آراء ومقالات
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
كيف فكك الرئيس أحمد الشرع عقدة "قسد" وأعاد شمال شرقي سوريا إلى مؤسسات الدولة؟

نجح الرئيس أحمد الشرع في نقل ملف "قوات سوريا الديمقراطية" من واحد من أعقد ملفات الصراع العسكري والسياسي في سوريا إلى مسار انتهى بحل القوة العسكرية المستقلة ودمج مؤسساتها وعناصرها ضمن الدولة، في تحول لم يكن وليد اتفاق واحد، وإنما حصيلة مسار جمع بين الحوار الداخلي وإعادة بناء العلاقات الخارجية والاستفادة من التحولات الإقليمية والدولية المحيطة بالملف.

واكتسبت معالجة الملف أهمية مضاعفة بالنظر إلى تشابك أطرافه، فلم تكن قضية "قسد" مرتبطة بدمشق وشمال شرقي سوريا وحدهما، وإنما ارتبطت بالولايات المتحدة التي دعمتها لسنوات في مواجهة تنظيم "داعش"، وتركيا التي نظرت إليها بوصفها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، إضافة إلى ملف قنديل والعناصر الأجنبية والموارد والمعابر ومستقبل السوريين الكرد داخل الدولة.

فصل الحقوق الكردية عن مشروع "قسد"

اعتمد الرئيس أحمد الشرع في مقاربة الملف على الفصل بين السوريين الكرد بوصفهم مكوناً أصيلاً من المجتمع السوري، وبين وجود تنظيم عسكري وإداري مستقل خارج مؤسسات الدولة، وهي معادلة ساعدت على تضييق مساحة الخلاف ونقل النقاش من مستقبل كيان قائم بقوة السلاح إلى مستقبل الحقوق الكردية داخل الدولة.

وأسهم تثبيت الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية للسوريين الكرد ضمن المسار الجديد في سحب واحدة من أبرز الذرائع التي استند إليها مشروع "الإدارة الذاتية"، إذ لم تعد المعادلة المطروحة تقوم على الاختيار بين الحقوق الكردية والدولة المركزية، وإنما على ضمان تلك الحقوق داخل مؤسسات الجمهورية مقابل إنهاء الهياكل العسكرية والإدارية الموازية.

واشنطن وتغيير وظيفة "قسد"

شكّل الموقف الأمريكي ركناً أساسياً في المعادلة، إذ تأسست الشراكة بين واشنطن و"قسد" أساساً لمواجهة تنظيم "داعش"، وحصلت الأخيرة خلال سنوات على الدعم والتسليح والتدريب والغطاء السياسي الذي مكّنها من توسيع مناطق سيطرتها.

وعملت دمشق، مع تغير الظروف السياسية في سوريا، على تقديم نفسها شريكاً قادراً على تحمل المسؤوليات الأمنية ومواجهة الإرهاب وإدارة ملف السجون والمخيمات، بما قلص الحاجة الأمريكية إلى استمرار قوة عسكرية مستقلة لتنفيذ هذه المهمة.

وأكد المبعوث الأمريكي توماس باراك هذا التحول عندما اعتبر أن الغاية الأصلية من "قسد" بوصفها القوة البرية الرئيسية لمكافحة "داعش" فقدت مبرراتها إلى حد كبير، في ظل وجود حكومة سورية قادرة على تولي مسؤولياتها الأمنية.

تفكيك العقدة التركية

استفادت السياسة السورية كذلك من التقاطع مع المخاوف التركية المتعلقة بحزب العمال الكردستاني، دون تحويل القضية الكردية السورية إلى ملف أمني حصراً، إذ بقيت إحدى أبرز مطالب أنقرة مرتبطة بإنهاء البنية العسكرية المتصلة بالحزب وإبعاد العناصر غير السورية القادمة من قنديل.

وأتاح مسار الحوار السوري مع قيادة "قسد"، بالتزامن مع التحولات التي شهدها ملف حزب العمال الكردستاني وسياسة "تركيا بلا إرهاب"، معالجة واحدة من أصعب العقد الإقليمية، وصولاً إلى إعلان مظلوم عبدي خروج العناصر الأجنبية التي كانت موجودة ضمن القوات.

وبذلك تقلص العامل الخارجي في بنية "قسد"، بينما انتقلت القضية الكردية السورية بصورة أكبر إلى إطار داخلي يتعلق بالحقوق والمشاركة السياسية والدستورية.

الميدان في خدمة التفاوض

لم تتحرك الدبلوماسية بمعزل عن التغيرات الميدانية، إذ جاء التفاوض بالتوازي مع تراجع قدرة "قسد" على الاحتفاظ بمساحات نفوذها السابقة، وتقدم القوات السورية، واستعادة مناطق وموارد مهمة، إضافة إلى الانشقاقات الواسعة في صفوف المقاتلين العرب في الرقة ودير الزور.

وأدت هذه المتغيرات إلى إعادة تشكيل ميزان التفاوض، لكن دمشق أبقت باب التسوية مفتوحاً، ما أتاح الانتقال من الضغط الميداني إلى اتفاق سياسي بدلاً من الانزلاق إلى مواجهة طويلة في شمال شرقي البلاد بما تحمله من مخاطر داخلية وإقليمية.

من الخصومة إلى الاستيعاب

اختارت الدولة في الوقت نفسه سياسة الاستيعاب بدلاً من التعامل مع جميع العاملين ضمن المؤسسات السابقة باعتبارهم خصوماً، وظهر ذلك من خلال فتح الطريق أمام دمج العسكريين والأمنيين والمدنيين في المؤسسات الرسمية، وإشراك شخصيات من الهياكل السابقة في الحياة السياسية ومؤسسات الجمهورية.

ومثّل هذا المسار رسالة للمكون الكردي وللعاملين ضمن "قسد" بأن إنهاء التنظيم لا يعني إقصاء أفراده أو إلغاء حضورهم، وإنما نقلهم من بنية مستقلة إلى إطار الدولة.

حل "قسد" بدلاً من حرب جديدة

ظهرت نتيجة هذا المسار عندما أعلن مظلوم عبدي من قصر الشعب في دمشق انتهاء مهمة "قوات سوريا الديمقراطية" وحلها كقوة عسكرية مستقلة، بعد استكمال دمج قواتها ضمن ألوية الجيش السوري، داعياً إلى الانتقال "من ساحات المعارك إلى ساحات البناء ومن زمن السلاح إلى زمن السلام".

ويكتسب مكان الإعلان دلالة سياسية بحد ذاته، إذ انتهت تجربة بدأت عام 2015 كقوة مدعومة أمريكياً خارج المؤسسة العسكرية السورية بإعلان حلها من قلب دمشق، والانتقال بعناصرها إلى العمل تحت سلطة الدولة.

دبلوماسية المصالح المتقاطعة

يمكن قراءة نجاح الرئيس أحمد الشرع في تحييد ملف "قسد" باعتباره قائماً على جمع مصالح متعارضة ضمن نقطة مشتركة، فالولايات المتحدة تريد استمرار مكافحة "داعش" ومنع الفراغ الأمني، وتركيا تريد إنهاء البنية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ودمشق تريد استعادة سيادتها ووحدة مؤسساتها ومواردها، فيما يحتاج السوريون الكرد إلى ضمان حقوقهم ومشاركتهم في مستقبل البلاد.

وحوّلت السياسة السورية هذه المصالح من أسباب محتملة لاستمرار الصراع إلى عناصر ساعدت على إنتاج التسوية، بحيث تتولى الدولة الملف الأمني، وتنتهي التشكيلات المستقلة والارتباطات العابرة للحدود، مقابل نقل الحقوق والمطالب الكردية إلى المجال السياسي والدستوري.

وبذلك، لم يكن الإنجاز الأساسي في إنهاء وجود تنظيم عسكري مستقل فحسب، وإنما في تحييد ملف كان قادراً على إشعال حرب جديدة، وتحويله إلى عملية اندماج داخل مؤسسات الدولة، لتنتهي مرحلة "قسد" و"الإدارة الذاتية" من دون أن تتحول نهاية المشروع إلى مواجهة مع السوريين الكرد، وهو ما يمثل أحد أبرز اختبارات الدبلوماسية السورية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد البائد.

اقرأ المزيد
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
ماذا قدمت «الممانعة» لسوريا؟

يفتح الهجوم الذي تقوده منصات مرتبطة بالمحور الإيراني على الدبلوماسية السورية سؤالاً حول حصيلة السياسة التي سادت خلال السنوات السابقة، حين تحولت الأراضي السورية إلى ساحة تنافس إقليمي، وتعرضت لمئات الضربات الإسرائيلية رغم الوجود الإيراني الواسع وشعارات «المقاومة».

ودفع السوريون ثمناً كبيراً لتحول بلدهم إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية، ولذلك يصبح من المشروع أن ترفض الدولة الجديدة العودة إلى المعادلة ذاتها، سواء عبر نفوذ إيراني يعيد سوريا إلى حرب بالوكالة أو عبر شروط إسرائيلية تنتقص من سيادتها، ويتمثل جوهر القضية في استقلال القرار السوري، فلا تكون دمشق ساحة لإيران ولا منطقة نفوذ لإسرائيل، وإنما دولة تحدد علاقاتها وقراراتها على أساس المصلحة الوطنية السورية.

ما الذي تحتاجه دمشق من أي تفاهم؟

ينبغي أن يقوم أي تفاهم يخدم سوريا على وقف الغارات الإسرائيلية، وإنهاء التوغلات والانسحاب من الأراضي التي احتُلت بعد سقوط نظام الأسد البائد، واحترام وحدة الأراضي السورية، وعدم التدخل في شكل الجيش أو تسليحه أو علاقات الدولة الخارجية.

وتستطيع سوريا في المقابل الالتزام بما تلتزم به أي دولة مسؤولة، وهو ضبط حدودها ومنع استخدام أراضيها منصة لشن هجمات خارجية، على أن تكون مؤسسات الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار، وتختلف هذه المعادلة جذرياً عن نموذج الميليشيات وحروب الوكالة، فهي تقوم على دولة تضبط أرضها وتحمي حدودها وتتفاوض انطلاقاً من مصالحها.

معركة سوريا الأولى هي بناء الدولة

تحتاج سوريا بعد كل ما عاشته إلى الخروج من منطق الساحات المفتوحة وحروب الآخرين، وإلى دولة قادرة على أن تقول لإسرائيل إن سيادتها ليست قابلة للتفاوض، وأن تقول في الوقت ذاته لإيران وغيرها إن القرار السوري لن يكون ورقة في مشروع إقليمي.

ويصبح السؤال أمام منتقدي المسار الدبلوماسي أكثر وضوحاً، ما البديل الواقعي عن تفاهم يوقف الاعتداءات ويحفظ حق سوريا في بناء جيشها ومؤسساتها؟ وهل المطلوب دخول مواجهة غير متكافئة في بداية مرحلة إعادة البناء للحصول على شهادة سياسية من أطراف لم تستطع منع إسرائيل من قصف سوريا طوال السنوات الماضية؟

تكمن المصلحة السورية اليوم في استعادة الدولة لقوتها وقرارها، وإذا استطاعت الدبلوماسية أن تنتزع وقفاً للاعتداءات وانسحاباً من الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط النظام، من دون التنازل عن الجولان أو فرض قيود على السيادة السورية، فإن ذلك لا يساوي التطبيع، وإنما يعكس إدارةً للمخاطر وفق أولويات الدولة.

وتختصر المسألة في النهاية بمعركة واحدة ينبغي أن تتقدم على غيرها في هذه المرحلة، وهي بناء سوريا نفسها، لأن دولة مستقرة وقوية اقتصادياً وعسكرياً ومؤسساتياً ستكون أقدر مستقبلاً على حماية حقوقها من دولة تُستنزف اليوم في حرب جديدة يختار الآخرون توقيتها وشروطها.

اقرأ المزيد
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
التفاهم لا يعني التطبيع.. لماذا تحتاج سوريا إلى تحييد الجبهة الإسرائيلية في مرحلة إعادة البناء؟

تواجه سوريا اليوم معادلة شديدة الحساسية، فهي من جهة تتعرض لغارات وتوغلات إسرائيلية متكررة تمس سيادتها وأمنها، ومن جهة أخرى تمر بمرحلة إعادة بناء دولة أنهكتها سنوات الحرب والانهيار المؤسسي والاقتصادي، وفي خضم هذه المعادلة جاءت المباحثات بشأن اتفاق أمني محتمل مع إسرائيل لتفتح باباً واسعاً للنقاش والمزايدات السياسية حول معنى التفاوض وحدوده.

وذهبت أصوات محسوبة على إيران وما يعرف بـ«محور الممانعة» إلى تقديم أي تفاهم أمني بوصفه مقدمة للتطبيع أو تراجعاً عن الموقف السوري تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية، لكن هذا الطرح يتجاهل السؤال الأكثر ارتباطاً بالمصلحة الوطنية السورية، هل تحتاج سوريا اليوم إلى حرب جديدة، أم إلى ترتيبات توقف الاعتداءات وتمنحها الوقت لإعادة بناء جيشها واقتصادها ومؤسساتها؟

التفاوض لا يعني التنازل

أكدت دمشق في خطابها المعلن أن أي تفاهم أمني يجب ألا ينتقص من سيادة الدولة أو يفرض قيوداً على إعادة بناء الجيش والمؤسسات أو على حق سوريا في اختيار شراكاتها وتحالفاتها، وهو ما يرسم فارقاً واضحاً بين تفاهم يهدف إلى وقف التصعيد وبين اتفاق يفرض على الدولة السورية واقعاً أمنياً دائماً.

ويختلف الاتفاق الأمني أيضاً عن التطبيع السياسي، فالدول قد تفاوض خصومها لضبط الحدود أو منع الاشتباك من دون أن تقيم علاقات طبيعية معهم أو تتنازل عن ملفاتها السيادية، وقد عاش الطرفان السوري والإسرائيلي لعقود في ظل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 من دون أن يعني ذلك انتهاء الصراع السياسي أو سقوط قضية الجولان السوري المحتل.

