٢٤ أبريل ٢٠٢٦
ليس من السهل اختزال مشهد اعتقال "أمجد يوسف" في خبر أمني عابر، أو التعامل معه كحدث منفصل عن سياق طويل من الألم والذاكرة الثقيلة، فما جرى بالتأكيد يتجاوز فكرة "إلقاء القبض على متهم أو شخص عادي"، بل أمام أحد مرتكبي واحدة من أكثر المجازر إيلاماً في تاريخ سوريا الجريحة.
لسنوات، بقيت مجزرة التضامن جرحاً مفتوحاً في الوعي السوري، لم تكن جريمة غامضة أو رواية متنازع عليها، بل واقعة موثقة بالصوت والصورة، شاهدة على مستوى غير مسبوق من العنف، ومع ذلك، ظل الفاعل معروفاً دون أن يُحاسب، وكأن الزمن كفيل بطمس الجرائم أو تخفيف وطأتها، لكن الزمن، في قضايا كهذه، لا يُنهي شيئاً… بل يراكم الغضب والأسئلة.
اليوم، مع هذا الاعتقال، يتغير المشهد جزئياً، ليس لأن العدالة تحققت، بل لأن أول خطوة فيها وُضعت على الأرض، الفارق كبير بين أن تبقى الجرائم في أرشيف التقارير، وبين أن تتحول إلى ملفات قضائية تبدأ بأسماء وتنتهي بأحكام، هنا تحديداً تكمن أهمية ما حدث.
الأهم من الاعتقال نفسه، هو ما سيليه من محاسبة علنية لمجرمي الحرب، وإصدر الأحكام القضائية التي يستحقونها، وفي المقابل، لا يمكن تجاهل البعد المعنوي، بالنسبة لكثير من السوريين، يحمل هذا الاعتقال معنى يتجاوز السياسة والقانون، فهو لحظة استعادة جزئية للحق، أو على الأقل إحساس بأن الدم الذي سُفك لم يُنسَ بالكامل، في مجتمعات خرجت من صدمات عميقة، تلعب هذه اللحظات دوراً في إعادة بناء الثقة، حتى لو كانت محدودة.
العدالة، بطبيعتها، بطيئة، لكنها أيضاً عنيدة، قد تتأخر، قد تتعثر، لكنها تظل مطلباً لا يسقط بالتقادم، واعتقال أمجد يوسف، بكل ما يحيط به من رمزية وثقل، يعيد تذكير الجميع بأن الملفات المفتوحة لا تُغلق بالصمت، وأن الجرائم الكبرى تظل تبحث عن طريقها إلى المحاسبة.
٢٣ أبريل ٢٠٢٦
لم يعد تطوير الذكاء الاصطناعي مرهوناً بالخوارزميات وحدها، بل بات مرتبطاً بقدرة الحواسيب على تجاوز قيودها الفيزيائية، مع تصاعد استهلاك الطاقة وتعقيد النماذج الحسابية.
في هذا السياق، يتجه البحث العلمي نحو نموذج مختلف جذرياً يقوم على محاكاة طريقة عمل الدماغ البشري، فيما يُعرف بالحوسبة العصبية، بوصفها أحد أبرز الحلول المطروحة لتجاوز اختناقات الأداء والطاقة في الأنظمة التقليدية.
معضلة الحوسبة التقليدية: عنق الزجاجة الطاقي
تعتمد الحواسيب التقليدية على نموذج von Neumann architecture، الذي يفصل بين وحدة المعالجة والذاكرة، ما يفرض نقل البيانات بشكل مستمر بين الطرفين، وهي عملية تستهلك قدراً كبيراً من الطاقة وتحدّ من سرعة الأداء.
عملياً، تبدو هذه الآلية أشبه بنقل ملفات بشكل متكرر بين موقعين مختلفين لإنجاز مهمة واحدة، بدلاً من العمل عليها في مكان واحد، وهو ما يؤدي إلى استهلاك مرتفع للطاقة وتأخير في التنفيذ.
وتشير تقديرات صادرة عن NVIDIA وGoogle إلى أن تدريب النماذج الكبيرة قد يستهلك طاقة تعادل استهلاك مئات المنازل سنوياً، ما يضع هذا النموذج أمام تحديات متزايدة.
نموذج بديل من الطبيعة: كيف يعمل الدماغ؟
يقدم الدماغ البشري نموذجاً مختلفاً، إذ لا يفصل بين التخزين والمعالجة، بل يعتمد على شبكة مترابطة من الخلايا العصبية والمشابك التي تؤدي الوظيفتين في الوقت ذاته.
فعند التعرف على وجه مألوف، لا تُنقل الصورة إلى وحدة معالجة منفصلة، بل تتغير قوة الروابط العصبية نفسها، ما يجعل التعرف أسرع وأكثر كفاءة مع التكرار، وباستهلاك طاقة منخفض للغاية يُقدّر بنحو 20 واط فقط.
هذا النمط هو ما تسعى الحوسبة العصبية إلى محاكاته إلكترونياً.
من النظرية إلى التطبيق: الميمريستور كنقطة تحول
برز الميمريستور كأحد أهم مكونات هذا التوجه، كونه قادراً على "تذكر" الإشارات السابقة، ما يجعله مناسباً لمحاكاة سلوك المشابك العصبية.
في التطبيقات العملية، يعني ذلك أن النظام لا يعيد الحسابات من الصفر في كل مرة، بل يبني على الأنماط التي تعلمها مسبقاً، ما يحسن الأداء تدريجياً مع تقليل استهلاك الطاقة.
وقد طورت HP Labs نماذج عملية لهذه التقنية، ما أتاح بناء دوائر إلكترونية تتصرف بطريقة أقرب إلى التعلم البيولوجي.
الحوسبة داخل الذاكرة: كسر القاعدة التقليدية
أحد أبرز تطبيقات هذا التوجه يتمثل في الحوسبة داخل الذاكرة، حيث تُجرى العمليات الحسابية في الموقع نفسه الذي تُخزن فيه البيانات، ما يقلل الحاجة إلى نقلها.
في أنظمة التعرف على الصوت مثلاً، يمكن معالجة الإشارة مباشرة داخل الذاكرة دون إرسالها إلى معالج منفصل، ما يسرّع الاستجابة ويخفض استهلاك الطاقة بشكل ملحوظ.
وتشير أبحاث صادرة عن Massachusetts Institute of Technology إلى أن هذا النهج قد يشكل تحولاً في كفاءة أنظمة الذكاء الاصطناعي.
من المختبر إلى الواقع: أمثلة تطبيقية
بدأت هذه المفاهيم تتحول إلى تطبيقات عملية عبر شركات ومراكز بحثية، مع تركيز واضح على تقليل استهلاك الطاقة وتحسين الاستجابة الفورية.
طورت Intel شريحة "Loihi" القادرة على التعلم المباشر داخل النظام، ما يتيح تشغيل روبوتات تتكيف مع بيئات جديدة دون الاعتماد على الاتصال السحابي المستمر.
كما قدمت IBM شريحة "TrueNorth"، التي أظهرت كفاءة عالية في تحليل الصور والفيديو مع استهلاك منخفض للطاقة، ما يجعلها مناسبة للأجهزة الصغيرة مثل الطائرات المسيرة.
وفي المجال الأكاديمي، تعمل Stanford University على تطوير مواد نانوية تُستخدم في مستشعرات قادرة على التعلم من البيانات الحيوية بشكل مستمر، ما يعزز إمكانيات الأجهزة الطبية الذكية.
