بين الطموح والواقع: كيف يختار الطالب بين الفرع العلمي والأدبي؟
بعد أن ينهي الطلاب الصف العاشر في سوريا، يواجهون مرحلة مفصلية في مسيرتهم الدراسية تتمثل في اختيار الفرع الذي سينتقلون إليه في المرحلة الثانوية، بين العلمي والأدبي، في ظل تباين واضح في ميولهم وقدراتهم، إلى جانب تدخلات متفاوتة من الأهل، ما يجعل هذا القرار محاطاً بعوامل متعددة تؤثر بشكل مباشر على مستقبلهم الدراسي والمهني.
وفي هذا السياق، يلجأ بعض الطلاب إلى اختيار الفرع العلمي رغم عدم امتلاكهم المقومات اللازمة لذلك، كضعف مستواهم في مواد أساسية مثل الرياضيات والكيمياء، مدفوعين باعتقادهم بإمكانية تحسين مستواهم خلال السنوات القادمة، أو نتيجة ضغوط عائلية، أو بدافع مجاراة الأصدقاء والتفاخر بهذا الاختيار.
في المقابل، يتجه طلاب آخرون إلى اختيار الفرع الذي يتناسب مع قدراتهم ومستواهم الدراسي، انطلاقاً من قناعة بميولهم وإمكاناتهم، ما يعزز ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على الاستمرار والتفوق في المسار الذي اختاروه.
وفي هذا السياق، قال محمد عوض، مدرس اللغة العربية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الطلاب يتفاوتون في قدراتهم وميولهم ورغباتهم، ما يفرض على كل طالب اختيار الفرع الذي يتناسب مع إمكاناته، سواء كان علمياً أم أدبياً، وأضاف أن هذا الاختيار ينبغي أن يستند إلى ما حققه الطالب في مرحلة التعليم الأساسي، إذ يشكل كل من المعدل والكفاءة معيارين أساسيين، مع ضرورة مراعاة رغبة الطالب واهتماماته.
وأشار إلى أن من أبرز الأخطاء التي يقع فيها الأهل فرض الفرع العلمي على أبنائهم، دون الالتفات إلى قدراتهم أو ميولهم، مبيناً أن الدور الأمثل للأهل يجب أن يكون قائماً على التوازن بين كفاءة الطالب ورغبته، بعيداً عن الضغوط التي قد تضعف دافعيته وتؤثر سلباً في أدائه.
ولفت إلى أن بعض الطلاب يفضلون الفرع العلمي لما يتيحه من فرص أوسع في اختيار تخصصات مطلوبة مستقبلاً، إلا أنه لا ينبغي إهمال الفرع الأدبي في حال ضعف التحصيل في المواد العلمية، ولا سيما الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وأوضح أن نتائج هذه المواد تعد من أهم المؤشرات على ملاءمة المسار الدراسي، مؤكداً أن النجاح في الفرع العلمي يتطلب تحقيق مستويات مرتفعة فيها.
ونوّه إلى أهمية دور المدرسة والمرشد التربوي في مساعدة الطالب على اتخاذ قرار واعٍ، نظراً لما يمتلكانه من خبرة طويلة في التعامل مع الطلبة، وهي خبرة قد لا تتوفر لدى بعض الأهل، ما يجعل دور المدرسة مكملاً وضرورياً في هذه المرحلة.
وشدد على أن اختيار فرع لا يتناسب مع قدرات الطالب ينعكس سلباً على مسيرته الدراسية، إذ قد يشعر بالتقصير مقارنة بزملائه، الأمر الذي يضعف دافعيته نحو التعلم، وأكد على ضرورة مراعاة مستوى الطالب وإمكاناته عند اتخاذ هذا القرار، لما لهذه المرحلة من أهمية مفصلية في حياته.
في سياق متصل، قالت ملك حاتم، مدرسة اللغة الإنجليزية، في تصريح خاص لـ شام، إن اختيار الفرع العلمي أو الأدبي يُعد قراراً مصيرياً في حياة الطالب، إذ يرتبط بعدة عوامل، من أبرزها ميوله، وقدراته العقلية، ومدى اهتمامه بمواد معينة، إضافة إلى الهدف الجامعي والتخصص الذي يسعى لدراسته.
