موسم الوفرة الذي لم يطرد الجوع
موسم الوفرة الذي لم يطرد الجوع
● سياسة ١٥ يوليو ٢٠٢٦

موسم الوفرة الذي لم يطرد الجوع.. الديون وتراجع الليرة يبددان مكاسب الحصاد في سوريا

حذّرت شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة من استمرار فجوات استهلاك الغذاء في مناطق واسعة من سوريا حتى كانون الثاني 2027، رغم التحسن الكبير في الأمطار ومحصول الحبوب، متوقعة أن يبلغ عدد المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية ذروته بين تشرين الأول 2026 وكانون الثاني 2027، ليتراوح بين 6 ملايين و6 ملايين و990 ألف شخص.

واستندت الشبكة في تحليلها إلى المعلومات المتاحة حتى 22 حزيران 2026، وخلصت إلى أن مكاسب موسم الحصاد لم تصل بصورة كافية إلى الأسر الفقيرة، بعدما تركزت العائدات لدى مالكي الأراضي والأسر الأكثر قدرة، بينما استُخدم قسم كبير من الإيرادات في سداد الديون المتراكمة واسترداد تكاليف الزراعة والإنتاج.

ويعتمد التحليل سلماً دولياً يتكون من خمس مراحل متصاعدة، تبدأ بالمرحلة الأولى التي تعني أوضاعاً غذائية طبيعية أو محدودة، تليها مرحلة الضغط، حيث تستطيع الأسر تأمين الحد الأدنى من الطعام لكنها تعجز عن تغطية نفقات أساسية أخرى. وتشير المرحلة الثالثة إلى الأزمة، عندما تظهر فجوات فعلية في استهلاك الغذاء أو تضطر الأسر إلى استنزاف مصادر دخلها لتأمينه، بينما تمثل المرحلتان الرابعة والخامسة حالتي الطوارئ والكارثة أو المجاعة.

وتوقعت الشبكة استمرار المرحلة الثالثة من انعدام الأمن الغذائي، المعروفة بمرحلة الأزمة، في شمال شرقي سوريا وشمال غربيها حتى كانون الثاني المقبل، مع انتقال محافظة اللاذقية إلى المرحلة نفسها اعتباراً من تشرين الأول، بالتزامن مع انحسار دخل السياحة والعمل الزراعي وارتفاع نفقات التعليم والتدفئة والاستعداد للشتاء.

أما معظم مناطق الجنوب ومحافظة طرطوس، فرجحت الشبكة بقاءها ضمن المرحلة الثانية، المعروفة بمرحلة الضغط، حيث تستطيع غالبية الأسر تأمين الحد الأدنى من الغذاء، لكنها تعجز عن تغطية النفقات الأساسية الأخرى من دون الاقتراض أو شراء المواد بالدين أو استنزاف مدخراتها. 

النزوح الطويل يلاحق العائدين إلى مناطقهم

أعادت الشبكة جذور أزمة الأمن الغذائي إلى أكثر من عقد من الحرب التي شهدتها البلاد بين عامي 2011 و2024، وما خلفته من تضرر للبنية التحتية الزراعية وتقييد الوصول إلى الأسواق وتراجع الخدمات العامة وقدرات مؤسسات الدولة، إلى جانب تعطيل قطاعات الزراعة وإنتاج النفط والتجارة وإضعاف القدرة الشرائية.

وقالت إن سقوط نظام رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد في كانون الأول 2024، وتشكيل الحكومة الانتقالية في آذار 2025، أدخلا البلاد في مرحلة انتقالية، فيما بقيت بعض الملفات الإدارية والأمنية موزعة بين جهات محلية متعددة، واستمرت أعمال العنف التي تنفذها مجموعات مسلحة خارج إطار الدولة في التسبب بحركات نزوح محلية وتعطيل النشاط الاقتصادي.

وفي شمال شرقي سوريا، ما تزال الإدارة التي تقودها جهات كردية وذراعها المسلحة، ميليشيا قسد، تفرضان سيطرة فعلية على مساحات واسعة، في ظل المفاوضات الجارية بشأن الاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية.

وبقيت إدلب وشمال حلب وأجزاء من حماة وحمص من أبرز وجهات النازحين والعائدين، مع وجود أكبر تجمعات المخيمات في إدلب وشمال حلب، بينما شهدت محافظتا اللاذقية وطرطوس حوادث عنف طائفية. أما الجنوب، فظل عرضة لتحركات مجموعات محلية مسلحة وعمليات عسكرية إسرائيلية متكررة.

