إجراءات سفر الأطفال في سوريا… تعقيدات قانونية تواجه الأمهات في غياب الأب
واجهت بعض السيدات السوريات خلال السنوات الماضية صعوبات تتعلق بإجراءات السفر مع أطفالهن عند الرغبة بمغادرة البلاد برفقة أبنائهن، خاصة في حالات غياب الأب سواء بسبب السفر أو الاختفاء القسري أو الوفاة وغيرها من الظروف.
أدى ذلك إلى تعقيد الإجراءات المفروضة عليهن، خاصة أن الموضوع يتطلب إذن مباشر منه حتى يستطيع الأطفال السفر، لكن القانون أعطى للقاضي الشرعي الصلاحية والسلطة التقديرية في حال غياب الأب بإعطاء الإذن لوصي يقرر تعيينه القاضي.
وتختلف درجة معرفة النساء بهذه التفاصيل القانونية، في ظل ارتباط هذا الملف بإجراءات الوصاية التي تعد من حق الأب بحسب القانون السوري، ومن بعده للجد أو العم، بخصوص الامور الادارية والمعاملات والتصرف.
في هذا التقرير توضح الأستاذة ردينة تميم، تمارس مهنة المحاماة بمحاكم دمشق، متطوعة بمنظمة الأمم المتحدة للاجئين بمشروع مكتب الوفاق الأسري المعنى بملف معالجة وضع الأطفال في المناطق المحاصرة في فترة الثورة، تفاصيل إذن السفر والأعباء التي تفرض على المرأة في حال عدم وجود الزوج.
وقالت المحامية ردينة تميم في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن أكبر عقبة تواجه الأم تتمثل في عدم اعتبارها وصية على الطفل في ما يتعلق ببعض شؤون حياته، ومن بينها السفر، الذي شكّل معضلة خاصة خلال سنوات الثورة، خاصة أن أي قاصر لا يستطيع أن يسافر مثل الكبار بكل سهولة، وإنما يحتاج وصاية شرعية تسمح له بمغادرة البلد بمرافقة أحد الأشخاص.
وأضافت أنه في حال رغبت الأم بالسفر مع طفلها، فإنها لا تستطيع ذلك إلا بعد الحصول على وصاية شرعية من القاضي الشرعي، تسمح لها بالإذن بالسفر لمرة واحدة، وذلك بعد تقديم إثباتات واستكمال إجراءات قد تكون معقدة في بعض الحالات.
أكدت أن السفر مع الأطفال يخضع لإجراءات قانونية، باعتبار أن للأب، بوصفه الطرف الآخر، حق متابعة أبنائه ورؤيتهم، موضحة أن التشديد على منح إذن السفر وعدم السماح للأم بمغادرة البلاد مع طفلها دون موافقة شرعية، يهدف إلى الحد من حالات تهريب الأطفال أو حرمان الأب من حقه في رؤية أبنائه.
وأشارت إلى أنه في حال وجود الأب ووجود توافق بين الطرفين، يمكن إتمام إجراءات السفر بسهولة، إذ يقوم الأب بمنح إذن السفر للأطفال، ما يتيح سير المعاملة دون أي إشكال قانوني، أما في حال عدم موافقته، وهو حق يكفله له القانون، فيمكنه التوجه إلى إجراء يُعرف بـ"منع السفر"، بحيث يمنع مغادرة الطفل خارج البلاد، بما يضمن متابعته وعدم سفر الأم به دون موافقته.
وطبعاً لتغطية كل الجوانب القانونية، في حال كانت الأم متخوفة بعد الانفصال من سفر الطفل مع والده، فهي أيضاً تستطيع أن تضع على الطفل إجراء وهو منع السفر.
ونوّهت إلى أن المشكلة الأساسية تظهر في حال غياب الزوج، سواء بسبب الفقدان أو الاعتقال أو الوفاة، إذ يُطلب من الأم في هذه الحالات إثبات واقعة الغياب، وفي حال كان الأب خارج البلاد، تزداد معاناة الأم، خاصة إذا كانت ترغب في السفر إليه، لعدم قدرته على منحها الوصاية الشرعية، ما يجعل الإجراءات مرتبطة بظروف كل حالة وخصوصيتها.
