عندما يتحول النقد إلى عبء.. كيف يؤثر أسلوب الأهل في نفسية الأبناء؟
يسعى الأهل بطبيعتهم إلى توجيه أبنائهم وتصحيح أخطائهم بهدف مساعدتهم على التطور والظهور بأفضل صورة، إلا أن الطريقة التي تُقدَّم بها الملاحظات تختلف من أسرة إلى أخرى، فبينما يعتمد بعض الأهل أسلوب النقد الإيجابي القائم على التوجيه والاحترام وتعزيز نقاط القوة، قد يلجأ آخرون إلى أسلوب نقدي جارح ومتكرر يترك آثاراً سلبية على نفسية الابن وثقته بنفسه.
ومع استمرار هذا النوع من النقد، قد لا تقتصر تداعياته على المواقف الآنية، بل تمتد لتؤثر في نظرة الابن إلى ذاته وطريقة تعامله مع التحديات مستقبلاً، ومن هنا يظهر الفرق بين النقد الذي يدعم بناء الشخصية، والنقد الذي قد يضعفها.
الفرق بين النقد الإيجابي والٱخر السلبي
قالت ٱمنة عمر إسماعيل، أخصائية تربية خاصة وصحة نفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها تؤمن، كما يشير عالم النفس كارل روجرز، بأن البيئة الداعمة والتقبل غير المشروط يُعدّان من أبرز العوامل التي تسهم في تحقيق النمو النفسي السليم للإنسان.
وأضافت أنها، انطلاقاً من هذا الإيمان، تحرص على نشر الوعي الأسري وتقديم برامج تدريبية تسهم في بناء شخصية متوازنة وقادرة على مواجهة تحديات الحياة، مؤكدةً في الوقت ذاته إيمانها بأهمية العمل الجماعي لما يتيحه من آفاق جديدة تسهم في تطوير المجتمع.
وأشارت إلى أن النقد المستمر يتمثل في تكرار الملاحظات السلبية على سلوك أو شخصية الابن دون مراعاة لاحتياجاته النفسية أو إبراز جوانب قوته، مبينةً أن النقد يكون إيجابياً عندما يهدف إلى تعديل السلوك بأسلوب يحفظ الاحترام، لكنه يتحول إلى تأثير سلبي عندما يتخذ طابع التجريح أو المقارنة أو الإهانة المتكررة.
وذكرت الأخصائية أن دراسة نُشرت في Journal of Experimental Child Psychology (2023) أظهرت أن التعرض المتكرر للنقد الوالدي يزيد من اضطراب المزاج والاجترار الفكري لدى المراهقين، لا سيما لدى من لديهم صورة سلبية عن ذواتهم، ولفتت إلى أنهم ما زالوا حتى اليوم يعالجون صدمات الماضي لدى الكبار والصغار نتيجة التعرض لنقد سلبي متكرر أو لعدم تفهم الأب أو الأسرة للابن.
وأوضحت أن النقد الإيجابي يركز على السلوك لا على الشخصية، ويقترن بالاحترام والتشجيع وتقديم حلول عملية، في حين أن النقد السلبي يهاجم الشخص ويستخدم أوصافاً تقلل من قيمته، مشيرةً إلى أن عالم النفس ألبرت باندورا يرى أن شعور الطفل بالكفاءة الذاتية ينمو عندما يتلقى تغذية راجعة مشجعة تساعده على التعلم، لا عندما يُشعر بالعجز، مؤكدةً أنها تنصح كل والد بأن يسأل نفسه: هل كلماتي ستساعد ابني على التحسن، أم ستجعله يخاف من الخطأ؟
تأثير النقد السلبي
وذكرت ٱمنة عمر إسماعيل في تصريح خاص لـ شام، أن الأبناء يتأثرون بكلمات والديهم أكثر مما يُتصوَّر؛ إذ قد يدفعهم النقد المتكرر إلى تكوين صورة سلبية عن أنفسهم والشعور بعدم القدرة على النجاح مهما بذلوا من جهد، كما قد يتزايد لديهم القلق ويتجنبون المبادرة خوفاً من الفشل، مشيرةً إلى أن دراسة واسعة نُشرت في Journal of Affective Disorders (2024) تؤكد ارتباط أنماط التربية السلبية بارتفاع معدلات الاكتئاب لدى المراهقين، وأن انخفاض تقدير الذات يُعدّ أحد أبرز العوامل الوسيطة في هذه العلاقة.
وأكدت أن تأثير النقد يختلف باختلاف المرحلة العمرية للابن؛ فالطفل قد يفسّر النقد على أنه رفض لشخصه، بينما يكون المراهق أكثر حساسية لمروره بمرحلة بناء الهوية، ما قد يدفعه إلى الانسحاب أو التمرد، في حين قد يؤدي ذلك لدى الشاب إلى اهتزاز ثقته بقدراته وتردده في اتخاذ القرار، وأشارت خلال حديثها إلى أن عالم النفس إريك إريكسون بيّن أن نجاح كل مرحلة نمائية يرتبط بدرجة كبيرة بطبيعة الدعم الذي يتلقاه الفرد من أسرته، وأن غياب هذا الدعم قد ينعكس على تكوين الهوية وتعزيز الثقة بالنفس.
ونوهت إلى أن من أبرز العلامات التي قد تظهر على الابن وتدل على تأثره سلباً بالنقد المستمر: انخفاض الثقة بالنفس، والخوف المبالغ فيه من الوقوع في الخطأ، والانسحاب الاجتماعي، وفقدان الدافعية، والتردد، إلى جانب الحساسية الزائدة تجاه الملاحظات، مشيرةً إلى أنه قد ترافق ذلك أيضاً أعراض القلق أو الحزن، واضطرابات في النوم، إضافةً إلى تراجع في المستوى الدراسي.
ولفتت إلى أن الطبيب النفسي دانيال سيغل يؤكد أن المشاعر السلبية المتكررة داخل الأسرة تترك آثاراً واضحة في التنظيم الانفعالي لدى الأطفال والمراهقين إذا لم تجد احتواءً ودعمًا مناسبين.
نصائح للأهل
وأشارت الأخصائية ٱمنة إلى أنها، بصفتها معالجة نفسية سلوكية، تنصح الأهل بالتركيز على السلوك وليس على شخصية الابن، واختيار الوقت المناسب للحوار، واستخدام لغة هادئة، مع توضيح البديل الصحيح بدل الاكتفاء باللوم، كما أوضحت ضرورة الإكثار من التشجيع والثناء على جوانب القوة، وإشراك الابن في إيجاد الحلول.
وأوصت الأهل بكتاب «كيف نتحدث ليصغي الأطفال، وكيف نصغي ليتحدث الأطفال» لأديل فابر وإلين مازليش، لكونه يقدم أساليب عملية في التواصل الإيجابي، ونوهت إلى أن كتاب «الطفل الإيجابي» (The Whole-Brain Child) لدانيال سيغل وتينا برايسون يُعدّ من المراجع المهمة لفهم احتياجات الطفل النفسية وبناء علاقة تربوية آمنة معه.
يبقى أسلوب تعامل الأهل مع أخطاء أبنائهم وطريقة تقديم الملاحظات لهم عاملاً مؤثراً في علاقتهم بهم، إذ قد يكون النقد وسيلة للتوجيه والتطوير عندما يُقدَّم بأسلوب متوازن، بينما قد يترك آثاراً سلبية عند تكراره بصورة جارحة، وتظل الموازنة بين تصحيح السلوك ودعم الابن نفسياً من الجوانب المهمة في بناء تواصل أسري صحي.