كيف يمكن أن نراها في حياتنا اليومية؟
تتجه هذه التقنيات نحو تطبيقات مباشرة في الحياة اليومية، خصوصاً في الأجهزة التي تتطلب استجابة فورية وكفاءة طاقة عالية.
قد تتمكن الهواتف الذكية من معالجة الصور وفهمها محلياً دون الحاجة إلى إرسالها إلى الإنترنت، ما يعزز الخصوصية ويقلل استهلاك البيانات.
وفي السيارات ذاتية القيادة، يمكن للأنظمة اتخاذ قرارات آنية دون الاعتماد على الاتصال بالشبكة، وهو عامل حاسم في السلامة.
كما تتيح هذه التقنيات تطوير أجهزة طبية قابلة للارتداء قادرة على تحليل البيانات الحيوية وتقديم تنبيهات مبكرة بشكل مستقل.
التحديات التقنية: ما الذي يعيق الانتشار؟
رغم الإمكانات الكبيرة، لا تزال الحوسبة العصبية في مراحل التطوير، إذ تواجه تحديات تتعلق بدقة تصنيع المكونات واستقرارها الفيزيائي.
كما يتطلب تبنيها تطوير نماذج برمجية جديدة تختلف عن الأنظمة التقليدية، ما يجعل الانتقال إليها عملية تدريجية قد تستغرق سنوات.
تحول تقني تفرضه حدود الطاقة
لا تمثل الحوسبة العصبية مجرد تحسين تقني، بل تعكس تحولاً في بنية الحوسبة نفسها، من أنظمة تنفذ التعليمات إلى أنظمة قادرة على التعلم والتكيف.
ومع تزايد الضغط الناتج عن استهلاك الطاقة في الذكاء الاصطناعي، يبدو أن هذا المسار لم يعد خياراً بحثياً فقط، بل ضرورة تقنية تفرضها حدود النماذج الحالية..
١٦ أبريل ٢٠٢٦
يشهد قطاع الأمن السيبراني تحولاً جذرياً بفعل الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد أداة لتحسين الحماية، بل أصبح عاملاً مضاعفاً لقدرات المهاجمين أيضاً.
هذا التحول خلق بيئة رقمية معقدة تتسم بتسارع غير مسبوق في وتيرة الهجمات، واتساع نطاقها، وارتفاع كلفتها، ما يدفع خبراء التقنية إلى توصيف المرحلة الحالية بأنها “سباق تسلح رقمي” قائم على الذكاء الاصطناعي.
تسارع غير مسبوق في حجم الهجمات
تشير البيانات الحديثة إلى أن الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تشهد نمواً حاداً، حيث ارتفعت هذه الهجمات بنسبة 72% خلال عام 2025، مع تقديرات بخسائر عالمية تصل إلى 30 مليار دولار.
وفي السياق ذاته، أفادت تقارير أمنية بأن المؤسسات باتت تتعرض في المتوسط إلى نحو 1968 هجوماً أسبوعياً، بزيادة تقارب 70% مقارنة بعام 2023.
ولا يقتصر الأمر على العدد، بل يشمل الانتشار أيضاً، إذ أفاد 87% من خبراء الأمن السيبراني بأن مؤسساتهم تعرضت لهجمات تعتمد على الذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي، ما يعكس انتقال الهجمات من عمليات محدودة إلى حملات واسعة النطاق مدعومة بالأتمتة.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل أدوات الهجوم
التحول الأخطر يتمثل في طبيعة الهجمات نفسها، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تنفيذ مراحل كاملة من الهجوم بشكل مستقل.
ففي مجال التصيّد الإلكتروني، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من رسائل التصيّد أصبحت تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي، بينما تصل هذه النسبة في بعض الدراسات إلى 82.6% من الرسائل الاحتيالية.
كما أدى استخدام النماذج التوليدية إلى ارتفاع هجمات التصيّد بنسبة 1265% منذ 2023، نتيجة قدرتها على إنتاج رسائل دقيقة لغوياً ومخصصة لكل هدف.
وبالتوازي، سجلت هجمات التزييف العميق نمواً يتجاوز 2000% خلال السنوات الأخيرة، ما يفتح الباب أمام عمليات احتيال معقدة يصعب كشفها.
الأخطر من ذلك أن سرعة تنفيذ الهجمات ارتفعت بشكل كبير، حيث ساهم الذكاء الاصطناعي في تقليص زمن اختراق الأنظمة، إذ يمكن أن يبدأ تسريب البيانات خلال دقائق معدودة بعد الاختراق، ما يعني أن “نافذة الاستجابة” لدى فرق الأمن أصبحت ضيقة للغاية.
فجوة متزايدة في جاهزية المؤسسات
رغم هذا التصاعد، تكشف المؤشرات عن فجوة واضحة في قدرة المؤسسات على المواجهة، حيث يؤكد نحو 45% من مختصي الأمن السيبراني أنهم غير مستعدين للتعامل مع التهديدات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بينما يرى 62% من المدراء أن هذه الهجمات تمثل التحدي الأكبر حالياً.
كما يعتقد 76% من الخبراء أن الجرائم السيبرانية ستستمر في الارتفاع، وربما تصبح “صعبة الإيقاف” بسبب الذكاء الاصطناعي، ما يعزز فكرة أن التكنولوجيا تتطور بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على التكيف معها.
الدفاع بالذكاء الاصطناعي: ضرورة لا خيار
في المقابل، لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على المهاجمين، إذ تعتمد المؤسسات بشكل متزايد عليه لتعزيز قدراتها الدفاعية.
وتشير البيانات إلى أن 95% من المختصين يرون أن استخدام الذكاء الاصطناعي يحسّن سرعة الكشف والاستجابة للهجمات بشكل كبير.
ويُستخدم هذا النهج في تحليل سلوك المستخدمين والشبكات للكشف المبكر عن الأنشطة غير الطبيعية، وفي تنفيذ استجابات تلقائية للهجمات خلال ثوانٍ، إضافة إلى التنبؤ بالتهديدات قبل وقوعها عبر تحليل البيانات الضخمة، وهو ما يجعل أنظمة الحماية أكثر ديناميكية وقدرة على التكيف مع التهديدات المتغيرة.
معركة تقنية مفتوحة
المشهد الحالي يشير بوضوح إلى أن الأمن السيبراني دخل مرحلة جديدة، عنوانها “الذكاء الاصطناعي ضد الذكاء الاصطناعي”، حيث أصبحت الهجمات أسرع وأكثر دقة وأقل تكلفة، في حين تحاول أنظمة الدفاع اللحاق بهذا التسارع عبر الأتمتة والتحليل المتقدم.
وبين هذين المسارين، تتشكل معادلة جديدة تقوم على أن كل تطور في أدوات الحماية يقابله تطور في أدوات الاختراق، ما يجعل الأمن السيبراني ليس حالة استقرار، بل عملية صراع مستمر تتحدد نتائجه بسرعة الابتكار والقدرة على التكيّف.
١٢ أبريل ٢٠٢٦
عُقدت في العاصمة الأردنية عمّان أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى بين سوريا والأردن على المستوى الوزاري برئاسة أيمن الصفدي وأسعد الشيباني، وبمشاركة وفدين يمثلان 20 قطاعاً، حيث بحث الجانبان سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون، وتُوّجت الاجتماعات بتوقيع 9 اتفاقات ومذكرات تفاهم، فيما أكد بيان مشترك توسيع الشراكة الاستراتيجية ومأسسة التعاون ودعم إعادة الإعمار وتحديد عقد الاجتماع المقبل في دمشق.
