكن يطلق خطابًا دعائيًا، بل كان يقدّم مقارنة سياسية قاسية بين مرحلتين: قسد قبلت سابقًا بأقل بكثير، وتحت سلطة نظام إجرامي، ومن دون أي ضمانات، لكنها تتردد اليوم أمام عرض أوسع وأكثر احترامًا، ومدعومًا بضمانات دولية، بينها الولايات المتحدة وتركيا.

الخلاصة أن المشكلة لم تكن يومًا في “ما يُعرض” على قسد، بل في القرار الذي لا تريد قيادتها اتخاذه. فقراراتها لم تعد تصدر من قياداتها السورية بقدر ما تُصاغ في جبال قنديل، وفق حسابات حزب العمال الكردستاني، لا وفق مصلحة السوريين.

الشعارات القومية التي رُفعت طويلًا سقطت عمليًا عام 2019 مع توقيع وثيقة أسقطت كل الادعاءات السابقة، وتسقط اليوم مجددًا مع تحوّل فلول النظام البائد إلى جزء فاعل في تنظيم قسد، فمن المؤكد أن المئات من الفلول انتقلوا إلى مناطق سيطرة قسد بعد سقوط النظام البائد، وباتوا الآن جزءا أساسيا وبدعم أمريكي ماليا وعسكريا من قوات قسد، ولك أن تتخيل أن واشنطن باتت تدعم قوات الأسد وإن بطريقة غير مباشرة.

وفي النهاية، ما يُسوّق له خطاب قسد عن “الدمج” لا يتجاوز كونه محاولة لفرض جيش داخل جيش، وكيان داخل كيان، بما يفتح الباب مستقبلًا لتهديد الاستقرار والانقلاب العسكري على الدولة، وإعادة إنتاج نموذج الاستبداد بمسميات جديدة.

هذه ليست دعوة للإقصاء، ولا قراءة عدائية، بل توصيف لوقائع سياسية وعسكرية موثقة. فمن يريد أن يكون جزءًا من الدولة، لا يمكنه أن يبقى أسير شعارات بالية تسقط عند أول امتحان، ولا أن يكون مرآة لإملاءات المجرمين في جبال قنديل، بدل أن يكون تعبيرًا حقيقيًا عن المكوّن الكردي السوري العريق وتطلعاته الوطنية.

 

اقرأ المزيد
1 2 3 4 5

مقالات

عرض المزيد >
● مقالات رأي
٢٣ يناير ٢٠٢٦
التباكي على جديلة مقصوصة وتجاهل دماء الأبرياء: الوجه الحقيقي لمروجي الفتنة
سيرين المصطفى
● مقالات رأي
٢٠ يناير ٢٠٢٦
"واشنطن" تعلن رسمياً نهاية مشروع قسد: فصل الختام في تجربة فرض الذات بقوة السلاح
أحمد نور الرسلان
● مقالات رأي
١٩ يناير ٢٠٢٦
الأنفاق التي شيّدتها "قسد".. أرض محصّنة وشعب ناقم أطاح بالمشروع
أحمد نور الرسلان
● مقالات رأي
١٩ يناير ٢٠٢٦
نهاية مشروع "قسد".. رسالة قوية للهجري في السويداء: فهل يُسلّم ويسلّم..؟
أحمد نور الرسلان
● مقالات رأي
١٨ يناير ٢٠٢٦
اتفاق دمشق – قسد... نهاية المشروع الانفصالي وتعزيز لسلطة الدولة السورية
أحمد نور الرسلان مدير التحرير في شبكة شام الإخبارية
● مقالات رأي
١٨ يناير ٢٠٢٦
خسارة الرقة .. ضربة استراتيجية تهز مشروع "قسد" شرق الفرات
أحمد نور الرسلان
● مقالات رأي
١٧ يناير ٢٠٢٦
ما بعد غرب الفرات… هل تلتقط "قسد" الفرصة الأخيرة قبل السقوط..؟
أحمد نور الرسلان