وعاد مليونان و40 ألف نازح داخلياً إلى مناطقهم الأصلية منذ كانون الأول 2024، لكن أكثر من 5 ملايين و870 ألف شخص ما يزالون نازحين داخل سوريا، فيما بقي نحو 4 ملايين و600 ألف لاجئ سوري خارج البلاد.

وانخفض عدد المقيمين في مواقع النزوح شمال غربي سوريا بنحو الثلث منذ شباط 2026، مع مغادرة أسر كثيرة للمخيمات، إلا أن معظم العائدين وصلوا إلى مساكن متضررة وأراض ملوثة بالمخلفات الحربية، بعدما فقدوا جانباً كبيراً من معداتهم الزراعية ومواشيهم ومدخراتهم.

وأبقت هذه الظروف الوضع المعيشي للعائدين قريباً من أوضاع النازحين، رغم وصولهم إلى مناطقهم الأصلية، إذ واجهوا تكاليف مرتفعة لإصلاح المنازل وإعادة تأسيس مصادر الدخل، إلى جانب محدودية الخدمات وفرص العمل والأسواق.

وتقيم غالبية النازحين خارج المخيمات الرسمية، ضمن المدن والبلدات المستضيفة، حيث تبقى فرص العمل المستقرة والخدمات العامة والغذاء المقبول السعر محدودة. كما أدى النزوح المتكرر إلى تعطيل الإنتاج الزراعي وأسواق العمل وشبكات الدعم الاجتماعي، وخلق عوائق إدارية وتشغيلية أمام وصول المساعدات الغذائية.

وتعتمد الأسر الريفية بصورة أساسية على زراعة المحاصيل وتربية المواشي والعمل الزراعي الموسمي والتجارة الصغيرة والحوالات والمساعدات، بينما تعتمد الأسر الحضرية على الأجور والتجارة المحدودة وفرص العمل الرسمية القليلة.

وتوفر الأسواق معظم احتياجات الغذاء في المدن والأرياف، ما يجعل القدرة الشرائية العامل الحاسم في تحديد قدرة الأسر على تأمين طعامها، إلى جانب نفقات الوقود والكهرباء والرعاية الصحية والسكن والنقل.

وكان موسم الأمطار لعامي 2024 و2025 من بين الأكثر جفافاً خلال عقود، بعدما انخفضت الأمطار بأكثر من 50 في المئة عن المتوسط، ما تسبب بتراجع إنتاج الحبوب وتدهور المراعي، ولا سيما في مناطق زراعة القمح البعلي.

ورغم تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية خلال عام 2025، بما في ذلك ارتفاع محدود في الحوالات ورواتب القطاع العام وتباطؤ تضخم الغذاء في بعض المناطق، بقيت أسعار الغذاء والوقود والسلع الأساسية مرتفعة، وحافظ الاعتماد الواسع على الاستيراد وضعف الإنتاج المحلي ونقص السيولة وارتفاع تكاليف النقل على هشاشة التعافي الاقتصادي.

محصول القمح يقفز والديون تلتهم العائدات

أكدت الشبكة أن أمطار موسم 2025 و2026، ولا سيما بين شباط وأيار، أحدثت تحسناً واضحاً في الغطاء النباتي وإنتاج المحاصيل بعد سنوات متتابعة من الجفاف، لكنها لم تعوض بصورة كاملة ما فقدته الأسر من أصول إنتاجية أو ما استُنزف من المياه الجوفية والمراعي.

وقدرت إنتاج القمح السوري خلال الموسم الحالي بما يتراوح بين مليونين و300 ألف ومليونين و500 ألف طن متري، مقارنة بنحو 900 ألف طن في موسم 2024 و2025، الذي كان أسوأ محصول حبوب في البلاد منذ 36 عاماً.

وساهم تحسن المحصول في رفع كميات الحبوب المتاحة وزيادة الدخل الزراعي الموسمي، وخاصة في شمال شرقي سوريا، لكن المزارعين سلموا حتى منتصف حزيران نحو 62 ألف طن فقط إلى مراكز التجميع في الحسكة، مقابل هدف شراء يصل إلى مليون طن.

