ماهر شرف الدين يقف متفاخراً أمام إحدى دبابات الجيش العربي السوري التي استهدفها قصف إسرائيلي في السويداء.
ماهر شرف الدين يقف متفاخراً أمام إحدى دبابات الجيش العربي السوري التي استهدفها قصف إسرائيلي في السويداء.
● آراء ومقالات ٢٦ يوليو ٢٠٢٦

ماهر شرف الدين وخطاب التخويف الطائفي في السويداء

لا تبدو المنشورات الطائفية التي يكتبها ماهر شرف الدين موجهة إلى أبناء السنّة بقدر ما تخاطب جمهوراً داخل السويداء. فالسنّة يظهرون في هذا الخطاب بوصفهم خصماً جماعياً، تُستخدم صورته لتخويف أبناء الطائفة الدرزية وإقناعهم بأن محيطهم السوري يشكل تهديداً دائماً لهم.

يعتمد شرف الدين على حوادث وانتهاكات تقع في مناطق مختلفة، ثم ينقلها من إطارها الفردي أو المحلي إلى اتهام طائفي واسع. وبدلاً من تحديد المسؤولية بشخص أو مجموعة مسلحة، تتحول الواقعة في منشوراته إلى دليل على طبيعة جماعة كاملة، ويصبح ملايين السوريين مسؤولين عن أفعال لم يشاركوا فيها.

بعد ذلك ينقل شرف الدين هذه الصورة إلى داخل السويداء، مستخدماً عبارات مثل «يا أهل السويداء»، ليقول لأبناء المحافظة إن ما يعرضه عليهم هو المصير الذي كان ينتظرهم لو عاد حضور مؤسسات الدولة أو تغيرت موازين القوى داخل المحافظة.

وفي أحد منشوراته، جمع أخباراً قال إنها توثق اعتداءات تعرض لها علويون خلال يوم واحد، ثم ادعى أن هذه الوقائع تبين لأهالي السويداء كيف كانت ستصبح حياتهم لو دخلت القوات الحكومية إلى المحافظة. هنا لم تعد الحوادث مرتبطة بالضحايا أو بمحاسبة مرتكبيها، وإنما تحولت إلى مادة سياسية هدفها ترسيخ الخوف.

مخاطبة السنّة أمام جمهور السويداء

يبدأ شرف الدين بعض منشوراته بعبارة «يا سنّة سوريا»، لكن مضمونها لا يتضمن حواراً فعلياً أو محاولة للإقناع. فالأسئلة التي يطرحها تأتي غالباً بصيغة الاتهام، وتطالب أبناء الطائفة السنية بتفسير أفعال ارتكبها أفراد أو مجموعات محددة.

وتبدو هذه المخاطبة أقرب إلى عرض سياسي موجه إلى جمهور آخر. فالسنّة هم الطرف الذي يجري اتهامه علناً، لكن الرسالة الأساسية تصل إلى أبناء السويداء، ومضمونها أن الخلاف مع بقية السوريين ليس سياسياً أو مرتبطاً بجهات محددة، وإنما عداء طائفي مستمر، وحتى يصل على اعتباره عداء وجودي.

كما يستفيد هذا الخطاب من ردود الفعل التي يثيرها. فكل شتيمة طائفية أو رد غاضب يمكن اقتطاعه وإعادة نشره، ثم تقديمه دليلاً على صحة التحذيرات التي يكررها شرف الدين. وبهذا يصنع الخطاب الاستفزاز، ثم يستخدم نتائجه لتبرير المزيد منه.

عزل المحافظة عن الروايات المخالفة

يترافق خطاب التخويف مع محاولة لعزل أبناء السويداء عن المصادر التي قد تقدم رواية مختلفة. فقد حذر شرف الدين سكان المحافظة من التعامل، حسب وصفه، «ببراءة وحسن نية» مع الإعلام العربي، ووضع مؤسسات إعلامية مختلفة في خانة العداء من دون تمييز بين خبر موثق ومعلومة خاطئة.

وتخدم هذه اللغة بناء دائرة معلومات مغلقة، يصبح فيها كل مصدر مخالف جزءاً من مؤامرة، وكل رواية لا تنسجم مع خطاب ميليشيات الهجري رواية معادية للمحافظة والطائفة.

ولا يعود المطلوب من الجمهور مقارنة المعلومات أو التحقق منها، وإنما رفض ما يأتي من الخارج مسبقاً، ثم الاعتماد على المصادر المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري والقوى المتحالفة معه.

إخفاء الخلافات داخل السويداء

يسعى شرف الدين أيضاً إلى تقديم السويداء باعتبارها كتلة واحدة تقف خلف الهجري. وقد ادعى في أحد منشوراته أن موقف الأخير أصبح موقف «كل أهل الجبل»، بمن فيهم من لم يكونوا مؤيدين له سابقاً.

غير أن المحافظة تضم اتجاهات سياسية واجتماعية متعددة، كما ظهرت خلال الأشهر الماضية مؤشرات تذمر مرتبطة بتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية والأمنية واستمرار حالة الجمود.

وبرزت الخلافات بصورة أوضح في ملف طلاب الشهادات العامة، بعدما تحول مكان الامتحانات وآلية وصول الطلاب إليها إلى قضية سياسية وأمنية، وسط تقارير عن ضغوط وقطع للطرقات، ومطالبات بإبعاد التعليم ومستقبل الطلاب عن التجاذبات.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو الحديث عن موقف موحد لكل سكان السويداء محاولة لتغطية التململ الداخلي وحماية القوى المسيطرة من المساءلة.

الخوف لحماية النفوذ

لا يناقش شرف الدين كثيراً نتائج الخيارات السياسية والعسكرية المتبعة داخل السويداء، ولا يتوقف عند آثارها على حياة السكان والاقتصاد والتعليم والخدمات. وبدلاً من ذلك، يعيد توجيه النقاش نحو خطر خارجي مفترض.

وتقوم الرسالة على أن الاعتراض على الأوضاع الداخلية قد يضعف المحافظة أمام عدو طائفي، وأن انتقاد الهجري أو التشكيلات التابعة له يهدد أمن أبناء الطائفة. وبهذا يتحول الخوف إلى أداة لضبط الجمهور، ويصبح الاختلاف السياسي تهديداً وجودياً.

ولا يحتاج هذا الخطاب إلى تقديم أدلة تثبت عداء السوريين للدروز. يكفيه انتقاء حوادث محددة، وحذف ظروفها وهوية مرتكبيها ومواقف المجتمع منها، ثم تقديمها ضمن رواية جاهزة.

لا يدافع هذا الأسلوب عن أبناء السويداء بقدر ما يعزلهم عن محيطهم، ويلغي حقهم في الاختلاف، ويبرر استمرار نفوذ ميليشيات الهجري. فالدفاع عن الضحايا يتطلب تحديد المسؤولين عن الانتهاكات ومحاسبتهم، ولا يحتاج إلى اتهام طائفة كاملة أو تحميل ملايين الأشخاص مسؤولية جرائم أفراد.

ويكشف مجمل خطاب ماهر شرف الدين أن استفزاز السنّة ليس غايته النهائية، وإنما وسيلة لصناعة خصم دائم وشد العصب الداخلي. أما الهدف السياسي الأوسع، فيبدو مرتبطاً بمنع التململ داخل السويداء من التحول إلى مراجعة حقيقية للواقع الذي وصلت إليه المحافظة.

الكاتب: أحمد ابازيد - رئيس تحرير شبكة شام
مشاركة: 
الكلمات الدليلية:

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