العدالة ضماد جراح السوريين.. لأن الوجع لا يموت بالنسيان
العدالة ضماد جراح السوريين.. لأن الوجع لا يموت بالنسيان
● آراء ومقالات ٣١ مايو ٢٠٢٦

العدالة ضماد جراح السوريين.. لأن الوجع لا يموت بالنسيان

حين يتجدد الحديث عن أطفال الدكتورة رانيا العباسي، لا يعود السوريون إلى الماضي، لأنهم في الحقيقة لم يغادروه يوماً بعض الجراح لا تتحول إلى ذكرى، بل تبقى حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، في صورة طفل يذهب إلى مدرسته، في مقعد فارغ على مائدة العائلة، وفي أم تنتظر خبراً تأخر سنوات طويلة حتى تحول الانتظار نفسه إلى شكل من أشكال العذاب.

الفقد في سوريا لم يكن فقداً عادياً لم يكن موتاً تعرف العائلات مكانه وزمانه وتودع فيه أبناءها بدموع أخيرة كان فقداً معلقاً بين السماء والأرض، آلاف الأمهات لم يعرفن إن كان أبناؤهن أحياء أم أمواتاً.

آلاف الآباء ناموا على أمل أن يطرق الباب غائب عاد من السجن أو المنفى أو المجهول سنوات طويلة عاشها السوريون أسرى سؤال واحد: أين هم؟

التغييب القسري لم يكن مجرد إجراء أمني مارسته أجهزة النظام البائد، بل كان سلاحاً نفسياً بالغ القسوة كان الموت البطيء للعائلات المعتقل يُسلب حريته، أما أهله فتُسلب منهم الطمأنينة واليقين.

كل يوم يمر يتحول إلى جلسة تعذيب جديدة، وكل شائعة أو خبر أو صورة مسربة تصبح أملاً وخوفاً في آن واحد كان النظام لا يكتفي باعتقال الضحية، بل يعاقب الأسرة كلها، ويتركها عالقة في دائرة الانتظار والشك والعجز.

ثم جاءت السنوات محملة بصور لا يمكن أن تمحى من الذاكرة السورية صور الأطفال الذين اختنقوا بالغازات السامة وهم نائمون في أحضان أمهاتهم صور المعتقلين الذين خرجوا من السجون هياكل بشرية أنهكها التعذيب صور الجثث المكدسة والوجوه التي فقدت ملامحها من شدة ما تعرضت له من تنكيل ومشاهد الإعدام التي كشفت تباعاً، يجزم كل سوري أنه في زمن النظام البائد تحول القتل إلى ممارسة يومية باردة لا يهتز لها ضمير الجلاد.

وفي قلب هذه المشاهد يقف اسم أمجد يوسف بوصفه أحد أكثر الوجوه تعبيراً عن منظومة القتل التي حكمت سوريا لسنوات طويلة لم يكن مجرد فرد ارتكب جريمة منفردة، بل صورة مكثفة لعقلية كاملة تأسست على تجريد الإنسان من إنسانيته.

أمجد الوحش الذي ارتبط اسمه بمجزرة التضامن لم يظهر في التسجيلات مصاباً بنوبة غضب أو حالة استثنائية من العنف، بل ظهر وهو يمارس القتل ببرود مرعب، وكأن أرواح الضحايا لا تساوي شيئاً تلك المشاهد لم تصدم السوريين بسبب عدد الضحايا فقط، بل لأنها كشفت كيف يمكن أن يتحول القتل إلى عمل روتيني داخل منظومة اعتادت سفك الدماء.

ولهذا فإن الحديث عن احتمال تورطه في مصير أطفال رانيا العباسي لا يفتح ملف جريمة جديدة فحسب، بل يعيد التذكير بطبيعة النظام الذي أنتج أمثال هؤلاء فالمشكلة لم تكن في جلاد واحد أو ضابط واحد أو فرع أمني واحد، بل في شبكة كاملة جعلت من القمع والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري أدوات للحكم والسيطرة.

كان هناك قرار دائم بأن الخوف يجب أن ينتصر على الحياة، وأن الصمت يجب أن يفرض بالقوة، وأن كل من يخرج عن إرادة النظام البائد يختفي دون أثر.

ما يؤلم السوريين اليوم ليس فقط معرفة أن أطفالاً أبرياء انتهت حياتهم بهذه الطريقة المأساوية، بل تخيل السنوات التي سبقت انكشاف الحقيقة تخيل كم أم سورية كانت تحلم بمستقبل أبنائها، تخيل كم لعبة بقيت في المنزل تنتظر أصحابها دفاتر مدرسية لم تكتمل صفحاتها أسرة كاملة اختفت دفعة واحدة وكأنها لم تكن موجودة هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل المأساة أكبر من الأرقام والإحصاءات، لأنها تعيد الضحايا إلى صورتهم الإنسانية الحقيقية أطفال لهم أحلام وأصوات وضحكات وأسماء.

لهذا يبدو الحديث النسيان إهانة جديدة للضحايا وعائلاتهم فلا يمكن مطالبة شعب نجا من المجازر أن لا ينسى الوجع الذي لن ينسى، ولا مطالبة أم فقدت أبناءها أن تطوي الصفحة، ولا مطالبة المعتقل الذي خرج من السجن بآثار التعذيب على جسده وروحه أن يتصرف وكأن شيئاً لم يحدث العدالة الحقيقية لا تُبنى على محو الذاكرة، بل على كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة المسؤولين، والاعتراف بحجم المأساة التي عاشها السوريون.

قد تمر السنوات وتتغير الوجوه والظروف، لكن دموع الأمهات لن تسقط من ذاكرة هذا البلد ستبقى أسماء الأطفال المفقودين، والمعتقلين، وضحايا المجازر، محفورة في وجدان السوريين كشاهد دائم على مرحلة من أحلك مراحل تاريخهم وستبقى العدالة، مهما تأخرت، مطلباً أخلاقياً وإنسانياً لا يسقط بالتقادم، لأن الشعوب قد تتعب، لكنها لا تنسى أبناءها، ولأن الدم الذي سُفك ظلماً لا يطالب بالانتقام، بل بالحقيقة والإنصاف، حتى ينال كل مجرم جزاءه العادل أمام الله وأمام الناس.

الكاتب: محمد العلي
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