وعزت الشبكة بطء التسليم إلى التأخير المرتبط بمنصة شراء القمح الإلكترونية الجديدة، ما أدى إلى تأخر وصول عائدات الحصاد إلى بعض الأسر، وأثار حالة من عدم اليقين بشأن الكميات التي ستُشترى عبر القنوات الرسمية.

وكانت التقديرات السابقة قد أشارت إلى أن سعر شراء القمح الذي حددته الحكومة السورية دعم أرباح المزارعين المعتمدين على الزراعة البعلية، فيما حقق أصحاب الأراضي المروية عوائد إيجابية أقل نسبياً. غير أن تراجع الليرة وارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة والري قلصا لاحقاً هامش الربح.

وأورد التقرير سعر شراء ثابتاً قدره 46 ألف ليرة سورية للطن، معتبراً أنه بات أدنى من تكاليف الإنتاج، ولا سيما في الزراعات المروية، رغم وجود حوافز إضافية تخفف جزءاً من الخسائر.

وتوقعت الشبكة أن يدفع ضعف السعر بعض المزارعين إلى البيع في الأسواق الخاصة أو تخزين القمح داخل المزارع، مع احتمال تقليص المساحات المزروعة خلال موسم 2026 و2027.

وبقي الإنتاج المحلي، رغم تحسنه الكبير، أقل من الاحتياجات الوطنية، لأن نقص الأمطار خلال فترة الزراعة الممتدة بين تشرين الأول وكانون الأول 2025 دفع مزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة بالقمح والشعير أو ترك أراضيهم من دون زراعة.

ولهذا توقعت الشبكة استمرار حاجة سوريا إلى استيراد كميات من القمح أعلى من المتوسط طوال فترة التوقعات، مع بقاء الأسعار المحلية مرتبطة بتكاليف الاستيراد والشحن وسعر الصرف.

وساعدت أمطار شباط وأيار على تحسين المياه السطحية والجوفية وتدفقات أنهار الفرات والعاصي وبردى والأعوج، ما دعم الزراعة الصيفية والمراعي وقدرة المزارعين على الري.

كما تحسنت أوضاع الثروة الحيوانية نتيجة وفرة المراعي وبقايا المحاصيل، الأمر الذي قلل الاعتماد على الأعلاف المشتراة، وحسن صحة المواشي، وسمح للمربين بتأخير البيع ومحاولة إعادة بناء قطعانهم.

لكن كثيراً من الأسر الرعوية الفقيرة لم تستفد بصورة مؤثرة من تحسن المراعي أو ارتفاع إنتاج الحليب، لأنها لم تعد تملك عدداً كافياً من الحيوانات بعد سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف والاضطرار إلى البيع.

وسجل صغار مربي المواشي عوائد محدودة خلال عيد الأضحى، نتيجة ضعف القدرة الشرائية المحلية وارتفاع الأسعار وإعادة فتح قنوات التصدير، التي وجهت جزءاً من المعروض إلى الأسواق الخارجية وكبار التجار.

كما ساعد تحسن المراعي المربين على الاحتفاظ بمواشيهم وعدم طرحها في الأسواق، ما أسهم في تقليص المعروض ورفع الأسعار إلى مستويات تجاوزت قدرة كثير من الأسر الفقيرة.

وأشارت الشبكة إلى أن قسماً كبيراً من عائدات الحصاد لم يتحول إلى إنفاق غذائي، بعدما استخدمه المزارعون لسداد ديون تراكمت خلال سنوات الجفاف، أو لتعويض تكاليف البذار والأسمدة والري والوقود والإنتاج. 

فيضانات الفرات والحرائق تقلصان مكاسب الموسم

تعرضت أجزاء من الرقة ودير الزور خلال النصف الثاني من أيار لفيضانات مرتبطة بارتفاع غير معتاد في تدفق نهر الفرات، بعدما دفعت كميات المياه القادمة من تركيا والأمطار الأعلى من المتوسط مخزون البحيرة إلى مستويات قاربت كامل طاقتها.

ووصل مخزون بحيرة سد الفرات إلى نحو 98.5 في المئة، ما اضطر الجهات المعنية إلى فتح بوابات التصريف بأقصى طاقتها للمرة الأولى منذ عام 1988، رغم بقاء جريان النهر ضمن مجراه الطبيعي في معظم المناطق.

