العدالة الانتقالية في سوريا: المعضلة المؤجلة
العدالة الانتقالية في سوريا: المعضلة المؤجلة
● آراء ومقالات ٢٦ مارس ٢٠٢٦

العدالة الانتقالية في سوريا: المعضلة المؤجلة

في الدول الخارجة من النزاعات، لا تبدأ مرحلة التعافي الحقيقي بإعادة الإعمار، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس العدالة والمساءلة. وفي الحالة السورية، تبدو هذه الحقيقة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

فعلى الرغم من الخطوات الشكلية التي تمثلت في استحداث هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، والدور الذي تقوم به وزارة العدل إلا أن هذا المسار لا يزال يراوح مكانه، وكأن العدالة نفسها قد أُرجئت إلى أجل غير مسمى. فالمشكلة لم تعد في غياب المفهوم، بل في غياب الإرادة السياسية لتحويله إلى عملية مؤسساتية فعّالة.


حتى الآن، لم تتمكن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية من أداء دورها بوصفها مرجعية مستقلة تقود هذا الملف المعقد، بل بقي حضورها محدودًا، في ظل تداخل واضح في الصلاحيات مع مؤسسات قائمة، وعلى رأسها وزارة العدل، التي ما تزال تعمل ضمن الأطر التقليدية للدولة، دون أن يطرأ تحول حقيقي ينسجم مع متطلبات المرحلة الانتقالية.

هذا التداخل لا يعكس مجرد خلل إداري، بل يكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المقاربة الرسمية للعدالة الانتقالية. فبدل أن تُطرح كمسار شامل لإعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة، يجري التعامل معها كملف جزئي يمكن احتواؤه ضمن البنية القانونية القائمة، وهي بنية تشكّلت في سياق مختلف تمامًا، ولا تبدو مؤهلة لمعالجة إرث معقّد من الانتهاكات.

وفي هذا السياق، يبرز التساؤل الجوهري: هل يمكن تحقيق عدالة انتقالية حقيقية من داخل نفس الأدوات التي كانت جزءًا من الأزمة؟

إن التجارب الدولية تشير بوضوح إلى أن العدالة الانتقالية ليست مجرد إجراءات قضائية، بل عملية سياسية - قانونية شاملة، تقوم على كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات. وأي اختلال في هذه العناصر يفرغ العملية برمتها من مضمونها.

غير أن ما يجري في الحالة السورية يوحي بأن هذا المسار لم يُفعل بعد بوصفه مشروعًا وطنيًا متكاملًا، بل ما زال يدور في إطار التردد، والتأجيل، وإعادة إنتاج الأدوات القديمة. وهو ما ينعكس بشكل مباشر على ثقة المجتمع، خصوصًا لدى الفئات التي كانت في صلب تجربة الثورة، والتي باتت تنظر إلى هذا الملف بقدر متزايد من القلق وخيبة الأمل.

“العدالة التي تتأخر كثيرًا، لا تفقد فعاليتها فحسب، بل تفقد معناها.”
إن غياب الشفافية في إدارة هذا الملف، وعدم وضوح الرؤية الرسمية بشأن آلياته وأولوياته، يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، في لحظة يفترض أن تكون فيها إعادة بناء الثقة أولوية قصوى.

ومع الحديث عن مرحلة حكومية جديدة، تبرز فرصة حقيقية لإعادة تصحيح المسار، ليس من خلال إعادة طرح الشعارات، بل عبر اتخاذ خطوات ملموسة تعيد تعريف موقع العدالة الانتقالية ضمن مشروع الدولة.

فالمطلوب اليوم ليس فقط تفعيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بل تمكينها فعليًا من العمل كجسم مستقل، يمتلك الصلاحيات والموارد، ويقود عملية متكاملة تتجاوز حدود العمل القضائي التقليدي. كما يتطلب الأمر إعادة النظر في دور وزارة العدل، بحيث تصبح جزءًا من هذا المسار، لا بديلًا عنه أو منافسًا له.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية دون فتح مسارات حقيقية لإصلاح مؤسسات الدولة، وضمان استقلال القضاء، وإرساء قواعد واضحة للمساءلة، بما يقطع مع أنماط الإدارة السابقة، ويؤسس لمرحلة مختلفة في علاقة السلطة بالمجتمع.

إن التحدي في سوريا اليوم لا يكمن في صياغة مفهوم العدالة الانتقالية، بل في تحويله إلى ممارسة فعلية تعكس تحولًا حقيقيًا في بنية الدولة. فالمسألة لم تعد تقنية أو قانونية فحسب، بل سياسية بامتياز، تتعلق بمدى الاستعداد لإحداث قطيعة مع الماضي، وبناء شرعية جديدة تقوم على العدالة لا على الأمر الواقع.

في نهاية المطاف، لا يمكن لأي استقرار أن يستمر دون عدالة، ولا يمكن لأي دولة أن تستعيد شرعيتها دون مساءلة حقيقية. وتأجيل هذا الاستحقاق لا يلغي ضرورته، بل يزيد كلفته مع مرور الوقت.

ففي سوريا، لم تعد العدالة الانتقالية خيارًا نظريًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، لا يمكن تجاوزها إذا كان الهدف هو بناء دولة قادرة على الاستمرار. 

 

الكاتب: سونير طالب 
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