دولة خرجت من حرب طويلة

ورثت السلطة الجديدة في سوريا بلداً مثقلاً بالدمار، ومؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء، واقتصاداً يحتاج إلى التعافي، وجيشاً يتطلب إعادة تنظيم وتأهيل، بالتوازي مع تحديات إعادة اللاجئين وتأهيل المدن والقرى واستعادة الخدمات الأساسية.

واستغلت إسرائيل المرحلة التي أعقبت سقوط النظام البائد لتنفيذ ضربات واسعة ضد مواقع وقدرات عسكرية سورية، إضافة إلى التقدم داخل مناطق سورية، الأمر الذي فرض على الدولة الجديدة واقعاً أمنياً معقداً لا يمكن التعامل معه بالشعارات وحدها.

ويفرض هذا الواقع على دمشق تحديد أولوياتها وفق قدراتها ومصالحها، فالحرب لا تقاس بمقدار الرغبة في خوضها، وإنما بموازين القوى وقدرة الدولة والمجتمع على تحمل نتائجها، وسوريا الخارجة من سنوات طويلة من الاستنزاف تحتاج قبل أي شيء إلى تثبيت مؤسساتها واستعادة قوتها.

أبو الظهور يكشف الحاجة إلى قواعد واضحة

أظهر استهداف إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية هشاشة الوضع الأمني القائم، إذ قالت دمشق إنها أبلغت الجانب الإسرائيلي بأن القاعدة سورية ولا تضم قوات أجنبية، إلا أن ذلك لم يمنع تنفيذ الضربة.

ويعني استمرار مثل هذه الحوادث أن الاتصالات غير الملزمة لا تكفي وحدها، وأن دمشق تحتاج، إذا استمر مسار التفاوض، إلى ترتيبات واضحة توقف الغارات والتوغلات وعمليات الاعتقال وتمنع التدخل في عملية بناء الجيش السوري.

ويصبح معيار نجاح أي اتفاق هنا بسيطاً وواضحاً، هل يؤدي إلى وقف الاعتداءات وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تقدمت إليها بعد سقوط النظام، ويحافظ في الوقت نفسه على السيادة السورية وحق الدولة في بناء قدراتها؟ إذا تحقق ذلك، فإن التفاوض يصبح أداة لحماية المصالح السورية وليس تنازلاً عنها.

لا تسمحوا للآخرين باختيار الحرب

تضع الاعتداءات الإسرائيلية القيادة السورية أمام ضغط مزدوج، فبعض الأطراف تستخدم عدم الرد العسكري للمزايدة، بينما قد يؤدي الرد المباشر في الظروف الراهنة إلى مواجهة واسعة تكون سوريا الطرف الأكثر تضرراً منها.

وتكمن وظيفة القرار السياسي في عدم السماح للخصم باختيار توقيت الحرب وشكلها، فالدولة التي تريد استعادة قوتها تحتاج إلى تحديد معاركها وأولوياتها بنفسها، لا إلى التحرك تحت ضغط الخطاب الإعلامي أو الرغبة في إثبات موقف سياسي.

ولا يعني ضبط النفس القبول بالاعتداء، مثلما لا يعني استخدام الدبلوماسية التخلي عن الحقوق، إذ يمكن للدولة أن تتمسك بالجولان وسيادتها وفي الوقت ذاته تسعى إلى منع حرب جديدة عندما تكون كلفتها أعلى من المكاسب الممكنة منها.

اقرأ المزيد
٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
العدالة فوق الجميع.. قضية محمد غميرة تختبر جدية الدولة في محاسبة التجاوزات الأمنية

أظهرت قضية وفاة الشاب محمد حسام الدين غميرة جانباً بالغ الحساسية في مسار بناء مؤسسات الدولة السورية الجديدة، إذ لم يعد السؤال مقتصراً على وقوع تجاوز داخل مؤسسة أمنية، بقدر ما يرتبط بكيفية تعامل الدولة معه، ومدى استعدادها للكشف عنه والتحقيق فيه ومحاسبة المسؤولين عنه، بعيداً عن التستر أو توفير الحماية لأي شخص بحكم موقعه أو صفته.

وتكتسب نتائج لجنة التحقيق أهميتها من إعلانها بصورة صريحة أن التحقيقات أثبتت قيام أحد المحققين بصفع غميرة على منطقة الرقبة، بالتوازي مع إعلان نتائج الخبرة الطبية بشأن سبب الوفاة، ثم إحالة المحقق إلى النيابة العامة والتوسع في التحقيق المسلكي مع مسؤولين آخرين، لتنتقل القضية من دائرة الاتهامات المتداولة إلى مسار قضائي يفترض أن يحدد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة.

الاعتراف بالتجاوز جزء من الحقيقة

يحمل إعلان اللجنة تعرض غميرة للصفع دلالة مهمة، لأن الدولة لم تنفِ التجاوز الذي أثبته التحقيق، رغم أن الخبرة الطبية، بحسب اللجنة، لم تسجل علامات ظاهرة لعنف أو شدة مرتبطة بالنزف الدماغي، وخلصت إلى أن الوفاة نتجت عن مضاعفات نزف دماغي لدى مريض مصاب بالناعور.

ويفصل هذا الإعلان بين مسألتين ينبغي عدم الخلط بينهما، الأولى تحديد السبب الطبي للوفاة، والثانية مساءلة أي شخص ارتكب مخالفة بحق موقوف، فعدم ثبوت ارتباط الصفعة بالوفاة، وفق النتائج المعلنة حتى الآن، لا يجعلها مقبولة أو يخرجها من دائرة المساءلة، وهذا تحديداً ما تعكسه إحالة المحقق إلى النيابة العامة.

المحاسبة هي الاختبار

تؤكد سرعة تشكيل لجنة التحقيق، ومراجعة الإجراءات المتخذة في قسم شرطة الحفة، والاستعانة بالخبرة الطبية، ثم الإعلان عن النتائج والإحالات القضائية والمسلكية، وجود توجه رسمي لمعالجة القضية عبر المؤسسات، خاصة أن متابعة وزارة الداخلية بدأت قبل إعلان وفاة غميرة واستمرت بعد وفاته، ولم تنطلق الإجراءات نتيجة الوفاة وحدها.

وتبرز أهمية ذلك في بلد يحمل السوريون فيه ذاكرة ثقيلة تجاه أجهزة الأمن في عهد نظام الأسد البائد، حين ارتبط الاعتقال لدى السوريين بالتعذيب والإخفاء والموت داخل مراكز الاحتجاز، وسط منظومة وفرت لعناصرها ومسؤوليها مستويات واسعة من الإفلات من المحاسبة.

ويصبح معيار التغيير في المؤسسة الأمنية، من هذه الزاوية، مرتبطاً بطريقة الاستجابة للتجاوز عندما يقع، فالانتهاكات الفردية يمكن أن تحدث داخل مؤسسات مختلفة، لكن الفارق الحقيقي تصنعه منظومة تمنعها قدر الإمكان، وتكشفها عندما تقع، وتحاسب مرتكبيها، وتراجع مواطن الخلل التي سمحت بحدوثها.

كرامة الموقوف مسؤولية الدولة

كما يعزز تصريح مستشار وزير الداخلية للشؤون القانونية وحقوق الإنسان العميد سامر الحسين هذا المفهوم، عندما أكد أن المحتجز أو نزيل السجن «أمانة»، وأن تقييد الحرية لا يعني المساس بالكرامة، وهي قاعدة يفترض أن تتحول إلى ممارسة ثابتة داخل مراكز الشرطة والتوقيف والسجون.

ويضع ذلك وزارة الداخلية أمام مسؤولية تتجاوز قضية غميرة، تتمثل في تحويل ما أعلنته إلى قواعد واضحة في التدريب والرقابة والمساءلة، لأن حماية كرامة الموقوف تبدأ منذ اللحظة التي يصبح فيها تحت سلطة الدولة، بغض النظر عن الاتهام الموجه إليه.

العدالة فوق الجميع

تعطي قضية غميرة مؤشراً مهماً على طبيعة العلاقة التي تسعى الدولة إلى بنائها بين المؤسسة الأمنية والمواطن، إذ إن الاعتراف بوقوع تجاوز وإحالة مرتكبه إلى القضاء لا يضعف المؤسسة، وإنما يعزز الثقة بها عندما يثبت أن القانون يسري أيضاً على العاملين داخلها.

وتبقى الكلمة الأخيرة للقضاء والتحقيقات الجارية، فهي التي ستحدد ما إذا وقع تقصير أو إهمال إضافي، ومن يتحمل المسؤولية عنه، وما العقوبات المستحقة، ولذلك فإن إعلان النتائج بشفافية واستكمال الإجراءات حتى نهايتها سيكونان الاختبار الأهم لجدية الدولة في هذه القضية.

في المحصلة، تختصر قضية محمد غميرة بذلك مبدأ يفترض أن يحكم المرحلة الجديدة: العدالة فوق الجميع، والموقع الأمني لا يمنح حصانة من المحاسبة، واعتراف الدولة بالحقيقة عندما تكشفها التحقيقات هو بداية العدالة، أما اكتمالها فيكون بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء.

اقرأ المزيد
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
أوروبا تضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر.. فهل يمتد تأثيرها إلى العالم؟

قد تسمع صوت شخص تعرفه، وتشاهد صورته أمامك، وتسمعه يقول شيئًا لم يقله قط. وقد تدخل في محادثة طويلة مع طرف يبدو بشريًا، قبل أن تكتشف أنك كنت تتحدث طوال الوقت إلى آلة.

هذا العالم لم يعد افتراضيًا. فالذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على إنتاج نصوص وصور وأصوات ومقاطع فيديو يصعب أحيانًا تمييزها عن تلك التي يصنعها البشر، وهو ما يطرح سؤالًا يتجاوز تطور التكنولوجيا نفسها: كيف يعرف الإنسان ما هو حقيقي وما هو مصنوع؟

في أوروبا، لم تعد الإجابة متروكة للتخمين. فمع بدء تطبيق قواعد الشفافية في قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي في 2 أغسطس/آب 2026، بدأت بروكسل فرض متطلبات أوضح لإبلاغ المستخدمين عندما يتعاملون مع أنظمة ذكاء اصطناعي، إلى جانب قواعد تتعلق بوسم بعض المحتوى المنتج أو المعدل بواسطة هذه الأنظمة.

عندما تتحدث إلى آلة.. يجب أن تعرف

تضع القواعد الأوروبية مبدأ واضحًا: عندما يتفاعل الإنسان مباشرة مع نظام ذكاء اصطناعي، يجب إبلاغه بذلك، ما لم يكن واضحًا من ظروف التفاعل أنه يتعامل مع آلة.

ولا تقتصر القواعد على المحادثات، إذ تتضمن متطلبات تقنية لجعل بعض المحتوى المنتج أو المعدل بالذكاء الاصطناعي قابلًا للكشف، إلى جانب متطلبات لإبلاغ المستخدمين في حالات محددة، بينها التزييف العميق وبعض المحتويات التي تتناول مسائل ذات مصلحة عامة من دون مراجعة بشرية أو تحكم تحريري.

وبذلك تنقل أوروبا جزءًا من مسؤولية التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصطنع من المستخدم وحده إلى الشركات التي تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي أو تنشرها أو تستخدمها.

عندما يصبح المحتوى المزيف مقنعًا

المشكلة التي تحاول أوروبا مواجهتها ليست الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، وإنما قدرته على إنتاج محتوى مقنع إلى درجة يمكن أن يخدع المتلقي.

فصورة مزيفة لشخصية عامة قد تبدو حقيقية، وتسجيل صوتي قد يحاكي صوت صاحبه، وفيديو قد يظهر شخصًا وكأنه قال أو فعل شيئًا لم يحدث أصلًا.

وفي هذه الحالات، لا يعود الكشف عن استخدام الذكاء الاصطناعي مجرد تفصيل تقني، بل يصبح جزءًا من قدرة الناس على تقييم المعلومات التي تصل إليهم ومعرفة طبيعتها قبل اتخاذ قراراتهم على أساسها.

قانون أوروبي.. وتأثير يتجاوز الحدود

ولا يقتصر نطاق قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي في جميع الحالات على الجهات الموجودة داخل الاتحاد.

فالقانون يتضمن أحكامًا يمكن أن تطال جهات مقرها خارج الاتحاد عندما تتوافر الشروط التي يحددها، بما في ذلك بعض الحالات المرتبطة بطرح أنظمة الذكاء الاصطناعي في السوق الأوروبية أو استخدامها داخل الاتحاد.

وبذلك قد تجد شركة مقرها في الولايات المتحدة أو آسيا نفسها أمام متطلبات أوروبية إذا كان نشاطها يقع ضمن نطاق القانون، حتى وإن كانت منشآتها الرئيسية خارج القارة.

لماذا قد تتبع الشركات العالمية المعايير الأوروبية؟

أمام هذه القواعد، يمكن للشركات العالمية تصميم آليات امتثال خاصة بالسوق الأوروبية، مع إبقاء أنظمة أو ممارسات مختلفة في بقية الأسواق.

لكن هذا الخيار يعني مزيدًا من التكلفة والتعقيد، خصوصًا بالنسبة إلى الشركات التي تقدم الخدمة نفسها في عشرات الدول.

أما الخيار الآخر فهو اعتماد المعايير الأوروبية على نطاق أوسع، وهو ما يعيد إلى الواجهة مفهوم «تأثير بروكسل»؛ أي قدرة الاتحاد الأوروبي على دفع الشركات العالمية إلى تبني معايير أوروبية خارج حدوده، ليس لأن القانون يصبح ملزمًا تلقائيًا في كل دولة، وإنما لأن الوصول إلى السوق الأوروبية يجعل الامتثال لقواعدها خيارًا تجاريًا وتنظيميًا مهمًا.

47% من الشركات التي تشير إلى القانون خارج الاتحاد

وتظهر مؤشرات حديثة أن هذا التأثير بدأ ينعكس في ممارسات الشركات.

