الأسواق السورية قبيل عيد الأضحى.. غلاء متواصل واستنفار تمويني واسع لتحجيم المخالفات
الأسواق السورية قبيل عيد الأضحى.. غلاء متواصل واستنفار تمويني واسع لتحجيم المخالفات
● محليات ٢٥ مايو ٢٠٢٦

الأسواق السورية قبيل عيد الأضحى.. غلاء متواصل واستنفار تمويني واسع لتحجيم المخالفات

تدخل الأسواق السورية موسم عيد الأضحى هذا العام وسط حالة معيشية ضاغطة تتداخل فيها موجة الغلاء مع تراجع القدرة الشرائية، بينما تحاول الجهات التموينية تعزيز الرقابة وضبط الأسواق مع ارتفاع الطلب الموسمي على المواد الغذائية والألبسة والحلويات واللحوم.

ووفق مصادر اقتصادية متطابقة تبدو الحركة التجارية أقل من مواسم سابقة رغم النشاط الملحوظ في بعض الأسواق الشعبية، في وقت يعتمد فيه جزء كبير من الأسر على حوالات المغتربين لتأمين مستلزمات العيد الأساسية.

وتشير المعطيات الاقتصادية إلى استمرار الضغوط على الليرة السورية، إذ بلغ سعر صرف الدولار في السوق الموازية نحو 14 ألف ليرة سورية، مقابل سعر رسمي يقارب 11 ألفاً و300 ليرة، وفق ما أوضحه أستاذ التجارة الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور "رياض الأشتر".

وأكد "الأشتر" أن الفجوة الكبيرة بين السعرين تعكس ارتفاع الطلب على القطع الأجنبي لتمويل المستوردات والاحتياجات التجارية، في ظل تراجع احتياطيات مصرف سوريا المركزي وضعف الإنتاج المحلي.

وأوضح أن الزيادات المتكررة على أسعار الكهرباء والمحروقات والغاز رفعت تكاليف الإنتاج والنقل والتشغيل، ما انعكس على أسعار مختلف السلع والخدمات، بما فيها المواد الغذائية والألبسة وأجور الخياطة والنقل.

وقدر أن قيمة المستوردات السورية خلال العام الماضي بلغت نحو 7.8 مليارات دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز مليار دولار، ما أدى إلى عجز تجاري يقدّر بنحو 6.8 مليارات دولار، وأسهم في زيادة الضغط على سعر الصرف وتراجع قيمة الليرة السورية.

كما أشار إلى أن التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة عالمياً انعكست مباشرة على الأسواق السورية وفي الأسواق، سجلت الأسعار ارتفاعات واضحة قبيل العيد، حيث وصل سعر كيلو القهوة هال عادي إلى نحو 130 ألف ليرة سورية، بعد أن كان سعر القهوة الممتازة لا يتجاوز 140 ألف ليرة قبل موجة الغلاء الأخيرة، وفق ما أكده صاحب محل لبيع القهوة في حلب "محمد كتوري".

كما وصل سعر كيلو الجبن العكاوي إلى نحو 420 ألف ليرة، في حين تحدث مواطنون عن بيع بعض الأنواع بسعر 390 ألف ليرة مع وجود حالات غش عبر إضافة النشاء وزيادة نسبة المياه للتأثير على الوزن والجودة، وهو ما أدى إلى تصاعد الشكاوى والاحتكاكات بين المستهلكين والتجار.

وفي هذا السياق، اعتبر الباحث الاقتصادي مؤيد سكيف أن العلاقة بين المواطن والتاجر باتت تعيش أزمة ثقة، موضحاً أن غياب الشفافية وضعف توضيح تفاصيل المنتجات والأسعار يدفع المستهلك إلى الشك، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الحالية وأضاف أن التاجر بدوره متضرر من ارتفاع التكاليف، لكنه يسعى للحفاظ على هامش ربح يضعه أحياناً في مواجهة مباشرة مع المستهلك.

من جهتها، أوضحت الخبيرة الاجتماعية ميساء نداف أن حالة الاحتقان المتزايدة في الأسواق ترتبط أيضاً بضغوط نفسية واجتماعية يعيشها المواطن، معتبرة أن بعض المواطنين باتوا ينظرون إلى التجار باعتبارهم مسؤولين بشكل مباشر عن الغلاء، في إطار ما وصفته بآلية “كبش الفداء” الناتجة عن الأزمات الاقتصادية الممتدة.

في المقابل، كثفت مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك استعداداتها للعيد عبر خطط رقابية موسعة. وأعلن مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حمص وائل برغل أن المديرية رفعت عدد الدوريات والعناصر المناوبة، مع تنفيذ جولات صباحية ومسائية تغطي المدينة والريف وتقسيم المحافظة إلى قطاعات رقابية رئيسية.

