مقتل فتاة رغم التعهد بحمايتها… قضية تل الضمان تشعل النقاش حول "جرائم الشرف" بسوريا
أثارت قصة الفتاة التي قتلت على يد شقيقها في منطقة تل الضمان بريف حلب الجنوبي، حالة من الجدل، وأعادت فتح النقاش حول ظاهرة جرائم الشرف في المجتمع السوري وتأثيرها المدمر على النساء، وعن ماهية القوانين الناظمة التي يمكن الاستناد إليها لمتابعة هذه القضايا.
بدأت أحداث القضية عندما غادرت الفتاة منزلها برفقة شاب من قرية العطشانة المجاورة بنية الزواج، ما أدى إلى تصاعد التوتر بين العشائر، واحتجاز ثلاثه شبان من عشيرة الشاب احتجاجاً على الواقعة، قبل أن تتدخل وساطة وجهاء لحماية الفتاة والتوصل إلى اتفاق مع والدها.
ورغم تعهد والدها خلال اجتماع عُقد في إحدى المضافات، بحضور مستشار رئيس الجمهورية لشؤون العشائر والقبائل جهاد عيسى الشيخ، ووجهاء من قبيلة البكارة بعدم المساس بالفتاة، أقدم شقيقها على قتلها بعد عودتها إلى المنزل، ما أثار حالة من الصدمة والتعاطف الواسع مع مصيرها.
وتعرف جرائم الشرف بأنها أفعال عنف ترتكب بحق أفراد، غالباً النساء والفتيات، بزعم حماية شرف الأسرة أو القبيلة، وتشمل القتل أو الإيذاء الجسدي أو النفسي، وتبرر هذه الأفعال استناداً إلى أعراف اجتماعية أو تقاليد قبلية، مما يجعل الضحايا أكثر عرضة للخطر ويبرز تأثير الضغوط الجماعية على استمرار هذه الانتهاكات.
وتتعدد أسباب استمرار وقوع جرائم الشرف في المجتمع السوري، أبرزها الأعراف والتقاليد القبلية والاجتماعية، والضغط العائلي، إلى جانب الجهل ونقص الوعي بالقوانين وحقوق الإنسان، فضلاً عن وجود ثغرات في تطبيق القانون تتيح للجناة التهرب من العقوبة.
تقول آلاء محمد، صحفية وناشطة مدافعة عن حقوق النساء، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن العادات والتقاليد والمفاهيم الاجتماعية الخاطئة تلعب دوراً في استمرار هذه الظاهرة، فالكثير من ما يُسمى بجرائم الشرف تُرتكب تحت ضغط اجتماعي أو خوف من “العار” أكثر من كونها نتيجة حادثة فعلية.
وتضيف أن في بعض البيئات ما زالت هناك مفاهيم تعتبر أن استعادة “السمعة” لا تتم إلا بالعنف، وأن قتل المرأة قد يكون مبرراً اجتماعياً، مشيرة إلى أن هذه المفاهيم تُعزز أحياناً بخطابات دينية أو إعلامية تقليدية، وتُعاد إنتاجها داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، مما يجعل تغييرها عملية بطيئة لكنها ضرورية.
يقول علي محكد اسكان، محامي وباحث في السياق القانوني والحقوقي، مستنداً إلى خبرته في مثل هذه القضايا، إنه من الجانب الاجتماعي، يرتبط موضوع ما يُسمى بجرائم الشرف بمفهوم الشرف في بعض المجتمعات الريفية والعشائرية، حيث يُربط تقليدياً بين الشرف والسلوك الجنسي أو العاطفي، مثل اعتبار الزواج خارج موافقة العائلة مسّاً بشرف العائلة، مما يستدعي استعادة الشرف وفق المفهوم الاجتماعي التقليدي السلبي.