وأثرت الفيضانات على نحو 27 ألف شخص، وأدت إلى نزوح أكثر من 8 آلاف شخص في دير الزور، كما غمرت مواقع للنازحين في الرقة وألحقت أضراراً بطرق الوصول وشبكات المياه والزراعة وحركة الأسواق.

وبلغت المساحات المغمورة في دير الزور نحو 7200 هكتار، أي أكثر من 8 في المئة من الأراضي المزروعة في المحافظة، فيما وصلت تقديرات الأضرار في الرقة ودير الزور معاً إلى نحو 17 ألف هكتار.

ووقعت الفيضانات بالتزامن مع حصاد القمح، ما تسبب بخسائر في الأراضي والمحاصيل وشبكات الري ومصادر الدخل الزراعي. وانحسرت المياه في أواخر أيار، بعدما تركزت الأضرار في الأراضي والمساكن التي أُقيمت داخل مناطق المجرى النهري خلال سنوات انخفاض المياه والجفاف.

وفي شمال إدلب، ألحقت فيضانات محلية أضراراً بنحو 800 هكتار من المحاصيل والأشجار المثمرة، فيما تسببت فيضانات آذار ونيسان بخسائر في مناطق الإنتاج المروي، ولا سيما سهل الغاب وسهل الروج وحوض السيحة.

وسجلت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية نحو 6500 حريق في أنحاء البلاد خلال حزيران، أصاب 4026 منها أراضي زراعية.

وأتلفت الحرائق التي طالت المحاصيل الناضجة قبيل الحصاد أجزاء من الإنتاج، وحرمت أسر متضررة من دخل الموسم والمخزون الغذائي العيني، بينما أضرت النيران التي امتدت إلى بقايا المحاصيل والمراعي بمصادر الأعلاف التي تحسنت خلال العام.

وتوقعت الشبكة بقاء خطر الحرائق مرتفعاً خلال موسم الجفاف الصيفي، ولا سيما في غابات وبساتين اللاذقية وطرطوس، مع احتمال تسببها بخسائر جديدة في الإنتاج الزراعي والدخل ورفع تكاليف التعافي.

تراجع الليرة وتقليص الخبز يضغطان على الأسر

أوضحت الشبكة أن الظروف الاقتصادية بدأت بالتدهور مجدداً منذ شباط 2026، مع تسارع التضخم وانخفاض قيمة الليرة السورية بنحو 15 في المئة في السوق الموازية بين مطلع نيسان ومطلع حزيران.

واتسعت الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، ما أثر على القوة الشرائية، وأضعف القيمة الحقيقية للحوالات الخارجية التي يتعين تحويلها وفق السعر الرسمي الأدنى.

وارتفعت الكلفة الشهرية المتوسطة للسلع والخدمات الأساسية بنسبة 10 في المئة بين شباط وأيار، نتيجة اعتماد البلاد على استيراد المواد الغذائية الأساسية والوقود ومدخلات الإنتاج.

وقلصت الحكومة حصة الخبز المدعوم مرتين خلال 6 أسابيع، فانخفض الوزن أولاً من 1200 غرام إلى 1050 غراماً، ثم تراجع العدد من 10 أرغفة إلى 8 أرغفة بوزن إجمالي قدره 1000 غرام.

وأدى التقليص إلى زيادة نفقات الأسر الفقيرة التي تعتمد على الخبز المدعوم بوصفه مادة غذائية رئيسية، بينما لم تعوض زيادة رواتب القطاع العام بنسبة 50 في المئة خلال أيار الارتفاع المتواصل في الأسعار.

كما ارتفع سعر أسطوانة غاز النفط المسال بنسبة 19 في المئة، وزادت أجور النقل العام في دمشق وحلب بما يتراوح بين 15 و20 في المئة، ما أضاف أعباء جديدة على الأسر المعتمدة على الأجور.

ورفعت شركة النفط السورية أسعار الوقود الرسمية في مطلع أيار، فصعد سعر لتر المازوت من 0.75 دولار إلى 0.88 دولار، وارتفع سعر البنزين من فئة 90 أوكتان من 0.85 دولار إلى 1.10 دولار للتر.

وأورد التقرير نسبة زيادة قدرها 1729 في المئة، غير أن الأسعار التفصيلية المنشورة فيه تعكس ارتفاعاً يقارب 17.3 في المئة للمازوت و29.4 في المئة للبنزين، ما يرجح وجود خطأ طباعي في النسبة الإجمالية الواردة في النص.

