التجاوز الرقمي في سوريا: كيف تؤثر الشتائم والقذف على النفوس والسمعة..؟
التجاوز الرقمي في سوريا: كيف تؤثر الشتائم والقذف على النفوس والسمعة..؟
● مجتمع ٢٧ مارس ٢٠٢٦

التجاوز الرقمي في سوريا: كيف تؤثر الشتائم والقذف على النفوس والسمعة..؟

مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي وتحولها إلى فضاء يومي للتفاعل بين آلاف المستخدمين، أصبحت الشتائم والعبارات الجارحة حاضرة في كثير من النقاشات والمنشورات، حيث تتحول الخلافات أحياناً إلى تراشق بالألفاظ واتهامات علنية سواء عبر التعليقات أو المنشورات العامة، في مشهد يتكرر بشكل ملحوظ على مختلف المنصات.

وتترك هذه الممارسات آثاراً سلبية على الأشخاص المتعرضين لها، إذ يشعر بعضهم بالإحراج أو الغضب أو التوتر نتيجة التعليقات المسيئة أو الاتهامات العلنية، خاصة عندما تكون منشورة أمام جمهور واسع، ما يزيد من حدة الموقف ويجعل تأثيرها أكبر مقارنة بالخلافات الواقعية المباشرة.

كما قد تؤدي إلى تشويه سمعة المتضرر، إذ تنتشر أحياناً معلومات كاذبة أو مبالغ فيها عن حياته أو سلوكه، ما ينعكس سلباً على علاقاته الاجتماعية والمهنية ويضاعف من وطأة التأثير النفسي لهذه التجاوزات.

التعدد المعنوي للجرائم

يقول المحامي باسل موسى في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن القصور في فهم طبيعة "العلنية" في وسائل التواصل الاجتماعي أدى إلى استباحة كرامات الأشخاص، ظناً من الفاعلين أن الشاشة حاجز يمنع الملاحقة.

ويضيف أنه بصفته متخصصاً في القانون الجزائي والمدني، يؤكد أن الفعل الجرمي المرتكب عبر الشبكة يقع تحت طائلة "التعدد المعنوي للجرائم"، حيث يمس الحق العام (العقوبة) والحق الخاص (التعويض).

العقوبات الجزائية للجرائم الإلكترونية في القانون السوري

وأوضح أن الشق الجزائي، المتمثل في قانون العقوبات وقانون مكافحة الجريمة المعلوماتية، ولا سيما القانون رقم 20 لعام 2022، والمتكامل مع قانون العقوبات العام، يحدد المسؤولية الجزائية وفق الآتي: جرم الذم الإلكتروني المنصوص عليه في المادة 25، والذي يُقصد به نسبة أمر محدد إلى شخص من شأنه أن ينال من شرفه أو كرامته، وتصل عقوبته إلى الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة، إضافة إلى غرامة تتراوح بين 500 ألف ومليون ليرة سورية.

كما أشار إلى جرم القدح الإلكتروني المنصوص عليه في المادة 24، والذي يتمثل في توجيه عبارات إهانة أو تحقير إلى شخص دون نسبة أمر محدد إليه، وتصل عقوبته إلى الحبس من شهر إلى ستة أشهر، إضافة إلى غرامة تتراوح بين 200 ألف و500 ألف ليرة سورية.

 أما النيل من الكرامة المنصوص عليه في المادة 26، فيشير إلى الحالات التي تتجاوز فيها الإساءة حدود القدح لتصبح تحقيراً يمس الصميم الأخلاقي أو الاجتماعي للمجني عليه، وتصل العقوبة فيها إلى الحبس من ستة أشهر إلى سنتين، إضافة إلى غرامة قد تصل إلى مليوني ليرة سورية.

