الأمثال الشعبية.. حكمة الأجداد في حياة السوريين اليومية
الأمثال الشعبية.. حكمة الأجداد في حياة السوريين اليومية
● مجتمع ٢٦ مارس ٢٠٢٦

الأمثال الشعبية.. حكمة الأجداد في حياة السوريين اليومية

يحافظ المجتمع السوري على تراث غني بالأمثال الشعبية التي تُستعمل في مواقف متنوعة من الحياة اليومية، بعضها يعكس الحكمة والخبرة، وبعضها الآخر يُستخدم للترفيه والكوميديا، بينما تشير أخرى إلى مشكلات اجتماعية متكررة أو تحكي قصصاً قديمة تنتقل عبر الأجيال.

وفي هذا السياق، تُعد عبارة "يقول المثل" تعبيراً تقليدياً شائعاً بين كبار السن للتأكيد على رأي معين أو حدث سابق، فيما تُستعمل جملة "أهل أول ما في شي ما قالوه" للدلالة على أن ما قيل في الماضي أصبح حقيقة تحمل عبرة في الحاضر، ويُوظف هذا النوع من العبارات لتعزيز موقف المتحدث أو دعم وجهة نظره في أمر ما.

وتُعتبر الأمثال جزءاً من ثقافة وهوية المجتمع في سوريا، نقلها الأجداد عبر التاريخ شفهياً من جيل إلى ٱخر، وتوجد أيضاً في المجتمعات العربية الأخرى وحتى في الغربية، مع بعض التعديلات الطفيفة في الصياغة، بينما يبقى جوهرها وفكرتها ومعناها كما هي.

وعادة تقال في لحظة تكون تتناسب مع معناها وحكمتها، سواء ضمن مواقف كوميدية، أو أخرى جدية، لتعكس جوانب مختلفة من الحياة اليومية في المجتمع السوري، مثل علاقة الحماة بالكنة أو علاقة الزوج بزوجته، أو النشاط والعمل، البخل والكرم والثقة، وغيرها.

فعلى سبيل المثال، يُقال "الطريقة الوحيدة إلى قلب الرجل طريق معدته" للدلالة على أن إرضاء الزوج يبدأ بطهو الأطعمة اللذيذة له، ومثل آخر "الطيور على أشكالها تقع" يوضح أن الشخص عادةً يشبه من يصادقه، أو يُقال "ذلك الشبل من ذلك الأسد" أو بمعنى ٱخر "فرخ البط عوام"، الدلالة على أن الابن يشبه والده في كثير من الصفات والتفاصيل، وغيرها.

ومن الأمثال ما تتحدث عن الصراعات العائلية التي تندلع بين الحماية والكنة، مثل: "مكتوب على باب الجنة، ما في حماية بتحب كنة"، "ياما تحت السواهي دواهي" تعكس حقيقة أن المظهر الخارجي لبعض الأشخاص قد يخفي ما في داخلهم، سواء كان ذكاءً، مواهب، أو حتى خبثا وأمورا أخرى.


كما يوجد أمثال أخرى لها علاقة بالثقة والرجال، مثل: "يا مٱمنة بالرجال يا مٱمنة بالمي بالغربال"، في إشارة إلى أن الرجال لا يمكن الوثوق بهم خاصة فيما يتعلق بموضوع الإخلاص للزوجة والتفكير بالزواج مرة أخرى، وأحياناً يقدم هذا المثل كنصيحة السيدات كي لا يثقن بأزواجهن بطريقة مطلقة.

بعض الأمثال تتناول الأمور المستحيلة إخفاؤها أو أخطاء الإنسان التي لا يراها، كمثل "ثلاث أشياء ما بتتخبى: الحب والحبل وحردبة الجمل"، في إشارة إلى أن هذه المواضيع بالذات لا يمكن أن تبقى سرية، إضافة إلى المثل القائل "الجمل ما بشوف حردبته"، الذي يوضح غياب وعي الشخص بأخطائه، إلى جانب عشرات الأمثال الأخرى التي تحمل دروساً وملاحظات حياتية دقيقة.