وأوضح برغل أن الجولات تركز على محال الألبسة والأحذية والحلويات ومواد الضيافة والبسطات، إضافة إلى مراقبة الألعاب النارية والمفرقعات ومسدسات الخرز لمنع تداول المواد الخطرة وغير النظامية كما أكد استمرار سحب العينات من المواد الغذائية والحلويات والألبسة وإخضاعها للتحليل المخبري للتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية السورية.

وأشار إلى تشديد الرقابة على المخابز التموينية لضمان جودة الخبز ووزنه، إضافة إلى مراقبة أسواق الأضاحي ومعايرة الموازين والقبابين ومنع حالات الغش في الأوزان، فضلاً عن متابعة المسالخ ومحال القصابة للتأكد من سلامة اللحوم المطروحة في الأسواق.

وأكد تخصيص دوريات مناوبة خلال أيام العيد لمتابعة عمل المخابز والمطاعم والكافيتريات وملاهي الأطفال، مع استمرار استقبال شكاوى المواطنين على مدار الساعة، بالتنسيق مع مديريات الصحة والأمن الاقتصادي والبلديات لضبط المخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وفي دمشق، أعلن مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك غياث بكور اعتماد منظومة رقابية إلكترونية حديثة تعتمد على كاميرات مراقبة مرتبطة بشكل مباشر مع مديرية المعلوماتية لتوثيق عمل الدوريات التموينية ومتابعة المخالفات بشكل يومي.

وأوضح أن المراقبين التموينيين باتوا يستخدمون كاميرات حديثة لتسجيل جميع الجولات والإجراءات المتخذة بحق الفعاليات المخالفة، على أن يتم حفظ التسجيلات إلكترونياً والعودة إليها في حال وجود اعتراضات أو شكاوى.

وكشف بكور أن مديرية حماية المستهلك نظمت أكثر من 200 ضبط تمويني خلال أسبوع واحد فقط، وسحبت أكثر من 50 عينة من المواد الغذائية المرتبطة بمستلزمات العيد لتحليلها والتأكد من سلامتها. وأضاف أن الرقابة تتركز على أسواق اللحوم والفروج والأسماك مع التأكد من الإعلان الواضح عن الأسعار ومراقبة الفواتير بين التجار.

كما أشار إلى تفعيل نظام “QR” لتلقي شكاوى المواطنين إلكترونياً، إلى جانب الرقم 119 وخدمة الواتساب، بهدف تسريع معالجة المخالفات وتقليل الاحتكاك المباشر بين المستهلك والبائع. إلا أن بعض المواطنين والتجار تحدثوا عن محاولات لإخفاء أو تمزيق لصاقات “الباركود” داخل بعض المحال، الأمر الذي دفع المديرية للتحذير من بدء فرض غرامات بحق المخالفين خلال الفترة المقبلة.

بدوره، أكد أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة أن الأسواق ما تزال تسجل ارتفاعات كبيرة في أسعار السكر والزيوت والفروج والحلويات والفواكه والمكسرات، مع ضعف واضح في حركة الشراء نتيجة تراجع القدرة الشرائية وأضاف أن أسعار المحروقات والزيوت شهدت ارتفاعات “غير حقيقية”، في حين لم تنخفض أسعار المواد الأساسية بالشكل المتوقع رغم القوانين الجمركية الجديدة.

وأشار إلى أن الطلب الموسمي والمضاربات على أسعار الصرف ساهما في رفع الأسعار قبيل العيد، متوقعاً استمرار الارتفاع خلال أيام العيد قبل أن تعود الأسواق إلى حالة من الاستقرار النسبي بعد انتهاء الموسم. كما تحدث عن جهود لإعادة تشغيل صالات السورية للتجارة بأسعار مخفضة نسبياً، وتشديد الرقابة لمنع الغش والتلاعب بالأسعار.

اقتصادياً، تلعب حوالات المغتربين دوراً محورياً في تحريك الأسواق خلال موسم العيد وأوضح الخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي أن قيمة الحوالات السنوية إلى سوريا تتراوح بين 1.5 و3 مليارات دولار، بينما ترتفع خلال مواسم الأعياد بنسبة تتراوح بين 20 و30 بالمئة مقارنة بالأشهر العادية وأضاف أن متوسط الحوالات الشهرية يتراوح بين 150 و200 مليون دولار، لكنه قد يتجاوز 250 مليون دولار خلال فترات الأعياد.

وأكد أن هذه الحوالات تنعش الأسواق مؤقتاً عبر زيادة الإنفاق على الألبسة والمواد الغذائية والحلويات وتسديد الالتزامات المنزلية والعلاج والتعليم، كما تسهم في زيادة عرض الدولار داخل السوق المحلية وتخفيف الضغوط على سعر الصرف بشكل نسبي.

فيما اعتبر أن الاعتماد المتزايد على الحوالات يكشف في الوقت ذاته ضعف البنية الاقتصادية المحلية واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من هذه الأموال يذهب للاستهلاك المباشر وليس للاستثمار أو دعم الإنتاج.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