الرئيس أحمد الشرع يشارك في منتدى أنطاليا الدبلوماسي بنسخته الخامسة في تركيا خلال الفترة بين 17 و19 نيسان، ضمن وفد رسمي يضم عدداً من الوزراء، حيث يناقش المنتدى قضايا دولية وإقليمية في ظل شعار "إدارة عدم اليقين"، في خطوة تعكس توجه سوريا لتعزيز حضورها الدبلوماسي والانفتاح على الساحة الدولية.
"حزب الله" اللبناني ينفي الاتهامات التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية بشأن ارتباطه بخلية كانت تخطط لاغتيال شخصية دينية في دمشق، ويؤكد في بيان رسمي عدم وجود أي نشاط أو ارتباط له داخل الأراضي السورية، وذلك بعد إعلان الجهات الأمنية السورية تفكيك خلية من خمسة أشخاص قالت إنها تلقت تدريبات خارجية وكانت تستعد لاستهداف الحاخام "ميخائيل حوري" بعبوة ناسفة قرب منزله في حي باب توما.
أُعلن في مدينة ملبورن الأسترالية إطلاق غرفة التجارة السورية الأسترالية رسمياً، بهدف تنظيم العلاقات الاقتصادية بين رجال الأعمال في البلدين وتعزيز التبادل التجاري وفتح آفاق جديدة للاستثمار، ضمن توجه لتوسيع الشراكات الاقتصادية الدولية.
قُتلت عائلة سورية مكوّنة من خمسة أفراد بينهم أطفال، جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت العاصمة اللبنانية بيروت، فيما بقيت جثة إحدى الطفلات تحت الأنقاض، ونُقلت جثامين الضحايا إلى محافظة دير الزور، في حادثة تعكس تداعيات التصعيد الإقليمي على المدنيين السوريين.
قوات الاحتلال الإسرائيلي تطلق النار على أحد رعاة الأغنام في قرية الرويحينة بريف القنيطرة، ما أدى إلى نفوق عدد من رؤوس الأغنام دون تسجيل إصابات بشرية، بالتزامن مع نصب حاجز تفتيش على الطريق بين الرويحينة وبئرعجم، في استمرار للخروقات في المنطقة الحدودية.
غرق عشرات المنازل في قرية حميمات الداير بريف إدلب الشرقي نتيجة انهيار ساتر ترابي يمتد لنحو 8 كيلومترات بفعل الأمطار الغزيرة والسيول، ما أدى إلى تدفق المياه إلى الأحياء السكنية وقطع الطرق، وأجبر عدداً من السكان على مغادرة منازلهم مؤقتاً بانتظار تصريف المياه وإعادة تأهيل الساتر المتضرر.
وزارة الداخلية السورية تعلن تحقيق سلسلة من الإنجازات خلال شهر آذار، شملت أتمتة مرسوم العفو رقم 39 وإزالة آلاف المخالفات آلياً، ومعالجة أكثر من 3.9 مليون طلب كف بحث، وضبط نحو 1.7 مليون حبة كبتاغون، إلى جانب تقديم آلاف الخدمات الطبية والإدارية وتنفيذ جولات رقابية لتعزيز الانضباط المؤسسي.
قسم الجرائم الإلكترونية في درعا يعلن إلقاء القبض على شخص يدير حساباً وهمياً باسم "صحاف حوران" بعد تورطه في حملات تشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع وضع الصفحة تحت السيطرة الكاملة ودعوة المتضررين لتقديم شكاوى لاتخاذ الإجراءات القانونية.
وزير المالية محمد يسر برنية يؤكد أن مراسيم تسوية القروض وإعفاء المنشآت المتضررة تهدف إلى دعم المتضررين من خلال إلغاء فوائد الديون المتعثرة ومنح إعفاءات ضريبية، بما يسهم في إعادة تنشيط الاقتصاد وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
الشركة السورية للبترول تعلن تجهيز ساحة جديدة في مصب بانياس النفطي لاستيعاب الفيول العراقي، عبر تطوير البنية التحتية وإنشاء خطوط تفريغ إضافية وتنظيم حركة الصهاريج، بما يضمن انسيابية التوريد وتحسين الأداء التشغيلي.
مديرية صحة دمشق تؤكد تسجيل حالات محدودة من الجرب بين كوادر طبية في أحد المشافي، مع تطبيق إجراءات عزل وتعقيم ومنح إجازات علاجية للمصابين، دون تأثير على استمرار تقديم الخدمات الصحية.
محافظة دير الزور تطلق مشروع "دير الزور.. الذاكرة التي لم تُكتب" بهدف توثيق الانتهاكات عبر جمع الشهادات الحية والبيانات الميدانية وتوثيق الأحداث التي شهدتها المحافظة خلال سنوات الحرب، ضمن مسار العدالة الانتقالية وبناء أرشيف وطني يُعتمد عليه في المساءلة مستقبلاً.
الهيئة العامة للمنافذ والجمارك تنفي وجود أي تسهيلات جديدة لدخول السوريين إلى الأردن، وتؤكد استمرار العمل بالإجراءات المعتمدة دون تعديل، موضحة أن ما يُتداول حول الدخول بالهوية الشخصية غير صحيح.
٢٩ مارس ٢٠٢٦
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قوة الشعوب بما امتلكته من سلاح، بل بما احتفظت به من إنسانيتها. وسوريا، الخارجة من ظلال حقبة ثقيلة، تقف اليوم أمام اختبارٍ أدقّ من كل ما سبق: اختبار العيش معاً، لا بوصفه ضرورة، بل خياراً واعياً ومسؤولاً.
لقد أثبت السوريون، رغم كل ما مرّ بهم، أن النسيج الذي يجمعهم أعمق من أن تمزّقه سنوات العنف أو محاولات التفتيت. هذا النسيج لم يكن يوماً شعاراً سياسياً، بل حقيقة اجتماعية عاشت في تفاصيل الحياة اليومية: في الجيرة، في الخبز المشترك، في الأفراح التي لا تسأل عن الهوية، وفي الأحزان التي لا تفرّق بين كنيسة ومسجد.
وإذا كانت أحداث الأمس في بعض المناطق قد أعادت إلى السطح خطاباً طائفياً مقلقاً، فإنها في الوقت ذاته كشفت عن شيء أكثر أهمية: هشاشة هذا الخطاب أمام وعي الناس، وسرعة انكشافه حين يُقارن بحقيقة العلاقات بين السوريين. فالتوتر، مهما بدا صاخباً، يظل عابراً إن لم يجد حاضنة، والسوريون – في عمقهم – يرفضون أن يكونوا وقوداً لأي فتنة.
في هذا السياق، جاء قرار بعض الكنائس بالاكتفاء بالصلوات دون مظاهر احتفالية في عيد الفصح، كإشارة تحمل أكثر من معنى. هو تعبير عن حساسية اللحظة، وعن إدراك عميق بأن الفرح لا يكتمل إن لم يكن مشتركاً، وأن الأعياد في جوهرها ليست طقوساً فقط، بل رسائل سلام. هذا القرار، في رمزيته، يضع الجميع أمام سؤال جوهري: كيف نحمي هذا السلام الهشّ من الانزلاق؟
الإجابة لا تكمن فقط في وعي المجتمع، بل في دور الدولة أيضاً. فالدولة السورية، في مرحلتها الجديدة، مطالبة بأن تكون الضامن الفعلي لهذا التوازن، لا عبر الخطاب، بل عبر الفعل: ترسيخ العدالة، حماية الحريات الدينية، ومواجهة أي خطاب متطرف – أياً كان مصدره – بحزم لا لبس فيه. لأن التساهل مع الراديكالية، مهما كان مبرره، هو الباب الأوسع لعودة الانقسام.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه سوريا اليوم ليس الاختلاف، بل تحويل هذا الاختلاف إلى أداة صراع. وهنا تحديداً تتجلّى مسؤولية النخب، والمؤسسات، والمبادرات المجتمعية: في إعادة تعريف العلاقة بين السوريين على أساس المواطنة، لا الانتماء الضيق، وعلى أساس الشراكة، لا الغلبة.