فبحسب تحليل أعدته مؤسسة Thomson Reuters Foundation استنادًا إلى بيانات مبادرة AI Company Data Initiative، فإن 47% من الشركات التي تشير إلى قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي في إفصاحاتها المتعلقة بالحوكمة يقع مقرها خارج الاتحاد الأوروبي.

وشملت الدراسة 2,973 شركة وأكثر من 100 ألف نقطة بيانات.

ولا يعني هذا الرقم أن 47% من شركات العالم تخضع للقانون الأوروبي، ولا أن جميع هذه الشركات ملزمة به قانونيًا، لكنه يقدم مؤشرًا على حضور التشريع الأوروبي في حسابات شركات تقع خارج الاتحاد، وعلى إمكانية امتداد تأثيره إلى ممارسات الحوكمة والامتثال خارج نطاقه القانوني المباشر.

تجربة تتكرر مع الذكاء الاصطناعي

هذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها الاتحاد الأوروبي ثقله التنظيمي والسوقي للتأثير في ممارسات الشركات عالميًا.

فمع اللائحة العامة لحماية البيانات «GDPR»، أصبحت قواعد حماية البيانات الأوروبية مرجعًا مهمًا للشركات الدولية التي تتعامل مع البيانات الشخصية، حتى عندما تعمل خارج الاتحاد.

والآن تبدو التجربة نفسها في طريقها إلى التكرار مع الذكاء الاصطناعي، لكن في مساحة أكثر حساسية؛ لأن القضية لم تعد تقتصر على البيانات التي تجمعها الشركات، بل تمتد إلى المحتوى الذي يراه الإنسان ويسمعه، وإلى قدرته على معرفة ما إذا كان حقيقيًا أم مولدًا أو معدلًا بواسطة آلة.

هل تتحول القواعد الأوروبية إلى معيار عالمي؟

أهمية الخطوة الأوروبية لا تكمن فقط في إلزام الجهات الواقعة ضمن نطاق القانون بقواعد جديدة، وإنما في احتمال تحول هذه القواعد إلى معيار عملي للشركات العالمية.

فالشركة التي تقدم خدمة واحدة لمستخدمين في أسواق متعددة قد تجد أن تطبيق معيار موحد أسهل وأقل تكلفة من إنشاء نسخ مختلفة من الخدمة، لكل منها قواعد شفافية مختلفة.

ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام والتعليم والخدمات والمنصات الرقمية، قد تتحول هذه القواعد من متطلبات أوروبية إلى معيار تتبناه الشركات عالميًا لتجنب تعدد أنظمة الامتثال.

وبذلك، قد لا يبقى قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي مجرد تشريع ينظم التكنولوجيا داخل أوروبا، بل يتحول إلى معيار أوسع يحدد كيف يعرف المستخدم أنه يتعامل مع آلة، وكيف يميز المحتوى الذي أنتجته أو عدلته.

اقرأ المزيد
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
هل كان الفرح بالعقوبة أم بانتهاء زمن الإفلات من العقاب؟

أثار صدور أحكام بالإعدام بحق الإرهابي الفار بشار الأسد وعاطف نجيب وعدد من المسؤولين السابقين في نظام الأسد البائد حالة من الارتياح والفرح لدى سوريين تابعوا القضية، وخصوصاً بين ضحايا الانتهاكات وعائلاتهم وشرائح عاشت سنوات طويلة وهي تنتظر رؤية شخصيات ارتبطت بالقمع والقتل والتعذيب أمام القضاء.

ويستحق هذا التفاعل قراءة تتجاوز الحكم نفسه، لأن السؤال الأهم هنا يتعلق بما مثّله صدور الأحكام في الذاكرة السورية، ولماذا يحمل مشهد محاسبة مسؤول سابق معنى استثنائياً في بلد عاش مواطنوه لعقود تحت سلطة كان فيها أصحاب النفوذ الأمني والسياسي بعيدين عن أي مساءلة حقيقية.

فالفرح الذي ظهر بعد الأحكام لا يمكن اختزاله في تأييد عقوبة الإعدام، ولا يمكن التعامل معه باعتباره موقفاً حقوقياً من هذه العقوبة، إذ تبدو جذوره أعمق بكثير، وترتبط بتراكم طويل من الغضب والشعور بالظلم، وبذاكرة آلاف الضحايا الذين انتظروا سنوات كي يسمعوا القضاء يحدد مسؤولية أشخاص كانت أسماؤهم مرتبطة في الوعي السوري بمرحلة من الانتهاكات والإفلات من العقاب.

حين كان المسؤول فوق المساءلة

عاش السوريون لعقود أمام معادلة واضحة، كان فيها المواطن قادراً على مواجهة أجهزة تمتلك صلاحيات واسعة، بينما كانت إمكانية مساءلة المسؤول الأمني أو السياسي محدودة إلى حد بعيد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات ترتبط مباشرة بمراكز النفوذ والقرار.

وأسهمت هذه البيئة في تكريس شعور عام بأن السلطة تمنح حصانة، وأن الضحية قد تعرف من اعتقلها أو عذبها أو أصدر الأوامر بحقها، لكنها لا تمتلك طريقاً فعلياً للوصول إليه عبر القضاء.

لهذا تحمل صورة المسؤول السابق داخل قاعة المحكمة معنى يتجاوز شخصه، فالمشهد يقلب علاقة اعتادها السوريون طويلاً، ويضع صاحب النفوذ السابق في موقع يخضع فيه للتحقيق والأدلة والشهادات والحكم.

وتظهر أهمية هذه الصورة بصورة أكبر عندما يصل الأمر إلى رأس السلطة السابق، فإدانة بشار الأسد وفق ما خلصت إليه المحكمة، وتحميله مسؤولية مرتبطة بموقعه كصاحب القرار الأعلى وتسخيره أجهزة الدولة، تحمل دلالة خاصة لدى مجتمع ارتبطت تجربته طوال عقود بتركيز السلطات في رأس النظام وأجهزته.

عاطف نجيب.. اسم يعيد السوريين إلى درعا

ويحمل اسم عاطف نجيب ثقلاً رمزياً خاصاً في الذاكرة السورية، بالنظر إلى موقعه كرئيس لفرع الأمن السياسي في درعا عند انطلاق الاحتجاجات عام 2011، وارتباط اسمه بالأحداث التي سبقت واتسعت معها الاحتجاجات في المحافظة.

ولهذا يصعب فصل ردود الفعل على الحكم بحقه عن صور درعا الأولى، وعن الأطفال المعتقلين، والاحتجاجات التي طالبت بالإفراج عنهم، والمسجد العمري، والضحايا الذين سقطوا خلال المواجهة الأمنية مع المحتجين.

وبالنسبة إلى كثير من السوريين، يعيد اسم نجيب إلى الذاكرة واحدة من اللحظات التي غيرت تاريخ البلاد، حين خرجت احتجاجات درعا واتسعت لاحقاً إلى مناطق سورية عديدة، قبل أن تدخل البلاد سنوات طويلة من الحرب في سوريا بكل ما حملته من قتل واعتقال ونزوح ولجوء وفقدان.

ويفسر هذا البعد الرمزي جانباً من التفاعل مع الحكم، لأن السوري الذي يستعيد أحداث درعا لا يقرأ اسم عاطف نجيب كشخصية أمنية سابقة فقط، وإنما يربطه ببداية سلسلة طويلة من الأحداث التي غيرت حياة ملايين السوريين.

فرح الضحية له سياقه

من السهل النظر إلى مشاهد الفرح بالحكم من زاوية مجردة، ومن الأصعب فهمها بعيداً عن تجارب أصحابها.

فكيف يستقبل معتقل سابق خبراً عن إدانة مسؤول ارتبط اسمه بالجهاز الذي اعتقله أو عذبه؟، وكيف تسمع أم فقدت ابنها خبراً يقول إن شخصيات كانت في أعلى مستويات السلطة أصبحت موضع إدانة قضائية؟، وكيف تتعامل عائلة مفقود مع مشهد انهيار الحصانة التي أحاطت طوال سنوات بمسؤولين عجزت العائلات حتى عن السؤال عن أبنائها أمام أجهزتهم؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذه الأسئلة، ولا يشعر جميع الضحايا بالطريقة نفسها، لكن فهم ردود الفعل يتطلب الاعتراف بحجم التجربة التي سبقتها.

وقد يحمل الفرح هنا معنى الاعتراف، فالضحية التي عاشت سنوات وهي تروي ما حدث معها قد ترى في الحكم إقراراً مؤسساتياً بأن الجريمة وقعت وأن هناك مسؤولاً عنها، بعد مرحلة طويلة شعر خلالها كثير من السوريين بأن العدالة بعيدة أو مستحيلة.

فرح بالمحاسبة أكثر من العقوبة؟

هنا يظهر السؤال الأكثر حساسية: هل فرح السوريون لأن العقوبة كانت الإعدام، أم لأن أشخاصاً اعتقدوا طويلاً أنهم خارج نطاق المحاسبة أصبحوا محكومين أمام القضاء؟

يصعب تعميم إجابة واحدة، فهناك بالتأكيد من يرى في الإعدام عقوبة مستحقة، وهناك من يعارض هذه العقوبة من حيث المبدأ، وهناك ضحايا قد تكون أولوياتهم مختلفة تماماً، بدءاً من معرفة مصير أبنائهم وصولاً إلى استعادة الحقوق وجبر الضرر.

لكن جانباً مهماً من التفاعل يمكن فهمه من خلال معنى المحاسبة ذاتها، فمشاهدة مسؤول سابق أمام المحكمة تحمل بالنسبة إلى السوريين رسالة كانت غائبة طويلاً: الموقع السياسي والأمني لا يوفر حصانة أبدية، وصاحب السلطة يمكن أن يصبح مطالباً بالإجابة عن أفعاله أمام القضاء.

وهذه الرسالة أكثر أهمية لمستقبل سوريا من طبيعة العقوبة نفسها، لأن العقوبات ترتبط بالقانون وبالأحكام القضائية وطرق الطعن والمراجعة، بينما يشكل مبدأ خضوع أصحاب السلطة للقضاء قاعدة يجب أن تستمر مع تغير الحكومات والمسؤولين.

ماذا يعني الحكم لعائلات المفقودين؟

يبقى الاحتفاء بأي حكم ناقصاً بالنسبة إلى آلاف العائلات التي لا تزال تنتظر جواباً عن السؤال الأكثر إيلاماً: أين أبناؤنا؟

فبالنسبة إلى عائلة مفقود، قد تكون معرفة الحقيقة أكثر إلحاحاً من أي عقوبة، وقد يكون العثور على معلومة موثوقة حول مكان الاعتقال أو المصير أو مكان الدفن خطوة انتظرتها سنوات طويلة.

ومن هنا تظهر حدود المحاكمات إذا جرى التعامل معها باعتبارها المقياس الوحيد للعدالة، فالمحاسبة القضائية ركن أساسي، إلا أن التجربة السورية تحمل ملفات أوسع تتعلق بالمفقودين والمختفين قسرياً والمعتقلين السابقين والممتلكات والمهجرين والناجين من التعذيب وعائلات الضحايا.

وتحتاج الدولة إلى تحويل الزخم الذي تصنعه المحاكمات إلى عمل مؤسساتي في هذه الملفات، لأن الضحية تحتاج إلى العدالة والحقيقة معاً، وتحتاج أيضاً إلى ضمانات تجعل ما تعرضت له غير قابل للتكرار.

الاختلاف حول الإعدام مشروع

من المتوقع أن تواجه أحكام الإعدام اعتراضات من منظمات حقوقية وجهات دولية ترفض هذه العقوبة من حيث المبدأ، وسيكون من الخطأ قراءة كل اعتراض من هذا النوع باعتباره دفاعاً عن بشار الأسد أو عاطف نجيب أو غيرهما من المدانين.

فالخلاف حول عقوبة الإعدام قائم في العالم منذ عقود، وتتبنى دول ومنظمات حقوقية مواقف رافضة لها حتى عند التعامل مع أشخاص مدانين بجرائم بالغة الخطورة.

ويمكن للسوري الذي يريد محاسبة المسؤولين عن الجرائم أن يختلف مع منظمة حقوقية حول العقوبة، كما يمكن للمنظمة نفسها أن تطالب بالمحاسبة والمحاكمة وتعارض تنفيذ حكم الإعدام، ولا يوجد تناقض بالضرورة بين الموقفين.

ويخدم الاعتراف بهذا الاختلاف صورة سوريا أكثر من الدخول في مواجهة مع المنتقدين، لأن الدولة التي تسعى إلى تثبيت استقلال قضائها تستطيع الدفاع عن مسار العدالة وإجراءاته، واحترام النقاش الحقوقي في الوقت ذاته.

المحاكمة العادلة حق للضحية أيضاً

قد تبدو عبارة "حقوق المتهم" ثقيلة على شخص تعرض للتعذيب أو فقد أحد أفراد عائلته، خصوصاً عندما يكون المتهم شخصية ارتبط اسمها بانتهاكات واسعة، إلا أن ضمان هذه الحقوق يصب في النهاية في قوة قضية الضحية نفسها.

فالحكم الذي يستند إلى أدلة وشهادات وتحقيقات، ويصدر بعد إتاحة حق الدفاع واستكمال الإجراءات القانونية، يحمل وزناً أكبر من حكم تحركه الرغبة في الانتقام.

وتحتاج سوريا إلى هذا الفارق تحديداً، لأنها تحاول بناء مؤسسات مختلفة عن تلك التي عرفها السوريون خلال حكم نظام الأسد البائد، ويصبح من غير المنطقي مواجهة إرث المحاكمات الصورية والاعتقال التعسفي بإجراءات تكرر الممارسات ذاتها مع خصوم المرحلة السابقة.

وتزداد أهمية الضمانات مع خطورة العقوبة، ولذلك فإن احترام درجات التقاضي وطرق الطعن والمراجعة القانونية والدقة في الأدلة يحمي حقوق المتهم ويحمي الحكم وحقوق الضحايا في الوقت نفسه.

