هل كان الفرح بالعقوبة أم بانتهاء زمن الإفلات من العقاب؟
هل كان الفرح بالعقوبة أم بانتهاء زمن الإفلات من العقاب؟
● آراء ومقالات ١٣ أغسطس ٢٠٢٦

هل كان الفرح بالعقوبة أم بانتهاء زمن الإفلات من العقاب؟

أثار صدور أحكام بالإعدام بحق الإرهابي الفار بشار الأسد وعاطف نجيب وعدد من المسؤولين السابقين في نظام الأسد البائد حالة من الارتياح والفرح لدى سوريين تابعوا القضية، وخصوصاً بين ضحايا الانتهاكات وعائلاتهم وشرائح عاشت سنوات طويلة وهي تنتظر رؤية شخصيات ارتبطت بالقمع والقتل والتعذيب أمام القضاء.

ويستحق هذا التفاعل قراءة تتجاوز الحكم نفسه، لأن السؤال الأهم هنا يتعلق بما مثّله صدور الأحكام في الذاكرة السورية، ولماذا يحمل مشهد محاسبة مسؤول سابق معنى استثنائياً في بلد عاش مواطنوه لعقود تحت سلطة كان فيها أصحاب النفوذ الأمني والسياسي بعيدين عن أي مساءلة حقيقية.

فالفرح الذي ظهر بعد الأحكام لا يمكن اختزاله في تأييد عقوبة الإعدام، ولا يمكن التعامل معه باعتباره موقفاً حقوقياً من هذه العقوبة، إذ تبدو جذوره أعمق بكثير، وترتبط بتراكم طويل من الغضب والشعور بالظلم، وبذاكرة آلاف الضحايا الذين انتظروا سنوات كي يسمعوا القضاء يحدد مسؤولية أشخاص كانت أسماؤهم مرتبطة في الوعي السوري بمرحلة من الانتهاكات والإفلات من العقاب.

حين كان المسؤول فوق المساءلة

عاش السوريون لعقود أمام معادلة واضحة، كان فيها المواطن قادراً على مواجهة أجهزة تمتلك صلاحيات واسعة، بينما كانت إمكانية مساءلة المسؤول الأمني أو السياسي محدودة إلى حد بعيد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات ترتبط مباشرة بمراكز النفوذ والقرار.

وأسهمت هذه البيئة في تكريس شعور عام بأن السلطة تمنح حصانة، وأن الضحية قد تعرف من اعتقلها أو عذبها أو أصدر الأوامر بحقها، لكنها لا تمتلك طريقاً فعلياً للوصول إليه عبر القضاء.

لهذا تحمل صورة المسؤول السابق داخل قاعة المحكمة معنى يتجاوز شخصه، فالمشهد يقلب علاقة اعتادها السوريون طويلاً، ويضع صاحب النفوذ السابق في موقع يخضع فيه للتحقيق والأدلة والشهادات والحكم.

وتظهر أهمية هذه الصورة بصورة أكبر عندما يصل الأمر إلى رأس السلطة السابق، فإدانة بشار الأسد وفق ما خلصت إليه المحكمة، وتحميله مسؤولية مرتبطة بموقعه كصاحب القرار الأعلى وتسخيره أجهزة الدولة، تحمل دلالة خاصة لدى مجتمع ارتبطت تجربته طوال عقود بتركيز السلطات في رأس النظام وأجهزته.

عاطف نجيب.. اسم يعيد السوريين إلى درعا

ويحمل اسم عاطف نجيب ثقلاً رمزياً خاصاً في الذاكرة السورية، بالنظر إلى موقعه كرئيس لفرع الأمن السياسي في درعا عند انطلاق الاحتجاجات عام 2011، وارتباط اسمه بالأحداث التي سبقت واتسعت معها الاحتجاجات في المحافظة.

ولهذا يصعب فصل ردود الفعل على الحكم بحقه عن صور درعا الأولى، وعن الأطفال المعتقلين، والاحتجاجات التي طالبت بالإفراج عنهم، والمسجد العمري، والضحايا الذين سقطوا خلال المواجهة الأمنية مع المحتجين.

وبالنسبة إلى كثير من السوريين، يعيد اسم نجيب إلى الذاكرة واحدة من اللحظات التي غيرت تاريخ البلاد، حين خرجت احتجاجات درعا واتسعت لاحقاً إلى مناطق سورية عديدة، قبل أن تدخل البلاد سنوات طويلة من الحرب في سوريا بكل ما حملته من قتل واعتقال ونزوح ولجوء وفقدان.