لقد تعب السوريون من الكراهية، أكثر مما تعبوا من الحرب نفسها. وهم، في صمتهم العميق، يميلون إلى الحياة، إلى البساطة، إلى أن يكونوا معاً دون شروط. وهذه الرغبة الصادقة هي الثروة الحقيقية التي يجب حمايتها.
حماية التعايش ليست مهمة ظرفية، بل مسار طويل يتطلب وعياً يومياً، ومواقف مسؤولة، وإرادة سياسية واضحة. وهي تبدأ من تفاصيل صغيرة: كلمة، موقف، مبادرة، لكنها تتراكم لتصنع واقعاً مختلفاً.
في النهاية، لا تُبنى سوريا الجديدة فقط بإعادة الإعمار، بل بإعادة الثقة بين أبنائها. وهذه مهمة لا تقل صعوبة، لكنها بالتأكيد أكثر أهمية.
سونير طالب
٢٦ مارس ٢٠٢٦
أدخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران السباق التكنولوجي العالمي مرحلة أكثر تعقيدًا، مع تسجيل ارتفاع في تكاليف الشحن البحري بين 30% و40% على بعض المسارات المرتبطة بالشرق الأوسط، بالتوازي مع صعود أسعار النفط والغاز بنسب تراوحت بين 20% و30% خلال فترات التصعيد، ما انعكس مباشرة على تكلفة إنتاج التكنولوجيا المتقدمة.
ويُعد مضيق هرمز نقطة مفصلية في هذا التأثير، إذ يمر عبره نحو 30% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، ما يجعله أحد أهم محددات أسعار الطاقة، وبالتالي كلفة تشغيل الصناعات التكنولوجية، خصوصًا مصانع أشباه الموصلات التي تعتمد على طاقة كثيفة واستقرار تشغيلي دقيق.
في قطاع الرقائق، تتجلى هشاشة سلاسل التوريد بوضوح، إذ تتركز أكثر من 70% من القدرة التصنيعية العالمية في تايوان وكوريا الجنوبية، بينما تعتمد هذه الصناعة على شبكة توريد عالمية تبدأ من مواد خام تُستخرج في دول مثل الصين والولايات المتحدة، وتمر عبر مسارات شحن حساسة، قبل أن تصل إلى مراكز التصنيع المتقدمة.
وأدى تحويل مسارات السفن بعيدًا عن مناطق التوتر إلى زيادة زمن الشحن عالميًا بنحو 10 إلى 15 يومًا، ما تسبب بتأخير وصول مكونات أساسية مثل الرقائق واللوحات الإلكترونية، وهو ما انعكس على جداول إنتاج شركات التكنولوجيا، وأدى في بعض الحالات إلى تأجيل إطلاق منتجات جديدة.
هذه الضغوط دفعت دولًا صناعية إلى تسريع خطط توطين الإنتاج، حيث خصصت الولايات المتحدة أكثر من 50 مليار دولار لدعم صناعة الرقائق، بينما تعمل ألمانيا ودول أوروبية أخرى على جذب استثمارات تتجاوز 40 مليار دولار لإنشاء مصانع محلية، في إطار تقليل الاعتماد على آسيا.
في المقابل، تواصل الصين تنفيذ استراتيجية طويلة الأمد باستثمارات تتجاوز 150 مليار دولار لتعزيز الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات، ما يعكس تحول السباق التكنولوجي إلى سباق سيادي مرتبط بالأمن القومي.
ولا يقتصر التأثير على التصنيع، إذ ارتفعت كلفة تشغيل مراكز البيانات—التي تستهلك بين 1% و2% من الكهرباء عالميًا—بفعل أسعار الطاقة، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة إلى نحو 4% بحلول 2030 نتيجة التوسع في الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل تكلفة الطاقة عاملًا حاسمًا في تحديد مواقع الاستثمار التقني مستقبلًا.
بالتوازي، تصاعدت المخاطر السيبرانية المرتبطة بالحرب، حيث تشير تقديرات إلى زيادة تتجاوز 30% في الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك شركات تكنولوجيا كبرى ومشغلي خدمات حيوية، ما دفع إلى مضاعفة الإنفاق على الأمن السيبراني عالميًا.
كما بدأت الشركات الكبرى بإعادة تصميم سلاسل التوريد وفق نموذج “التعدد الجغرافي”، عبر توزيع الإنتاج بين أكثر من دولة لتقليل المخاطر، بدل الاعتماد على مركز واحد، وهو تحول جذري مقارنة بنموذج “الكفاءة القصوى” الذي كان سائدًا خلال العقدين الماضيين.
وانعكست هذه التحولات على المستهلكين، مع تسجيل ارتفاع في أسعار الأجهزة الإلكترونية عالميًا بنسب متفاوتة، وتأخر إطلاق بعض المنتجات، إلى جانب زيادة تكلفة الخدمات الرقمية، خاصة تلك المرتبطة بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
تشير هذه المعطيات إلى أن الحرب لم تؤثر فقط على تدفق السلع، بل أعادت تشكيل قواعد السباق التكنولوجي العالمي، حيث لم يعد التفوق قائمًا على الابتكار وحده، بل على القدرة على تأمين الطاقة، وضمان استقرار سلاسل التوريد، وإدارة المخاطر في بيئة دولية مضطربة.
لذلك يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة يصبح فيها التفوق التكنولوجي مرهونًا بعوامل جيوسياسية واقتصادية بقدر ارتباطه بالتقدم العلمي، في ظل حرب تمتد آثارها إلى عمق الاقتصاد الرقمي العالمي.
٢٦ مارس ٢٠٢٦
في الدول الخارجة من النزاعات، لا تبدأ مرحلة التعافي الحقيقي بإعادة الإعمار، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس العدالة والمساءلة. وفي الحالة السورية، تبدو هذه الحقيقة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
فعلى الرغم من الخطوات الشكلية التي تمثلت في استحداث هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، والدور الذي تقوم به وزارة العدل إلا أن هذا المسار لا يزال يراوح مكانه، وكأن العدالة نفسها قد أُرجئت إلى أجل غير مسمى. فالمشكلة لم تعد في غياب المفهوم، بل في غياب الإرادة السياسية لتحويله إلى عملية مؤسساتية فعّالة.
حتى الآن، لم تتمكن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية من أداء دورها بوصفها مرجعية مستقلة تقود هذا الملف المعقد، بل بقي حضورها محدودًا، في ظل تداخل واضح في الصلاحيات مع مؤسسات قائمة، وعلى رأسها وزارة العدل، التي ما تزال تعمل ضمن الأطر التقليدية للدولة، دون أن يطرأ تحول حقيقي ينسجم مع متطلبات المرحلة الانتقالية.
