أم غياث: رحلة أم سورية بين فقدان الأبناء والمطالبة بالعدالة
عاشت آلاف الأمهات السوريات مرارة فقدان أبنائهن خلال سنوات الثورة السورية، بعدما طالتهم حملات الاعتقال أو القصف على يد قوات النظام البائد، وبينما كانت كثيرات ينتظرن أن يكبر أبناؤهن ويحققوا أحلامهم في مستقبل أكثر أماناً، وجدن أنفسهن يواجهن فراغاً قاسياً خلّفه غيابهم وذكريات لا تغيب عن تفاصيل حياتهن اليومية.
في هذا السياق تبرز قصة السيدة غادة محمد العبار، الملقبة بـ “أم غياث”، البالغة من العمر 63 عاماً والمقيمة في مدينة داريا بريف دمشق، والتي فقدت أربعة من أبنائها؛ أحدهم توفي وهو طفل، فيما اعتُقل ثلاثة من أبنائها الشباب على يد قوات النظام البائد، إذ تسلّمت جثمان أحدهم، بينما وصلتها ورقة رسمية تفيد بوفاة الثاني، في حين لا تزال لا تعلم حتى اليوم مصير ابنها الثالث.
وتقول أم غياث في حديث لـ شبكة شام الإخبارية، إنها أم لستة أولاد، أربعة ذكور وابنتين، هم شادي وأنس وحازم وغياث، إضافة إلى إيناس وسوزان، موضحة أن ابنها البكر شادي توفي وهو في الرابعة من عمره، لكنها بقيت تُعرف منذ ذلك الحين بلقب “أم شادي”، وبعد أن استشهد ابنها غياث صارت تكنى بأم غياث.
وتضيف أن لديها أربعة أحفاد، اثنان من ابنها أنس وهما هادي وشادي مطر، وابن من حازم اسمه رامي، فيما أطلقت على ابن غياث اسم والده نفسه، إذ وُلد بعد وفاة أبيه بثلاثة أشهر، أي عاش اليتم حتى قبل مجيئه إلى الدنيا.
بدايات الثورة
وتعود أم الشهداء الثلاثة بذاكرتها إلى بدايات الثورة، مستذكرة ابنها الأصغر غياث الذي كان أول من تشجع للمشاركة فيها، مشيرة إلى أنه منذ صغره كان يتسم بالشجاعة والشهامة ويتمتع بعزة نفس ومبادئ واضحة، مضيفة أنها منذ البداية لم تكن ترغب في مشاركته خوفاً عليه من قوات النظام المخلوع المعروفة ببطشها، خاصة أنهم لم يكونوا يملكون ما يمكنهم من مواجهتها.
"لا أريد أن يحصل لأولادي ما حصل مع أطفال درعا".
وتردف أم غياث أن ابنها غياث ومجموعة من أصدقائه اختاروا طريق السلمية خوفاً من إراقة الدماء، ظناً منهم أن النظام البائد قد يستجيب لمطالبهم التي كانت مطالب حق بسيطة يمكن تحقيقها للعيش بسلام وأمان، وتشير إلى أن عبارة غياث المأثورة لا تغيب عن ذهنها، حيث كان يقول دائماً: "لا أريد أن يحصل لأولادي ما حصل مع أطفال درعا".
وتتابع أن ابنها غياث ورفاقه تعرضوا لمضايقات مستمرة وعمليات بحث ومداهمات لمنازلهم من قبل قوات النظام البائد، وكان السبب أن كتيبة دخلت داريا ومع حرص غياث ورفاقه على سلامة المدينة وسكانها استقبلوها بالورد وزجاجات الماء، لكن النظام اعتبر هذا التصرف خطراً كبيراً، أخطر من السلاح نفسه.
قوات الأسد سرقوا أعضاء غياث
وتشير إلى أنه تم نصب كمين لغياث واعتقاله في صحنايا مع رفيقيه معن ويحيى الشربجي في السادس من أيلول عام 2011، وقد استمر اعتقاله لفترة قصيرة للغاية، ثلاثة أيام فقط، قبل أن تتسلم جثته وعليها آثار التعذيب، وتم تشييعه وسط تضييق على البلد وأهله، في محاولة لإخفاء جريمة سرقة أعضائه، ما زاد من إصرار أشقائه أنس وحازم على متابعة الطريق الذي اختاره.
اعتقال حازم وأنس ومرارة الإخفاء القسري
تكمل أم غياث سرد مأساة أسرتها، مشيرة إلى أن ابنها حازم تم اعتقاله عام 2012، ولم تعرف مكان احتجازه إلا بعد خمس سنوات حين علمت أنه محتجز في صيدنايا، وزارته لمدة سنتين، كل سنة سبع مرات، مقابل دفع مبالغ مالية لكل زيارة.
وفي عام 2017 تسلمت رقم جثته وتاريخ وفاته، مؤكدة أنه لم يكن على الجبهة ولم يحمل سلاحاً، وأن اعتقاله تم أثناء تواجده في الشارع بسيارته، بينما كانت التهمة الموجهة إليه توزيع معونة وسلال غذائية على ما وصفه النظام البائد بـ “الإرهابيين”.
أما ابنها الثالث أنس فتم اعتقاله عام 2013 وكان هذا اعتقاله الثاني ولم تسمع عنه أي خبر منذ ذلك الحين وقد جرى اعتقاله من المنزل فقط لأنه شقيق غياث، تشير إلى أنها بحثت بكل الأفرع لم تجد له اسم لابين الأحياء ولا الأموات.
هذا الوضع جعلها تعيش مرارة الاختفاء القسري، خاصة أنها لم تستلم جثمان ابنها ولا تعلم مكان دفنه، مؤكدة أن ذلك زاد من معاناتها، كما أنها لم تتسلم جثة ابنها حازم أيضاً، بل وصلت إليها ورقة صغيرة تحتوي على تاريخ الوفاة ورقم الجثة فقط، وتم تحويلها إلى مشفى تشرين لاستلام شهادة وفاة، لكنها لم تذهب لأنها لم تكن مقتنعة.
اللقاء مع الرئيس الشرع ومطالب أمهات الشهداء
مؤخراً استضاف الرئيس أحمد الشرع مجموعة من أمهات الشهداء والمختفين قسراً بمناسبة عيد الأم، وكانت أم غياث من بين الحاضرات، خلال اللقاء ركزت على مطلبها الأساسي بعدم التراجع عن حق العدالة ومحاسبة المجرمين، مؤكدة أن تحقيق العدالة يشمل إعادة البيوت والأراضي المنهوبة وإعمار المنازل المهدمة وتأمين حياة كريمة لأبناء الشهداء وذويهم.
واعتبرت أن إحقاق العدالة هو النصر الحقيقي للثورة، وأشارت في ختام حديثها إلى أن هذا المطلب لا يخصها وحدها فقط بل يمثل صوت كل الأمهات: العدالة ثم العدالة، والكشف عن مصير المعتقلين وتأمين العيش الكريم لأسرهم.