من المسؤول إلى الجماعة.. خط أحمر

يحمل الغضب المتراكم خطراً آخر إذا خرج من إطار القضاء، وهو انتقال المسؤولية من الشخص الذي ارتكب الجريمة إلى عائلته أو طائفته أو منطقته أو الجماعة التي ينتمي إليها.

وهنا تصبح المحاكمات وسيلة لحماية المجتمع أيضاً، لأنها تحدد اسماً وفعلاً وأدلة ومسؤولية، وتمنع تحويل الانتماء إلى أساس للعقوبة.

فعاطف نجيب يُحاسب على ما تنسبه إليه المحكمة وما تثبته الأدلة، وبشار الأسد يُحاسب على مسؤوليته الشخصية والقيادية التي يحددها القضاء، ولا تنتقل هذه المسؤولية إلى شخص آخر لمجرد رابطة عائلية أو اجتماعية أو طائفية أو مناطقية.

وترسيخ هذا المفهوم يمثل إحدى أهم ضمانات السلم الأهلي في سوريا، لأن البديل عنه هو فتح أبواب الاتهام الجماعي والثأر، وهي أبواب يعرف السوريون جيداً حجم الكلفة التي يمكن أن تنتج عنها.

العدالة التي تمنع الانتقام

يمنح القضاء المجتمع طريقاً مختلفاً للتعامل مع إرث الجرائم، فالضحية تستطيع تقديم شهادتها، والنيابة تعرض أدلتها، والمتهم يقدم دفاعه، والمحكمة تحدد المسؤولية، ثم تستكمل الإجراءات وفق القانون.

وكلما وثق السوريون بهذا الطريق، تراجعت مساحة الثأر الفردي والجماعي.

لهذا تقع على الدولة مسؤولية كبيرة في حماية استقلال القضاء، وتجنب تحويل المحاكمات إلى مهرجانات سياسية أو مناسبات لإعلان الانتصار، لأن القيمة الحقيقية لهذه القضايا تأتي من قدرتها على إقناع السوريين بأن المؤسسة القضائية أصبحت المكان الذي يستعيدون فيه حقوقهم.

وتقع مسؤولية مشابهة على الإعلام، الذي ينبغي أن يضع منطوق الأحكام وإجراءاتها ووضعها القانوني في المقدمة، وأن يمنح الضحايا مساحة تحترم كرامتهم، وأن يتجنب خطاب التشفي والتحريض وتعميم المسؤولية.

ماذا بعد بشار الأسد وعاطف نجيب؟

سيكون السؤال الذي يلي الأحكام أكثر صعوبة من السؤال الذي سبقها: هل تستطيع سوريا تحويل هذه القضايا إلى نهج دائم للمحاسبة؟

فمصداقية العدالة الانتقالية ستتحدد من خلال الاستمرارية والمساواة أمام القانون، وليس من خلال عدد محدود من القضايا المرتبطة بأسماء معروفة.

وسيكون على القضاء والمؤسسات المعنية التعامل مع إرث ضخم من الملفات والأدلة والشهادات، وتحديد الأولويات، وحماية الوثائق، والاستماع إلى الضحايا، والوصول إلى المتهمين، والتعامل مع قضايا المفقودين والمختفين قسرياً، إضافة إلى تطوير برامج جبر الضرر وإصلاح المؤسسات.

وسيكون معيار النجاح الأكثر حساسية هو قدرة الدولة على تطبيق مبدأ المحاسبة على أي شخص تثبت مسؤوليته عن انتهاك، بعيداً عن موقعه وانتمائه وعلاقته بالسلطة، لأن العدالة تفقد معناها عندما تصبح انتقائية.

ما يستحق أن يبقى من لحظة الفرح
يمكن فهم فرح سوريين بالأحكام من خلال تاريخ طويل من الألم والعجز عن الوصول إلى العدالة، ويمكن أيضاً احترام موقف من يعارض عقوبة الإعدام ويرى أن المحاسبة يمكن أن تتحقق بعقوبات أخرى.

غير أن القيمة الأهم لهذه اللحظة ستظهر فيما يأتي بعدها.
فالضحية التي فرحت اليوم بالحكم تحتاج غداً إلى معرفة مصير مفقودها، والمعتقل السابق يحتاج إلى اعتراف وإنصاف وجبر للضرر، والمجتمع يحتاج إلى مؤسسات تمنع عودة التعذيب والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، والدولة تحتاج إلى قضاء يستطيع مستقبلاً محاسبة أي صاحب سلطة إذا تجاوز القانون.

وعند هذه النقطة يمكن فهم جانب كبير من الفرح الذي رافق الأحكام، فهو تعبير عن كسر صورة رسخت لعقود في ذهن السوري، صورة المسؤول الذي يأمر ولا يُسأل، وصاحب النفوذ الذي لا يصل إليه القضاء، والضحية التي تحمل قصتها وحدها من دون إنصاف.

ويبقى التحدي أمام سوريا أن تحول هذه اللحظة من شعور بالانتصاف إلى قاعدة مؤسساتية دائمة، يكون فيها القانون أعلى من صاحب المنصب، وتكون المسؤولية فردية، ويحصل الضحايا على الحقيقة والإنصاف، ويعرف كل مسؤول حالي أو قادم أن السلطة لا تمنحه حصانة من المساءلة.

عندها يصبح المعنى الأعمق للأحكام واضحاً، فالمكسب الذي يحتاج السوريون إلى حمايته هو انتهاء زمن يستطيع فيه صاحب القرار أن يضع نفسه فوق القانون، وبدء زمن تصبح فيه المحاسبة حقاً للضحايا وضمانة للمجتمع وقاعدة لبناء الدولة.

اقرأ المزيد
١١ أغسطس ٢٠٢٦
أحكام الإعدام بحق رموز نظام الأسد البائد.. العدالة الانتقالية أمام اختبار بناء دولة القانون في سوريا

تفتح الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بحق الإرهابي الفار بشار الأسد وعاطف نجيب وعدد من المسؤولين السابقين في نظام الأسد البائد مرحلة جديدة في مسار المحاسبة داخل سوريا، وتضع أمام الدولة والمجتمع اختباراً يرتبط بكيفية التعامل مع إرث عقود من الانتهاكات، وضمان حقوق الضحايا، وترسيخ سلطة القضاء باعتباره الجهة المخولة بتحديد المسؤولية وإصدار الأحكام وفق الأدلة والقانون.

وتأتي أهمية هذه الأحكام من طبيعة الملفات التي يتعامل معها القضاء، ومن مواقع الأشخاص المشمولين بها، ومن حجم الذاكرة السورية المرتبطة بالقتل والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري وغيرها من الانتهاكات التي طالت أعداداً كبيرة من السوريين، وتركت خلفها عائلات تنتظر معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة وكشف مصير أبنائها.

وتفرض هذه المرحلة قراءة الأحكام في سياق أوسع من العقوبات الصادرة، فالقضية الأساسية التي تواجه سوريا اليوم تتعلق ببناء نموذج للمحاسبة يستطيع معالجة إرث الماضي وفق القانون، ويحمي حقوق الضحايا، ويوفر في الوقت ذاته ضمانات قضائية واضحة للمتهمين، ويمنع انتقال المجتمع من مرحلة الإفلات من العقاب إلى منطق الثأر والانتقام.

سقوط الحصانة أمام القضاء
يحمل وصول شخصيات كانت في قمة هرم السلطة والأجهزة الأمنية والعسكرية إلى دائرة المحاسبة دلالة مهمة في دولة عانى مواطنوها لعقود من ارتباط النفوذ السياسي والأمني بالحصانة من المساءلة، حيث شكلت بنية نظام الأسد البائد بيئة سمحت لمسؤولين وأجهزة بممارسة سلطات واسعة بعيداً عن الرقابة والمحاسبة الفعلية.

ويبرز الحكم الصادر بحق بشار الأسد هذه المسألة بصورة واضحة، خاصة مع تحميل المحكمة له مسؤولية الجرائم بوصفه صاحب القرار الأعلى الذي سخّر أجهزة الدولة لتنفيذها، وهو توصيف يضع مسؤولية القيادة وصناعة القرار ضمن نطاق المحاسبة، ويؤكد أن الموقع الأعلى في هرم السلطة لا يمنح صاحبه حصانة عندما تتوافر الأدلة على مسؤوليته عن الجرائم.

ويؤسس تطبيق هذا المبدأ، إذا استمر وفق قواعد موحدة على مختلف القضايا، لقاعدة ضرورية في سوريا الجديدة، تقوم على خضوع المسؤول للقانون مهما كان موقعه، وعلى ارتباط المساءلة بالفعل والأدلة والمسؤولية الشخصية، بعيداً عن النفوذ السياسي أو العسكري أو الأمني.

وتحتاج هذه القاعدة إلى الاستمرار والتحول إلى ممارسة مؤسساتية ثابتة، لأن قيمة العدالة لا تقاس بمحاكمة أسماء بارزة فقط، وإنما بقدرة النظام القضائي على تطبيق المعايير نفسها على مختلف الملفات والأشخاص، وحماية استقلال القضاء من الضغوط السياسية والمجتمعية والإعلامية.

من المحاسبة إلى بناء الثقة
تواجه الدولة السورية تحدياً يتجاوز إصدار الأحكام إلى إعادة بناء ثقة السوريين بالمؤسسات، وهي ثقة تعرضت خلال العقود الماضية لضربات عميقة نتيجة استخدام أجهزة ومؤسسات رسمية في عمليات القمع والاعتقال والتعذيب وملاحقة المعارضين.

ويشكل القضاء إحدى أهم المؤسسات القادرة على المساهمة في استعادة هذه الثقة، عندما يرى المواطن أن الاتهام يخضع للتحقيق، وأن الأدلة تعرض أمام المحكمة، وأن الشهود يُستمع إليهم، وأن الادعاء يقدم مرافعاته، وأن الدفاع يمارس حقوقه، وأن الحكم يصدر عن جهة قضائية وفق إجراءات معلنة.

وتكتسب الإجراءات هنا أهمية توازي أهمية النتائج، لأن بناء دولة القانون يحتاج إلى قضاء يستطيع إقناع المجتمع بأن الأحكام تصدر استناداً إلى ملفات وأدلة وقواعد قانونية، وليس استجابة لموقف سياسي أو رغبة شعبية أو ضغط إعلامي.

ويضع ذلك مسؤولية إضافية على مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام في التعامل مع المحاكمات، عبر احترام اختصاص القضاء، والتمييز بين المتهم والمدان، وعدم استباق الأحكام أو تحويل المحاكمات إلى ساحات للتعبئة، خصوصاً في القضايا التي تحمل شحنة عاطفية كبيرة لدى السوريين.

الضحايا في قلب المسار
يحتل الضحايا والناجون وعائلات المفقودين والمختفين قسرياً موقعاً أساسياً في أي مسار جاد للعدالة الانتقالية، إذ يرتبط مفهوم العدالة بالنسبة إلى هؤلاء بمعرفة ما حدث، ومن كان مسؤولاً عنه، وأين يوجد المفقودون، وكيف يمكن استعادة الحقوق وجبر الأضرار التي تراكمت خلال سنوات طويلة.

وتمنح المحاكمات الضحايا مساحة لرؤية المسؤولية تنتقل من شهاداتهم وذاكرتهم الشخصية إلى ملفات قضائية وأدلة وأحكام، وهو تحول مهم في تثبيت الوقائع ومنح الضحايا اعترافاً مؤسساتياً بما تعرضوا له.

ويحتاج هذا الاعتراف إلى مسارات أخرى موازية، وفي مقدمتها كشف مصير المفقودين والمختفين قسرياً، وتحديد أماكن الاحتجاز والمقابر، وحفظ الأدلة والوثائق، وتمكين العائلات من الوصول إلى المعلومات، ووضع برامج واقعية لجبر الضرر ودعم الناجين والمتضررين.

وتفرض مركزية الضحايا أيضاً التعامل معهم باعتبارهم أصحاب حقوق متنوعة، فليس جميع المتضررين ينظرون إلى العدالة من زاوية العقوبة وحدها، وقد تكون معرفة مصير ابن مفقود أو استعادة حق أو الحصول على اعتراف رسمي بالحقيقة أولوية لا تقل أهمية بالنسبة إلى عائلة عاشت سنوات من الانتظار.

المسؤولية فردية
يكتسب مبدأ المسؤولية الفردية أهمية خاصة في المجتمع السوري، بالنظر إلى الانقسامات التي عمقتها سنوات الحرب في سوريا، وما خلفته الانتهاكات من مشاعر غضب وألم وخوف داخل شرائح واسعة من المجتمع.

ويحدد القضاء المسؤولية وفق الفعل والأدلة، وبذلك يقدم حاجزاً قانونياً وأخلاقياً أمام تحويل جرائم الأفراد إلى اتهامات جماعية تطال عائلاتهم أو مناطقهم أو طوائفهم أو الجماعات التي ينتمون إليها.

ويشكل ترسيخ هذا المبدأ ضرورة للسلم الأهلي، لأن تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال ارتكبها أفراد يفتح الباب أمام الثأر الجماعي ويعيد إنتاج منطق الانتهاكات بصور جديدة، فيما تسمح المحاسبة القضائية بتحديد المسؤول المباشر ومساءلته بصورة شخصية.

وتحتاج الدولة السورية إلى تثبيت هذه القاعدة في خطابها وممارساتها معاً، فالمواطن لا يتحمل مسؤولية جريمة بسبب هويته أو مكان ولادته أو انتمائه الاجتماعي، كما أن المسؤول السابق لا ينبغي أن يفلت من المحاسبة بسبب موقعه أو شبكة نفوذه أو خلفيته.

ضمانات الدفاع جزء من قوة الحكم
تكتسب حقوق الدفاع أهمية مضاعفة في محاكمات رموز نظام الأسد البائد، لأن سلامة الإجراءات تمنح الأحكام قوة قانونية ومصداقية أكبر، وتساعد على تقديم نموذج قضائي مختلف عن الممارسات التي ارتبطت بمحاكم وأجهزة النظام السابق.