هذا التداخل لا يعكس مجرد خلل إداري، بل يكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المقاربة الرسمية للعدالة الانتقالية. فبدل أن تُطرح كمسار شامل لإعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة، يجري التعامل معها كملف جزئي يمكن احتواؤه ضمن البنية القانونية القائمة، وهي بنية تشكّلت في سياق مختلف تمامًا، ولا تبدو مؤهلة لمعالجة إرث معقّد من الانتهاكات.
وفي هذا السياق، يبرز التساؤل الجوهري: هل يمكن تحقيق عدالة انتقالية حقيقية من داخل نفس الأدوات التي كانت جزءًا من الأزمة؟
إن التجارب الدولية تشير بوضوح إلى أن العدالة الانتقالية ليست مجرد إجراءات قضائية، بل عملية سياسية - قانونية شاملة، تقوم على كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات. وأي اختلال في هذه العناصر يفرغ العملية برمتها من مضمونها.
غير أن ما يجري في الحالة السورية يوحي بأن هذا المسار لم يُفعل بعد بوصفه مشروعًا وطنيًا متكاملًا، بل ما زال يدور في إطار التردد، والتأجيل، وإعادة إنتاج الأدوات القديمة. وهو ما ينعكس بشكل مباشر على ثقة المجتمع، خصوصًا لدى الفئات التي كانت في صلب تجربة الثورة، والتي باتت تنظر إلى هذا الملف بقدر متزايد من القلق وخيبة الأمل.
“العدالة التي تتأخر كثيرًا، لا تفقد فعاليتها فحسب، بل تفقد معناها.”
إن غياب الشفافية في إدارة هذا الملف، وعدم وضوح الرؤية الرسمية بشأن آلياته وأولوياته، يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، في لحظة يفترض أن تكون فيها إعادة بناء الثقة أولوية قصوى.
ومع الحديث عن مرحلة حكومية جديدة، تبرز فرصة حقيقية لإعادة تصحيح المسار، ليس من خلال إعادة طرح الشعارات، بل عبر اتخاذ خطوات ملموسة تعيد تعريف موقع العدالة الانتقالية ضمن مشروع الدولة.
فالمطلوب اليوم ليس فقط تفعيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بل تمكينها فعليًا من العمل كجسم مستقل، يمتلك الصلاحيات والموارد، ويقود عملية متكاملة تتجاوز حدود العمل القضائي التقليدي. كما يتطلب الأمر إعادة النظر في دور وزارة العدل، بحيث تصبح جزءًا من هذا المسار، لا بديلًا عنه أو منافسًا له.
وفي موازاة ذلك، لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية دون فتح مسارات حقيقية لإصلاح مؤسسات الدولة، وضمان استقلال القضاء، وإرساء قواعد واضحة للمساءلة، بما يقطع مع أنماط الإدارة السابقة، ويؤسس لمرحلة مختلفة في علاقة السلطة بالمجتمع.
إن التحدي في سوريا اليوم لا يكمن في صياغة مفهوم العدالة الانتقالية، بل في تحويله إلى ممارسة فعلية تعكس تحولًا حقيقيًا في بنية الدولة. فالمسألة لم تعد تقنية أو قانونية فحسب، بل سياسية بامتياز، تتعلق بمدى الاستعداد لإحداث قطيعة مع الماضي، وبناء شرعية جديدة تقوم على العدالة لا على الأمر الواقع.
في نهاية المطاف، لا يمكن لأي استقرار أن يستمر دون عدالة، ولا يمكن لأي دولة أن تستعيد شرعيتها دون مساءلة حقيقية. وتأجيل هذا الاستحقاق لا يلغي ضرورته، بل يزيد كلفته مع مرور الوقت.
ففي سوريا، لم تعد العدالة الانتقالية خيارًا نظريًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، لا يمكن تجاوزها إذا كان الهدف هو بناء دولة قادرة على الاستمرار.
١٨ مارس ٢٠٢٦
لم تكن الثورة السورية في أيامها الأولى تمتلك منابر كثيرة تعبّر عنها، ولم يكن في متناول السوريين إعلام حر قادر على نقل ما يجري في الشوارع والساحات والبلدات الثائرة كما هو، بعيداً عن رواية نظام الأسد البائد وأكاذيبه.
في تلك اللحظة الحرجة، حين كانت الكلمة تُلاحَق كما يُلاحَق المتظاهر، وحين كان توثيق الحقيقة فعلاً محفوفاً بالخطر، برزت "شبكة شام الإخبارية" بوصفها واحدة من أهم المنصات التي التقطت الصرخة الأولى، وحملتها من الداخل السوري إلى الفضاء العربي والدولي.
منذ البدايات، لم تكن “شام” مجرد صفحة تنقل خبراً أو مقطعاً مصوراً، بل كانت أشبه بغرفة نبض يومية للثورة السورية، لقد ظهرت في وقت كان فيه الإعلام الرسمي يصف المتظاهرين بالمخربين والعملاء، ويحاول دفن الحقيقة تحت سيل من التحريض والتضليل، بينما كانت شبكة شام تفتح نافذة واسعة على ما يجري فعلاً في الميدان، وتنقل أسماء المدن، وهتافات الساحات، وصور الشهداء، ووجع الأمهات، وصوت السوريين المطالبين بالحرية والكرامة.
تكمن أهمية "شبكة شام الإخبارية" في أنها لم تواكب الحدث فقط، بل كانت جزءاً من بنيته الإعلامية الأولى، ففي السنوات الأولى للثورة، حين كانت المؤسسات الإعلامية العربية والدولية تبحث عن مصادر موثوقة وسريعة من داخل سوريا، تحولت الشبكة إلى مصدر رئيسي للمعلومة والصورة والخبر العاجل.
كثير من القنوات والوكالات والصحف اعتمدت على ما تنشره “شام”، لأن الشبكة نجحت في بناء حضور ميداني واسع، مستند إلى ناشطين ومراسلين ومصادر محلية، شكلوا معاً واحدة من أوائل البنى الإعلامية الثورية المنظمة.
ولعل ما ميّز “شام” في تلك المرحلة أنها أدركت مبكراً أن المعركة ليست في الشارع وحده، بل أيضاً في الرواية، فالنظام لم يكن يقتل المتظاهرين فقط، بل كان يحاول قتل الحقيقة معهم، ويعمل على احتكار السردية وتقديم نفسه ضحية “مؤامرة”، بينما كان السوريون يُقتلون لأنهم قالوا كلمة حرية، هنا لعبت الشبكة دوراً محورياً في كسر الحصار الإعلامي، وفي نقل الثورة السورية من كونها حدثاً محاصراً داخل الحدود إلى قضية رأي عام يتابعها الملايين.
لم يكن هذا الدور سهلاً ولا منخفض الكلفة، فالعمل الإعلامي في بدايات الثورة كان واحداً من أخطر أشكال المواجهة مع النظام، كثير من الناشطين والمراسلين الذين عملوا ضمن البيئة الإعلامية الثورية تعرضوا للاعتقال أو التهديد أو الاستهداف المباشر، ومع ذلك استمرت شبكة شام في أداء دورها، وتوسعت، وراكمت الخبرة، وتطورت من منصة ناشئة تعتمد على جهد الناشطين إلى رقم إعلامي صعب في المشهد السوري.
ومع مرور السنوات، لم تفقد الشبكة موقعها رغم تعقّد المشهد وتعدد المنصات وتزاحم الفاعلين الإعلاميين، بل حافظت على مكانتها من خلال التكيف مع التحولات الكبرى التي مرت بها الثورة السورية، من الحراك السلمي إلى المراحل اللاحقة من الحرب في سوريا، ومن تغطية المظاهرات والهتافات الأولى إلى متابعة المعارك، والملفات السياسية، والانتهاكات، وقضايا المعتقلين، والنزوح، واللجوء، وتطورات الداخل السوري بكل تفاصيله.