وتشدد العقوبة وفق قواعد قانون العقوبات في حال ارتكب الجرم ضد موظف عام أثناء ممارسة وظيفته أو بسببها، أو إذا كان الدافع وراء الفعل هو الابتزاز، ما يزيد من حجم المسؤولية القانونية والعقوبة المترتبة على الفاعل.
المسؤولية المدنية والتعويض عن الجرائم الإلكترونية

يشير موسى لـ "شام" إلى الشق المدني  (المسؤولية التقصيرية والتعويض)، مضيفاً أنه بموجب المادة 164 من القانون المدني، لا تُبرَّأ ذمة الجاني بمجرد قضاء العقوبة الحبسية، بل يظل ملزماً بجبر الضرر الناتج عن جريمته. ويشمل ذلك التعويض المعنوي، الذي يُقدَّر بقيمة نقدية تتناسب مع حجم الإساءة ومكانة المجني عليه الاجتماعية والمهنية.
 
والتعويض المادي: في حال ترتب على الإساءة خسارة تجارية أو وظيفية (خاصة في القضايا التجارية التي تدخل في صلب اختصاصي)، إلى جانب نشر الحكم: إلزام المحكوم عليه بنشر خلاصة حكم الإدانة على نفقته الخاصة في الوسيلة ذاتها التي استخدمها للإساءة، كنوع من رد الاعتبار المدني.

إجراءات التقاضي وحماية الحقوق الرقمية

وفيما يتعلق بالإجراءات والقواعد الإجرائية (قانون أصول المحاكمات الجزائية)، ينوه المحامي باسل إلى أن تحريك الدعوى يتطلب إجراءات فنية وقانونية دقيقة، فبالنسبة للخبرة الفنية يتطلب الأمر مراجعة إدارة مكافحة الجريمة المعلوماتية لإجراء الخبرة الرقمية وتحديد هوية الفاعل (عن طريق IP Address) وضمان عدم التنصل من التهمة بحجة "سرقة الحساب".

والادعاء بالحق الشخصي: تقديم الادعاء أمام قاضي التحقيق أو محكمة الجنح المختصة بالجرائم المعلوماتية، مع التمسك بكافة وسائل الإثبات الرقمية، ويعطي موسى قاعدة بأن "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"، مشيراً إلى أن التوعية القانونية هي السد المنيع؛ والمجتمع الواعي يدرك أن "حرية التعبير" تنتهي عند حدود "حرية الآخرين وكرامتهم".

ويؤكد باسل موسى أن تلازم العقوبة الجزائية الزاجرة مع التعويض المدني الرادع هو الكفيل بالحد من هذه الظاهرة، ويشدد بصفته محامياً مختصاً، على أن القانون السوري أصبح اليوم أكثر حزماً في حماية الخصوصية الرقمية، وأن حق المتضرر لن يضيع طالما سلك الطرق القانونية الصحيحة.

الآثار النفسية والاجتماعية للشتائم الرقمية

يشير أخصائيون نفسيون إلى أن التعرض للشتائم والقذف على منصات التواصل الاجتماعي يترك آثاراً سلبية واضحة على الأفراد، إذ يؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس، وزيادة التوتر والقلق، وأحياناً مشاعر الاكتئاب والإحباط، فهذه الممارسات الرقمية، رغم كونها غير مباشرة، قد تكون مؤذية بقدر كبير خاصة إذا تكررت أو كانت مستهدفة السمعة الشخصية والمهنية للفرد.

ويؤكدون أن لهذه الظاهرة انعكاسات اجتماعية، إذ يمكن أن تحد من قدرة الشخص على التعبير عن رأيه بحرية، وتؤثر في علاقاته الأسرية والاجتماعية، لذلك يشددون على أهمية التوعية بالقوانين الخاصة بحماية الحقوق الرقمية، إلى جانب الدعم الاجتماعي والنفسي، كخطوات أساسية للتقليل من تأثير الشتائم والقذف على الصحة النفسية للأفراد.

وتبقى ظاهرة الشتائم والقذف على منصات التواصل الاجتماعي أحد المشاكل التي تؤثر سلباً على الأفراد نفسياً واجتماعياً، ما يجعل الوعي بالقوانين الرقمية وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي من الأدوات الضرورية للحد من آثارها وحماية كرامة المستخدمين.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