علاقات الجيرة في سوريا: التضامن والدعم بين الجيران في الحياة اليومية
علاقات الجيرة في سوريا: التضامن والدعم بين الجيران في الحياة اليومية
● مجتمع ٢٩ مارس ٢٠٢٦

علاقات الجيرة في سوريا: التضامن والدعم بين الجيران في الحياة اليومية

تُعد علاقات الجيرة من أبرز الروابط الاجتماعية في سوريا، إذ لا تقتصر الصلة بين الجيران على التحية والاحترام والتعارف، بل تشمل مساندة بعضهم البعض، وتقديم الدعم المادي والمعنوي عند الحاجة، والمشاركة في شؤون الحياة اليومية بحلوها ومرها، ما يعكس عمق الترابط والتضامن بين الأفراد داخل الحي أو المنطقة الواحدة.

في هذا السياق، يعير السوريون اهتماماً كبيراً بسلوك وسمعة الجيران قبل الانتقال إلى أي حي أو منزل جديد، مسترشدين بالمثل الشعبي القديم "الجار قبل الدار"، الذي يؤكد أن معرفة الجيران لا تقل أهمية عن مواصفات السكن نفسه، لأن العلاقات معهم تؤثر مباشرة على حياتهم اليومية من الناحية الإيجابية أو السلبية، خاصة أنهم سوف يحتكون معهم بشكل متكرر.
 
أحياناً يكون الفرد بعيداً عن عائلته وأقاربه بسبب العمل أو ظروف الحياة المختلفة، ومن الطبيعي أن يواجه تحديات متعددة قد تخف وطأتها أو تزول تماماً حين يحظى بجيران ودودين ومحبين يهتمون به ويساعدونه عند تعرضه لأي ظرف، ما يساهم في ملء الفراغ الناتج عن غيابه عن أهله، وهو ما يعكس ثقة السوريين بمثلهم الشائع: "جارك القريب أفضل من شقيقك البعيد".

يمضي الجيران أوقاتاً طويلة معاً نظراً للقرب المكاني، حيث يتبادلون الأحاديث والهموم والقصص، ويقدمون الاستشارات والنصائح، كما يقضون لحظات ترفيهية تخفف عنهم الضغوط النفسية الناتجة عن مشكلات الحياة اليومية والتزاماتها.

يتجلّى الدعم بين الرجال في أوجه عملية متعددة، منها المساعدة في البناء والترميم والزراعة ونقل الأغراض، والمشاركة في حماية الحي وصيانة الممتلكات المشتركة، والمساهمة في حل النزاعات، إلى جانب تقديم الدعم عند الضائقات المالية ومساندة بعضهم في مختلف الظروف، ما يعكس روح التعاون والتكافل ويقوّي روابط الأمان الاجتماعي في الحي.

كما تتعاون السيدات داخل الحي أو المبنى في مختلف الظروف والمناسبات، فعند ولادة إحداهن أو تعرضها لطارئ مرضي، على سبيل المثال، تبادر جاراتها إلى الاهتمام بها، فيساعدن في تنظيف المنزل وإعداد الطعام والاعتناء بأطفالها الآخرين والاطمئنان عليها حتى تتعافى.

ويساعدن بعضهن بعضاً في التحضير للمناسبات الاجتماعية كحفلات الزفاف أو الخطوبة، وفي إعداد الموائد والطهي وغير ذلك من التجهيزات، كما تلجأ بعض الموظفات إلى ترك أطفالهن لدى جارات موثوقات أثناء غيابهن عن المنزل، ما يعكس وجود شبكة دعم متبادلة تخفف الأعباء اليومية وتعزز روح المساندة بين الجيران.

خلال سنوات الثورة السورية، اضطر آلاف السوريين إلى النزوح من قراهم ومدنهم نتيجة القصف والمعارك وسيطرة قوات النظام على مناطقهم، فاتجه بعضهم إلى مناطق أخرى داخل البلاد، سواء إلى مخيمات أو قرى أو مدن أكثر أماناً، فيما فضّل آخرون الهجرة إلى خارج سوريا بحثاً عن ظروف معيشية أفضل ومستقبل أكثر استقراراً.

وأثناء فترة النزوح الطويلة، بنى السوريون علاقات جيرة جديدة مع أشخاص قد يختلفون معهم في العادات والتقاليد وطريقة التفكير، إلا أنهم اجتمعوا على المحبة ومشاعر الأخوّة والرغبة في إنشاء روابط قائمة على المساندة والمشاركة، ما أتاح تبادلاً للثقافات والأفكار في مختلف جوانب الحياة.