وانتقلت زيادة أسعار الوقود إلى تكاليف النقل والري وتسويق المحاصيل وأسعار السلع الغذائية، ولا سيما خلال فترتي الحصاد والزراعة الصيفية.

وتوقعت الشبكة استمرار تراجع الليرة في السوق الموازية بسبب الاعتماد الواسع على الاستيراد ومحدودية القطع الأجنبي واتساع الفجوة مع السعر الرسمي، على أن تبقى الدخول الحقيقية دون مستوى الحد الأدنى من سلة النفقات.

ورجحت تحسن كميات السلع المتاحة في الأسواق تدريجياً مع عودة حركة التجارة وتخفيف العقوبات وتوسع طرق التبادل عبر الحدود، لكنها توقعت بقاء إمدادات الوقود محدودة ومرتبطة بموثوقية إنتاج مصفاتي بانياس وحمص.

وتراجعت المساعدات الإنسانية بصورة حادة منذ أيار بسبب نقص التمويل، بعدما خفض برنامج الأغذية العالمي عدد المستفيدين وقلص عملياته في حلب وإدلب وشمال شرقي سوريا.

وتركزت المساعدات المتبقية في المناطق المصنفة الأكثر احتياجاً، فيما استمر توزيع الخبز على أعداد كبيرة في شمال غربي سوريا والجنوب، وبقي محدوداً أو غائباً في المنطقة الوسطى والساحل وشمال شرقي البلاد.

وأنهى البرنامج في أيار مشروع الخبز المدعوم الذي كان يدعم أكثر من 300 مخبز ويخدم ما يصل إلى 4 ملايين شخص يومياً، وخفض مساعدات الطوارئ الغذائية من مليون و300 ألف مستفيد إلى 650 ألفاً.

كما توقع انخفاض وجود البرنامج من 14 محافظة إلى 7 محافظات خلال الصيف، من دون مؤشرات على تمويل جديد كبير خلال الفترة الممتدة حتى كانون الثاني 2027. 

شمال شرقي وغربي سوريا يبقيان في مرحلة الأزمة

أكدت الشبكة استمرار المرحلة الثالثة في شمال شرقي سوريا رغم تحسن الحصاد، بسبب أعباء الديون وضعف سوق العمل وفقدان مصادر دخل رئيسية.

واستُخدم جانب كبير من عائدات الزراعة في سداد ديون سنوات الجفاف واستعادة تكاليف الإنتاج، بينما أدت فيضانات الفرات والحرائق وأمراض المحاصيل إلى خسائر محلية إضافية، وأخرت إجراءات شراء القمح وصول الإيرادات إلى بعض المزارعين.

وفقد عدد كبير من سكان دير الزور مصدر دخله بعد قرار الحكومة حظر تكرير النفط غير النظامي، بالتزامن مع انضمام عمال المصافي السابقين وأشخاص كانوا يعملون لدى ميليشيا قسد، وما يزالون ينتظرون التسوية والاندماج، إلى سوق العمل.

وأدى ارتفاع عدد الباحثين عن عمل مقارنة بالطلب إلى خفض الأجور وتقليص استفادة العمال الفقراء من موسم الحصاد، بينما بقي النازحون والعمال السابقون في المصافي والأسر المرتبطة بعاملين سابقين لدى ميليشيا قسد عاجزين عن تأمين كامل احتياجاتهم الغذائية.

وسجلت أسعار الوقود في شمال شرقي سوريا ارتفاعاً بنسبة 17.33 في المئة عند احتسابها بالدولار، مع تأثير أكبر عند حسابها بالليرة، وانعكس ذلك على عمل الأفران والزراعة ونقل المنتجات.

وستوفر زراعة القطن والشوندر السكري والذرة والخضراوات فرص عمل موسمية حتى أيلول، لكن معظم المكاسب ستبقى محصورة لدى مالكي الأراضي، فيما يعتمد النازحون والعمال اليوميون على سوق عمل مزدحم ومنخفض الأجور.

ومع تراجع الطلب على العمالة الزراعية ابتداء من تشرين الأول، ستصبح مبيعات المواشي مصدراً أساسياً للنقد لدى المربين، إلا أن تكاليف الأعلاف وإعادة بناء القطعان ستستنزف جانباً من الإيرادات.

