الحرب بين واشنطن وطهران تضغط على السباق التكنولوجي العالمي
أدخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران السباق التكنولوجي العالمي مرحلة أكثر تعقيدًا، مع تسجيل ارتفاع في تكاليف الشحن البحري بين 30% و40% على بعض المسارات المرتبطة بالشرق الأوسط، بالتوازي مع صعود أسعار النفط والغاز بنسب تراوحت بين 20% و30% خلال فترات التصعيد، ما انعكس مباشرة على تكلفة إنتاج التكنولوجيا المتقدمة.
ويُعد مضيق هرمز نقطة مفصلية في هذا التأثير، إذ يمر عبره نحو 30% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، ما يجعله أحد أهم محددات أسعار الطاقة، وبالتالي كلفة تشغيل الصناعات التكنولوجية، خصوصًا مصانع أشباه الموصلات التي تعتمد على طاقة كثيفة واستقرار تشغيلي دقيق.
في قطاع الرقائق، تتجلى هشاشة سلاسل التوريد بوضوح، إذ تتركز أكثر من 70% من القدرة التصنيعية العالمية في تايوان وكوريا الجنوبية، بينما تعتمد هذه الصناعة على شبكة توريد عالمية تبدأ من مواد خام تُستخرج في دول مثل الصين والولايات المتحدة، وتمر عبر مسارات شحن حساسة، قبل أن تصل إلى مراكز التصنيع المتقدمة.
وأدى تحويل مسارات السفن بعيدًا عن مناطق التوتر إلى زيادة زمن الشحن عالميًا بنحو 10 إلى 15 يومًا، ما تسبب بتأخير وصول مكونات أساسية مثل الرقائق واللوحات الإلكترونية، وهو ما انعكس على جداول إنتاج شركات التكنولوجيا، وأدى في بعض الحالات إلى تأجيل إطلاق منتجات جديدة.
هذه الضغوط دفعت دولًا صناعية إلى تسريع خطط توطين الإنتاج، حيث خصصت الولايات المتحدة أكثر من 50 مليار دولار لدعم صناعة الرقائق، بينما تعمل ألمانيا ودول أوروبية أخرى على جذب استثمارات تتجاوز 40 مليار دولار لإنشاء مصانع محلية، في إطار تقليل الاعتماد على آسيا.
في المقابل، تواصل الصين تنفيذ استراتيجية طويلة الأمد باستثمارات تتجاوز 150 مليار دولار لتعزيز الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات، ما يعكس تحول السباق التكنولوجي إلى سباق سيادي مرتبط بالأمن القومي.
ولا يقتصر التأثير على التصنيع، إذ ارتفعت كلفة تشغيل مراكز البيانات—التي تستهلك بين 1% و2% من الكهرباء عالميًا—بفعل أسعار الطاقة، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة إلى نحو 4% بحلول 2030 نتيجة التوسع في الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل تكلفة الطاقة عاملًا حاسمًا في تحديد مواقع الاستثمار التقني مستقبلًا.
بالتوازي، تصاعدت المخاطر السيبرانية المرتبطة بالحرب، حيث تشير تقديرات إلى زيادة تتجاوز 30% في الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك شركات تكنولوجيا كبرى ومشغلي خدمات حيوية، ما دفع إلى مضاعفة الإنفاق على الأمن السيبراني عالميًا.
كما بدأت الشركات الكبرى بإعادة تصميم سلاسل التوريد وفق نموذج “التعدد الجغرافي”، عبر توزيع الإنتاج بين أكثر من دولة لتقليل المخاطر، بدل الاعتماد على مركز واحد، وهو تحول جذري مقارنة بنموذج “الكفاءة القصوى” الذي كان سائدًا خلال العقدين الماضيين.
وانعكست هذه التحولات على المستهلكين، مع تسجيل ارتفاع في أسعار الأجهزة الإلكترونية عالميًا بنسب متفاوتة، وتأخر إطلاق بعض المنتجات، إلى جانب زيادة تكلفة الخدمات الرقمية، خاصة تلك المرتبطة بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
تشير هذه المعطيات إلى أن الحرب لم تؤثر فقط على تدفق السلع، بل أعادت تشكيل قواعد السباق التكنولوجي العالمي، حيث لم يعد التفوق قائمًا على الابتكار وحده، بل على القدرة على تأمين الطاقة، وضمان استقرار سلاسل التوريد، وإدارة المخاطر في بيئة دولية مضطربة.
لذلك يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة يصبح فيها التفوق التكنولوجي مرهونًا بعوامل جيوسياسية واقتصادية بقدر ارتباطه بالتقدم العلمي، في ظل حرب تمتد آثارها إلى عمق الاقتصاد الرقمي العالمي.