ويفسر هذا البعد الرمزي جانباً من التفاعل مع الحكم، لأن السوري الذي يستعيد أحداث درعا لا يقرأ اسم عاطف نجيب كشخصية أمنية سابقة فقط، وإنما يربطه ببداية سلسلة طويلة من الأحداث التي غيرت حياة ملايين السوريين.

فرح الضحية له سياقه

من السهل النظر إلى مشاهد الفرح بالحكم من زاوية مجردة، ومن الأصعب فهمها بعيداً عن تجارب أصحابها.

فكيف يستقبل معتقل سابق خبراً عن إدانة مسؤول ارتبط اسمه بالجهاز الذي اعتقله أو عذبه؟، وكيف تسمع أم فقدت ابنها خبراً يقول إن شخصيات كانت في أعلى مستويات السلطة أصبحت موضع إدانة قضائية؟، وكيف تتعامل عائلة مفقود مع مشهد انهيار الحصانة التي أحاطت طوال سنوات بمسؤولين عجزت العائلات حتى عن السؤال عن أبنائها أمام أجهزتهم؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذه الأسئلة، ولا يشعر جميع الضحايا بالطريقة نفسها، لكن فهم ردود الفعل يتطلب الاعتراف بحجم التجربة التي سبقتها.

وقد يحمل الفرح هنا معنى الاعتراف، فالضحية التي عاشت سنوات وهي تروي ما حدث معها قد ترى في الحكم إقراراً مؤسساتياً بأن الجريمة وقعت وأن هناك مسؤولاً عنها، بعد مرحلة طويلة شعر خلالها كثير من السوريين بأن العدالة بعيدة أو مستحيلة.

فرح بالمحاسبة أكثر من العقوبة؟

هنا يظهر السؤال الأكثر حساسية: هل فرح السوريون لأن العقوبة كانت الإعدام، أم لأن أشخاصاً اعتقدوا طويلاً أنهم خارج نطاق المحاسبة أصبحوا محكومين أمام القضاء؟

يصعب تعميم إجابة واحدة، فهناك بالتأكيد من يرى في الإعدام عقوبة مستحقة، وهناك من يعارض هذه العقوبة من حيث المبدأ، وهناك ضحايا قد تكون أولوياتهم مختلفة تماماً، بدءاً من معرفة مصير أبنائهم وصولاً إلى استعادة الحقوق وجبر الضرر.

لكن جانباً مهماً من التفاعل يمكن فهمه من خلال معنى المحاسبة ذاتها، فمشاهدة مسؤول سابق أمام المحكمة تحمل بالنسبة إلى السوريين رسالة كانت غائبة طويلاً: الموقع السياسي والأمني لا يوفر حصانة أبدية، وصاحب السلطة يمكن أن يصبح مطالباً بالإجابة عن أفعاله أمام القضاء.

وهذه الرسالة أكثر أهمية لمستقبل سوريا من طبيعة العقوبة نفسها، لأن العقوبات ترتبط بالقانون وبالأحكام القضائية وطرق الطعن والمراجعة، بينما يشكل مبدأ خضوع أصحاب السلطة للقضاء قاعدة يجب أن تستمر مع تغير الحكومات والمسؤولين.

ماذا يعني الحكم لعائلات المفقودين؟

يبقى الاحتفاء بأي حكم ناقصاً بالنسبة إلى آلاف العائلات التي لا تزال تنتظر جواباً عن السؤال الأكثر إيلاماً: أين أبناؤنا؟

فبالنسبة إلى عائلة مفقود، قد تكون معرفة الحقيقة أكثر إلحاحاً من أي عقوبة، وقد يكون العثور على معلومة موثوقة حول مكان الاعتقال أو المصير أو مكان الدفن خطوة انتظرتها سنوات طويلة.

ومن هنا تظهر حدود المحاكمات إذا جرى التعامل معها باعتبارها المقياس الوحيد للعدالة، فالمحاسبة القضائية ركن أساسي، إلا أن التجربة السورية تحمل ملفات أوسع تتعلق بالمفقودين والمختفين قسرياً والمعتقلين السابقين والممتلكات والمهجرين والناجين من التعذيب وعائلات الضحايا.

