الشبكة السورية لحقوق الإنسان تطرح خارطة طريق لإعادة دمج الفصائل المسلحة وبناء جيش وطني موحد
أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريراً جديداً بعنوان “إعادة دمج وإصلاح الجماعات المسلحة في سوريا في المرحلة الانتقالية: مسارات نحو استقرار مستدام”، تناول التحديات القانونية والسياسية والأمنية المرتبطة بإعادة دمج الفصائل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وأوضح التقرير أن نجاح أي تسوية سياسية مستقبلية في سوريا يرتبط بشكل مباشر بقدرة الدولة على تنفيذ عملية متوازنة تشمل نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، بالتزامن مع إصلاح القطاع الأمني وتحقيق العدالة الانتقالية.
وأكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن بناء قوات أمنية مهنية وخاضعة للرقابة المدنية يتطلب “ملكية وطنية شفافة”، ومشاركة فعالة للضحايا والنساء والشباب، إلى جانب توفير بدائل اقتصادية واقعية للمقاتلين السابقين.
تحديات معقدة أمام إعادة الإدماج
أشار التقرير إلى أن عملية إعادة دمج الجماعات المسلحة تواجه عقبات قانونية وتنظيمية ولوجستية معقدة، قد تعرقل نجاح المرحلة الانتقالية إذا لم تُعالج بشكل جذري، وأوضح أن من أبرز هذه العقبات مخاوف المقاتلين السابقين من الملاحقة القانونية أو الاستهداف، ما يدفع بعضهم إلى التمسك بالسلاح ومناطق النفوذ.
كما لفت إلى أن تفاوت البنى التنظيمية والقيادية بين الفصائل المسلحة يزيد من صعوبة توحيدها ضمن مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، إضافة إلى اختلاف مصادر التسليح ومستويات التدريب.
تأثير التدخلات الخارجية
أكد التقرير أن التدخلات الإقليمية والدولية لعبت دوراً أساسياً في تعقيد ملف الفصائل المسلحة، إذ تحولت بعض الجماعات إلى أدوات مرتبطة بأجندات خارجية، وأشار إلى أن قوى إقليمية ودولية ما تزال تنظر إلى بعض الفصائل باعتبارها امتداداً لنفوذها السياسي والعسكري داخل سوريا، ما يصعّب الوصول إلى توافق داخلي شامل حول عملية الإدماج.
انقسامات الهوية وأزمة الثقة
لفت التقرير إلى أن الانقسامات الطائفية والإثنية والأيديولوجية تشكل تحدياً رئيسياً أمام بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، في ظل اختلاف الرؤى السياسية والعسكرية بين الجماعات المسلحة.
وأضاف أن سنوات الصراع والاقتتال الداخلي أدت إلى ترسيخ أزمة ثقة بين الفصائل نفسها، وبينها وبين المجتمعات المحلية والسلطات الرسمية.
وأوضح أن الخوف من التهميش أو الاستهداف بعد التخلي عن السلاح يضعف ثقة المقاتلين بأي عملية سياسية أو أمنية مستقبلية.
أزمة اقتصادية تهدد الاستقرار
حذر التقرير من أن غياب البدائل الاقتصادية يشكل أحد أخطر التحديات أمام إعادة الإدماج، خصوصاً أن آلاف المقاتلين يعتمدون على العمل العسكري كمصدر دخل رئيسي.
وأشار إلى أن تسريح المقاتلين دون توفير فرص عمل أو برامج تأهيل قد يدفع بعضهم إلى العودة للعمل المسلح أو الانخراط في الجريمة المنظمة.
كما أكد أن برامج إعادة الإدماج تحتاج إلى تمويل كبير، في ظل ضعف مؤسسات الدولة وتراجع قدرة المانحين الدوليين على تقديم الدعم طويل الأمد.
رفض اجتماعي ومخاوف من الانتقام
أكد التقرير أن جزءاً من المجتمعات المحلية ينظر إلى المقاتلين السابقين باعتبارهم مسؤولين عن العنف والمعاناة خلال سنوات الحرب في سوريا، ما يخلق حالة من الرفض والنبذ الاجتماعي.
وأشار إلى أن هذا الواقع قد يدفع بعض المقاتلين إلى التمسك بجماعاتهم المسلحة باعتبارها مصدر الحماية والانتماء.
وحذر من أن غياب المصالحة المجتمعية وخطوات العدالة الانتقالية قد يؤدي إلى تجدد أعمال العنف والانتقام.
خارطة طريق لإعادة الدمج
قدّم التقرير إطاراً عملياً لإعادة دمج الجماعات المسلحة، يقوم على إشراك جميع الأطراف المعنية، بما فيها الفصائل المسلحة والمجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني والضحايا والنساء والشباب.
وأكد أهمية اعتماد آليات شفافة للمساءلة والتدقيق، مع توفير رقابة مستقلة وضمانات قانونية وإدارية خلال جميع مراحل الإصلاح.
كما دعا إلى إنشاء لجان تخطيط مشتركة وتطوير قوانين تنظم عمليات العفو وحقوق المقاتلين السابقين واسترداد الممتلكات.
العدالة الانتقالية والإصلاح الأمني
شدد التقرير على ضرورة اعتماد “المساءلة المتمايزة”، بحيث تتم محاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، مقابل تطبيق صيغ عدالة بديلة أو عفو مشروط في القضايا الأقل خطورة.
ودعا إلى إنشاء محاكم ودوائر قضائية متخصصة، وتوفير دعم قانوني مجاني للضحايا والمقاتلين السابقين لضمان عدالة الإجراءات.
وفي ملف الأمن، أوصى التقرير ببناء مؤسسة عسكرية موحدة تقوم على المهنية والانضباط والحياد، مع منع احتكار المناصب القيادية من قبل أي جهة سياسية أو عرقية.
كما شدد على أهمية الرقابة البرلمانية والمدنية على القطاع الأمني، واعتماد أنظمة ترقية تستند إلى الكفاءة بدلاً من الولاءات.
دعم اقتصادي ودولي
أوصى التقرير بإشراك المقاتلين السابقين في مشاريع إعادة الإعمار واستصلاح الأراضي الزراعية والمشاريع الصغيرة، إضافة إلى توفير برامج تدريب مهني ودعم نفسي واجتماعي.
وأكد أهمية الدعم الدولي في مجالات التمويل والمساعدة الفنية ونقل الخبرات، مع احترام السيادة السورية وتعزيز القدرات المحلية.
كما دعا إلى إنشاء آليات مستقلة للرصد والتقييم، تعتمد على الشفافية وجمع البيانات الدقيقة لضمان نجاح عملية الإدماج والإصلاح.
توصيات للحكومة والمجتمع الدولي
طالب التقرير الحكومة السورية بإنشاء لجنة وطنية شاملة لإدارة ملف إعادة الإدماج، وتطوير إطار قانوني واضح لعملية الإصلاح، إضافة إلى تأسيس مؤسسات عسكرية احترافية وآليات رقابة مستقلة.
ودعا المجتمع الدولي إلى دعم العدالة الانتقالية وتقديم مساعدات فنية مستدامة، وتسهيل عودة اللاجئين والنازحين وربط ذلك ببرامج إعادة الإدماج.
كما أوصى منظمات المجتمع المدني بالعمل على تعزيز التماسك الاجتماعي، ومواجهة خطاب الكراهية، وتطوير مبادرات للحوار والمصالحة المجتمعية.