كما ستزيد نفقات التعليم ومدخلات الزراعة الشتوية الأعباء على المزارعين المدينين، وستتسع فجوات الغذاء مع استنزاف المخزون قبل موسم الشح الذي يبدأ في كانون الثاني.

وفي شمال غربي سوريا، بقيت المرحلة الثالثة قائمة رغم الأمطار والمحصول، لأن كثيراً من ملاك الأراضي زرعوا متأخرين أو تركوا أراضيهم من دون زراعة خلال الفترة الجافة الممتدة من تشرين الأول إلى كانون الأول.

ويشكل النازحون والعائدون نحو 61 في المئة من سكان إدلب و32 في المئة من سكان حلب، لكن معظمهم لم يستفد من الموسم بسبب فقدان الأراضي والمواشي والمعدات، وتلوث الحقول بالذخائر غير المنفجرة، وخسارة بساتين بصورة دائمة.

ويعتمد هؤلاء على العمل الزراعي، إلا أن ارتفاع المعروض من العمال وتفضيل الأسر الزراعية تشغيل أفرادها بدلاً من استقدام عمال مأجورين أبقيا الأجور منخفضة.

كما واصلت أسعار الغذاء ارتفاعها مع الوقود وتراجع الليرة، ولم تنخفض موسمياً رغم الحصاد، ما دفع أسر فقيرة، ولا سيما المقيمة في المخيمات والعائدة حديثاً، إلى زيادة الديون وشراء الغذاء بالدين وبيع أصول إنتاجية.

وأدى خفض مساعدات برنامج الأغذية العالمي بنسبة 50 في المئة إلى تراجع وصول أكثر من مليوني نازح إلى الغذاء، في ظل محدودية مصادر الدخل البديلة.

كما تسببت إغلاقات المصافي غير النظامية في ريف حلب الشرقي بفقدان مئات العمال وظائفهم، بينما أعاقت شروط نقل أماكن العمل انتقالهم إلى وظائف رسمية، وواصلت الذخائر غير المنفجرة وتلوث الأراضي تقييد الحركة والوصول إلى الحقول.

وفي سهل الغاب، تسببت حالات نفوق واسعة للأسماك بخسائر شديدة لأصحاب المزارع السمكية، وأعاقت تعافي القطاع. وفي المقابل، حسن تعافي الدواجن والثروة الحيوانية كميات البروتين الحيواني المتاحة، إلا أن الأسعار بقيت أعلى من قدرة الأسر الفقيرة.

وتوقعت الشبكة استمرار الأزمة في شمال غربي سوريا حتى كانون الثاني، مع انتهاء عوائد الزيتون والفستق في تشرين الأول، وبدء نفقات التعليم والتدفئة والاستعداد للشتاء ومدخلات الزراعة. 

الجنوب تحت الضغط واللاذقية مرشحة لدخول مرحلة الأزمة

صنفت الشبكة معظم جنوب سوريا ضمن المرحلة الثانية، حيث تتمكن غالبية الأسر الفقيرة من تأمين الحد الأدنى من الغذاء، لكنها لا تستطيع تغطية النفقات الأساسية الأخرى من دون الاقتراض أو شراء الطعام بالدين أو بيع ممتلكات غير إنتاجية.

وساعدت المحاصيل القريبة من المتوسط والزراعة الصيفية والعمل الموسمي على توفير دخل في معظم مناطق الجنوب، لكن الذخائر غير المنفجرة والأراضي المتضررة في مناطق خطوط التماس السابقة بريف دمشق ما تزال تقيد الوصول إلى الأراضي الزراعية.

وفي السويداء، لم تحل الأمطار الأعلى من المتوسط مشكلة نقص المياه المزمن في المناطق الشرقية، وظلت الزراعة مقيدة، فيما عطلت اعتداءات ميليشيات الحرس الوطني التابعة للهجري وحوادث العنف الحركة والأسواق والخدمات.

وأشار التقرير إلى أن الاشتباكات بين مجموعات محلية وقوات مرتبطة بالحكومة السورية، إلى جانب الغارات الأردنية في مطلع أيار على شبكات تهريب، أثرت على حركة الأسواق ووصول الرواتب العامة.

واستهدفت الضربة الأردنية، وفق التقرير، منشآت تستخدم لتخزين أسلحة ومواد مرتبطة بتهريب المخدرات، فيما أدت تأخيرات الرواتب إلى دخول أسر في دورات اقتراض غير رسمية.