وأضافت أن من أكثر الأخطاء شيوعاً إصرار بعض الأهالي على توجيه أبنائهم نحو الفرع العلمي، انطلاقاً من اعتقاد بأنه الأفضل أو الأكثر مكانة، حتى وإن كان الطالب يعاني ضعفاً في المواد العلمية أو لا يميل إليها، كما أشارت إلى أن قيام اللأهل بمقارنة الأبناء مع الآخرين، كقول "انظر إلى فلان هو علمي وأنت أدبي"، ما يترك أثراً سلبياً على نفسية الطالب، خاصة عندما تُربط هذه المقارنات بالتقليل من قدراته أو وصفه بالضعف، مع تجاهل ميوله ورغباته.
وبيّنت أن الخوف من الفرع الأدبي، واعتباره محدود الفرص أو أقل قيمة، يُعد تصوراً خاطئاً لدى بعض الأهالي، مؤكدة أن الخيار الأنسب هو متابعة الطالب منذ مراحل مبكرة، كالصّف الثامن، لملاحظة ميوله ونقاط قوته.
ولفتت إلى أن ضغط الأهل وتدخلهم المفرط ينعكسان بشكل مباشر على الطالب، نفسياً ودراسياً؛ إذ يفقد ثقته بنفسه، ويزداد لديه القلق والتوتر، ويشعر بأن المسار الذي يسلكه لا يناسبه، كما ينعكس ذلك على تحصيله العلمي، سواء بتراجع العلامات أو الرسوب، ما قد يؤدي إلى إضاعة سنة دراسية، أو الاستمرار في تخصص لا يرغب فيه مستقبلاً، ما يزيد من احتمالية الفشل أو فقدان الشغف في العمل.
وأكدت أن بعض الطلاب يندفعون لاختيار الفرع العلمي بدافع الصورة النمطية المرتبطة به، كونه "فرع الأطباء والمهندسين"، ما يدفعهم لتحمل ضغوط كبيرة، من دروس إضافية وتكاليف مادية وجهد مستمر، دون نتائج مرضية في كثير من الأحيان، الأمر الذي قد يسبب لهم الإحباط والشعور بالفشل، رغم امتلاكهم قدرات مميزة في مجالات أخرى، كالأدب أو الفلسفة.
وأوضحت أن دخول الطالب فرعاً لا ينسجم مع ميوله يؤدي سريعاً إلى نفوره من الدراسة، وتراجع استيعابه، وشعوره الدائم بالندم، فضلاً عن ما قد يعانيه من توتر وقلق مع اقتراب الامتحانات، ونوّهت إلى أهمية دور المدرسة والمرشد التربوي في توجيه الطلاب، من خلال جلسات إرشادية فردية وجماعية، تُعرّفهم بالتخصصات الجامعية وتساعدهم على فهم ميولهم، مع الإشارة إلى ضعف تفاعل بعض الأهالي مع هذه المبادرات.
وقدّمت جملة من النصائح للطلاب، أبرزها الاطلاع على مناهج الفرعين العلمي والأدبي، والاستفادة من تجارب طلاب سبقوهم، وتحديد أهداف واضحة تحفّزهم خلال الدراسة، وأكدت على أهمية دور الأهل في الاستماع إلى أبنائهم وفهم اهتماماتهم، دون فرض خيارات عليهم، مشددة على أن على الطالب اختيار الفرع الذي يحبه ويستطيع التميز فيه، لتحقيق أفضل النتائج وبناء مستقبل يتوافق مع طموحاته.
ولم يعد اختيار الفرع العلمي أو الأدبي بعد الصف العاشر قراراً دراسياً، بل خطوة محورية تتداخل فيها عوامل متعددة، من بينها قدرات الطالب وميوله، وتوقعات الأهل، ودور المدرسة في التوجيه، وبين الطموح والواقع، يرتبط هذا القرار بمدى توافق هذه العوامل مع قناعة الطالب وإمكاناته، وما يترتب عليه من انعكاسات على مستقبله الدراسي والمهني.