ويتعين أن تتوافر للمتهمين إمكانية الدفاع عن أنفسهم وفق القانون، وأن تعرض الأدلة بطريقة تسمح بفحصها ومناقشتها، وأن تخضع الأحكام لطرق المراجعة والطعن التي يقررها النظام القضائي، وأن تستخدم المصطلحات القانونية الدقيقة في توصيف وضع كل شخص خلال مراحل القضية.

ولا ينتقص توفير هذه الضمانات من حقوق الضحايا، لأن الحكم الذي يصدر بعد إجراءات قضائية سليمة يكون أكثر قدرة على الصمود أمام النقد القانوني والحقوقي، وأكثر تعبيراً عن دولة تسعى إلى تأسيس مؤسسات تختلف في قواعد عملها عن المؤسسات التي استخدمها نظام الأسد البائد.

وتظهر أهمية ذلك بصورة أكبر عندما تكون العقوبة الصادرة شديدة، فكلما ارتفعت خطورة العقوبة ازدادت الحاجة إلى التدقيق في الأدلة والإجراءات وحقوق الدفاع وطرق الطعن والمراجعة القانونية.

عقوبة الإعدام والجدل الحقوقي
تفتح أحكام الإعدام الصادرة في هذه القضايا باباً متوقعاً للنقاش مع منظمات حقوقية وجهات دولية تعارض هذه العقوبة من حيث المبدأ، بما في ذلك في القضايا المرتبطة بجرائم جسيمة وانتهاكات واسعة.

ولا ينبغي أن يتحول هذا الاختلاف إلى مواجهة بين الدولة السورية وهذه الجهات، فموقف المنظمة الحقوقية الرافض لعقوبة الإعدام لا يعني بالضرورة رفضها محاسبة المسؤولين عن الجرائم، كما أن تأييد مبدأ المحاسبة لا يفرض الاتفاق على طبيعة العقوبة.

ويتيح التعامل الهادئ مع هذه الاعتراضات للدولة السورية التركيز على العناصر الأكثر أهمية في صورتها القانونية، وفي مقدمتها استقلال القضاء، وسلامة الإجراءات، وحقوق الدفاع، وحقوق الضحايا، واستكمال مراحل التقاضي وفق القانون.

وتستطيع سوريا من خلال هذا النهج الحفاظ على حق مؤسساتها القضائية في ممارسة اختصاصها، مع احترام وجود مواقف قانونية وحقوقية دولية مختلفة، وتجنب سجالات قد تنقل الاهتمام من أصل القضية وحقوق الضحايا إلى صراع سياسي حول المواقف الخارجية.

العدالة الانتقالية أوسع من المحاكمات
تشكل المحاسبة القضائية أحد أعمدة العدالة الانتقالية، فيما يمتد هذا المسار إلى ملفات أخرى شديدة التعقيد والحساسية، تشمل الحقيقة والمفقودين والمختفين قسرياً وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

وتحتاج سوريا في ملف الحقيقة إلى عملية واسعة لجمع الوثائق وحماية الأدلة والاستماع إلى الضحايا والناجين وتوثيق أنماط الانتهاكات والمسؤوليات المرتبطة بها، بما يساعد على تكوين سجل وطني يحفظ ذاكرة ما جرى ويمنع إنكار الجرائم أو التلاعب بها مستقبلاً.

ويأتي ملف المفقودين في مقدمة الأولويات، إذ تنتظر آلاف العائلات معلومات حول مصير أبنائها، ويشكل الوصول إلى الحقيقة في هذا الملف أحد أكثر أشكال الإنصاف إلحاحاً، لما يحمله استمرار الغموض من معاناة يومية لأسر لم تعرف طوال سنوات ما إذا كان أبناؤها أحياء أو متوفين أو أين انتهى بهم المصير.

ويحتاج جبر الضرر بدوره إلى رؤية تتعامل مع الآثار المادية والنفسية والاجتماعية للانتهاكات، وتبحث في سبل التعويض ورد الحقوق وإعادة الاعتبار ودعم الناجين والأسر المتضررة، ضمن إمكانات الدولة وأولوياتها.

إصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار
يحدد إصلاح المؤسسات مدى قدرة العدالة الانتقالية على إحداث تغيير طويل الأمد، لأن محاسبة المسؤولين عن جرائم الماضي تفقد جزءاً كبيراً من أثرها إذا بقيت البنى التي سمحت بتلك الجرائم قادرة على إعادة إنتاج الممارسات نفسها.

ويشمل ذلك تطوير القضاء وأجهزة إنفاذ القانون والمؤسسات الأمنية والإدارية، وترسيخ الرقابة والمساءلة، ومنع استخدام أجهزة الدولة لمصلحة أشخاص أو جماعات، وتحديد الصلاحيات بطريقة تمنع تركز السلطة من دون ضوابط.

ويحمل مفهوم ضمان عدم التكرار أهمية مركزية للسوريين، فالمطلوب من معالجة الماضي أن توفر حماية للمستقبل، وأن تنتج مؤسسات تمنع الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري واستخدام القوة خارج القانون، وتتيح للمواطن وسائل فعلية للاعتراض والتقاضي والمحاسبة.

ويصبح نجاح العدالة الانتقالية مرتبطاً، وفق هذا المنظور، بقدرة المواطن السوري مستقبلاً على الشعور بأن حقوقه لا تتوقف على هوية المسؤول الذي يتعامل معه أو موقعه أو نفوذه، وأن الدولة تمتلك آليات تستطيع محاسبة من يتجاوز القانون.

القضاء في مواجهة منطق الثأر
تؤدي العدالة المؤسسية وظيفة شديدة الحساسية في المراحل الانتقالية، فهي تنقل حق المحاسبة من الشارع والجماعات والأفراد إلى القضاء، وتحد من فرص نشوء دوائر انتقام متبادلة يصعب ضبطها لاحقاً.

ويحتاج المجتمع السوري، بعد حجم هائل من الخسائر والانتهاكات، إلى هذا النوع من الحماية، لأن مشاعر الغضب لدى الضحايا والمتضررين مفهومة، غير أن تحويلها إلى أفعال انتقامية سيضيف ضحايا جدداً ويضعف سلطة الدولة ويهدد السلم الأهلي.

ويقدم القضاء طريقاً مختلفاً، يبدأ بالاتهام والتحقيق والأدلة والدفاع وينتهي بالحكم، مع بقاء الإجراءات القانونية اللاحقة وفق وضع كل قضية، وهو المسار الذي يسمح للدولة باحتكار إنفاذ القانون ومنع الاقتصاص الفردي.

وتزداد أهمية هذه المعادلة كلما اتسع نطاق المحاسبة، لأن الهدف في النهاية هو بناء ثقافة عامة ترى المحكمة مكاناً لاستعادة الحقوق، بدلاً من البحث عنها عبر القوة أو النفوذ أو الثأر.

اختبار الاستمرارية والعدالة المتساوية
تواجه العدالة الانتقالية في سوريا اختباراً أساسياً يتعلق بالاستمرارية، إذ سيكون من الضروري أن تتجاوز المحاكمات الأسماء الأكثر شهرة إلى التحقيق المنهجي في مختلف ملفات الانتهاكات وفق الأدلة المتاحة والأولويات القضائية.

وتواجه أيضاً اختبار المساواة، لأن مصداقية المسار ترتبط بقدرة القضاء على تطبيق المعايير نفسها على أي شخص تثبت مسؤوليته عن انتهاك، بعيداً عن موقعه السياسي أو العسكري أو الأمني، وعن علاقته بأي طرف أو مرحلة.

ويمنع الالتزام بهذه القاعدة تحول العدالة الانتقالية إلى أداة لتصفية حسابات سياسية، ويعطي الضحايا والمجتمع رسالة واضحة بأن المعيار المعتمد هو الجريمة والمسؤولية والأدلة.

ويضع ذلك المؤسسات الجديدة أمام مسؤولية كبيرة، فالدولة التي تريد بناء شرعيتها على القانون تحتاج إلى إثبات استقلال مؤسساتها في القضايا الصعبة قبل السهلة، وفي الملفات التي قد تثير خلافاً مجتمعياً أو سياسياً قبل تلك التي تحظى بإجماع واسع.

ما بعد الحكم
تبدأ بعد صدور الأحكام مرحلة لا تقل حساسية عن المحاكمة نفسها، وتتعلق بالوضع القانوني للأحكام وطرق الطعن والمراجعة وتنفيذ ما يصبح واجب التنفيذ منها، إضافة إلى مواصلة التحقيق في الملفات المرتبطة بالانتهاكات وعدم التعامل مع قضية واحدة باعتبارها نهاية لمسار المحاسبة.

وتقع على الإعلام أيضاً مسؤولية في هذه المرحلة، عبر تقديم معلومات قانونية دقيقة حول الأحكام، وعدم وصفها بأنها نهائية أو قطعية قبل تأكيد وضعها من الجهات القضائية المختصة، والفصل بين الخبر القضائي وردود الفعل المجتمعية والسياسية.

ويستطيع الإعلام المساهمة في توسيع النقاش باتجاه القضايا التي تمثل جوهر العدالة الانتقالية، من خلال منح الضحايا والناجين مساحة تحترم كرامتهم، وشرح آليات المحاسبة، ومتابعة ملف المفقودين، وطرح أسئلة جبر الضرر وإصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار.

سوريا أمام فرصة تأسيسية
تمنح المحاكمات الحالية الدولة السورية فرصة لتأسيس علاقة جديدة بين المواطن والمؤسسة العامة، يكون القانون فيها أعلى من الأشخاص والمناصب، ويستطيع فيها الضحية المطالبة بحقه أمام القضاء، ويستطيع المتهم الحصول على حقوقه القانونية، ويخضع المسؤول للمساءلة عندما تثبت الأدلة مسؤوليته.

وتحتاج هذه الفرصة إلى حماية مستمرة، عبر استقلال القضاء، ودقة الإجراءات، ورفض الانتقائية، واحترام قرينة البراءة قبل الإدانة، وضمان حقوق الدفاع، وإبقاء الضحايا وحقوقهم في مركز العملية.

وتكشف الأحكام الصادرة بحق رموز من نظام الأسد البائد بداية اختبار طويل للعدالة السورية، وستتحدد قيمة هذا المسار بقدرته على التحول إلى نهج مؤسساتي مستدام يشمل مختلف ملفات الانتهاكات، ويقدم للسوريين إجابات عن المفقودين، وينصف الضحايا، ويصلح المؤسسات التي ساهمت في الانتهاكات أو عجزت عن منعها.

وتبقى الغاية الأوسع بناء دولة يستطيع السوري أن يثق بأن القانون فيها يحميه من السلطة مثلما يحاسبه عند مخالفته، وأن المنصب لا يوفر حصانة من القضاء، وأن الجريمة لا تتحول إلى إدانة لعائلة أو طائفة أو منطقة، وأن حقوق الضحايا لا تضيع مع تغير الحكومات والظروف السياسية.

وتضع سوريا بهذه المعادلة أساساً ضرورياً للاستقرار والسلم الأهلي، فالدولة التي تستطيع مواجهة إرث الانتهاكات بالقضاء والحقيقة والإنصاف وإصلاح المؤسسات تفتح الطريق أمام مجتمع أكثر قدرة على تجاوز آثار الماضي، وتمنح السوريين فرصة لبناء مستقبل تكون فيه سيادة القانون ضمانة للجميع، وتصبح فيه العدالة حقاً للضحايا ومسؤولية للدولة ومهمة دائمة لمؤسساتها.

اقرأ المزيد
٩ أغسطس ٢٠٢٦
حين يصبح الطلاق لغةً للخلاف.. ماذا يبقى من علاقةٍ عمرها عقود؟

تجاوز رجل وامرأة، بعد عقود من العشرة، سؤال: "هل نحب بعضنا؟"، منذ أن قررا، في يوم مضى، أن يصيرا لبعضهما، تركا للسنوات أن تنسج بينهما حياةً كاملة، فتداخلت الأيام، وتراكمت الذكريات، وتشابكت المسؤوليات، حتى صار كل واحد منهما جزءاً من تعريف الآخر لنفسه وحياته، صارا أكثر من زوج وزوجة، كيانين ألف كل منهما الآخر حتى أصبح يتصرف على بداهة لا تحتاج إلى سؤال: هذا لي، وهذه لي، وهذا بيتي، وهذا الإنسان الذي اخترته رفيقاً لطريقي.

وفي مثل هذه العلاقات، لا تكون قيمة الاستمرار في عدد السنوات وحده، وإنما في ذلك الشعور العميق بأن الآخر صار من ثوابت الحياة، مثل البيت الذي تعود إليه، والوجه الذي تعرفه قبل أن يتكلم، واليد التي اعتدت وجودها إلى جوارك حتى لم تعد تفكر في أنها يمكن أن تغيب، ولذلك فإن التهديد المتكرر بالطلاق يهز تصوراً كاملاً للحياة تشكل على مدى سنوات طويلة.

حين تقول الزوجة، عند كل خلاف صغير: "أريد الطلاق"، قد ترى في عبارتها جملة عابرة خرجت في لحظة غضب، فيسمع الزوج فيها احتمالاً لم يكن يريد أن يفكر فيه، يسمع أن ما ظنه ثابتاً يمكن أن يصبح مؤقتاً، وأن ما اعتاد أن يعدّه من مسلّمات حياته قد يتحول، عند أول عاصفة، إلى شيء قابل للانتهاء.

ماذا يحدث حين يصبح الثابت مهدداً في كل خلاف؟

في المرة الأولى، يخاف الزوج. ليس خوفه من كلمة الطلاق بحد ذاتها، وإنما من سقوط اليقين الذي عاش عليه، فيسارع إلى الاحتواء، ويعتذر، ويشرح، ويتنازل، وربما يحمل نفسه فوق طاقتها كي يعيد الأمور إلى موضعها، يتصرف آنذاك كمن يحاول حماية بيت لا يريد أن يرى جدرانه تتصدع بسبب عاصفة عابرة.