وبقيت أسعار الغذاء في السويداء من بين الأعلى في سوريا، نتيجة زيادة تكاليف الوقود والنقل وتراجع الدخل الحقيقي وتأخر الرواتب في قطاعات عامة.

وفي القنيطرة وغرب درعا، واصل الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ توغلات وإقامة حواجز مؤقتة وتفتيش منازل واحتجاز مدنيين وتخريب أراض زراعية، ما قيد الحركة والوصول إلى الحقول والمراعي.

وأدى تكرار العمليات منذ مطلع 2026 إلى تقليص الزراعة لدى الأسر الموجودة قرب الشريط الحدودي، فيما قدرت الشبكة أن قسماً محدوداً من الأسر في السويداء ومناطق القنيطرة الحدودية يواجه المرحلة الثالثة، رغم بقاء التصنيف العام للجنوب ضمن المرحلة الثانية.

وسجلت درعا أوضاعاً زراعية أفضل، مع توقع محصول شعير يتراوح بين المتوسط وفوق المتوسط، وتوسع إنتاج البطاطا مع احتياجات ري أقل، إلا أن ارتفاع أسعار المواشي وضعف القدرة الشرائية حدّا من الطلب خلال موسم عيد الأضحى.

وستدعم عوائد الزراعة والبساتين والتجارة السورية الأردنية أسعار المنتجات لدى المزارعين حتى أيلول، لكن العائدين إلى درعا وريف دمشق سينفقون قسماً كبيراً من دخلهم على إصلاح المنازل وإعادة الاستقرار.

ومع حلول تشرين الأول، ستتزامن نفقات التعليم والتدفئة والاستعداد للشتاء مع انتهاء الدخل الصيفي، ولا سيما لدى العائدين الذين يواجهون أول شتاء بعد العودة.

وستوفر عائدات بساتين الخريف ومبيعات المواشي تعويضاً جزئياً لبعض الأسر، إلا أن العائدين حديثاً والنازحين وسكان المناطق الحدودية في السويداء والقنيطرة قد يواجهون فجوات غذائية من المرحلة الثالثة، مع بقائهم أقلية ضمن مجموع السكان. 

وفي المناطق الحضرية بدمشق وحلب، بقي الوصول إلى الدخل والغذاء أفضل نسبياً من الريف، لكن ارتفاع الوقود وغاز المنازل والنقل وتراجع الليرة قلص القدرة الشرائية.

وساهمت أعمال إعادة تأهيل مدينة الشيخ نجار الصناعية في حلب، أكبر تجمع صناعي في سوريا، في توفير فرص عمل مستقرة بصورة تدريجية وتقديم دعم محدود لدخل بعض الأسر.

أما في اللاذقية وطرطوس، فساعدت عائدات الصيد والسياحة الصيفية والمرافئ والبيوت المحمية والبساتين غالبية الأسر على تأمين الحد الأدنى من الطعام، لكن كثيراً منها واصل الاقتراض أو شراء المواد بالدين لتغطية النفقات الأخرى.

وأعادت الأمطار ملء الخزانات وحسنت فرص الري، ولا سيما في طرطوس، فيما بلغ إنتاج البطاطا الساحلي نحو 33 ألفاً و500 طن متري، ما دعم دخل المزارعين وفرص العمل الموسمية.

وتواصلت إجراءات مكافحة الصيد غير القانوني في طرطوس، مع زيادة متوقعة في نشاط الصيد ابتداء من حزيران، بينما فقدت أسر كانت تعتمد على وظائف حكومية أو عسكرية خلال عهد النظام البائد دخلاً ثابتاً واضطرت إلى العمل اليومي.

وتوقعت الشبكة بقاء طرطوس واللاذقية ضمن المرحلة الثانية حتى أيلول، ثم استمرار طرطوس في التصنيف نفسه حتى كانون الثاني، مقابل انتقال اللاذقية إلى المرحلة الثالثة اعتباراً من تشرين الأول.

وتستفيد طرطوس من إنتاج البيوت المحمية على مدار العام، وفرص العمل في مصفاة بانياس والصيد والمرفأ، ما يساعد الأسر على تغطية الغذاء والتدفئة خلال الخريف والشتاء.

