توفر المادة أم سعرها؟ المعادلة الأصعب في سوق المحروقات السورية
تواجه سوق المحروقات السورية معادلة دقيقة بين الحفاظ على توفر المشتقات النفطية للمواطنين والقطاعات الاقتصادية، وبين ارتفاع الكلفة اللازمة لتأمين هذه المواد، في ظل اعتماد كبير على الاستيراد واضطرابات عالمية رفعت أسعار المنتجات المكررة وكلف الشحن والتأمين والتوريد.
وتكشف الأرقام حجم حساسية السوق المحلية تجاه المتغيرات الخارجية، إذ يجري حاليًا تأمين نحو 74% من حاجة سوريا من المازوت عن طريق الاستيراد، وترتفع النسبة إلى نحو 81% بالنسبة للبنزين، فيما يصل الاعتماد على الخارج في تأمين الغاز المنزلي إلى قرابة 96%.
وتعني هذه النسب أن استمرار تدفق المشتقات إلى السوق يرتبط بدرجة كبيرة بالقدرة على شراء الكميات المطلوبة من الخارج، في وقت لم تعد فيه كلفة الاستيراد مرتبطة بسعر برميل النفط الخام وحده، وإنما بمجموعة واسعة من العوامل التي تحدد السعر النهائي للمادة عند وصولها إلى سوريا.
وتدخل في هذه الكلفة أسعار المشتقات الجاهزة والتكرير والشحن والتأمين والتمويل والتخزين والنقل والتوزيع، ما يجعل السؤال المتعلق بسعر خام برنت وحده غير كافٍ لتفسير الكلفة التي تتحملها البلاد لتأمين ليتر البنزين أو المازوت للمستهلك.
وتزيد الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية خلال عام 2026 من صعوبة المعادلة، بعدما امتدت الصراعات إلى منشآت الإنتاج والمصافي والناقلات ومسارات الشحن، وأدت إلى ضغوط على قدرات التكرير وتوفر المنتجات النفطية الجاهزة، بالتوازي مع ارتفاع مخاطر النقل والتأمين.
وتفرض هذه التطورات تحديًا إضافيًا على سوريا، إذ إن اتساع الفارق بين كلفة شراء المشتقات من الأسواق الخارجية وسعر بيعها محليًا يمكن أن يشكل ضغطًا على تمويل الشحنات اللاحقة، ما يجعل الحفاظ على استمرارية التوريد جزءًا أساسيًا من أي مقاربة لملف الأسعار.
تبلغ كلفة تأمين المشتقات النفطية والغاز الطبيعي المستورد حاليًا نحو 25.2 مليون دولار يوميًا، وفق البيانات المعتمدة، وهو رقم يعكس حجم الموارد المطلوبة لاستمرار تدفق المواد المستوردة، ولا يمثل خسارة أو عجزًا أو دعمًا بالمعنى المالي.
ويضاف إلى ذلك عامل محلي يتمثل بأعمال الصيانة والتأهيل الشاملة «العمرة» الجارية في مصفاة بانياس، والتي تخفض بصورة مؤقتة قدرة التكرير المحلية، وتزيد الحاجة إلى تعويض جزء من المشتقات عبر الاستيراد في توقيت تشهد فيه المنتجات المكررة عالميًا ضغوطًا سعرية مرتفعة.
وتوضح المعطيات أن الإنتاج المحلي من النفط الخام، والمقدر حاليًا بنحو 100 ألف برميل يوميًا، لا يكفي وحده لحل معادلة الإمدادات، إذ تُقدر حاجة السوق بما يعادل نحو 300 ألف برميل يوميًا، كما أن أكثر من 75% من الخام المحلي المنتج من النوع الثقيل، فيما لا تغطي قدرات التكرير الحالية كامل احتياجات السوق من مختلف المشتقات.
وتضع هذه الظروف مسألة توفر المادة في صدارة التحديات، إذ لا تتوقف القضية عند إبقاء سعر المحروقات عند مستوى معين، وإنما تمتد إلى ضمان القدرة على تمويل التوريد واستمرار وصول الشحنات وتوفير الكميات التي تحتاجها السوق بصورة منتظمة.
وتبرز في المقابل حساسية أي تعديل في أسعار المحروقات بالنسبة إلى الأسر والقطاعات الاقتصادية، لأن أثر الوقود لا يبقى محصورًا بسعر البنزين والمازوت، بل يمكن أن ينتقل إلى أجور النقل وكلف الإنتاج والزراعة والسلع والخدمات، ما يجعل الحد من انتقال الزيادة إلى الاحتياجات الأساسية جزءًا موازيًا لأهمية ضمان الإمدادات.
وتفرض هذه المعادلة أن تترافق إدارة أسعار المحروقات مع إجراءات تضبط أي زيادات غير مبررة في أجور النقل والأسواق، وتحمي المواد الأساسية، بحيث لا تتحول زيادة كلفة الطاقة إلى مبرر لارتفاعات تتجاوز أثرها الفعلي في كلفة السلع والخدمات.
وتؤكد آلية التسعير في الوقت ذاته أن حركة الأسعار لا يفترض أن تسير في اتجاه واحد، إذ تخضع للمراجعة وفق مجموعة من المؤشرات تشمل أسعار المشتقات العالمية وكلفة الشحن والتأمين وسعر الصرف، إلى جانب مستويات الإنتاج والتكرير المحليين.
وتظهر تجربة حزيران وتموز من عام 2026 إمكانية تحرك الأسعار في الاتجاه الآخر، بعدما خُفضت أسعار بعض المشتقات مع تغير مؤشرات الكلفة، ما يجعل المراجعة مرتبطة بتطور العوامل المؤثرة في تأمين المادة وليس بعامل واحد أو بمدة زمنية محددة.
وتبقى المعادلة الأصعب في سوق المحروقات السورية متمثلة في تحقيق توازن بين سعر يمكن للسوق والمواطن تحمل آثاره، وكلفة تسمح باستمرار تأمين المشتقات وعدم تعريض الإمدادات للضغط، بالتوازي مع العمل على زيادة الإنتاج والتكرير المحليين وتقليل الاعتماد على الاستيراد تدريجيًا.