لكن المشكلة تبدأ حين تصبح العاصفة عادة، فالإنسان يستطيع أن يتحمل الخوف إذا كان استثناءً، لكنه لا يستطيع أن يجعله نظاماً دائماً للحياة، ومع تكرار التهديد، يتغير شيء في داخله، لا يعود يسمع "أريد الطلاق" كحادثة استثنائية، بل كاحتمال متكرر، والاحتمالات المتكررة تتحول في النفس إلى واقع محتمل.

وهنا تبدأ الثقة بالاهتزاز، لا بمعنى أن الزوج يتهم زوجته بالكذب، وإنما بمعنى أعمق: يفقد ثقته في ثبات العلاقة، ويصبح غير واثق من أن ما اتفقا عليه ضمنياً قبل عقود ما زال قائماً اليوم، وإذا كانت سنوات طويلة من المشاركة يمكن أن توضع على حافة النهاية بسبب خلاف صغير، فما الذي بقي إذن من معنى ذلك العهد القديم؟

متى يبدأ الإنسان في حماية نفسه ممن اعتاد أن يكون مأمنه؟

حين يتكرر التهديد، يبدأ الزوج في مراقبة كلماته، لا يعود يدخل النقاش بعفوية الرجل الذي يشعر أن بيته مأمنه، بل بعقل الرجل الذي يحسب العواقب. هل أقول هذا؟ هل أعترض على ذاك؟ هل يمكن أن يتحول هذا النقاش إلى "إذن طلّقني"؟

وهنا يحدث شيء شديد الخطورة: يبدأ الإنسان في إدارة العلاقة بدل أن يعيشها، ويصبح همه ألا يستفز الموقف، لا أن يكون صريحاً، يختار الصمت لا لأنه مقتنع، وإنما لأنه مرهق، ويتنازل لا لأنه يرى التنازل عادلاً، وإنما لأنه يريد أن تنتهي الأزمة قبل أن تصل إلى العبارة التي بات يخشاها.

وقد يبدو هذا من الخارج استقرارًا. لا صراخ، لا مشاكل كبيرة، لا مشاجرات متكررة، لكن الهدوء الذي يأتي بعد أن يتعلم أحد الطرفين كبت نفسه ليس بالضرورة سلاماً، قد يكون مجرد انسحاب من المعركة.

والإنسان حين يضطر إلى كبت نفسه طويلاً داخل أقرب علاقاته، يبدأ في الانفصال عن العلاقة من الداخل، فليس المطلوب من الزواج أن يخلو من الخلاف، وإنما أن يكون الخلاف ممكناً دون أن يصبح وجود العلاقة نفسها موضع مساومة.

لماذا يتغير التعلق حين يفقد الإنسان الأمان؟

التعلق لا يعيش في الفراغ، إنه يحتاج إلى شعور بأن الآخر باقٍ، وأن وجوده ليس معلقاً على مزاج اللحظة، وعندما يهتز هذا الشعور مراراً، تبدأ النفس، بصورة دفاعية، في تخفيف مقدار تعلقها.

ليس قراراً واعياً من نوع: "سأتوقف عن التعلق"، إنها آلية أكثر هدوءاً من ذلك، يقل الانتظار، يقل القلق عند الغياب، يقل الانشغال بردود الفعل، وتصبح فكرة الحياة من دون الآخر أقل غرابة مما كانت عليه.

وهنا قد يصل الزوج إلى مرحلة مؤلمة: لا يعود يخاف من الطلاق كما كان يخافه سابقاً ،ليس لأنه قرر الرحيل، وليس لأنه لم يعد يرى قيمة السنوات التي عاشها، وإنما لأن النفس البشرية تتعلم التكيف مع ما يتكرر، وما كان مستحيل التصور في الأمس يصبح قابلاً للتصور في الغد، خصوصاً إذا تكرر التلويح به أمامها حتى صار جزءاً من المشهد.

وهل يمكن أن يبقى الرجل في البيت وقد غادر العلاقة من الداخل؟ نعم، وربما هذه هي المرحلة الأكثر التباساً والأشد قسوة، وقد يبقى الرجل في البيت، يؤدي واجباته، ينفق، يسأل، يرافق، يجلس مع الأسرة، يزور الأقارب، ويظهر أمام الناس بصورة الزوج نفسه الذي عرفوه طوال السنوات، لكن شيئًا داخله يكون قد تغير، لم يعد يفعل الأشياء نفسها بالدافع نفسه، وإنما لأنه يعرف أن الحياة لها مسؤوليات، وأن البيوت لا تُدار كلها بالعاطفة، وأن وراء كل قرار تاريخاً طويلاً وأبناء وذكريات ومصالح واعتبارات كثيرة.

وهنا تبدأ الحياة في اتخاذ شكل مسرحي غريب، لا أحد يكذب بالضرورة، لكن الجميع يؤدي دوره، الزوج يقوم بما يجب عليه، والزوجة تقوم بما يجب عليها، والبيت مستمر، والأيام تمضي، والصورة الخارجية سليمة، بينما تنكمش المساحة الداخلية التي كان فيها كل طرف يشعر أن الآخر جزء لا يتجزأ من كيانه.

قد يجلسان إلى المائدة نفسها، لكن كل واحد منهما يعيش في مكان نفسي مختلف، قد يتحدثان عن الأولاد والعمل والمصروف والمواعيد، لكن الأشياء التي كانت تُقال بلا تفكير تصبح أثقل من أن تُقال، وقد يستمر الاحترام، وتستمر المسؤولية، وتبقى الصحبة، لكن ذلك الشعور القديم بأن "هذا الإنسان لي، وأنا له" يبدأ في التراجع أمام سؤال أكثر قسوة: "إلى متى سيبقى هذا الإنسان لي؟"




اقرأ المزيد
٩ أغسطس ٢٠٢٦
دمشق تعيد رسم الوجود الروسي وتستعيد منشآتها الاستراتيجية

فرض سقوط نظام الأسد البائد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر واقعاً سياسياً جديداً في سوريا، لم يقتصر على تغيير السلطة في دمشق، بل امتد إلى ملفات شديدة التعقيد تراكمت خلال سنوات الحرب في سوريا، وفي مقدمتها شكل الوجود العسكري الأجنبي والعلاقات التي أقامها النظام السابق مع حلفائه، وعلى رأسهم روسيا، التي امتلكت حضوراً عسكرياً واسعاً في الساحل السوري عبر قاعدتي حميميم وطرطوس.

إرث ثقيل أمام الدولة الجديدة

كان ملف الوجود الروسي بالغ الحساسية، تشابكت فيه الاعتبارات السياسية والعسكرية والاقتصادية، فحميميم شكلت منذ عام 2015 مركزاً رئيسياً للعمليات الجوية الروسية في سوريا، فيما مثل الوجود الروسي في طرطوس نقطة ارتكاز بحرية ولوجستية مهمة لموسكو على البحر المتوسط.

خلال أكثر من عام، لم يكن من مصلحة سوريا الانتقال من مرحلة التبعية التي فرضها نظام الأسد البائد إلى سياسة تقوم على القطيعة غير المحسوبة، كما لم يكن ممكناً استمرار الترتيبات السابقة وكأن التحول السياسي الذي شهدته البلاد لم يحدث، ومن هنا برز التفاوض باعتباره الطريق الأكثر قدرة على إعادة صياغة العلاقة من موقع الدولة ومصالحها.

18 شهراً من التفاوض
استغرقت المفاوضات والمباحثات بين دمشق وموسكو نحو عام ونصف، وقادتها وزارة الخارجية والمغتربين وصولاً إلى مذكرة تفاهم ترسم إطاراً مختلفاً للوجود الروسي في سوريا، وهي مدة تكشف في حد ذاتها حجم التعقيدات المرتبطة بالملف، وحاجة الطرفين إلى الوصول إلى صيغة تحافظ على المصالح المتبادلة، من دون إبقاء الوضع الذي تشكل خلال حقبة نظام الأسد البائد على حاله.

ويحمل الوصول إلى اتفاق برضى الدولتين دلالة سياسية مهمة، فالتحول في طبيعة الوجود الروسي لم يأت عبر مواجهة أو إجراءات أحادية الجانب، وإنما من خلال التفاوض المباشر، وهو ما يمنح الترتيبات الجديدة فرصة أكبر للاستمرار، ويضع العلاقة السورية ـ الروسية أمام قواعد أكثر وضوحاً من المرحلة السابقة.

استعادة المنشآت المدنية
تشكل استعادة الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني إحدى أبرز نتائج التفاهم، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، بما يتيح إعادة إدماج هذه المنشآت تدريجياً في منظومة الإدارة والاستثمار المدني.

ولا تبدو هذه الخطوة إدارية فحسب، إذ تحمل مضموناً سيادياً واقتصادياً في آن واحد، فعودة منشآت استراتيجية إلى الإدارة السورية تعني توسيع قدرة مؤسسات الدولة على إدارة أصولها ومرافقها، والاستفادة منها ضمن احتياجات الاقتصاد والنقل والتجارة والطيران المدني، بدلاً من استمرار ارتباطها بالترتيبات العسكرية التي حكمت استخدامها خلال السنوات الماضية.

وقد بدأت بعض النتائج العملية لهذا المسار بالظهور، مع إعلان الهيئة العامة للمنافذ والجمارك التوصل إلى اتفاق لتسلم المواقع التجارية التي كان يشغلها الجانب الروسي في مرفأ طرطوس، وفي مقدمتها الرصيف رقم "4" بجميع مستودعاته والمنشآت التابعة له.

وتزامن ذلك مع إعلان الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي تسلم مطار اللاذقية الدولي، وبدء الفرق المختصة تقييم وضعه الفني والتشغيلي ومرافقه وأنظمته، تمهيداً لإعادة تأهيله ورفع جاهزيته وإعادته إلى منظومة الطيران المدني واستقبال الرحلات وفق المعايير المعتمدة.

من القواعد إلى مراكز التدريب
يحمل الجانب العسكري من الاتفاق تحولاً أكثر عمقاً في شكل العلاقة، إذ تقضي التفاهمات بإعادة صياغة وظيفة القواعد والمنشآت العسكرية الروسية، والانتقال بها من نموذج القواعد العسكرية بصيغته السابقة إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل.

ويعني ذلك أن القضية لا تتعلق بتغيير أسماء المنشآت، وإنما بإعادة تعريف وظيفتها وموقعها ضمن العلاقة بين البلدين، فالقاعدة العسكرية بصيغتها التقليدية ترتبط بوجود عملياتي مستقل واعتبارات عسكرية واستراتيجية واسعة، بينما تضع صيغة التدريب والتأهيل المشترك العلاقة في إطار مختلف، يقوم بصورة أكبر على التعاون بين مؤسسات الدولتين.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي أدته قاعدة حميميم خلال عهد نظام الأسد البائد، إذ شكلت منذ التدخل الروسي عام 2015 مركزاً رئيسياً للعمليات العسكرية الروسية، وانطلقت منها آلاف الطلعات الجوية التي استهدفت مناطق سورية عدة، وسقط خلالها آلاف المدنيين، ما جعل اسم القاعدة مرتبطاً بمرحلة دامية من الحرب في سوريا.

ثلاثة أشهر لترجمة الاتفاق
تتجاوز أهمية مذكرة التفاهم مضمونها السياسي إلى وجود جدول زمني لتنفيذها، إذ حدد الطرفان سقفاً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحول والدخول في الترتيبات الجديدة.

ويمنح هذا الجدول الاتفاق بعداً تنفيذياً، ويخرجه من دائرة البيانات السياسية المفتوحة إلى مسار يفترض أن تكون نتائجه قابلة للقياس على الأرض، سواء فيما يتعلق بإدارة المنشآت المدنية، أو إعادة تنظيم المنشآت العسكرية، أو تحديد طبيعة الدور الروسي في المرحلة المقبلة.

كما يقلص تحديد المهلة الزمنية مساحة الغموض التي أحاطت بمصير القواعد الروسية منذ سقوط نظام الأسد البائد، حين تعددت التقديرات بشأن مستقبل حميميم وطرطوس، وظهرت تحركات عسكرية ولوجستية روسية أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت موسكو تستعد للانسحاب أم لإعادة التموضع.

لا قطيعة مع موسكو
يكمن أحد أهم أبعاد الاتفاق في أنه لا يقدم العلاقة مع روسيا باعتبارها ملفاً يجب إنهاؤه، وإنما علاقة تحتاج إلى إعادة بناء وفق الواقع السوري الجديد، فالانتقال من القواعد العسكرية إلى مراكز التدريب، مع استعادة المنشآت المدنية، يشير إلى محاولة الفصل بين استمرار العلاقات بين الدولتين وبين استمرار الصيغة التي حكمت الوجود الروسي في عهد نظام الأسد البائد.

وهنا تظهر معادلة مختلفة، عنوانها أن الحفاظ على العلاقات والمصالح المشتركة لا يستوجب بالضرورة الإبقاء على الامتيازات والترتيبات السابقة، وفي المقابل، فإن استعادة سوريا إدارة منشآتها وإعادة تحديد وظيفة الوجود العسكري الروسي لا تعني بالضرورة الذهاب نحو خصومة سياسية مع موسكو.

اختبار للدبلوماسية السورية
يعكس الوصول إلى هذه الصيغة كذلك اختباراً مبكراً لقدرة الدبلوماسية السورية على معالجة الملفات التي خلفتها المرحلة السابقة، ولا سيما الملفات التي ترتبط بدول كبرى تمتلك مصالح استراتيجية وأوراق نفوذ متراكمة داخل سوريا.

ويقدم المسار التفاوضي في هذا السياق نموذجاً لمعالجة هذه القضايا عبر التفاوض المباشر، بدلاً من تركها عرضة للتصعيد أو الغموض، إذ استطاعت دمشق وموسكو بعد أشهر طويلة من المباحثات الوصول إلى أرضية مشتركة تعيد تنظيم العلاقة وتحفظ في الوقت ذاته قنوات التعاون بينهما.