غالباً ما يكون خلف كل مثل حكاية وسبب لقوله، فلمثل المتداول "طب الجرة ع تمها بتطلع البنت لأمها" في إشارة إلى أن الابنة تشبه والدتها بكثير من التفاصيل، ويقال إن قصة المثل تعود إلى رواية جلب الماء، التي تحكي أن امرأة كانت تعود من النبع متعثرة وتكسر جرّتها، وفي أحد الأيام طلبت من ابنتها (الموصوفة بالجمال والمهارة) جلب الماء، إلا أن البنت تعثرت في نفس الطريق وكسرت الجرة، فقالت الجدة: "طب الجرة على تمها، تطلع البنت لأمها".

وفي رواية أخرى قيل إن قديماً في المجتمع السوري، لم يكن مسموحاً للفتيات الصعود إلى السطح، فكن يقضين وقتهن في ساحة المنزل، والأمهات تنشر الغسيل على السطح، وعندما تريد من ابنتها أمر ما دون إثارة انتباه الجيران أو تضطر لمناداتها باسمها، كانت الأم تستخدم وسيلة ذكية، عن طريق وضع جرة على السطح وقلبها على فوهتها، فيصدر صوت يصل إلى الابنة، فتعرف أن والدتها تريد منها شيئاً فتأتي لتلبية طلبها.

ولا يقتصر حضور الأمثال على الحياة اليومية فحسب، بل يمتد إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تنشأ صفحات متخصصة بالتراث والعادات والتقاليد الشعبية السورية، وتشارك الأمثال مع قصصها أحياناً على سبيل الفكاهة أو الحكمة، وغالباً تبدأ بعض الأمثال بعبارة "قالت جدتي" و"خبرتني ستي"، ما يضفي طابعاً شخصياً وحياً على المحتوى.

تقول منار الأسود، طالبة جامعية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن هذه الأمثال مميزة لأنها تحمل حكمة الأجيال، وغالباً ما تسمعها من النسوة المعروفات بحكمتهن أو من الجدات، مضيفة أن بعض السيدات يربطن كل حديث بمثل مناسب، ما يجعل الحوار ممتعاً ومسلياً ويعكس خبرة عملية في التعامل مع المواقف اليومية.


وتضيف منار أن قبل انتشار الأجهزة الذكية، كان البعض يعرف لكل مثل معنى واحداً فقط، أما الآن، فمع توفر البحث عبر التكنولوجيا، أصبح بالإمكان الاطلاع على القصة الكاملة وراء كل مثل، وأسباب تداوله، وأبعاده ومعانيه المختلفة، مما منح الأمثال قيمة أكبر بحسب رأيها.

رغم أن استخدام الشباب للأمثال أصبح أقل شيوعاً، إلا أن حضورها في الذاكرة الشعبية ما زال قوياً ومميزاً، حيث تختصر خبرات الحياة وحِكمها، وتمزج بين فصاحة التعبير وعاميته ما يجعلها تصل إلى النفوس مباشرة دون الحاجة إلى شرح أو تفصيل.

ويعكس تمسك السوريين بالأمثال الشعبية وتداولها في حياتهم اليومية، وفق المواقف التي تناسبها، حرصهم على الحفاظ على هويتهم الثقافية، خاصة أن هذه الأمثال تحمل خبرات الأجداد، وتُظهر الرغبة في الاحتفاظ بالتراث والارتباط بالهوية السورية رغم التغيرات والظروف المتقلبة.

كما تمثل وسيلة لنقل الخبرة والحكم إلى الأجيال الجديدة، وتقديم دروس الحياة بطريقة مبسطة، مثل نصائح حول العلاقات الاجتماعية والحياة الزوجية وغيرها، عدا عن كونها تُستخدم للتعبير عن الرأي في الموقف بطريقة مقبولة تسهّل التواصل والفهم بين الناس، إذ تمزج بين الطرافة والحكمة، ما يجعلها جذابة للذكر والاستماع سواء في المواقف الجدية أو اليومية.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