وتحتاج الدولة إلى تحويل الزخم الذي تصنعه المحاكمات إلى عمل مؤسساتي في هذه الملفات، لأن الضحية تحتاج إلى العدالة والحقيقة معاً، وتحتاج أيضاً إلى ضمانات تجعل ما تعرضت له غير قابل للتكرار.

الاختلاف حول الإعدام مشروع

من المتوقع أن تواجه أحكام الإعدام اعتراضات من منظمات حقوقية وجهات دولية ترفض هذه العقوبة من حيث المبدأ، وسيكون من الخطأ قراءة كل اعتراض من هذا النوع باعتباره دفاعاً عن بشار الأسد أو عاطف نجيب أو غيرهما من المدانين.

فالخلاف حول عقوبة الإعدام قائم في العالم منذ عقود، وتتبنى دول ومنظمات حقوقية مواقف رافضة لها حتى عند التعامل مع أشخاص مدانين بجرائم بالغة الخطورة.

ويمكن للسوري الذي يريد محاسبة المسؤولين عن الجرائم أن يختلف مع منظمة حقوقية حول العقوبة، كما يمكن للمنظمة نفسها أن تطالب بالمحاسبة والمحاكمة وتعارض تنفيذ حكم الإعدام، ولا يوجد تناقض بالضرورة بين الموقفين.

ويخدم الاعتراف بهذا الاختلاف صورة سوريا أكثر من الدخول في مواجهة مع المنتقدين، لأن الدولة التي تسعى إلى تثبيت استقلال قضائها تستطيع الدفاع عن مسار العدالة وإجراءاته، واحترام النقاش الحقوقي في الوقت ذاته.

المحاكمة العادلة حق للضحية أيضاً

قد تبدو عبارة "حقوق المتهم" ثقيلة على شخص تعرض للتعذيب أو فقد أحد أفراد عائلته، خصوصاً عندما يكون المتهم شخصية ارتبط اسمها بانتهاكات واسعة، إلا أن ضمان هذه الحقوق يصب في النهاية في قوة قضية الضحية نفسها.

فالحكم الذي يستند إلى أدلة وشهادات وتحقيقات، ويصدر بعد إتاحة حق الدفاع واستكمال الإجراءات القانونية، يحمل وزناً أكبر من حكم تحركه الرغبة في الانتقام.

وتحتاج سوريا إلى هذا الفارق تحديداً، لأنها تحاول بناء مؤسسات مختلفة عن تلك التي عرفها السوريون خلال حكم نظام الأسد البائد، ويصبح من غير المنطقي مواجهة إرث المحاكمات الصورية والاعتقال التعسفي بإجراءات تكرر الممارسات ذاتها مع خصوم المرحلة السابقة.

وتزداد أهمية الضمانات مع خطورة العقوبة، ولذلك فإن احترام درجات التقاضي وطرق الطعن والمراجعة القانونية والدقة في الأدلة يحمي حقوق المتهم ويحمي الحكم وحقوق الضحايا في الوقت نفسه.

من المسؤول إلى الجماعة.. خط أحمر

يحمل الغضب المتراكم خطراً آخر إذا خرج من إطار القضاء، وهو انتقال المسؤولية من الشخص الذي ارتكب الجريمة إلى عائلته أو طائفته أو منطقته أو الجماعة التي ينتمي إليها.

وهنا تصبح المحاكمات وسيلة لحماية المجتمع أيضاً، لأنها تحدد اسماً وفعلاً وأدلة ومسؤولية، وتمنع تحويل الانتماء إلى أساس للعقوبة.

فعاطف نجيب يُحاسب على ما تنسبه إليه المحكمة وما تثبته الأدلة، وبشار الأسد يُحاسب على مسؤوليته الشخصية والقيادية التي يحددها القضاء، ولا تنتقل هذه المسؤولية إلى شخص آخر لمجرد رابطة عائلية أو اجتماعية أو طائفية أو مناطقية.

وترسيخ هذا المفهوم يمثل إحدى أهم ضمانات السلم الأهلي في سوريا، لأن البديل عنه هو فتح أبواب الاتهام الجماعي والثأر، وهي أبواب يعرف السوريون جيداً حجم الكلفة التي يمكن أن تنتج عنها.

