كيف نحمي التعايش ونمنع الطائفية؟ 
كيف نحمي التعايش ونمنع الطائفية؟ 
● آراء ومقالات ٢٩ مارس ٢٠٢٦

كيف نحمي التعايش ونمنع الطائفية؟ 

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قوة الشعوب بما امتلكته من سلاح، بل بما احتفظت به من إنسانيتها. وسوريا، الخارجة من ظلال حقبة ثقيلة، تقف اليوم أمام اختبارٍ أدقّ من كل ما سبق: اختبار العيش معاً، لا بوصفه ضرورة، بل خياراً واعياً ومسؤولاً.

لقد أثبت السوريون، رغم كل ما مرّ بهم، أن النسيج الذي يجمعهم أعمق من أن تمزّقه سنوات العنف أو محاولات التفتيت. هذا النسيج لم يكن يوماً شعاراً سياسياً، بل حقيقة اجتماعية عاشت في تفاصيل الحياة اليومية: في الجيرة، في الخبز المشترك، في الأفراح التي لا تسأل عن الهوية، وفي الأحزان التي لا تفرّق بين كنيسة ومسجد.

وإذا كانت أحداث الأمس في بعض المناطق قد أعادت إلى السطح خطاباً طائفياً مقلقاً، فإنها في الوقت ذاته كشفت عن شيء أكثر أهمية: هشاشة هذا الخطاب أمام وعي الناس، وسرعة انكشافه حين يُقارن بحقيقة العلاقات بين السوريين. فالتوتر، مهما بدا صاخباً، يظل عابراً إن لم يجد حاضنة، والسوريون – في عمقهم – يرفضون أن يكونوا وقوداً لأي فتنة.

في هذا السياق، جاء قرار بعض الكنائس بالاكتفاء بالصلوات دون مظاهر احتفالية في عيد الفصح، كإشارة تحمل أكثر من معنى. هو تعبير عن حساسية اللحظة، وعن إدراك عميق بأن الفرح لا يكتمل إن لم يكن مشتركاً، وأن الأعياد في جوهرها ليست طقوساً فقط، بل رسائل سلام. هذا القرار، في رمزيته، يضع الجميع أمام سؤال جوهري: كيف نحمي هذا السلام الهشّ من الانزلاق؟

الإجابة لا تكمن فقط في وعي المجتمع، بل في دور الدولة أيضاً. فالدولة السورية، في مرحلتها الجديدة، مطالبة بأن تكون الضامن الفعلي لهذا التوازن، لا عبر الخطاب، بل عبر الفعل: ترسيخ العدالة، حماية الحريات الدينية، ومواجهة أي خطاب متطرف – أياً كان مصدره – بحزم لا لبس فيه. لأن التساهل مع الراديكالية، مهما كان مبرره، هو الباب الأوسع لعودة الانقسام.

إن أخطر ما يمكن أن يواجه سوريا اليوم ليس الاختلاف، بل تحويل هذا الاختلاف إلى أداة صراع. وهنا تحديداً تتجلّى مسؤولية النخب، والمؤسسات، والمبادرات المجتمعية: في إعادة تعريف العلاقة بين السوريين على أساس المواطنة، لا الانتماء الضيق، وعلى أساس الشراكة، لا الغلبة.

لقد تعب السوريون من الكراهية، أكثر مما تعبوا من الحرب نفسها. وهم، في صمتهم العميق، يميلون إلى الحياة، إلى البساطة، إلى أن يكونوا معاً دون شروط. وهذه الرغبة الصادقة هي الثروة الحقيقية التي يجب حمايتها.

حماية التعايش ليست مهمة ظرفية، بل مسار طويل يتطلب وعياً يومياً، ومواقف مسؤولة، وإرادة سياسية واضحة. وهي تبدأ من تفاصيل صغيرة: كلمة، موقف، مبادرة، لكنها تتراكم لتصنع واقعاً مختلفاً.

في النهاية، لا تُبنى سوريا الجديدة فقط بإعادة الإعمار، بل بإعادة الثقة بين أبنائها. وهذه مهمة لا تقل صعوبة، لكنها بالتأكيد أكثر أهمية.

 

سونير طالب 

الكاتب: سونير طالب 
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