أما اللاذقية، فتفتقر إلى مصدر دخل مستمر مماثل، في وقت يُتوقع فيه بقاء تعافي السياحة محدوداً، مع زيادة أعداد الباحثين عن العمل وضغطها على أجور العاملين الموسميين.

ومع انتهاء عائدات السياحة وارتفاع نفقات المدارس والتدفئة والاستعداد للشتاء، سيرتفع عدد الأسر غير القادرة على تأمين الحد الأدنى من الغذاء، وخاصة النازحين ومن لا يملكون مصادر دخل ثابتة.

وحذرت الشبكة من أن انخفاضاً أكبر من المتوقع في قيمة الليرة، بسبب تراجع الثقة بالعملة أو تغير سياسات تحويل الحوالات أو حدوث تصعيد إقليمي، سيرفع سريعاً أسعار الغذاء المستورد والوقود ومدخلات الزراعة، ويخفض القيمة الحقيقية للرواتب والحوالات.

وقد يؤدي ذلك إلى زيادة عدد الأسر الواقعة في المرحلة الثالثة في أنحاء البلاد، وانتقال مناطق في الجنوب والساحل من المرحلة الثانية إلى الثالثة. وفي المقابل، يمكن لاستقرار الليرة أو تحسنها أن يخفف تضخم الغذاء ويحسن القوة الشرائية.

كما حذرت من أن تأخر أمطار تشرين الأول وكانون الأول أو انخفاضها بصورة كبيرة سيقللان المساحات المزروعة بالقمح والشعير وفرص العمل الزراعي وتجدد المراعي.

وأشارت إلى أن 3 موجات جفاف رئيسية بين عامي 2016 و2021 استنزفت نحو 60 في المئة من احتياطي المياه الجوفية في شمال شرقي سوريا، ما يجعل موسم الزراعة المقبل شديد الحساسية لكميات الأمطار وتكاليف الري والوقود.

وسيؤدي موسم مطري ضعيف إلى زيادة الاعتماد على الري المكلف، ودفع مزارعين مدينين إلى تقليص المساحات أو الامتناع عن الزراعة، وخفض دخل النازحين والعمال اليوميين قبل موسم الشح.

وفي الجنوب، رجحت الشبكة أن يؤدي توسع العمليات الإسرائيلية خارج المنطقة الحدودية في القنيطرة، أو انهيار التهدئة في السويداء، أو تجدد العنف بين المجموعات المحلية، إلى تقييد الوصول إلى الأراضي والمراعي والأسواق والعمل، وتعطيل موسم الزراعة ورفع أسعار الخبز والوقود والخضراوات.

ونظراً إلى صغر عدد سكان القنيطرة، قد يؤدي ارتفاع محدود في عدد الأسر التي تفقد دخلها الزراعي إلى انتقال المحافظة من المرحلة الثانية إلى الثالثة، كما يمكن لاستمرار العنف في السويداء أن يدفعها إلى التصنيف نفسه. 

واعتمدت الشبكة في تحليلها على بيانات من المجلس الدنماركي للاجئين بشأن آثار الجفاف على المزارعين، والمنظمة الدولية للهجرة بشأن النازحين والعائدين، وبرنامج الأغذية العالمي بشأن أسعار المواد الأساسية، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن حركة السكان، ومنظمة أوكسفام بشأن فيضانات الفرات.

كما استعانت بتقييم للأمن الغذائي أعدته الحكومة السورية وبرنامج الأغذية العالمي، وبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بشأن مصادر الغذاء والدخل، ومعلومات قطاع الأمن الغذائي وسبل العيش عن المساعدات الفعلية والمخططة.

وأوضحت الشبكة أن توقعاتها تمثل السيناريو الأكثر ترجيحاً، ولا تعد تنبؤاً قطعياً، إذ تستند إلى مسار الأسعار والأمطار والوضع الأمني ومصادر الدخل وقدرة الأسر على التكيف.

وتقيم الشبكة قدرة الأسر على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، وتستخدم تصنيفاً مؤلفاً من 5 مراحل، مع احتساب أثر المساعدات الإنسانية على الحد من تدهور الأوضاع.

وتعتبر المساعدة الغذائية مؤثرة عندما يتلقى 25 في المئة على الأقل من أسر منطقة معينة ما يعادل 25 في المئة على الأقل من احتياجاتها من السعرات الحرارية، سواء كانت المساعدة مواد غذائية أو مبالغ نقدية أو قسائم.

 

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