توثيق المساعدات... دعم إنساني أم انتهاك للخصوصية: بين نشر الخير وحماية كرامة المحتاجين
توثيق المساعدات... دعم إنساني أم انتهاك للخصوصية: بين نشر الخير وحماية كرامة المحتاجين
● مجتمع ٢٦ مارس ٢٠٢٦

توثيق المساعدات... دعم إنساني أم انتهاك للخصوصية: بين نشر الخير وحماية كرامة المحتاجين

تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي برامج تهدف إلى تقديم المساعدة للمحتاجين مباشرة عبر الدعم النقدي والغذائي والطبي وغيره، كما تعتمد العديد من الفرق التطوعية والمنظمات على تغطية نشاطاتها عبر عدسات الكاميرات، ورغم دور هذا التوثيق في إيصال الدعم وتحفيز المجتمع على المشاركة، فإن نشر الصور والفيديوهات التي تظهر المستفيدين يضعهم أحياناً في مواقف محرجة ما يترك أثراً نفسياً واجتماعياً على حياتهم.

تتنوع مصادر تمويل هذه البرامج بين تبرعات مقدمة من فاعلي خير أو مطاعم ومحلات تجارية أو منظمات محلية وغيرها، وتحظى في الوقت ذاته بمتابعة ملحوظة على منصات التواصل الاجتماعي لطابعها الإنساني، كما يسهم نشرها عبر حسابات صانعي محتوى أو ناشطين لديهم جمهور كبير في زيادة انتشارها ووصولها إلى عدد أكبر من المتابعين.

بين هدف التوثيق وردود الفعل الاجتماعية

ورغم أن القائمين على هذه البرامج ينشرون الصور والفيديوهات لدوافع إيجابية تتعلق بتوثيق النشاطات وتشجيع الآخرين على المشاركة والتبرع، فإن ظهور المستفيدين على منصات التواصل قد يعرضهم أحياناً لردود فعل نقدية من بعض أفراد المجتمع، ما يترك أثراً نفسياً واجتماعياً، رغم أن طلب المساعدة في أوقات الأزمات والحاجة يعد أمراً طبيعياً جزءاً من التكاتف المجتمعي والهدف من تقديم الدعم يظل إنسانياً.

تجنب المشاركة لتفادي الحرج

تختلف وجهات النظر حول هذه المبادرات، فبينما يشيد البعض بها ويعتبرها وسيلة نبيلة لدعم المحتاجين والفئات الهشة في المجتمع كالفقراء والمرضى والمتضررين خلال السنوات السابقة، يدعو آخرون إلى إعادة النظر في أسلوب تقديم المساعدة، والبحث عن طرق أخرى تحفظ كرامة المستفيد وتجنبه التعرض للانتقادات اللاذعة داخل مجتمعه.

وأكد بعض الأشخاص الذين تحدثنا معهم أنهم يميلون إلى تجنب المشاركة في مثل هذه البرامج، رغم حاجتهم الفعلية للدعم، خشية التعرض لردود فعل سلبية من المحيط الاجتماعي، فيما يلجأ آخرون خلال عمليات التوزيع الإغاثية أو المبادرات الميدانية للفرق التطوعية والمنظمات إلى إخفاء وجوههم، وتجنب الكاميرات، أو إرسال أبنائهم بدلاً عنهم، حفاظاً على خصوصيتهم وتقليل أي إحراج محتمل.

في هذا السياق، يقول محمود العبد الله، أب لطفلين ومقيم في إحدى قرى ريف إدلب الجنوبي، في حديثه لشبكة شام الإخبارية، إن ابنه بعد ولادته عانى من مشاكل في النمو ونقص الأكسجة وكان بحاجة إلى علاج، موضحاً أن البعض نصحه بنشر حالة الطفل المريض على منصات التواصل، لكنه رفض ذلك خوفاً من التعليقات السلبية.

ويضيف أنه تابع علاج ابنه عند طبيب عصبية في مدينة إدلب، وتطلب الأمر زيارات متكررة بشكل شهري، مما كبده نفقات مالية تشمل تكاليف النقل والكشف والدواء، مشيراً إلى أن الأعباء المالية مؤقتة، بينما الصورة أو الفيديو المنشور قد يبقى لسنوات ويترك أثراً مستمراً على حياته وربما على حياة طفله.

