عندما تتوقف المسيرة المهنية: أثر حرمان المرأة من العمل على حياتها النفسية والاجتماعية
تواجه بعض النساء تحديات في الاستمرار بمسيرتهن المهنية أو دخول سوق العمل، رغم ما يمتلكن من خبرات ومؤهلات اكتسبنها خلال سنوات الدراسة والتدريب، وتتنوع أسباب هذه التحديات بين عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية، إضافة إلى ظروف شخصية أو اختلاف في وجهات النظر داخل الأسرة حول الأدوار والمسؤوليات.
ولا يقتصر العمل بالنسبة للعديد من النساء على أنه مصدر للدخل، بل يشكّل مساحة لاكتساب الخبرة وتطوير المهارات، إضافة إلى الشعور بالمشاركة وتحقيق الذات، ما يجعل الابتعاد عنه تجربة قد تتجاوز آثارها الجانب المادي.
وقد يترك هذا الابتعاد أثراً لدى بعض النساء، خاصة عندما لا يكون نابعاً من اختيار شخصي، إذ قد ينعكس على نظرتهم لأنفسهن وعلى فرصهن في التطور المهني مستقبلاً، فيما يشير مختصون إلى أهمية الحوار والتفاهم داخل الأسرة للوصول إلى توازن يراعي مختلف الاحتياجات والظروف.
منع المرأة من العمل: شكل من أشكال العنف
في هذا السياق، قالت الأخصائية النفسية ميسم سواس في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الدراسات النفسية تشير إلى أن الإنسان يميل إلى تفضيل الأنماط المألوفة بالنسبة له، لذلك قد يتمسك بعض الأفراد بالأدوار التقليدية لأنها تمنحهم شعوراً بالأمان والوضوح، وليس بالضرورة بدافع التقليل من قيمة المرأة أو قدراتها.
وأضافت أن المواقف تجاه عمل المرأة تتشكل نتيجة تفاعل الخبرات الشخصية، والقيم الأسرية، وطريقة التنشئة، موضحةً أن بعض الأزواج أو العائلات قد يرون أن تفرغ الزوجة للأسرة يحقق مزيداً من الاستقرار والطمأنينة، خاصة إذا كانت هذه القناعة متأثرة بالنموذج الأسري الذي نشأوا عليه.
وبيّنت أن منع المرأة من العمل يُعد شكلاً من أشكال العنف الاقتصادي عندما يكون الهدف منه حرمانها من حقها في الحصول على دخل أو التحكم في مواردها المالية، وقد يتحول إلى عنف نفسي إذا ترافق مع التهديد أو التقليل من قيمتها أو فرض السيطرة عليها، ما يؤدي إلى شعورها بالعجز أو فقدان الاستقلالية.
تداعيات حرمان المرأة من العمل
وأشارت سواس إلى أهمية التمييز بين المنع القسري القائم على الإكراه والسيطرة، وبين القرارات التي يتخذها الزوجان بالتراضي وبما يحقق مصلحة الأسرة، ولفتت إلى أن المرأة قد تشعر مع مرور الوقت بانخفاض تقدير الذات وفقدان الشعور بالإنجاز، خاصة إذا كان العمل يمثل جزءاً من هويتها الشخصية وطموحها المهني، كما قد يزيد الشعور بالإحباط أو العزلة الاجتماعية نتيجة تقلص علاقاتها المهنية والاجتماعية.
وذكرت أن استمرار هذا الحرمان قد يؤدي في بعض الحالات إلى ارتفاع مستويات التوتر أو القلق أو الاكتئاب، خصوصاً إذا شعرت المرأة بأنها فقدت حقها في اختيار مسار حياتها، وتحدثت عن أثر حرمان المرأة من العمل من خلال قصة سيدة راجعتها في إحدى مراكز الصحة النفسية، وكانت ترى أن الحياة بلا معنى بعد أن اضطرت إلى ترك عملها بعد الزواج لتحمل مسؤولية المنزل.
وأوضحت أن هذه السيدة، وبدلاً من أن تشعر بالاستقرار، فقدت تمامًا الشعور بالمسؤولية والكفاءة، وأصبحت معتمدة على من حولها في تفاصيل حياتها كافة، حتى في قراراتها المصيرية، وأضافت أن هذه السيدة بدأت شيئاً فشيئاً تفقد أهدافها في الحياة، هدفاً تلو الآخر، وكانت تراها تتساقط أمام عينيها وهي عاجزة تماماً عن التقدم أو حتى المحاولة، وكأنها تخلت عن هويتها قبل أن تتمكن من استعادتها بعد العلاج والمتابعة.
الحوار والتوازن.. مفاتيح التوفيق بين العمل والحياة الأسرية
وأكدت الأخصائية ميسم سواس في تصريح خاص لـ شام أهمية تعزيز ثقافة الحوار بين الزوجين حول التوقعات المتعلقة بالعمل والحياة الأسرية، مشيرةً إلى أن برامج الإرشاد الأسري تسهم في مساعدة الأزواج على بناء علاقة قائمة على الشراكة والانسجام.
ونوّهت إلى إمكانية توفير بيئات عمل أكثر مرونة تساعد المرأة على التوفيق بين مسؤولياتها الأسرية والمهنية، معتبرةً أن هذه النقطة على قدر كبير من الأهمية، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بأن عمل المرأة لا يتعارض مع استقرار الأسرة، بل قد يسهم في دعمها نفسياً واقتصادياً عندما يكون قائماً على التفاهم والاتفاق.
وشددت على أن الاستقلالية المادية تمنح المرأة شعوراً بالأمان النفسي والثقة بالنفس والقدرة على مواجهة التحديات واتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها، موضحةً أنها لا تعني مطلقاً الاستغناء عن الأسرة أو الشريك.
وأفادت بأن النساء اللواتي يواجهن ضغوطاً لترك العمل يحتجن إلى فهم احتياجاتهن النفسية وما يترتب على عدم تلبيتها، مؤكدةً أن ذلك يتطلب الكثير من الوعي ليكون دافعاً للبحث عن حلول تحقق التوازن المطلوب وتعزز القدرة على التعامل مع التحديات والتواصل مع الأسرة بشكل أفضل، وبينت أنه يمكن طلب الدعم من مختص في مجال الإرشاد الأسري عندما تكون هناك ضرورة لذلك.
قد تواجه بعض النساء ظروفاً تؤدي إلى الابتعاد عن العمل، ما ينعكس على فرصهن المهنية واستقلاليتهن المادية، إضافة إلى جوانب نفسية مرتبطة بالشعور بالإنجاز وتحقيق الذات، ويؤكد مختصون أهمية الحوار والتفاهم داخل الأسرة، وتوفير الدعم الذي يساعد على تحقيق التوازن بين المسؤوليات الأسرية والاحتياجات الشخصية والمهنية.