وبيّنت أن الأم تلجأ في هذه الحالات إلى القاضي الشرعي، حيث تقوم بتوضيح الوقائع، وفي حال كان الزوج خارج القطر، قد يُطلب منها إجراء مكالمة فيديو أو تقديم إثباتات مثل الإقامة أو التأشيرة، أو أي مستند يثبت وجوده خارج البلاد وأنها تنوي السفر إليه، وعلى أساس ذلك يمكن منحها الإذن اللازم.
وأضافت أن وجود أحد الأقارب من جهة الأب، كالجد أو العم أو العمة، يُعد عاملاً ميسّراً، إذ يمكن على أساسه منح الأم الوصاية الشرعية والإذن بمغادرة البلاد بشكل سريع، أما في حال عدم توافر هذه المعطيات واستمرار غياب الأب، فقد يُطلب منها تقديم ضبط فقدان أو شهود يثبتون غيابه، وعلى هذا الأساس يمكن منحها الإجراءات اللازمة.
وأكدت أنه لا يمكن وصف هذه الإجراءات بأنها صعبة جداً أو سهلة، إذ يتم النظر في كل حالة على حدة، وتُيسَّر من قبل القضاة الشرعيين وفق ظروفها، مشيرة إلى أن الفترة الماضية، بما شهدته من حرب وسفر ولجوء، دفعت القضاة إلى التعامل بمرونة والتدقيق في دراسة الحالات، مع الامتناع في بعض الحالات عن منح إذن السفر، خشية وقوع حالات تهريب للأطفال.
وأكدت المحامية ردينة وجود ثغرة في قانون الوصاية، تتمثل في عدم تمكّن الأم من ممارسة حقها الطبيعي في اصطحاب أطفالها وتقرير مصيرهم والسفر بهم دون الرجوع إلى جهة أخرى، ونوّهت إلى أن نظرة القانون ما تزال قاصرة تجاه المرأة، إذ يُنظر إليها على أنها غير قادرة على رعاية مصلحة القاصر بشكل كامل، ما يؤدي إلى إسناد الوصاية غالباً إلى عنصر ذكري، كالأب أو الجد أو العم.
وأوضحت أن هذا الانتقاص يُعد ثغرة قانونية، مشيرة إلى معاناة بعض السيدات في حالات متعددة، منها عدم تمكنهن من تأمين شهود يرافقونهن إلى المحكمة، أو صعوبة التواصل مع أقسام الشرطة للحصول على ضبط فقدان، في وقت قد لا تتوافر فيه أي معلومات عن الزوج.
وأضافت أن بعض النساء قد تتاح لهن فرص عمل أو زيارة أو لجوء، إلا أنهن يواجهن صعوبات كبيرة في استكمال الإجراءات القانونية، ما يعوق حصولهن على الوصاية اللازمة للسفر بأطفالهن.
وعلّقت المحامية ردينة على التعميم الصادر في الفترة الأخيرة، بأنه أتاح لأي رجل من أقارب الأب، ضمن ما يُعرف بالعصبة الذكورية، كالأب أو الجد أو العم أو ابن العم، مرافقة الطفل والسفر به دون الحاجة إلى إذن من القاضي الشرعي.
وأشارت إلى أن الهدف من التعميم كان تخفيف الأعباء الإجرائية، إلا أنها وصفته بالمنقوص، فالأم يتطلب منها مراجعة القاضي الشرعي للحصول على إذن بالسفر مع طفلها واستكمال إجراءات إضافية، ورغم إمكانية تعاون القاضي ومنحها الوصاية في بعض الحالات، إلا أنه يعتبر نوعاً من اجتزاء الحق، ووجود ثغرة قانونية، نتيجة التضييق على الأم بعدم السماح لها بالسفر مع طفلها إلا بإذن، في حين يمكن لأقارب من جهة الأب، مثل ابن العم أو ابن العمة أو الجد، السفر بالقاصر.