العدالة التي تمنع الانتقام

يمنح القضاء المجتمع طريقاً مختلفاً للتعامل مع إرث الجرائم، فالضحية تستطيع تقديم شهادتها، والنيابة تعرض أدلتها، والمتهم يقدم دفاعه، والمحكمة تحدد المسؤولية، ثم تستكمل الإجراءات وفق القانون.

وكلما وثق السوريون بهذا الطريق، تراجعت مساحة الثأر الفردي والجماعي.

لهذا تقع على الدولة مسؤولية كبيرة في حماية استقلال القضاء، وتجنب تحويل المحاكمات إلى مهرجانات سياسية أو مناسبات لإعلان الانتصار، لأن القيمة الحقيقية لهذه القضايا تأتي من قدرتها على إقناع السوريين بأن المؤسسة القضائية أصبحت المكان الذي يستعيدون فيه حقوقهم.

وتقع مسؤولية مشابهة على الإعلام، الذي ينبغي أن يضع منطوق الأحكام وإجراءاتها ووضعها القانوني في المقدمة، وأن يمنح الضحايا مساحة تحترم كرامتهم، وأن يتجنب خطاب التشفي والتحريض وتعميم المسؤولية.

ماذا بعد بشار الأسد وعاطف نجيب؟

سيكون السؤال الذي يلي الأحكام أكثر صعوبة من السؤال الذي سبقها: هل تستطيع سوريا تحويل هذه القضايا إلى نهج دائم للمحاسبة؟

فمصداقية العدالة الانتقالية ستتحدد من خلال الاستمرارية والمساواة أمام القانون، وليس من خلال عدد محدود من القضايا المرتبطة بأسماء معروفة.

وسيكون على القضاء والمؤسسات المعنية التعامل مع إرث ضخم من الملفات والأدلة والشهادات، وتحديد الأولويات، وحماية الوثائق، والاستماع إلى الضحايا، والوصول إلى المتهمين، والتعامل مع قضايا المفقودين والمختفين قسرياً، إضافة إلى تطوير برامج جبر الضرر وإصلاح المؤسسات.

وسيكون معيار النجاح الأكثر حساسية هو قدرة الدولة على تطبيق مبدأ المحاسبة على أي شخص تثبت مسؤوليته عن انتهاك، بعيداً عن موقعه وانتمائه وعلاقته بالسلطة، لأن العدالة تفقد معناها عندما تصبح انتقائية.

ما يستحق أن يبقى من لحظة الفرح
يمكن فهم فرح سوريين بالأحكام من خلال تاريخ طويل من الألم والعجز عن الوصول إلى العدالة، ويمكن أيضاً احترام موقف من يعارض عقوبة الإعدام ويرى أن المحاسبة يمكن أن تتحقق بعقوبات أخرى.

غير أن القيمة الأهم لهذه اللحظة ستظهر فيما يأتي بعدها.
فالضحية التي فرحت اليوم بالحكم تحتاج غداً إلى معرفة مصير مفقودها، والمعتقل السابق يحتاج إلى اعتراف وإنصاف وجبر للضرر، والمجتمع يحتاج إلى مؤسسات تمنع عودة التعذيب والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، والدولة تحتاج إلى قضاء يستطيع مستقبلاً محاسبة أي صاحب سلطة إذا تجاوز القانون.

وعند هذه النقطة يمكن فهم جانب كبير من الفرح الذي رافق الأحكام، فهو تعبير عن كسر صورة رسخت لعقود في ذهن السوري، صورة المسؤول الذي يأمر ولا يُسأل، وصاحب النفوذ الذي لا يصل إليه القضاء، والضحية التي تحمل قصتها وحدها من دون إنصاف.

ويبقى التحدي أمام سوريا أن تحول هذه اللحظة من شعور بالانتصاف إلى قاعدة مؤسساتية دائمة، يكون فيها القانون أعلى من صاحب المنصب، وتكون المسؤولية فردية، ويحصل الضحايا على الحقيقة والإنصاف، ويعرف كل مسؤول حالي أو قادم أن السلطة لا تمنحه حصانة من المساءلة.

عندها يصبح المعنى الأعمق للأحكام واضحاً، فالمكسب الذي يحتاج السوريون إلى حمايته هو انتهاء زمن يستطيع فيه صاحب القرار أن يضع نفسه فوق القانون، وبدء زمن تصبح فيه المحاسبة حقاً للضحايا وضمانة للمجتمع وقاعدة لبناء الدولة.

الكاتب: أحمد نور الرسلان
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