لقد أصبحت “شام” بالنسبة لكثير من السوريين أكثر من مجرد وسيلة إعلام، إذ تحولت إلى أرشيف حي لذاكرة الثورة، وإلى مساحة احتفظت بالكثير من التفاصيل التي حاول النظام طمسها أو تشويهها.
ومن يتابع مسار الثورة السورية يدرك أن حضور الشبكة لم يكن عابراً، بل كان ممتداً وعميقاً، لأنها حافظت على صلتها بالناس، وبالحدث، وبالهوية الأولى للثورة، حين كانت الحرية هي الكلمة الأوضح، وكانت الكرامة هي المعنى الأكثر حضوراً.
وفي جانب آخر، فإن قيمة شبكة شام لا تُقاس فقط بما نشرته، بل أيضاً بما أسهمت في تكوينه، فهي ساعدت في ترسيخ مفهوم الإعلام الثوري المهني، ودفعت باتجاه بناء خطاب إخباري ينحاز إلى الحقيقة، ويستند إلى الميدان، ويواجه ماكينة التضليل الرسمية التي اعتمدها نظام الأسد البائد طيلة سنوات، كما أنها منحت كثيراً من الناشطين والإعلاميين الشباب فرصة للتشكل والتدرب والانخراط في عمل إعلامي منظم، ما جعلها مدرسة فعلية في واحدة من أكثر البيئات خطورة وتعقيداً.
إن الحديث عن الثورة السورية لا يكتمل من دون التوقف عند دور المنصات التي حفظت صوتها في بداياتها، وفي مقدمة هذه المنصات تأتي شبكة شام الإخبارية، لقد كانت شاهداً على الصرخة الأولى، ووسيطاً لنقلها، ومؤسسة لعبت دوراً حقيقياً في تثبيت الرواية السورية الحرة في مواجهة رواية القمع والاستبداد. وهذا وحده كافٍ ليجعلها جزءاً أصيلاً من تاريخ الثورة، لا مجرد منصة غطّت أحداثها.
اليوم، وبعد كل ما مرت به سوريا، تبدو الحاجة أكبر إلى استذكار هذا الدور، ليس من باب الحنين فقط، بل من باب الإنصاف أيضاً، فالمؤسسات التي تقف في اللحظات التأسيسية الكبرى، وتدفع كلفة الموقف، وتبقى وفية لرسالتها رغم كل التحديات، لا تُقرأ بوصفها مجرد وسائل إعلام، بل بوصفها جزءاً من الحكاية نفسها، وشبكة شام الإخبارية كانت، ولا تزال، واحدة من أبرز هذه العناوين.
٥ مارس ٢٠٢٦
يشهد قطاع التكنولوجيا تحولاً متسارعاً مع بروز مفهوم الذكاء الاصطناعي الفيزيائي (Physical AI)، وهو اتجاه تقني حديث يهدف إلى نقل قدرات الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى العالم المادي، من خلال دمج الخوارزميات الذكية مع الروبوتات والآلات والأجهزة المتصلة، بحيث تصبح الأنظمة قادرة على فهم البيئة المحيطة والتفاعل معها واتخاذ القرارات وتنفيذ المهام باستقلالية أكبر.
ويعتمد هذا المفهوم على حزمة من التقنيات المتقدمة مثل الرؤية الحاسوبية وأجهزة الاستشعار وأنظمة التعلم الآلي، التي تمكّن الآلات من تحليل البيانات القادمة من محيطها في الزمن الحقيقي، والتعرّف على الأجسام وتحديد مواقعها وقياس المسافات والحركة، ثم تنفيذ إجراءات دقيقة كالالتقاط والمناورة والتنقل داخل البيئات المعقدة دون الاصطدام بالعوائق.
ويمثل الذكاء الاصطناعي الفيزيائي مرحلة جديدة في تطور الذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد دوره مقتصراً على تحليل البيانات وتقديم الإجابات داخل البرمجيات، بل بات قادراً على التحكم بالأجهزة والأنظمة الميكانيكية في العالم الحقيقي.
وقد بدأت تطبيقاته بالظهور في قطاعات عدة؛ ففي الصناعة تستخدم مصانع حديثة روبوتات ذكية تتعرف على القطع وتتعامل معها بدقة داخل خطوط الإنتاج، مع قدرة على التكيف مع تغير المهام دون إعادة برمجة شاملة. وفي
قطاع الخدمات اللوجستية تعتمد شركات التجارة الإلكترونية على روبوتات تعمل داخل المستودعات لفرز الطرود ونقلها، مستخدمة الكاميرات والمستشعرات للتنقل الذاتي بين الممرات. كما يظهر الذكاء الاصطناعي الفيزيائي بوضوح في المركبات ذاتية القيادة، التي تحلل محيطها عبر الكاميرات والرادارات لاتخاذ قرارات فورية كتغيير المسار أو التوقف لتجنب الحوادث.
وفي المجال الطبي تتطور روبوتات جراحية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمساعدة الأطباء على تنفيذ عمليات دقيقة، إلى جانب روبوتات تقدم خدمات مساندة داخل المستشفيات مثل نقل المعدات أو مساعدة المرضى.
كذلك بدأت شركات عالمية تطوير روبوتات منزلية قادرة على أداء مهام يومية كالتنظيف وترتيب الأشياء، مستفيدة من قدرتها على تشكيل فهم بصري للبيئة المنزلية والتفاعل معها. ورغم الإمكانات الكبيرة لهذا المجال، لا يزال تطوير الذكاء الاصطناعي الفيزيائي يواجه تحديات مهمة، أبرزها الحاجة إلى قدرات حوسبية عالية تتيح معالجة البيانات بسرعة، وضمان سلامة التفاعل بين الإنسان والآلة، إضافة إلى تدريب الأنظمة على التعامل مع البيئات المعقدة والمتغيرة.
ويرى خبراء التكنولوجيا أن الذكاء الاصطناعي الفيزيائي قد يشكل إحدى أهم مراحل التحول التكنولوجي في السنوات المقبلة، ومع استمرار التطور في المعالجات والروبوتات وأجهزة الاستشعار، قد يصبح التفاعل المباشر بين الإنسان والآلة جزءاً أساسياً من الحياة اليومية في المستقبل القريب.
٢٤ فبراير ٢٠٢٦
في ظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا بعد سقوط النظام السابق، تتكاثر النقاشات حول قضايا خدمية واقتصادية وإدارية، غير أن الجدل الأعمق – المتعلق ببنية النظام السياسي الجديد – ما يزال، بحسب الباحث أحمد أبازيد، خارج دائرة التداول العلني المنظم، رغم حضوره اليومي في أحاديث السوريين.
يرى أبازيد أن جوهر الإشكالية لا يكمن في القرارات الإدارية أو التغييرات الوزارية، بل في طبيعة توزيع السلطة وهيكلها العام. ويشير إلى استمرار هيمنة هيئة تحرير الشام على مفاصل أساسية، مقابل محدودية التمثيل السياسي والاجتماعي لقوى أخرى، إضافة إلى ما يعتبره وصاية على الحياة المدنية والسياسية عبر الأمانة العامة للشؤون السياسية، واحتكار سردية “التحرير” و”بناء الدولة” ضمن إطار فصيل واحد.
