تكنولوجيا: الأمن السيبراني تحت ضغط الذكاء الاصطناعي: سباق مفتوح بين الهجوم والدفاع
يشهد قطاع الأمن السيبراني تحولاً جذرياً بفعل الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد أداة لتحسين الحماية، بل أصبح عاملاً مضاعفاً لقدرات المهاجمين أيضاً.
هذا التحول خلق بيئة رقمية معقدة تتسم بتسارع غير مسبوق في وتيرة الهجمات، واتساع نطاقها، وارتفاع كلفتها، ما يدفع خبراء التقنية إلى توصيف المرحلة الحالية بأنها “سباق تسلح رقمي” قائم على الذكاء الاصطناعي.
تسارع غير مسبوق في حجم الهجمات
تشير البيانات الحديثة إلى أن الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تشهد نمواً حاداً، حيث ارتفعت هذه الهجمات بنسبة 72% خلال عام 2025، مع تقديرات بخسائر عالمية تصل إلى 30 مليار دولار.
وفي السياق ذاته، أفادت تقارير أمنية بأن المؤسسات باتت تتعرض في المتوسط إلى نحو 1968 هجوماً أسبوعياً، بزيادة تقارب 70% مقارنة بعام 2023.
ولا يقتصر الأمر على العدد، بل يشمل الانتشار أيضاً، إذ أفاد 87% من خبراء الأمن السيبراني بأن مؤسساتهم تعرضت لهجمات تعتمد على الذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي، ما يعكس انتقال الهجمات من عمليات محدودة إلى حملات واسعة النطاق مدعومة بالأتمتة.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل أدوات الهجوم
التحول الأخطر يتمثل في طبيعة الهجمات نفسها، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تنفيذ مراحل كاملة من الهجوم بشكل مستقل.
ففي مجال التصيّد الإلكتروني، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من رسائل التصيّد أصبحت تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي، بينما تصل هذه النسبة في بعض الدراسات إلى 82.6% من الرسائل الاحتيالية.
كما أدى استخدام النماذج التوليدية إلى ارتفاع هجمات التصيّد بنسبة 1265% منذ 2023، نتيجة قدرتها على إنتاج رسائل دقيقة لغوياً ومخصصة لكل هدف.
وبالتوازي، سجلت هجمات التزييف العميق نمواً يتجاوز 2000% خلال السنوات الأخيرة، ما يفتح الباب أمام عمليات احتيال معقدة يصعب كشفها.
الأخطر من ذلك أن سرعة تنفيذ الهجمات ارتفعت بشكل كبير، حيث ساهم الذكاء الاصطناعي في تقليص زمن اختراق الأنظمة، إذ يمكن أن يبدأ تسريب البيانات خلال دقائق معدودة بعد الاختراق، ما يعني أن “نافذة الاستجابة” لدى فرق الأمن أصبحت ضيقة للغاية.
فجوة متزايدة في جاهزية المؤسسات
رغم هذا التصاعد، تكشف المؤشرات عن فجوة واضحة في قدرة المؤسسات على المواجهة، حيث يؤكد نحو 45% من مختصي الأمن السيبراني أنهم غير مستعدين للتعامل مع التهديدات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بينما يرى 62% من المدراء أن هذه الهجمات تمثل التحدي الأكبر حالياً.
كما يعتقد 76% من الخبراء أن الجرائم السيبرانية ستستمر في الارتفاع، وربما تصبح “صعبة الإيقاف” بسبب الذكاء الاصطناعي، ما يعزز فكرة أن التكنولوجيا تتطور بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على التكيف معها.
الدفاع بالذكاء الاصطناعي: ضرورة لا خيار
في المقابل، لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على المهاجمين، إذ تعتمد المؤسسات بشكل متزايد عليه لتعزيز قدراتها الدفاعية.
وتشير البيانات إلى أن 95% من المختصين يرون أن استخدام الذكاء الاصطناعي يحسّن سرعة الكشف والاستجابة للهجمات بشكل كبير.
ويُستخدم هذا النهج في تحليل سلوك المستخدمين والشبكات للكشف المبكر عن الأنشطة غير الطبيعية، وفي تنفيذ استجابات تلقائية للهجمات خلال ثوانٍ، إضافة إلى التنبؤ بالتهديدات قبل وقوعها عبر تحليل البيانات الضخمة، وهو ما يجعل أنظمة الحماية أكثر ديناميكية وقدرة على التكيف مع التهديدات المتغيرة.
معركة تقنية مفتوحة
المشهد الحالي يشير بوضوح إلى أن الأمن السيبراني دخل مرحلة جديدة، عنوانها “الذكاء الاصطناعي ضد الذكاء الاصطناعي”، حيث أصبحت الهجمات أسرع وأكثر دقة وأقل تكلفة، في حين تحاول أنظمة الدفاع اللحاق بهذا التسارع عبر الأتمتة والتحليل المتقدم.
وبين هذين المسارين، تتشكل معادلة جديدة تقوم على أن كل تطور في أدوات الحماية يقابله تطور في أدوات الاختراق، ما يجعل الأمن السيبراني ليس حالة استقرار، بل عملية صراع مستمر تتحدد نتائجه بسرعة الابتكار والقدرة على التكيّف.