من درعا تبدأ الحكاية… "الشرارة" يوثّق لحظة انطلاق الثورة السورية
شهد المركز الثقافي في مدينة درعا عرض الفيلم الوثائقي "الشرارة"، الذي يوثّق اللحظات الأولى من انطلاق الثورة السورية 2011، وذلك بحضور عشرات الشخصيات من وجهاء المدينة وممثلين عن منظمات المجتمع المدني.
ويُعد العمل أول فيلم وثائقي طويل يُعرض في المركز الثقافي منذ عام الثورة السورية 2011، في خطوة تعكس عودة النشاط الثقافي والسينمائي إلى المحافظة بعد سنوات من الانقطاع.
توثيق البدايات
ركّز الفيلم على استعادة الأحداث الأولى التي شهدتها محافظة درعا، والتي ارتبطت ببداية الحراك الشعبي عام 2011.
واستعرض العمل لحظة سقوط أول تمثال لحافظ الأسد في مدينة داعل، إلى جانب توثيق مقتل أول شابين برصاص قوات النظام البائد، ضمن سرد بصري يعيد إلى الأذهان مشاهد البدايات التي يُنسب إلى درعا إطلاق شرارتها.
كما تناول الفيلم مرحلة ما قبل 18 آذار، مقدّماً تمهيداً عن المجتمع المحلي في حوران، ثم ينتقل إلى عرض الواقع الأمني في المدينة قبل اندلاع الاحتجاجات، وصولاً إلى لحظة الانطلاق وما سبقها من إرهاصات في دمشق ودرعا.
شهادات جديدة وأرشيف نادر
قال المخرج محمد المسالمة في حديث لـ شبكة شام الإخبارية، إن فلم "الشرارة" هو أول فيلم وثائقي طويل يُعرض في المركز الثقافي بدرعا منذ سقوط النظام، مشيراً إلى أن العمل لا يهدف فقط إلى التوثيق، بل يشكّل أيضاً محاولة لإعادة إحياء السينما في المدينة وتعريف الجمهور بأهمية الأفلام الوثائقية في حفظ ذاكرة الشعوب وتاريخها.
وأوضح أن الفيلم ركّز على توثيق أحداث تاريخية سبقت 18 آذار، وضمّ شهادات لضيوف لم تُعرض رواياتهم من قبل، في محاولة لتقديم مادة مختلفة عمّا تم إنتاجه سابقاً حول تلك المرحلة.
وأضاف أن أهمية الفيلم تنبع من احتوائه على مشاهد حصرية من الأيام الأولى للثورة، جرى جمعها على مدار سنوات طويلة بدأت منذ عام 2018، لافتاً إلى أن أبرز التحديات التي واجهت الفريق كانت ندرة المقاطع المصورة عالية الجودة، وهي مشكلة رافقت معظم الأعمال السابقة.
وأشار إلى أن الفيلم تناول قضية اعتقال الأطفال، لكنه لم يحدّد هوية من كتب العبارات على الجدران، معتبراً أن هذه المسألة لا تزال غير محسومة، وهو ما فتح باب التساؤل مجدداً داخل الشارع حول تلك التفاصيل، ودفع متابعين إلى نشر شهاداتهم وصور لضحايا لم يظهروا في الفيلم، والمطالبة بتضمين جميع القصص.
تفاعل متباين.. بين التأييد والاعتراض
أثار الفيلم تفاعلاً واسعاً بين الحضور، امتد لاحقاً إلى الشارع في درعا، حيث انقسمت الآراء بين مؤيد للعمل ومعترض عليه، إذ عبّر عدد من الحضور عن تأثرهم بالمشاهد واستعادة ذكريات الأيام الأولى، فيما دعا آخرون إلى إنتاج أعمال إضافية توثّق أحداثاً وشخصيات لم يتناولها الفيلم، مقابل تسجيل اعتراضات على ظهور بعض الشخصيات في ظل الانقسامات المجتمعية المتراكمة خلال السنوات الماضية.
وقال المسالمة إن انتقال النقاش من قاعة العرض إلى الشارع يُعد مؤشراً على تأثير الفيلم، ويعكس في الوقت نفسه غياب السينما عن درعا لسنوات طويلة، ما جعل من عرض العمل مساحة مفتوحة للتعبير وتبادل الآراء بين القبول والرفض.
إنتاج جماعي وتحديات تقنية
وأوضح المسالمة أن فريق العمل واجه تحديات كبيرة خلال مراحل الإنتاج، أبرزها ارتفاع تكاليف التصوير وضعف الإمكانيات، ما دفعهم لاعتماد أسلوب العمل الجماعي بدلاً من الفردي.
وبين في حديثه لـ "شام" إلى أن ثمانية مصورين من داخل درعا شاركوا في إنجاز المقابلات بشكل تطوعي، مستخدمين معداتهم الشخصية بغض النظر عن جودتها، في محاولة لتجاوز القيود التقنية المتاحة.
وأضاف أن وجوده خارج سوريا، مقابل وجود الفريق داخلها، تسبب بتأخير بعض مراحل العمل، خاصة ما يتعلق بالتواصل ونقل المواد المصورة عبر الإنترنت، ما انعكس على سير الإنتاج.
من فقدان الأرشيف إلى إعادة البناء
أشار المسالمة إلى أنه فقد أرشيفاً كبيراً صوّره في بدايات الثورة بعد اعتقاله عام 2013 ومصادرة معداته، ما شكّل خسارة مباشرة للمواد التوثيقية التي جمعها منذ انطلاق الأحداث.
وأضاف أنه بعد خروجه من سوريا بدأ بمحاولة إعادة جمع ما تبقى من أرشيف الأيام الأولى، بالاعتماد على مواد قدّمها ناشطون وصنّاع محتوى، من بينهم عروة مقداد وعبد الله دلوع وباسل غزاوي ولورنس أكراد وأحمد خليلي، لتشكيل قاعدة اعتمد عليها في إنتاج الفيلم بصيغة مختلفة.
خطوة أولى لمسارين طويلين
وأشار المسالمة إلى أن "الشرارة" يمثّل خطوة أولى في مسارين طويلين، يتمثل الأول في توثيق أحداث الثورة السورية بشكل احترافي، والثاني في إعادة إحياء السينما والأفلام الوثائقية في المجتمع المحلي، وأكد أن العمل ليس المحطة الأخيرة، مشيراً إلى بدء التحضير لفيلم وثائقي جديد يُكمل ما بدأه "الشرارة"، معتبراً أن أحداثاً بحجم الثورة لا يمكن اختصارها في 60 دقيقة فقط.