وبحسب رأيه، فإن التركيز الإعلامي والشعبي على قضايا جزئية – مثل قرارات وزارية أو تعيينات أو سياسات استيراد – لا يمس البنية السياسية العميقة، التي تشكل أساس أي إصلاح حقيقي.
فالمشكلة، كما يراها الباحث، تتعلق بحدود المشاركة في صنع القرار، وضيق المجال المتاح أمام شخصيات وقوى سياسية قد تكون راغبة في الانخراط، لكنها تجد نفسها أمام منظومة مغلقة أو محدودة الصلاحيات.
ويذهب أبازيد إلى أن هذا الخلل البنيوي ينعكس على ملفات كبرى ما تزال عالقة، مثل ملف المفقودين، والعدالة الانتقالية، وأرشيف النظام السابق، فالتعثر، في تقديره، لا يرتبط فقط بضعف الإمكانات التقنية، بل أيضاً بصراعات حول إدارة هذه الملفات، وندرة الكوادر المؤهلة ضمن الإطار السياسي القائم، إضافة إلى استبعاد خبرات أخرى لاعتبارات تتعلق بالانسجام السياسي.
ويبرز ملف التمثيل الدبلوماسي مثالاً إضافياً على هذه التعقيدات، إذ لا يزال شاغراً في عدد من الدول، في ظل تحفظات متبادلة حول طبيعة التعيينات، ما يعكس – وفق هذا الطرح – صعوبة المواءمة بين الاعتبارات السياسية الداخلية والمتطلبات المهنية والدولية.
أما الحديث المتداول حول إعادة منصب رئيس الحكومة أو إجراء تعديلات وزارية، فيعتبره أبازيد خطوة قد تغيّر الأشخاص، لكنها لا تمس جوهر توزيع السلطة الفعلي بين مراكز النفوذ، ولا تعيد التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية.
ويشير إلى أن نموذج إدارة إدلب توسّع ليشمل الدولة السورية الجديدة، مع إنشاء مؤسسات جديدة استجابة لتوازنات داخلية، من دون أن يترافق ذلك مع توسيع فعلي لتمثيل القوى السياسية والاجتماعية الأوسع، التي قامت عليها شرعية الحكم الجديد، ويرى أن هذا الواقع أفضى إلى تفاوت في التمثيل بين مناطق وأخرى، وأثار انتقادات متزايدة في بعض الأوساط.
حتى على المستوى الأمني والعسكري، ورغم عمليات دمج الفصائل، يلاحظ أبازيد استمرار حساسية مرتبطة بمستويات التمثيل القيادي والرمزي، ما يعكس – في نظره – أن عملية الاندماج لم تُستكمل على نحو يبدد الشعور بعدم التوازن.
في بدايات المرحلة الانتقالية، جرى تبرير هذه البنية السياسية شبه الأحادية بضرورة حفظ الاستقرار ومنع الفوضى، غير أن أبازيد يرى أن استمرارها بالشكل ذاته قد يؤدي إلى استنزاف تدريجي لشرعية الحكم، سواء لدى الحواضن الثورية المسيسة أو لدى فئات اجتماعية أوسع متأثرة بالأوضاع المعيشية والاقتصادية.
ويشير إلى أن التوجهات الاقتصادية نحو الخصخصة ورفع الدعم قد تزيد من حدة الضغوط الاجتماعية إذا لم تقترن بإصلاحات سياسية تعزز الثقة، ويستدل بتزايد الوقفات الاحتجاجية والإضرابات في مناطق عدة، بما فيها مناطق تعد من الحواضن التقليدية للحكم الجديد، مع تراجع ملحوظ في الخطاب المدافع عنه، كمؤشرات على احتقان متراكم وشعور متنامٍ بضعف التمثيل.
مع ذلك، يؤكد أبازيد أنه لا يدعو إلى معارضة جذرية أو شيطنة السلطة، بل إلى إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها مجالاً للحوار والتعددية، ويرى أن الاعتراف بوجود إشكالية في بنية الحكم هو الخطوة الأولى نحو معالجتها، وأن المدخل الأساس يتمثل في تعزيز التمثيل الشعبي، وإعادة تفعيل سلطة تشريعية منتخبة، واحترام مبدأ فصل السلطات وتحديد الصلاحيات بوضوح، إلى جانب فتح حوار وطني صريح حول شكل النظام السياسي ومستقبل البلاد.
ويخلص إلى أن بناء الثقة بين المجتمع والسلطة لا يمكن أن يتحقق عبر معالجة القضايا الهامشية فقط، بل عبر إصلاحات بنيوية تضمن المشاركة والشفافية والكفاءة، وتحوّل المرحلة الانتقالية من حالة إدارة مؤقتة إلى تأسيس مستدام لدولة تمثل مختلف مكوناتها.
١٩ فبراير ٢٠٢٦
مما لاشك فيه أن الدراما وسيلة مهمة في ترسيخ الوعي، ولكن لايمكن أن يكون كل موضوع صالحا لأن يتحول فوراً إلى عمل درامي، ولايمكن أن يكون كل جرح قابل لأن يُعاد تمثيله أمام الكاميرات وكأنه اكتمل شفاءه، فهناك مآسٍ لا تزال حيّة في ذاكرة السوريين، تتنفس في بيوت الأمهات، وتظهر في صور المفقودين المعلّقة على الجدران، وتُستعاد كل ليلة في كوابيس الناجين.
قضية السجون السورية لم ولن تكون حدثاً تاريخياً بعيداً يمكن التعامل معه ببرودة توثيقية، إنما هي تجربة قاسية ما تزال آثارها مستمرة، سياسياً ونفسياً واجتماعياً، لذلك فإن أي عمل فني يقترب منها لا يُقاس فقط بجودته الإخراجية أو قوة نصه، بل بوعيه الأخلاقي أيضاً.
أي عمل يتناول السجون السورية لا يولد في مساحة محايدة، بل يدخل مباشرة إلى واحد من أكثر ملفات الحرب في سوريا حساسية وتعقيداً، ملف المعتقلين الذين لم يكونوا أبطال نصوص مكتوبة، بل بشراً من لحم ودم، خرج بعضهم محمّلاً بآثار التعذيب في الجسد والروح، فيما بقي آخرون أسرى الغياب، معلّقين بين قوائم الانتظار وأمل العائلات.
القضية لا تتوقف عند براعة الممثل أو قدرته على تجسيد الألم، بل عند موقعه من ذلك الألم حين كان حقيقة يومية لا مشهداً تمثيلياً، فالفن ليس أداءً معزولاً عن سياقه، بل هو أيضاً موقف أخلاقي وانعكاس لوعي عام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجرائم ارتبطت بأماكن صارت رموزاً لمعاناة لا يمكن اختزالها أو تجريدها من بعدها الإنساني.
المشكلة لا تكمن في تناول الملف بحد ذاته، فالفن كان دائماً وسيلة لفهم الألم الإنساني، لكن الإشكالية تظهر عندما يتحول العمل إلى مساحة لإعادة ترتيب الصور، أو لإعادة تموضع شخصيات كانت جزءاً من المشهد العام زمن وقوع الانتهاكات، هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام مراجعة حقيقية أم أمام إعادة صياغة للذاكرة؟
كما أن الذاكرة الجماعية ليست صفحة بيضاء، والناس لا تنسى بسهولة من اصطف مع السلطة حين كانت تمارس أقسى أشكال القمع، ولا تتعامل بخفة مع محاولات الانتقال السريع من موقع الصمت إلى موقع البطولة التراجيدية، ولم تعد القضية تصفية حسابات، بل اتساق أخلاقي بين الموقف السابق والدور اللاحق.
