اضطراب طيف التوحد: الأسباب المحتملة وطرق التعامل الفعّال
اضطراب طيف التوحد: الأسباب المحتملة وطرق التعامل الفعّال
● مجتمع ١٥ يوليو ٢٠٢٦

اضطراب طيف التوحد: الأسباب المحتملة وطرق التعامل الفعّال

في ظل تزايد الوعي حول اضطراب طيف التوحد، تبرز الحاجة إلى فهم أعمق لطبيعته وأسبابه وسبل التعامل معه، خاصة في المراحل المبكرة من عمر الطفل، لما لذلك من دور محوري في تحسين مسار تطوره. 

ويشكّل هذا الاضطراب أحد أبرز الاضطرابات النمائية التي تتطلب تشخيصاً دقيقاً وتدخلاً مبكراً، إلى جانب دور أساسي للأسرة والمجتمع في دعم الأطفال المصابين به وتمكينهم من الاندماج واكتساب المهارات اللازمة لحياتهم اليومية.


في إطار تسليط الضوء على اضطراب طيف التوحد، يقدّم الأخصائي النفسي السريري بيرم جمعة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، شرحاً حول طبيعته، وأبرز سماته، والعلامات المبكرة الدالة عليه، إلى جانب أهمية التشخيص المبكر ودور الأسرة في التعامل معه.

قال جمعة إن اضطراب طيف التوحد هو اضطراب نمائي عصبي يظهر في فترة الارتقاء المبكرة، ويتميز، بحسب المعايير التشخيصية، بعجز مستمر في التواصل الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي عبر سياقات متعددة، بالإضافة إلى وجود أنماط مقيدة ومكررة من السلوك أو الاهتمامات.

وأضاف أنه يمكن تحديد مستويات لشدة هذا الاضطراب بناءً على مقدار الدعم الذي يحتاجه الطفل، سواء كان يحتاج دعماً، أو دعماً كبيراً، أو دعماً كبيراً جداً، ونوه إلى أن أبرز السمات الأساسية للتوحد تتمثل في الشذوذ في التطور الاجتماعي، مثل ضعف القدرة على تشكيل علاقات عاطفية، وتجنب التواصل البصري، وضعف القدرة على مشاركة الاهتمامات والمشاعر مع الآخرين.

وذكر أن الشذوذ في التواصل يشمل غياب أو تأخر تطور اللغة المحكية، أو الاستخدام المتكرر وغير المناسب للكلمات (صدى اللفظ)، إضافة إلى صعوبة فهم الإيماءات وتعبيرات الوجه، كما بيّن أن تقييد الاهتمامات والسلوك يظهر من خلال الرغبة الشديدة في الحفاظ على رتابة الأشياء ومقاومة التغيير، والقيام بحركات نمطية متكررة كرفرفة اليدين أو الاهتزاز، إلى جانب التعلق الشديد بأشياء غير معتادة.

وأشار إلى أنه يمكن للأهل ملاحظة بعض العلامات المبكرة التي تشير إلى احتمال وجود التوحد، ومنها غياب الابتسامة الاجتماعية أو تعبيرات الفرح والمشاركة بحلول الشهر السادس من العمر، إلى جانب وجود مؤشرات أخرى، مثل تصلب جسد الطفل ورفضه للحضن أو العناق، حيث لا يتكيف جسده مع يدي من يحمله وكأنه دمية.

وأوضح أن من العلامات أيضاً فشل الطفل في الالتفات أو الاستجابة عند مناداته باسمه، حيث يبدو أحياناً وكأنه أصم، مضيفاً أن تأخر تطور اللغة يعد مؤشراً مهماً، كعدم وجود أصوات مناغاة أو ثرثرة في سن 12 شهراً، وشدد على أن غياب اللعب التخيلي وتجاهل الأطفال الآخرين، مقابل إبداء اهتمام مفرط بالأشياء والجماد، يُعد من العلامات الدالة.

وأفاد بأنه لا يوجد سبب واحد قاطع لاضطراب التوحد، بل هو نتيجة تضافر عدة عوامل معقدة.
ولفت إلى أن العوامل الوراثية والجينية تلعب دوراً كبيراً، حيث تشير الدراسات إلى أن نسبة التوريث قد تصل إلى 80-90% بناءً على معدلات التطابق بين التوائم.

وأضاف أن العوامل العصبية تشمل وجود اختلافات في نضج الدماغ والتشريح العصبي، وخلل في الوظائف التشابكية والدوائر الدماغية، وأشار إلى أن عوامل الخطر البيئية، خاصة أثناء الحمل والولادة، مثل تقدم عمر الوالدين أو الخداج الشديد، أو التعرض لبعض العقاقير الطبية والمواد المسببة للتشوهات كحمض الفالبرويك، قد تكون مرتبطة بظهور الاضطراب.

ونوه إلى وجود عوامل بيوكيميائية تتمثل في خلل أو اختلافات في بعض النواقل العصبية في الدماغ مثل السيروتونين والدوبامين، وبيّن أن تشخيص التوحد يعتمد على التقييم الإكلينيكي المباشر للسلوك والتطور النمائي للطفل، باستخدام أدوات تشخيصية مقننة عالمياً.