عندما تتحول المساعدة إلى موقف محرج

يقول أحد الأشخاص، الذي فضل عدم الإفصاح عن اسمه في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه قبل سنوات صوّره ناشط إعلامي أثناء حديثه عن معاناة ابنيه من مرض وحاجتهما إلى دواء لم يكن قادراً على تأمينه بسبب الوضع الاقتصادي وظروف النزوح القاسية، مشيراً إلى أن هدف الناشط كان إيصال صوته إلى الجهات التي من الممكن أن تساعده.

ويضيف أن بعد انتشار الفيديو تواصلت معه إحدى المنظمات الإنسانية وقدمت له المستلزمات الطبية وهناك أشخاص دعموه بمبالغ مالية، إلا أن بعض أهالي قريته انتقدوه لاحقاً، متهمين إياه باستغلال حالة أبنائه للحصول على المال، ما سبب له إحراجاً كبيراً خاصة بعد تداول الفيديو فيما بينهم وتعليقاتهم المبالغ فيها.

الفرق بين توثيق المنظمات والتصوير الإعلامي

 ومن وجهة نظر الصحفية أميمة محمد في حديث لشبكة شام الإخبارية، فإن تصوير الأهالي خلال تقديم المساعدات من قبل المنظمات يختلف عن تصويرهم بواسطة الإعلاميين، مشيرة إلى أن توثيق المنظمات للمساعدات من أجل دعم المانحين أو متابعة المشاريع أمر طبيعي، أما عندما يقوم الإعلاميون بتصوير الحالات ونشرها على نطاق واسع، فإن ذلك يخلق وضعاً مختلفاً قد يضع المستفيدين في مواقف محرجة.

وتضيف، أن بعض المستفيدين يفضلون عدم انتشار صورهم أو فيديوهاتهم على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة النساء اللواتي قد لا يكنّ على دراية كاملة بتداعيات ظهور صورهن أو صور أطفالهن أثناء تلقي المساعدة، مما قد يؤدي لاحقاً إلى شعورهن بالحرج أو الندم، الأمر الذي قد يجعل العواقب السلبية تفوق الفوائد في هذا المجال.


وتشير إلى أن عمل المنظمات يحمل إيجابيات واضحة، من بينها توثيق الدعم المقدم للداعمين لضمان استمراريته، والتركيز على الحالات الأكثر احتياجاً، خاصة في المناطق المتضررة التي تتطلب إعادة إعمار، كما يشجع هذا التوثيق على إطلاق مشاريع إعادة الإعمار، مع التأكيد على أن المنظمات تعمل وفق نظام الموافقة المستنيرة قبل التصوير.
 

وتردف أن التصوير عبر الإعلاميين يختلف عن عمل المنظمات، مؤكدة أنها لا تشجع على نشر جميع الحالات، بل فقط تلك التي يكون للنشر هدف واضح، مشيرة إلى أن من سلبياته تعرض الأشخاص للشعور بالحرج بعد النشر، وأن الأطفال قد يشعرون لاحقاً بالندم لكونهم تم تصويرهم في وقت لم يكن بإمكانهم منح موافقة مستنيرة.

وتقترح وضع حلول للتقليل من آثار هذه الممارسات، مثل توعية الصحفيين عبر ورش عمل متخصصة تنظمها جهات معنية كاتحاد الصحفيين أو وزارة الإعلام، لمناقشة هذا الموضوع وتسليط الضوء على النقاط الإيجابية والسلبية، بما يساعدهم على الموازنة واتخاذ قرارات مدروسة عند تصوير ونشر مثل هذه الحالات.

مراعاة الخصوصية عند توثيق العمل الإنساني

يؤكد مختصون في العمل الإنساني إلى أن حماية خصوصية المستفيدين يجب أن تكون أولوية عند توثيق المبادرات الإنسانية على منصات التواصل، مؤكدين أن الهدف من التوثيق هو توضيح أثر الدعم وتحفيز الآخرين على المشاركة، لا تعريض المستفيدين للإحراج أو الانتقادات.

ويرون أن الحلول العملية تشمل استخدام زوايا تصوير لا تكشف الهوية، أو تغطية الوجه بالبلور، أو التركيز على تفاصيل المساعدة نفسها بدل الشخص، كما يؤكدون على أهمية الحصول على موافقة مستنيرة من المستفيد قبل النشر، وتوضيح الهدف والفترة الزمنية التي سيبقى فيها المحتوى متاحاً.

ويشير المختصون أيضاً إلى أن التدريب والتوعية لصانعي المحتوى والإعلاميين على هذه الممارسات يمكن أن يقلل من أي أثر سلبي، ويضمن توثيق المبادرات الإنسانية بطريقة تحترم كرامة المستفيدين وتحافظ على الأثر الإيجابي للمبادرات في المجتمع.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