ومن الأمثلة على تبادل الثقافات والأفكار بين الجيران، تعرفت العائلات على عادات غذائية وأنماط معيشة جديدة، إذ اطلعت كل عائلة على الأطباق وعادات الطهي وأساليب حفظ الطعام التي اعتادت عليها العائلات الأخرى، وشاركت بعضها تجاربها الخاصة في إدارة المنزل وتنظيمه. 

كما تبادل الجيران خبراتهم حول التأقلم مع ظروف النزوح، والتعامل مع فقدان العمل، وإدارة الموارد المحدودة، وتعرّف كل طرف على تقاليد الطرف الآخر في المناسبات والأعراس والطقوس الاجتماعية.

جعلت العلاقات القوية والدعم المتبادل بين الجيران خلال سنوات النزوح عودة السوريين إلى مناطقهم الأصلية بعد تحرير البلاد لحظات مختلطة بين الفرح والألم، فالبعض شعر بالحزن لفراق الجيران الذين اعتاد عليهم خلال سنوات الغربة، وتمنوا لو أمكنهم العودة معهم إلى نفس الأماكن، لكن ذلك  أمر غير ممكن.

انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي فيديوهات تظهر بكاء الأطفال عند مغادرتهم الأماكن التي اعتادوا عليها، ووداع أشخاص سوريين لجيرانهم، حاملةً مشاعر الحزن والدموع، وتعكس عمق التأثير العاطفي لهذه العلاقات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مصوراً لسيدة أردنية زارت بلدة الحراك في ريف درعا كي تلتقي بعائلة سورية كانت تجاورها خلال فترة تواجدهم في الأردن، وقالت معبرة عن تعلقها بهم: "ما قدرت على فراقكم، الحقتكم على السريع".

تقول سمر عدنان، أم لأربعة أطفال من إحدى بلدات ريف دمشق، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنها خلال سنوات النزوح أقامت في مخيم في بلدة كفرلوسين بريف إدلب الشمالي حيث تعرفت على جارات من مناطق مختلفة، من ريف إدلب وريف حلب، وكانت تتبادل معهن القصص والذكريات وتمضي أوقاتاً ممتعة بعد الانتهاء من أعمال المنزل من تنظيف وطهي.

وتضيف أن هؤلاء الجارات كن بالنسبة لها أكثر من أخوات إذ وقفن إلى جانبها في لحظات المرض والولادة والحزن والفرح، وحتى بعد عودة كل واحدة منهن إلى مسقط رأسها بعد التحرير، ما زلن يتواصلن مع بعضهن البعض باستمرار.

يعكس حرص السوريين على الحفاظ على علاقات الجيرة قوة الروابط بين الأفراد والمجتمع، لا سيما أن الجيران يتعاونون مع بعضهم في مواجهة الأزمات اليومية ويقدمون الدعم في مختلف الظروف، مما يعزز الشعور بالانتماء والهوية الجماعية.

كما يظهر نجاحهم في إقامة صلات وثيقة مع جيران جدد بعد النزوح والغربة مدى قدرتهم على التكيف مع الظروف المتغيرة، إذ تمكنوا من بناء شبكات دعم متينة رغم اختلاف الخلفيات والبيئات، وهو ما يدل على حرصهم على استمرار الروابط المجتمعية وتعزيز التواصل مع الآخرين.

وفي الوقت ذاته، تدل هذه العلاقات على سعي السوريين للحصول على الأمان الاجتماعي والنفسي عبر الجيران الموثوقين، الذين يشكلون شبكة دعم تساعد في تخفيف شعور الوحدة أو العزلة، خصوصاً في الأوقات الصعبة مثل المرض، فقدان أحد أفراد الأسرة، أو الأزمات الاقتصادية.


تُعتبر العلاقات الاجتماعية التي تنشأ مع الجيران من أبرز الروابط التي يحافظ عليها السوريون في حياتهم اليومية، إذ تمنح الفرد فوائد متعددة تشمل التعارف وتبادل الخبرات والاستفادة المتبادلة، كما توفر هذه العلاقات ملجأ يمكن للفرد أن يجد فيه الدعم والحماية في مختلف الظروف، سواء في أوقات الفرح أو الحزن، بما يعكس الدور الحيوي للجيرة في تعزيز التضامن الاجتماعي والشعور بالأمان ضمن المجتمع.

 

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