علاقة مختلفة لا نهاية للعلاقة
يفتح اتفاق حميميم وطرطوس، في المحصلة، الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات السورية ـ الروسية، فالتحول الأساسي لا يكمن في خروج روسيا من المشهد السوري، بقدر ما يتمثل في إعادة تعريف موقعها وطبيعة وجودها ضمن قواعد مختلفة عن تلك التي تأسست في عهد نظام الأسد البائد.

ويضع الاتفاق أمام الدولة السورية فرصة لاستعادة إدارة منشآتها المدنية والاستراتيجية، وفي الوقت نفسه يتيح إعادة بناء العلاقة مع موسكو على قاعدة المصالح المتبادلة والتفاهم بين الدولتين، بدلاً من استمرار ترتيبات صنعتها ظروف الحرب والارتهان السياسي والعسكري للنظام السابق.

ويبقى نجاح هذه الصيغة مرتبطاً بما سيحدث خلال الأشهر الثلاثة المحددة للتنفيذ، فالمعيار الحقيقي لن يكون في مضمون مذكرة التفاهم وحده، وإنما في ترجمتها على الأرض، وفي قدرة الدولة السورية على تحويل استعادة المنشآت وإعادة تنظيم الوجود الروسي إلى نموذج أوسع لإدارة علاقاتها الخارجية، يقوم على سيادة القرار السوري، والمصالح المتبادلة، وإقامة شراكات لا تنتقص من قدرة الدولة على إدارة أراضيها ومؤسساتها.

 

اقرأ المزيد
٧ أغسطس ٢٠٢٦
خارج الاتفاق وداخل معادلته.. ماذا تعني منظومة الدفاع السعودية التركية الباكستانية لدمشق؟

تتجه السعودية وتركيا وباكستان إلى بناء إطار دفاعي مشترك يضيف بعداً عسكرياً وأمنياً إلى العلاقات المتنامية بين الدول الثلاث، مستنداً إلى شراكات دفاعية قائمة أصلاً بين الرياض وإسلام آباد، وإلى تقارب واسع بين أنقرة وكل من السعودية وباكستان.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في منطقة تشهد تحولات أمنية متسارعة، مع تصاعد التوترات الإقليمية، وتنامي الحاجة إلى ترتيبات ردع أكثر تماسكاً بين الدول التي تتقاطع مصالحها العسكرية والسياسية.

سوريا ليست طرفاً في هذا الاتفاق، ولا توجد أي معطيات رسمية تشير إلى شمولها ببند للدفاع المشترك. أهمية الاتفاق بالنسبة لدمشق تظهر في مكان آخر، وتحديداً في طبيعة العلاقة التي تبنيها سوريا مع السعودية وتركيا، وفي موقعها الجغرافي والأمني داخل المنطقة التي تتحرك فيها الدول الثلاث.

وتزداد أهمية هذه الاتفاقية بالنسبة لسوريا مع إشارة مسؤول تركي إلى أنها مفتوحة أمام انضمام دول إقليمية أخرى، ضمن مساعي توسيع التعاون والتنسيق الأمني والدفاعي. ويكشف هذا التصريح أن الدول الثلاث لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره إطاراً مغلقاً، ما يترك المجال أمام توسع محتمل قد يشمل مستقبلاً دولاً مثل الأردن ومصر أو دولاً خليجية أخرى، إذا تقاطعت مصالحها الأمنية مع التوجه الذي تقوم عليه المنظومة.

وبالنسبة لدمشق، فإن توسع الاتفاق على هذا النحو سيجعل أهميته أكبر حتى إذا بقيت سوريا خارجه. فوجود الأردن مثلاً داخل إطار أمني يجمعه مع تركيا والسعودية سيضع سوريا جغرافياً بين عدد من الدول المنخرطة في المنظومة نفسها، ويزيد من أهمية استقرار أراضيها وحدودها بالنسبة إلى حركة التجارة والأمن الإقليمي. كما أن انضمام دول عربية او اسلامية أخرى سيمنح الاتفاق ثقلاً سياسياً أكبر، وقد يوسع مساحة التنسيق في ملفات تمس دمشق مباشرة، من ضبط الحدود ومكافحة التنظيمات المسلحة إلى أمن طرق النقل ومواجهة أي تصعيد يهدد استقرار المنطقة.

وتزداد قيمة هذا الاحتمال بالنسبة لسوريا مع اتساع تعاونها العسكري مع أنقرة وتقاربها السياسي والاقتصادي مع الرياض. فكلما اتسعت دائرة الدول المشاركة في المنظومة، أصبحت دمشق أقرب إلى شبكة من المصالح الأمنية المتداخلة، حتى من دون أن تكون عضواً فيها. وهنا تحديداً تظهر أهمية موقع سوريا، باعتبارها نقطة جغرافية تصل تركيا بالأردن ومنه بالسعودية والخليج، وساحة يرتبط استقرارها بصورة مباشرة بعدد متزايد من مشاريع الأمن والنقل والتجارة الإقليمية.

تركيا وسوريا.. شراكة أمنية تتوسع

تبدو تركيا الطرف الأكثر ارتباطاً بما يحدث داخل سوريا. الحدود المشتركة بين البلدين تجعل الملف السوري جزءاً مباشراً من الحسابات الأمنية التركية، سواء فيما يتعلق بالتنظيمات المسلحة، وضبط الحدود، وحركة التجارة، وملف اللاجئين، أو التوازنات العسكرية في شمال سوريا وشرقها.

ومع سقوط النظام البائد وتشكيل الحكومة السورية الجديدة، بدأت العلاقة بين دمشق وأنقرة تتحرك باتجاه تعاون أمني وعسكري أوسع. تركيا أبدت استعدادها للمساهمة في تدريب الجيش السوري وتطوير قدراته، وبدأت بالفعل خطوات لدعم المؤسسة العسكرية السورية، في وقت تؤكد فيه دمشق أن هدفها هو توحيد السلاح ضمن مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي السورية.

هذا المسار يجعل سوريا ذات أهمية عسكرية مباشرة بالنسبة إلى أنقرة. فاستقرار الجيش السوري وقدرته على ضبط الحدود ومواجهة التنظيمات والتشكيلات المسلحة ينعكس على الأمن التركي نفسه، ويقلل من احتمالات بقاء مناطق خارجة عن سلطة الدولة يمكن أن تتحول إلى مصدر تهديد مستمر لتركيا.

كما أن التعاون العسكري بين البلدين يمنح دمشق منفذاً إلى خبرة عسكرية تركية كبيرة، سواء في التدريب أو إعادة هيكلة القوات أو تطوير القدرات الدفاعية، وهو أمر يكتسب أهمية خاصة في مرحلة تعيد فيها سوريا بناء جيشها بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

ومن هذه الزاوية، فإن دخول تركيا في إطار دفاعي أوسع مع السعودية وباكستان يزيد من الوزن الإقليمي لأحد أهم الشركاء العسكريين لدمشق، ويمنح أنقرة مساحة أكبر للحركة والتنسيق مع قوتين تملكان ثقلاً سياسياً وعسكرياً مهماً.

السعودية واستقرار الدولة السورية

العلاقة السعودية السورية تتحرك في مسار مختلف، لكنه يلتقي مع المقاربة التركية عند مسألة استقرار الدولة السورية.

الرياض دعمت الحكومة السورية والرئيس السوري أحمد الشرع سياسياً، وأكدت بصورة متكررة دعم وحدة سوريا وسيادتها وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. كما أبدت تأييداً لدمج التشكيلات المسلحة ضمن المؤسسات الرسمية، ووسعت تعاونها السياسي والاقتصادي والأمني مع دمشق.

وترافق ذلك مع تحرك سعودي في ملفات اقتصادية وتنموية، ما يجعل استقرار سوريا مرتبطاً بصورة متزايدة بمصالح سعودية تتجاوز الموقف السياسي التقليدي.

هذا الحضور مهم عند قراءة الاتفاق الدفاعي الجديد. فالسعودية التي ترى في استقرار سوريا جزءاً من استقرار المنطقة، وتعمل على بناء علاقة طويلة المدى مع الحكومة السورية، تصبح أكثر ارتباطاً بما يجري داخل البلاد وبقدرة دمشق على تثبيت مؤسسات الدولة.

ويزداد هذا الارتباط مع المشاريع المطروحة للربط الاقتصادي والنقل بين تركيا وسوريا والأردن والسعودية. فقد تحدث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عن مشاريع للربط السككي تمتد من تركيا مروراً بسوريا والأردن وصولاً إلى السعودية، إلى جانب إعادة تفعيل مشروع “البحار الأربعة” الذي يقوم على تحويل سوريا إلى نقطة وصل بين طرق التجارة الإقليمية.

نجاح مثل هذه المشاريع يحتاج قبل أي شيء إلى دولة مستقرة وقادرة على حماية أراضيها وحدودها وطرق النقل التي تمر بها. ولهذا يصبح استقرار سوريا مهماً لأنقرة والرياض من زاوية الأمن والاقتصاد معاً.

ماذا تستفيد دمشق من المنظومة الجديدة؟

الفائدة السورية من الاتفاق لا ترتبط بالحصول على مظلة دفاع مباشرة، وإنما بالبيئة الإقليمية التي يمكن أن يخلقها.

سوريا تبني علاقة عسكرية متقدمة مع تركيا، وعلاقة سياسية واقتصادية متنامية مع السعودية. وإذا أصبحت أنقرة والرياض جزءاً من إطار دفاعي أكثر تماسكاً، فإن ذلك قد يزيد من مستوى التنسيق بين دولتين تعتبران استقرار سوريا مصلحة لهما.

ويتضح هذا بصورة أكبر في الملف الإسرائيلي. السعودية وتركيا تتبنيان موقفاً واضحاً في رفض الاعتداءات الإسرائيلية داخل سوريا، وتؤكدان دعم وحدة أراضيها وسيادتها واستقرارها، في وقت ترى فيه دمشق أن الهجمات الإسرائيلية تعرقل عملية إعادة بناء الدولة وتزيد من التوتر الداخلي والإقليمي، وبالتأكيد سيحمل هذا الاتفاق تخوفات اسرائيلية كبيرة خاصة فيما يتعلق بقدرتها على زعزة استقرار سوريا بشكل مباشرة.

هنا تظهر إحدى أهم دلالات الاتفاق بالنسبة لسوريا. فإذا تعرضت البلاد مستقبلاً لتصعيد واسع يهدد استقرار الدولة، فإن أنقرة والرياض لن تتعامل بالضرورة مع التطورات باعتبارها حدثاً بعيداً عن مصالحهما.

بالنسبة إلى تركيا، أي انهيار أمني كبير في سوريا سينعكس مباشرة على حدودها وعلى ملفات الإرهاب والتنظيمات المسلحة واللاجئين والتجارة. وبالنسبة إلى السعودية، فإن زعزعة سوريا تعني تهديداً لاستثمارات سياسية واقتصادية متنامية، وتعطيلاً لمشاريع إقليمية تسعى الرياض إلى دعمها.

ولا يعني ذلك توقع رد عسكري مشترك. فأدوات الدول في مثل هذه الحالات واسعة، ويمكن أن تشمل التنسيق السياسي والضغط الدبلوماسي، وتبادل المعلومات الأمنية، وزيادة الدعم العسكري والتدريب للجيش السوري، وتعزيز قدرات الدولة على حماية أراضيها.

أما باكستان، فيبقى تأثيرها على سوريا أقل مباشرة. فإسلام آباد لا تملك حدوداً مشتركة مع سوريا ولا ترتبط بالملف السوري بالطريقة نفسها التي ترتبط بها تركيا أو السعودية. أهميتها تأتي من ثقلها العسكري وعلاقاتها الدفاعية الوثيقة مع الرياض وأنقرة، وهو ما يزيد من قوة الإطار الذي تتحرك فيه الدولتان.

بالنسبة لدمشق، تكمن أهمية المنظومة الجديدة في أنها تتشكل في وقت تتقارب فيه سوريا مع أهم طرفين فيها. تركيا تتحول إلى شريك عسكري وأمني رئيسي، والسعودية توسع حضورها السياسي والاقتصادي وتدعم استقرار الدولة السورية.

ومع استمرار هذا المسار، قد يصبح استقرار سوريا جزءاً أساسيًا من الحسابات الأمنية للدول المشاركة في الاتفاق، خصوصاً إذا تعمق التعاون العسكري السوري التركي، وتوسعت الاستثمارات السعودية، وبدأ تنفيذ مشاريع الربط البري والسككي التي تجعل الأراضي السورية ممراً بين تركيا والأردن والسعودية.

سوريا تبقى خارج الاتفاق وفق كل ما هو معلن حتى الآن. ومع ذلك، فإن موقعها الجغرافي والسياسي والعسكري، وعلاقاتها الجديدة مع أنقرة والرياض، تجعلها واحدة من الدول التي يمكن أن تتأثر مباشرة بالبيئة الأمنية التي سينتجها. وبالنسبة لدمشق، تبدو القيمة الأساسية في وجود دولتين تدعمان استقرارها وتملكان معها مصالح متنامية داخل إطار دفاعي إقليمي يرفع مستوى التنسيق بينهما.

اقرأ المزيد
٢٨ يوليو ٢٠٢٦
مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع الجزيرة.. رسائل إلى الخارج ورؤية لسوريا الجديدة

شكّلت الحلقة الأولى من مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع برنامج "المقابلة" على قناة الجزيرة محطة إعلامية بارزة، ليس فقط لما تضمنته من مواقف سياسية تناولت ملفات داخلية وإقليمية ودولية، وإنما أيضاً لطبيعة الجمهور الذي استهدفته المقابلة، إذ جاءت في سياق مخاطبة الرأي العام العربي والدولي، بعد مرحلة كان فيها الخطاب الرسمي يتركز بدرجة أكبر على الشأن الداخلي.

وقدّم الرئيس خلال المقابلة رؤية متكاملة لسياسة سوريا الجديدة، شملت أولويات إعادة بناء الدولة، والانفتاح على العالم، وإعادة صياغة العلاقات الإقليمية، إلى جانب ملفات العدالة الانتقالية والاقتصاد والعلاقات مع دول الجوار والقضايا الأمنية.

