الغلاء رغم وفرة الإنتاج... لماذا ترتفع أسعار الخضار والفواكه في السوق المحلية؟
الغلاء رغم وفرة الإنتاج... لماذا ترتفع أسعار الخضار والفواكه في السوق المحلية؟
● مجتمع ١٣ يوليو ٢٠٢٦

الغلاء رغم وفرة الإنتاج... لماذا ترتفع أسعار الخضار والفواكه في السوق المحلية؟

لا تزال الأسواق السورية تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة رغم وفرة الإنتاج الزراعي خلال الموسم الحالي، إذ يواصل المواطنون مواجهة ارتفاع أسعار الخضار والفواكه والسلع الأساسية، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية واستمرار تقلبات سعر صرف الليرة، في مشهد يعكس عمق التحديات الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

ويؤكد أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط بنقص الإنتاج، بل يعود إلى ارتفاع تكاليف العملية الإنتاجية منذ بدايتها، موضحاً أن الفلاح يتحمل أعباء متزايدة تتمثل في ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات الزراعية التي يتم استيراد معظمها وفق سعر صرف الدولار، إضافة إلى زيادة تكاليف الوقود والطاقة، وارتفاع أجور اليد العاملة مقارنة بالسنوات الماضية، فضلاً عن ارتفاع أسعار العبوات البلاستيكية المستخدمة في تعبئة الخضار والفواكه، والتي تعتمد أيضاً على مواد أولية مستوردة.

وأضاف أن تكاليف النقل تشكل عاملاً إضافياً في رفع الأسعار، سواء خلال نقل المنتجات من المحافظات المنتجة إلى أسواق الهال، أو من أسواق الهال إلى الأسواق المحلية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.

ويرى أن إحدى أبرز المشكلات تكمن في تعدد حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، إذ ينتقل المنتج الزراعي من الفلاح إلى تاجر الجملة، ثم إلى تاجر نصف الجملة، وصولاً إلى تاجر المفرق، ما يؤدي إلى تراكم هوامش الأرباح بشكل كبير.

وأشار إلى أن تاجر المفرق قد يحقق أرباحاً تتجاوز 60 بالمئة من قيمة المنتج، بينما يحصل تاجر نصف الجملة على نحو 25 بالمئة، وتاجر الجملة على قرابة 15 بالمئة، لتتجاوز الأرباح الإجمالية للحلقات الوسيطة 100 بالمئة قبل وصول المنتج إلى المستهلك، وهو ما يفسر الفارق الكبير بين السعر الذي يبيع به الفلاح والسعر الذي يدفعه المواطن.

كما لفت إلى أن دور الرقابة التموينية أصبح يقتصر على مراقبة الإعلان عن الأسعار ومكافحة الغش والتدليس، بينما لم تعد هناك رقابة مباشرة على نسب الأرباح التي يفرضها التجار في ظل التوجه نحو اقتصاد السوق، ما منح التجار حرية واسعة في تحديد الأسعار.

وفي سياق متصل، ألقت صحيفة "الحرية" الضوء على تدهور الأوضاع المعيشية في سوريا من خلال نماذج واقعية لأسر تواجه صعوبة في تأمين احتياجاتها الأساسية، نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل وندرة فرص العمل.

وتوضح الباحثة الاجتماعية الدكتورة ولاء اليوسف أن الفقر لم يعد يقتصر على محدودية الدخل، بل أصبح يشمل ضعف القدرة على الحصول على الخدمات الأساسية، مثل التعليم والرعاية الصحية والسكن المناسب، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة وتراجع فرص العمل، الأمر الذي أدى إلى اتساع رقعة الفقر داخل المجتمع السوري.

وتشير اليوسف إلى أن استمرار هذه الظروف ستكون له انعكاسات اجتماعية خطيرة، من بينها زيادة عمالة الأطفال، وارتفاع معدلات التسرب المدرسي، وتراجع جودة الحياة، واتساع الفجوة الاجتماعية، فضلاً عن الضغوط النفسية والاقتصادية التي تواجهها الأسر.

من جانبه، يؤكد الباحث الاقتصادي فاخر القربي أن المؤشرات الاقتصادية تعكس استمرار الضغوط على الاقتصاد السوري، مشيراً إلى أن معدلات البطالة تجاوزت 30 بالمئة، في حين أدى تراجع الناتج المحلي الإجمالي والأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية خلال السنوات الماضية إلى تراجع النشاط الاقتصادي.

وأوضح أن ملايين السوريين ما زالوا يعانون من نقص السكن والخدمات الأساسية، إضافة إلى تضرر قطاعات المياه والصرف الصحي، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي والاجتماعي.

ويرى القربي أن تجاوز هذه التحديات يتطلب برنامجاً اقتصادياً طويل الأمد يعتمد على إصلاحات هيكلية، تشمل إعادة بناء البنية التحتية، وتحفيز القطاعات الإنتاجية، وتحسين بيئة الاستثمار، إلى جانب توفير التمويل اللازم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة.

كما دعا إلى رفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وتحويل الدعم الحكومي إلى دعم نقدي مباشر يستهدف الأسر الأكثر احتياجاً، إضافة إلى تشجيع الاستثمارات، ولا سيما في قطاع الطاقة، وتهيئة بيئة اقتصادية أكثر استقراراً، مع ضرورة معالجة آثار العقوبات بما يسمح بتطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي بصورة أكثر فاعلية.

وفي موازاة هذه التحديات، تواصل الجهات الحكومية اتخاذ إجراءات لتنظيم الأسواق، حيث نفذت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في محافظة حماة حملات رقابية على المحال التجارية، أسفرت عن تنظيم ضبوط بحق عدد من المخالفين لعدم الالتزام بالإعلان عن الأسعار والأنظمة التموينية.

كما أصدرت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دير الزور تسعيرة رسمية لقوالب الثلج، وحددت أسعارها بحسب الأوزان، مع إلزام المعامل بوضع موازين ظاهرة أمام المستهلكين، والتقيد بالأوزان النظامية، محذرة من فرض عقوبات قد تصل إلى إغلاق المنشآت المخالفة.

وتعكس هذه التطورات استمرار حالة التباين بين الإجراءات الحكومية الهادفة إلى تنظيم الأسواق، وبين الضغوط الاقتصادية التي ما تزال تؤثر على مستويات الأسعار والقدرة الشرائية، في وقت يؤكد فيه خبراء أن تحسين الواقع المعيشي يتطلب إصلاحات اقتصادية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة، وتعيد التوازن بين الإنتاج والدخل والأسعار، بما يخفف الأعباء عن المواطنين ويعزز فرص التعافي الاقتصادي.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