عندما تتحول معاناة المعتقلين إلى مشاهد مصوّرة، فإن الخطر لا يكون في التمثيل ذاته، بل في اختزال الألم، أو في تجريده من سياقه السياسي والإنساني، فالسجون ليست ديكوراً، والضحايا ليسوا شخصيات ثانوية في حبكة قابلة للتعديل.
العدالة الانتقالية، إن أُريد لها أن تكون جدية، لا تبدأ فقط بمحاكمات، بل أيضاً بمحاسبة رمزية في المجال العام، ومن حق المجتمع أن يسأل، وأن يناقش، وأن يرفض إن شعر أن الذاكرة تُستخدم كأداة تلميع لا كأداة كشف.
بالتأكيد، الفن قادر على أن يكون مساحة للإنصاف، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مساحة لإعادة توزيع الأدوار بطريقة تُربك الضحية وتريح المتفرج، وبين هذين الحدّين يقف سؤال بسيط: هل يُنصف هذا العمل الحقيقة، أم يخفف وطأتها لتصبح أكثر قابلية للاستهلاك؟
لكن قضية المعتقلين ملف عدالة ما يزال مفتوحاً، وذاكرة شعب لم ينسَ بعد، والعدالة الانتقالية لا تبدأ فقط في أروقة المحاكم، بل أيضاً في وعي المجتمع، وفي قدرته على التمييز بين من دفع الثمن ومن اكتفى بالمشاهدة.
ليس المطلوب مصادرة الفن، ولا منع سرد الحكايات، بل الاعتراف بأن بعض القصص لا تزال ساخنة، وأن بعض الجراح لا تحتمل إعادة تموضع رمزي سريع، فالكاميرا قد تعيد توزيع الأدوار، لكن الذاكرة الجمعية لا تفعل بسهولة.
الحديث عن السجون يبدأ أولاً من سؤال بسيط ومباشر: أين كان الصوت حين كانت الأبواب تُغلق، ومن دون إجابة صريحة على هذا السؤال، سيبقى أي عمل يتناول تلك المرحلة محاطاً بالريبة، مهما بلغت حرفيته الفنية.
الإشكال ليس في تحويل المأساة إلى سرد بصري، فالفن لطالما اشتغل على الكوارث الإنسانية، لكن المعضلة تبدأ حين يتقدم إلى الواجهة من لم يُعرف لهم موقف واضح حين كان الصوت ضرورة، أو ممن اختاروا الحياد في لحظة لم تكن تحتمل الحياد، عندها يصبح العمل ساحة أسئلة لا منصة توثيق، ويتحول الخط الفاصل بين الإبداع وتبييض الصفحات إلى مسألة يصعب تجاهلها.
١٢ فبراير ٢٠٢٦
أثار تصاعد الانتقادات الشعبية لسلوك بعض مسؤولي الدولة الوليدة في سوريا الجديدة نقاشًا عامًا محتدمًا حول دور النقد في الحياة السياسية، ومدى تعارضه أو انسجامه مع مقتضيات الحفاظ على السلطة والمؤسسات في مرحلة إعادة بناء الدولة، حيث تباينت الآراء بين من يرى في النقد وسيلة تصحيح، وآخرين يعتبرونه تقويضًا متعمدًا في لحظة حرجة.
وتفاقم الجدل عقب انتشار صور ومقاطع فيديو تُظهر مواكب رسمية في دمشق ومحافظات أخرى لمسؤولي الدولة، في مشهد رأى فيه كثير من النشطاء والمراقبين مبالغة استفزازية في مظاهر السلطة، خصوصًا في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، والانهيارات المتتالية في البنى التحتية والخدمات الأساسية.
تأتي هذه الموجة من الانتقادات في سياق تحوّل سياسي بالغ الحساسية تشهده سوريا، حيث تعمل النخب والمؤسسات على بناء دولة جديدة خارجة من رحم الحرب والدمار والانقسام، وفي هذا السياق، تواجه الدولة الوليدة تحديات تتراوح بين إعادة بناء الثقة بين الناس ومؤسساتهم، وتحقيق العدالة الانتقالية، وفرض الاستقرار الأمني، وإعادة تشكيل الثقافة السياسية العامة.
لكن ما زال كثير من السلوكيات الرسمية - وفق رأي المنتقدين - تحمل ملامح من العقلية السلطوية القديمة، التي كانت تعتبر النقد تهديدًا وجوديًا، وليس ممارسة ديمقراطية أو أداة رقابية، وهذا ما يجعل بعض المنتقدين يواجهون حملات تخوين واتهامات بالتحريض لمجرد طرحهم تساؤلات عن مشاهد التبذير الرسمي أو ازدواجية الخطاب.
في حين أن الدولة الحقيقية لا تبنى فقط بالموازنات والخطط، بل بالمساءلة والمكاشفة والانفتاح على النقد والتقييم، وتُظهر هذه الأحداث الحاجة إلى إعادة ترسيخ الفهم السياسي لمفهوم "الدولة" بوصفها مؤسسات محايدة وعامة، تختلف جوهريًا عن "السلطة" التي هي أشخاص وسياسات قابلة للنقد والمراجعة.
فحين يُوجّه النقد إلى وزير، أو إلى سلوك أمني مبالغ به، أو إلى خطط اقتصادية قاصرة، فهذا لا يعني بالضرورة الوقوف ضد الدولة، بل قد يكون ذلك من صلب الدفاع عنها وحمايتها من الانحراف أو التكلس أو الانفصال عن الواقع.
ولعل الخلط بين "السلطة" و"الدولة" هو أحد أكثر الأمراض السياسية خطورة، لأنه يُحوّل كل معارض إلى خصم، وكل صحفي إلى متآمر، وكل ناقد إلى مخرّب، وهو منطق لا ينسجم مع شعارات المرحلة الجديدة التي ترفع رايات العدالة، والمشاركة، والشفافية، والحكم الرشيد.
وفي ظل الضغوط الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية المتزايدة، أصبح المواطن السوري أكثر حساسية تجاه سلوك المسؤولين، وخصوصًا عندما تكون هذه التصرفات مرتبطة بالاستعراض، سواء عبر المواكب أو الولائم أو التصريحات المنفصلة عن الواقع.
الشعب لايطالب بالمثالية، لكنه يطالب بالاحترام، والحد الأدنى من التواضع في إدارة المشهد العام، والانتقاد الشعبي يأتي غالبًا من شعور بالخذلان، لا من رغبة في التشهير أو التحريض، وهو ما يجب أن يكون محل قراءة سياسية واعية من أصحاب القرار.
في هذا الإطار، تبرز مسؤولية الإعلام في التمييز بين التغطية السريعة والانفعال الآني، والتحليل المعمّق الذي يستند إلى وعي سياسي ومؤسسي.
من الضروري في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ سوريا، تثبيت حق النقد في الوعي العام كجزء من البناء الوطني، لا كهدم له، وتهيئة بيئة سياسية وإعلامية تستوعب التنوع في الرأي، وتفهم الفرق بين النقد الهدّام والتحليل البنّاء.
فلا دولة يمكن أن تنهض على الخوف أو الصمت، ولا مجتمع يمكن أن يتماسك دون رقابة ومحاسبة، ولا شرعية سياسية تدوم ما لم تكن متجددة برضا الناس، ومبنية على احترام عقولهم وهمومهم وكرامتهم.