أموال المفقود في القانون السوري.. متى تنتقل إلى الورثة وماذا يحدث إذا عاد حياً؟
أموال المفقود في القانون السوري.. متى تنتقل إلى الورثة وماذا يحدث إذا عاد حياً؟
● مجتمع ٩ سبتمبر ٢٠٢٦

أموال المفقود في القانون السوري.. متى تنتقل إلى الورثة وماذا يحدث إذا عاد حياً؟

يترك اختفاء شخص دون معرفة مصيره سلسلة من المسائل القانونية التي لا تتوقف عند البحث عنه، بل تمتد إلى أمواله وعقاراته وحقوق أسرته وميراثه ووضع زوجته، إذ لا يعتبر القانون مجرد الغياب دليلاً على الوفاة، ولا تنتقل ممتلكات المفقود تلقائياً إلى ورثته مهما امتدت فترة اختفائه.

وتبقى أموال المفقود، من حيث الأصل، مسجلة باسمه إلى أن يحسم القضاء وضعه وفق الإجراءات القانونية، الأمر الذي قد يضع أسرته أمام سنوات من الانتظار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعقار أو مركبة أو أموال تحتاج إلى إدارة وتصرف، في وقت تبقى فيه احتمالات عودة المفقود قائمة ما لم يصدر حكم قضائي بوفاته.

قال محمد معتز العلي، المحامي الأستاذ في نقابة المحامين بإدلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن أحكام الغائب والمفقود ينظمها قانون الأحوال الشخصية السوري، وتدخل ضمن اختصاص قاضي الأحوال الشخصية في منطقة سكن المفقود.

الملكية تبقى باسم المفقود

أوضح العلي أن نقل ملكية العقارات أو المركبات يتطلب، بصورة عامة، حضور صاحب العلاقة أمام الجهة المختصة، أو وجود وكالة قانونية تخول شخصاً آخر إجراء المعاملة نيابة عنه، وفي حال تعذر ذلك يكون اللجوء إلى القضاء ضرورياً للحصول على حكم يسمح بإجراء نقل الملكية وفق الحالة القانونية القائمة.

وبيّن أنه نتيجة غياب المفقود وعدم قدرته على الحضور أمام الجهات المعنية، تبقى ممتلكاته مسجلة باسمه ما لم يصدر حكم قضائي يرتب أثراً قانونياً على ملكيتها، أو يصدر حكم بوفاته يتبعه حصر إرث يتيح نقل الأموال إلى مستحقيها.

وأكد أن الأصل، ما دام وضع المفقود لم يُحسم قضائياً، هو بقاء أمواله وحقوقه له وعدم جواز التصرف بها باعتبارها أموالاً موروثة، فيما يمكن أن تترتب إشكالات قانونية على عمليات التأجير أو الاستثمار أو البيع العرفي التي تجري من دون سند قانوني أو تفويض من صاحب الحق.

وأشار إلى أن المادة 205 من قانون الأحوال الشخصية السوري تفرق في مسألة الحكم بوفاة المفقود بين الظروف العادية والاستثنائية، موضحاً أنه في الحالات العادية يرتبط الحكم ببلوغه سناً لا يعيش إلى مثلها أقرانه، فيما حددها النص الذي استند إليه بأقران يبلغون سن الثمانين عاماً.

وأضاف أن التعامل يختلف في الظروف الاستثنائية المرتبطة بالحرب والكوارث، إذ يمكن اللجوء إلى القضاء بطلب الحكم بوفاة المفقود، مع تقديم الأدلة المتاحة من شهود وضبوط شرطة وغيرها، ليترتب الحكم وفق المدد والشروط القانونية المتعلقة بتاريخ الفقد أو آخر خبر ثابت عن حياته.

من حكم الوفاة إلى انتقال الإرث

ذكر العلي أن صدور الحكم بالوفاة لا يؤدي وحده إلى توزيع الممتلكات بصورة مباشرة، إذ يرسل الحكم إلى السجل المدني لتسجيل الوفاة أصولاً، ثم يتقدم أحد الورثة إلى القضاء للحصول على وثيقة حصر إرث تحدد المستحقين وحصصهم.