وذكر أن التقييم يتضمن فحصاً شاملاً للمستوى المعرفي، والقدرة اللغوية، ومهارات التواصل واللعب، وتحدث عن ضرورة أن تكون الأعراض حاضرة في فترة النمو المبكرة، حتى وإن لم تتجلى بالكامل إلا عندما تتجاوز المتطلبات الاجتماعية قدرات الطفل المحدودة.

وأوضح أن أهمية التشخيص المبكر تكمن في الاستفادة من مرونة الدماغ البشري وقدرته العالية على التكيف خلال السنوات الخمس الأولى من العمر، وأكد أن الأطفال الذين يتلقون تدخلاً علاجياً وسلوكياً مبكراً يظهرون تحسناً ملحوظاً في اكتساب السلوكيات الصحيحة وتعديل السلوكيات الخاطئة.

وشدد على أن تطور اللغة الوظيفية لدى الطفل بعمر خمس سنوات يُعد مؤشراً إيجابياً قوياً للمستقبل.
وأفاد بأن التعامل مع الطفل المصاب بالتوحد داخل المنزل يتطلب بيئة منظمة وتفهماً عميقاً لاحتياجاته، ولفت إلى أهمية إشعار الطفل دائماً بأنه محبوب ومتقبل ضمن الأسرة لتعزيز إحساسه بالأمان وتقليل نوبات التوتر.

وأضاف ضرورة توجيه الأوامر والتعليمات بصورة واضحة وبسيطة جداً، وتجزئة المهام اليومية إلى خطوات صغيرة ومتسلسلة ليسهل استيعابها.

وأشار إلى أهمية استخدام الحزم الإيجابي ونبرة الصوت المناسبة، مع تجنب العقاب البدني تماماً، ونوه إلى ضرورة تقليل المثيرات المشتتة السمعية والبصرية في البيئة التي يتعلم أو يلعب فيها الطفل.

وبيّن أهمية تجنب التكرار الزائد والممل في الأنشطة التدريبية لتفادي نفور الطفل، وذكر أنه لا يوجد علاج طبي شافٍ تماماً لاضطراب طيف التوحد، لكن البرامج المتاحة تهدف إلى تحسين القدرات والمهارات التكيفية والتخفيف من الأعراض.

وتحدث عن التدخل السلوكي المكثف المبكر (EIBI) الذي يعتمد على استراتيجيات سلوكية ونفسية لتحسين الانتباه المشترك والتواصل المتبادل.
وأوضح أن العلاج النفسي وتعديل السلوك يهدف إلى الحد من السلوكيات غير المرغوبة وإكساب الطفل مهارات الرعاية الذاتية والاستقلالية والتفاعل الاجتماعي السليم.

وأكد أن علاج النطق واللغة يسهم في تحسين مهارات التواصل اللفظي وغير اللفظي، ومساعدة الطفل على التعبير عن احتياجاته، وشدد على أن التدخل الدوائي يُستخدم للسيطرة على المشكلات النفسية أو السلوكية المصاحبة، مثل الأدوية المضادة للقلق أو مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية أو أدوية السيطرة على الصرع، وذلك تحت إشراف طبي دقيق.

وأفاد بوجود أخطاء شائعة يقع فيها الأهل، منها الإنكار والإسقاط، ورفض الاعتراف بالمشكلة أو تبادل الاتهامات، ولفت إلى أن الشعور بالذنب واستنزاف الطاقة النفسية يعيق تقديم المساعدة الفعالة للطفل، مضيفاً أن الجري وراء علاجات غير مثبتة علمياً يضيع الوقت والجهد ويؤخر التدخل الصحيح.

وأشار إلى أن العزل الاجتماعي أو الحماية المفرطة يحرم الطفل من فرص التعلم واكتساب المهارات.
ونوه إلى أهمية دعم الطفل في المدرسة والمجتمع من خلال الدمج الأكاديمي المدروس للحالات القادرة، وبيّن ضرورة توفير تعليم مخصص للحالات التي تحتاج دعماً مكثفاً، مع التركيز على تعليم المهارات ذات القيمة الثقافية والاجتماعية.

وذكر أهمية تدريب الأقران وتوعيتهم لكيفية التعامل والتواصل الإيجابي مع الأطفال المصابين بالتوحد، وتحدث عن أهمية تقبل الأهل لحالة طفلهم، مشيراً إلى أن التشخيص قد يضعهم في حالة من الصدمة والإنكار.

وأوضح أن قبول الطفل بشكل كامل يُعد الخطوة الأولى والأساسية للانطلاق في المسار الصحيح، وأكد أن الإنكار أو المبالغة في الحماية أو الإهمال يعيق البدء المبكر في برامج التدخل العلاجية، وشدد على أن قبول الطفل يفتح المجال لاكتشاف قدراته ودعمه ليعيش حياة مستقلة وكريمة.

وختم بالتأكيد على أهمية عمل الأسرة كوحدة مترابطة، وتقديم الدعم المتبادل، والانضمام إلى مجموعات الدعم، وملاحظة تقدم الطفل والاحتفاء به، والتخطيط لمستقبله، إلى جانب الحفاظ على روح الدعابة كوسيلة للتخفيف من الضغوط اليومية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