وفق القراءة الأولية لتفاعل الجمهور، حققت المقابلة، حضوراً لافتاً لدى شريحة واسعة من المشاهدين العرب الذين لم يسبق لهم متابعة الرئيس أحمد الشرع في مقابلة تلفزيونية مطولة ومباشرة بهذا الشكل، وهو ما منح الحلقة أهمية تتجاوز حدود الساحة السورية.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة بالنظر إلى أن الجمهور المستهدف لم يكن المتابع السوري المعتاد، وإنما جمهور عربي متنوع المشارب والخلفيات، الأمر الذي جعل المقابلة وسيلة لعرض ملامح السياسة السورية الجديدة أمام شريحة واسعة من الرأي العام في المنطقة.

كما أن مؤشرات التفاعل أظهرت أن الحلقة حظيت بنسبة مشاهدة مرتفعة، رغم الجدل الذي رافقها على منصات التواصل الاجتماعي، وظهر الرئيس خلالها بصورة واثقة قدم من خلالها رؤيته لعدد من الملفات السياسية والاقتصادية والإقليمية.

كما برزت انطباعات إيجابية لدى قطاعات من الجمهور الفلسطيني، ولا سيما في ما يتعلق بحديثه عن الحرب والسلام مع إسرائيل، إذ رأى بعض المتابعين أن الطرح اتسم بالواقعية والمصارحة، مقارنة بخطابات تصعيدية كانت سائدة في المنطقة خلال السنوات الماضية.

كما لاقت الرسائل المتعلقة بعلاقات سوريا مع دول الخليج صدى إيجابياً لدى شريحة من الجمهور الخليجي، التي رأت في الخطاب الجديد مؤشراً على توجه سوريا نحو بناء شراكات تقوم على المصالح المشتركة والاستقرار، بما يجعلها شريكاً في دعم أمن المنطقة وتنميتها.

هل كانت التصريحات مكررة؟
أثار بعض المتابعين ملاحظات اعتبرت أن عدداً من المواقف التي طرحها الرئيس سبق أن وردت في لقاءات أو تصريحات سابقة، إلا أن طبيعة الخطاب الرسمي في القضايا السيادية تجعل ثبات المواقف أمراً متوقعاً، إذ إن الملفات المرتبطة بالدستور والعدالة الانتقالية وبناء الدولة لا تتغير بتغير المنصة الإعلامية.

ومن هذا المنطلق - وفق خبراء السياسة - فإن تطابق الرسائل بين أكثر من ظهور إعلامي يعكس اتساق الموقف الرسمي، بينما كان اختلافها أو تناقضها هو ما كان سيطرح علامات استفهام حول ثبات السياسات المعلنة.

يتجاهل جزء من الانتقادات طبيعة الجمهور الذي خوطب في هذه المقابلة، إذ إن متابعي قناة الجزيرة في العالم العربي يختلفون عن الجمهور السوري الذي يواكب بصورة يومية الخطاب الرسمي والتصريحات الحكومية.

ولهذا، فإن ما قد يبدو مألوفاً للمتابع داخل سوريا قد يمثل معلومات أو مواقف تُطرح للمرة الأولى أمام قطاعات واسعة من الجمهور العربي، وهو ما يمنح إعادة عرض هذه الرسائل في منصة عربية جماهيرية بعداً مختلفاً عن تكرارها في وسائل الإعلام المحلية.

بالتطرق إلى (الجدل حول إسرائيل)، تركزت بعض الانتقادات على حديث الرئيس عن السعي إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، إلا أن هذا الجدل لا يرتبط بالمقابلة نفسها بقدر ما يعكس مواقف سياسية قائمة لدى بعض الشرائح منذ إعلان هذا التوجه، وبالتالي فإن إثارة الملف في أي منصة إعلامية كانت ستنتج ردود فعل متقاربة بصرف النظر عن توقيت الطرح أو وسيلته.

هل الجدل يعني الفشل؟
يرتبط ظهور رئيس دولة في مقابلة مطولة مع منصة إعلامية بحجم قناة الجزيرة بطبيعة الحال بنقاشات واسعة ومواقف متباينة، وهو أمر معتاد في المقابلات السياسية ذات التأثير الإقليمي، ولا يُقاس نجاح مثل هذه الإطلالات بغياب الانتقادات، وإنما بقدرتها على إيصال الرسائل الأساسية إلى الجمهور المستهدف وتحقيق الأهداف الاتصالية التي أُجريت من أجلها.

وفي هذا السياق، فإن حجم النقاش الذي أعقب الحلقة يمكن النظر إليه بوصفه مؤشراً على وصول المقابلة إلى مساحة واسعة من الجمهور وإثارتها نقاشاً عاماً حول مضامينها، وهو ما لم يكن ليتحقق لو مرت دون اهتمام أو تفاعل.

في قراءة أولية، تشير الحصيلة العامة للحلقة الأولى إلى أنها نجحت في إيصال ملامح السياسة السورية الجديدة إلى جمهور عربي واسع، مع المحافظة على اتساق الخطاب الرسمي في القضايا الأساسية، بالتوازي مع فتح نقاش إقليمي حول توجهات دمشق في المرحلة المقبلة.

وبينما برزت ملاحظات وانتقادات من بعض الأوساط، ولا سيما داخل سوريا، فإن تقييم المقابلة لا يقتصر على ردود الفعل المحلية وحدها، بل يشمل أيضاً مدى نجاحها في الوصول إلى جمهور خارجي واسع، وتكوين انطباعات إيجابية لدى شرائح عربية، من بينها جمهور في فلسطين ودول الخليج، وهو ما يجعل نتائجها، في هذه المرحلة، تميل إلى تحقيق أهدافها الإعلامية والسياسية أكثر من كونها مجرد مناسبة لإثارة الجدل.

اقرأ المزيد
٢٦ يوليو ٢٠٢٦
ماهر شرف الدين وخطاب التخويف الطائفي في السويداء

لا تبدو المنشورات الطائفية التي يكتبها ماهر شرف الدين موجهة إلى أبناء السنّة بقدر ما تخاطب جمهوراً داخل السويداء. فالسنّة يظهرون في هذا الخطاب بوصفهم خصماً جماعياً، تُستخدم صورته لتخويف أبناء الطائفة الدرزية وإقناعهم بأن محيطهم السوري يشكل تهديداً دائماً لهم.

يعتمد شرف الدين على حوادث وانتهاكات تقع في مناطق مختلفة، ثم ينقلها من إطارها الفردي أو المحلي إلى اتهام طائفي واسع. وبدلاً من تحديد المسؤولية بشخص أو مجموعة مسلحة، تتحول الواقعة في منشوراته إلى دليل على طبيعة جماعة كاملة، ويصبح ملايين السوريين مسؤولين عن أفعال لم يشاركوا فيها.

بعد ذلك ينقل شرف الدين هذه الصورة إلى داخل السويداء، مستخدماً عبارات مثل «يا أهل السويداء»، ليقول لأبناء المحافظة إن ما يعرضه عليهم هو المصير الذي كان ينتظرهم لو عاد حضور مؤسسات الدولة أو تغيرت موازين القوى داخل المحافظة.

وفي أحد منشوراته، جمع أخباراً قال إنها توثق اعتداءات تعرض لها علويون خلال يوم واحد، ثم ادعى أن هذه الوقائع تبين لأهالي السويداء كيف كانت ستصبح حياتهم لو دخلت القوات الحكومية إلى المحافظة. هنا لم تعد الحوادث مرتبطة بالضحايا أو بمحاسبة مرتكبيها، وإنما تحولت إلى مادة سياسية هدفها ترسيخ الخوف.

مخاطبة السنّة أمام جمهور السويداء

يبدأ شرف الدين بعض منشوراته بعبارة «يا سنّة سوريا»، لكن مضمونها لا يتضمن حواراً فعلياً أو محاولة للإقناع. فالأسئلة التي يطرحها تأتي غالباً بصيغة الاتهام، وتطالب أبناء الطائفة السنية بتفسير أفعال ارتكبها أفراد أو مجموعات محددة.

وتبدو هذه المخاطبة أقرب إلى عرض سياسي موجه إلى جمهور آخر. فالسنّة هم الطرف الذي يجري اتهامه علناً، لكن الرسالة الأساسية تصل إلى أبناء السويداء، ومضمونها أن الخلاف مع بقية السوريين ليس سياسياً أو مرتبطاً بجهات محددة، وإنما عداء طائفي مستمر، وحتى يصل على اعتباره عداء وجودي.

كما يستفيد هذا الخطاب من ردود الفعل التي يثيرها. فكل شتيمة طائفية أو رد غاضب يمكن اقتطاعه وإعادة نشره، ثم تقديمه دليلاً على صحة التحذيرات التي يكررها شرف الدين. وبهذا يصنع الخطاب الاستفزاز، ثم يستخدم نتائجه لتبرير المزيد منه.

عزل المحافظة عن الروايات المخالفة

يترافق خطاب التخويف مع محاولة لعزل أبناء السويداء عن المصادر التي قد تقدم رواية مختلفة. فقد حذر شرف الدين سكان المحافظة من التعامل، حسب وصفه، «ببراءة وحسن نية» مع الإعلام العربي، ووضع مؤسسات إعلامية مختلفة في خانة العداء من دون تمييز بين خبر موثق ومعلومة خاطئة.

وتخدم هذه اللغة بناء دائرة معلومات مغلقة، يصبح فيها كل مصدر مخالف جزءاً من مؤامرة، وكل رواية لا تنسجم مع خطاب ميليشيات الهجري رواية معادية للمحافظة والطائفة.

ولا يعود المطلوب من الجمهور مقارنة المعلومات أو التحقق منها، وإنما رفض ما يأتي من الخارج مسبقاً، ثم الاعتماد على المصادر المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري والقوى المتحالفة معه.

إخفاء الخلافات داخل السويداء

يسعى شرف الدين أيضاً إلى تقديم السويداء باعتبارها كتلة واحدة تقف خلف الهجري. وقد ادعى في أحد منشوراته أن موقف الأخير أصبح موقف «كل أهل الجبل»، بمن فيهم من لم يكونوا مؤيدين له سابقاً.

غير أن المحافظة تضم اتجاهات سياسية واجتماعية متعددة، كما ظهرت خلال الأشهر الماضية مؤشرات تذمر مرتبطة بتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية والأمنية واستمرار حالة الجمود.

وبرزت الخلافات بصورة أوضح في ملف طلاب الشهادات العامة، بعدما تحول مكان الامتحانات وآلية وصول الطلاب إليها إلى قضية سياسية وأمنية، وسط تقارير عن ضغوط وقطع للطرقات، ومطالبات بإبعاد التعليم ومستقبل الطلاب عن التجاذبات.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو الحديث عن موقف موحد لكل سكان السويداء محاولة لتغطية التململ الداخلي وحماية القوى المسيطرة من المساءلة.

الخوف لحماية النفوذ

لا يناقش شرف الدين كثيراً نتائج الخيارات السياسية والعسكرية المتبعة داخل السويداء، ولا يتوقف عند آثارها على حياة السكان والاقتصاد والتعليم والخدمات. وبدلاً من ذلك، يعيد توجيه النقاش نحو خطر خارجي مفترض.

وتقوم الرسالة على أن الاعتراض على الأوضاع الداخلية قد يضعف المحافظة أمام عدو طائفي، وأن انتقاد الهجري أو التشكيلات التابعة له يهدد أمن أبناء الطائفة. وبهذا يتحول الخوف إلى أداة لضبط الجمهور، ويصبح الاختلاف السياسي تهديداً وجودياً.

ولا يحتاج هذا الخطاب إلى تقديم أدلة تثبت عداء السوريين للدروز. يكفيه انتقاء حوادث محددة، وحذف ظروفها وهوية مرتكبيها ومواقف المجتمع منها، ثم تقديمها ضمن رواية جاهزة.

لا يدافع هذا الأسلوب عن أبناء السويداء بقدر ما يعزلهم عن محيطهم، ويلغي حقهم في الاختلاف، ويبرر استمرار نفوذ ميليشيات الهجري. فالدفاع عن الضحايا يتطلب تحديد المسؤولين عن الانتهاكات ومحاسبتهم، ولا يحتاج إلى اتهام طائفة كاملة أو تحميل ملايين الأشخاص مسؤولية جرائم أفراد.

ويكشف مجمل خطاب ماهر شرف الدين أن استفزاز السنّة ليس غايته النهائية، وإنما وسيلة لصناعة خصم دائم وشد العصب الداخلي. أما الهدف السياسي الأوسع، فيبدو مرتبطاً بمنع التململ داخل السويداء من التحول إلى مراجعة حقيقية للواقع الذي وصلت إليه المحافظة.

اقرأ المزيد
1 2 3 4

مقالات

عرض المزيد >
● آراء ومقالات
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
كيف فكك الرئيس أحمد الشرع عقدة "قسد" وأعاد شمال شرقي سوريا إلى مؤسسات الدولة؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
ماذا قدمت «الممانعة» لسوريا؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
التفاهم لا يعني التطبيع.. لماذا تحتاج سوريا إلى تحييد الجبهة الإسرائيلية في مرحلة إعادة البناء؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
العدالة فوق الجميع.. قضية محمد غميرة تختبر جدية الدولة في محاسبة التجاوزات الأمنية
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
أوروبا تضع الذكاء الاصطناعي تحت المجهر.. فهل يمتد تأثيرها إلى العالم؟
فريق العمل
● آراء ومقالات
١٣ أغسطس ٢٠٢٦
هل كان الفرح بالعقوبة أم بانتهاء زمن الإفلات من العقاب؟
أحمد نور الرسلان
● آراء ومقالات
١١ أغسطس ٢٠٢٦
أحكام الإعدام بحق رموز نظام الأسد البائد.. العدالة الانتقالية أمام اختبار بناء دولة القانون في سوريا
أحمد نور الرسلان