وأضاف أن حصر الإرث يتيح بعد ذلك استكمال معاملات انتقال الملكية، سواء لدى المصالح العقارية بالنسبة إلى العقارات، أو مديريات النقل بالنسبة إلى المركبات، وبذلك تنتقل أموال المفقود المحكوم بوفاته إلى ورثته وفق الإجراءات القانونية المقررة.

وأوضح أن الحكم بوفاة المفقود يرتب آثاراً أسرية أيضاً، إذ تبدأ بالنسبة إلى الزوجة الأحكام المتعلقة بعدة الوفاة، ومدتها أربعة أشهر وعشرة أيام وفق الحالة التي تناولها القانون.

ولفت إلى أن المسألة تصبح أكثر تعقيداً عندما يكون للمفقود حق في تركة شخص آخر توفي خلال فترة غيابه، إذ تبقى حصته الإرثية محل معالجة قانونية مرتبطة بإثبات ما إذا كان حياً عند وفاة المورث، وبما يترتب على الحكم بوفاته وتاريخ الوفاة المعتمد قضائياً.

ماذا لو عاد المفقود بعد إعلان وفاته؟

أوضح العلي أن ظهور المفقود حياً بعد صدور حكم قضائي بوفاته يفتح الباب أمام إبطال حكم الوفاة وإعادة تصحيح وضعه القانوني، بما يشمل الآثار التي ترتبت على الحكم السابق ضمن الحدود التي يحددها القانون.

وبيّن أن الشخص العائد يستطيع استرداد ما بقي قائماً بعينه من أمواله وممتلكاته لدى الورثة، بينما تخضع الأموال التي جرى التصرف بها أو استهلاكها بعد الحكم القضائي للقواعد القانونية المتعلقة بحسن نية الورثة وطبيعة التصرفات التي أجروها استناداً إلى الحكم.

وأشار إلى أن عودة المفقود قد تطرح كذلك مسائل مرتبطة بالوضع الزوجي، ولا سيما إذا كانت الزوجة قد تزوجت بعد الحكم بوفاته، إذ تختلف النتائج القانونية تبعاً لوقوع الزواج الثاني والدخول وحسن النية والظروف المرتبطة بكل حالة.

وتحدث العلي عن إمكانية لجوء زوجة المفقود، بصورة مستقلة عن إجراءات إعلان الوفاة، إلى دعوى التفريق لعلة الغياب وفق الشروط القانونية، موضحاً أنها تستطيع بعد المدة التي يحددها القانون إقامة الدعوى وتقديم ما يثبت غياب الزوج أو فقده، من شهود أو ضبط شرطة، للحصول على حكم قضائي بالتفريق.

سنوات من الغياب تجمّد حياة الأسر

حدد العلي أبرز الصعوبات التي تواجه عائلات المفقودين في بقاء الملكيات معلقة وعدم القدرة على إجراء معاملات قانونية عليها بسهولة، إلى جانب ضعف المعرفة بالإجراءات المطلوبة، وصعوبة اتخاذ قرار بالمضي نحو الحكم بالوفاة في ظل استمرار أمل الأسرة بعودة المفقود.

وأضاف أن الخلاف بين الورثة حول اتخاذ الإجراءات القضائية يمثل عقبة أخرى، إلى جانب التكاليف المالية المترتبة على الدعاوى والمعاملات القانونية، ما قد يؤدي إلى استمرار تجميد الأموال لفترات طويلة.

وأكد أن معالجة هذه المشكلات تحتاج إلى تعزيز التوعية القانونية ودعم برامج المساعدة القضائية لعائلات المفقودين، بما يشمل دعاوى الحكم بالوفاة وحصر الإرث ومعاملات انتقال الملكية وغيرها من الإجراءات المرتبطة بهذا الملف.

ولا يخلّف المفقود وراءه فراغاً إنسانياً داخل أسرته فحسب، بل يترك أيضاً أموالاً وحقوقاً وعلاقات قانونية معلقة بين احتمال العودة وإمكان الحكم بالوفاة، وهو ما يجعل الكشف عن مصير المفقودين وحسم أوضاعهم القانونية قضية تتصل بحياة آلاف الأسر وحقوقها واستقرارها، وليس بمجرد تسجيل واقعة غياب أو وفاة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