صورة تم إعادة تصميمها بالذكاء الاصطناعي
صورة تم إعادة تصميمها بالذكاء الاصطناعي
● مقالات رأي ٢٨ يناير ٢٠٢٦

تراجع نفوذ قسد يقابله انحسار واضح للهجمات على الجيش وقوى الأمن في سوريا

منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، دخلت سوريا مرحلة انتقالية كان يُفترض أن تُستكمل سريعًا باستعادة الدولة سيادتها على كامل الجغرافيا، غير أن هذا التحول بقي منقوصًا، مع استمرار سيطرة ميليشيات قسد على شرق البلاد وشمالها الشرقي، وبقاء محافظة السويداء خارج سلطة دمشق، ما فتح الباب مبكرًا أمام صراعات مؤجلة سرعان ما انفجرت على أكثر من جبهة.

في آذار/مارس 2025، شهد الساحل السوري أخطر اختبار أمني بعد التحرير، حين نفذت فلول النظام البائد هجومًا منسقًا استهدف الجيش السوري وقوى الأمن والمدنيين، في محاولة لفرض واقع جديد يقوم على استنساخ نموذج التفكك والسيطرة المنفصلة الذي كانت تفرضه قسد في مناطق نفوذها آنذاك، وإعادة تشكيل الخارطة السورية على أسس فوضوية.

لكن هذه المحاولة فشلت عسكريًا، في ظل تعبئة شعبية واسعة، ما أطلق لاحقًا موجة عنف طائفي طالت المكون العلوي، وسط اتهامات سياسية وإعلامية وُجهت في تلك المرحلة لروسيا وميليشيات قسد بالوقوف خلف دعم هذا المسار التخريبي، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات غير معلنة.

في الشهر نفسه، وُقّع اتفاق بين دمشق وقيادة قسد، نصّ على دمج الميليشيات ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة وإنهاء الحالة العسكرية المنفصلة، إلا أن ما تلا ذلك لم يكن مسار تنفيذ، بل عامًا كاملًا من المماطلة والتسويف، تنقلت خلاله قسد بين مطالب الفيدرالية والحكم الذاتي واللامركزية، ورفضت دمج قواتها في الجيش السوري، في محاولة لإعادة فرض شروط سياسية تتناقض مع منطق الدولة الواحدة وتعارض جوهر الاتفاق الموقع بين مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع.

وخلال هذه الفترة، لم تكتفِ قسد بتعطيل المسار السياسي، بل انخرطت بوضوح في تغذية بيئة الفوضى، عبر فتح قنوات تواصل مع فلول النظام البائد، وتجنيد عناصر منهم داخل مناطق سيطرتها وأيضًا في مناطق الدولة السورية، وتقديم دعم مالي ولوجستي أسهم في تنفيذ عشرات الهجمات التي استهدفت الجيش وقوى الأمن والمدنيين في مناطق متفرقة من البلاد.

بالتوازي مع ذلك، بدأت قسد بتشييد خطاب سياسي يقوم على ما سمّته “مظلومية الأقليات”، ليس بوصفه مشروع حماية وطنية، بل كأداة تفاوض وضغط. فعقدت مؤتمرات ولقاءات في مناطق سيطرتها، واستدعت شخصيات درزية وعلوية معروفة بخطابها الانفصالي أو الطائفي، وروّجت لفكرة الشراكة بين “المكونات المظلومة”، في محاولة لتكوين جبهة سياسية موازية للدولة تُستخدم لتحسين موقعها التفاوضي مع دمشق.

هذا المسار لم يكن بريئًا ولا معزولًا عن الميدان، بل جاء متزامنًا مع دعم عملي كشفت عنه تقارير دولية، شمل تدريب مقاتلين دروز وتبنّي خطاب سياسي ذهب حدّ دعم الانفصال و”تقرير المصير”، متجاوزًا أي مطالب خدمية أو حقوقية مشروعة، ومكرّسًا استخدام التوترات المحلية كأدوات ضغط وطنية.

وبلغ هذا النهج ذروته مع أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025، حيث ظهرت بصمات قسد بوضوح في الدعم المالي واللوجستي والتحريض السياسي، في محاولة لاستثمار الاحتقان المحلي وتحويله إلى ورقة ابتزاز سياسي بوجه الدولة السورية.

عند هذه النقطة، بات واضحًا أن قسد لا تتعامل مع المكونات السورية بوصفها شركاء في دولة جامعة، بل بوصفها أوراقًا مرحلية تُستخدم عند الحاجة، ثم تُترك لمصيرها حين تتغير الموازين وتتبدل الحسابات.

اليوم، ومع انحسار نفوذ قسد، وخسارتها مناطق النفط والمياه والموارد التي شكّلت شريانها المالي، ومع بدء تفكك شبكاتها السياسية والعسكرية، يبرز هدوء نسبي في الساحل والجنوب وعموم سوريا، لم تشهده البلاد منذ أشهر. هذا الهدوء لم يأتِ مصادفة، بل جاء متزامنًا مع توقف الداعم والمخطط، ومع سقوط مشروع الفوضى الذي ارتدى قناع “حماية الأقليات” فيما كان هدفه الحقيقي تعطيل قيام الدولة وإنقاذ كيان انفصالي مهدد بالزوال.

لم تكن قسد يومًا مظلة حماية، بل كانت رأس حربة، ورأس الأفعى، في مشروع تفكيك الدولة والمجتمع. ومع تراجع نفوذها وهيمنتها، تراجعت الفوضى، وبدأت سوريا تلتقط أنفاسها الأولى على طريق استقرار طال انتظاره.

الكاتب: أحمد ابازيد - رئيس تحرير شبكة شام
مشاركة: 
الكلمات الدليلية:

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