ويضيف في تصريح لـ "شام" أن الضغط الاجتماعي والوصمة يشكلان عاملًا ضاغطاً لارتكاب هذه الجريمة، مع النظر إلى المرأة على أنها عار يجب “غسله” بالقتل، ويلفت إلى أن ضعف الرادع القانوني ومنح الأعذار المخففة قانونياً وقضائياً كان سبباً ودافعاً للقتل، وفي بعض الحالات كانت الجريمة تُرتكب من قبل البالغين، ثم يُلصق بها الأطفال للحصول على أقل العقوبات القانونية الممكنة.
وتؤدي جرائم الشرف إلى آثار مباشرة على النساء في المجتمع السوري، إذ تُعرض حياتهن للخطر، وتُقيّد حرياتهن الشخصية والاجتماعية، بما يشمل التعليم والعمل واتخاذ القرارات الخاصة بحياتهن، كما تؤثر على وضعهن النفسي والاجتماعي، حيث يعيشن في ظل ضغوط وخوف مستمر من المجتمع والعائلة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها النساء نتيجة استمرار هذه الأعراف والتقاليد القبلية.
ويؤكد المحامي علي، أنه وفق القانون السوري لا يوجد مصطلح قانوني مستقل باسم “جرائم الشرف”، ولا توجد جريمة مستقلة بهذه التسمية المحددة، بل تعتبر جريمة متكاملة الأركان ويتم التعامل معها على أنها جريمة قتل أو إيذاء، مع وجود بعض المواد التي تمنح عذراً مخففاً إذا ارتكبت الجريمة بدافع ما يُسمى بـ”الشرف”.
ويتابع أنه لا يوجد تعريف قانوني مباشر لجريمة الشرف في قانون العقوبات السوري، إذ تُعد جريمة قائمة بحد ذاتها، وتُصنّف عادة ضمن جرائم القتل العمد أو القصد أو الضرب المفضي للموت أو الإيذاء.
ويردف أن المادة /548/ من قانون العقوبات السوري كانت من أكثر المواد استخداماً في سياق ما يُسمى بجريمة الشرف تاريخياً، إذ كانت تمنح القاتل عذراً مخففاً، حيث كانت العقوبة أخف كثيراً مقارنة بجريمة القتل العمد أو القصد، لاحقاً، تم تعديل هذه المادة وأُلغيت الحماية التي كانت تمنح للقاتل، وأصبح التعامل مع الجريمة على أساس أنها جريمة قتل عادية.
ويشير إلى أنه من حيث العقوبات التي قد تترتب على الفاعل، ولا سيما بعد تعديل قانون العقوبات حيث تم التعامل معها على أنها جريمة قتل بحد ذاتها، فقد تكون العقوبات: القتل العمد: الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة، القتل القصد: الأشغال الشاقة لمدة 15–20 سنة، الضرب المفضي للموت: أشغال شاقة مؤقتة، لكن حتى بعد إلغاء النص الخاص بالأعذار المخففة أو المخلة يمكن للمحاكم تطبيق أعذار مخففة، مثل استغلال عنصر المفاجئة أو الظروف الشخصية للقاتل.
وفي سياق الحلول التي يمكن اتباعها للحد من هذه الظاهرة، تؤكد الصحفية ٱلاء محمد أن الموضوع يتطلب عملاً متكاملاً على عدة مستويات، أولاً، تعزيز القوانين التي تجرّم هذا النوع من العنف بشكل واضح، وضمان تطبيقها دون أي أعذار مخففة، ثانياً، نشر الوعي المجتمعي حول حقوق النساء وكرامتهن الإنسانية، عبر التعليم والإعلام وبرامج التوعية.
ثالثاً، دعم منظمات المجتمع المدني التي تعمل على حماية النساء وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا، وأخيراً، فتح نقاش مجتمعي أوسع يراجع المفاهيم التقليدية المرتبطة بالشرف والسمعة، ويؤكد أن حماية الحياة الإنسانية يجب أن تكون القيمة الأعلى في المجتمع
ويشير إسكان إلى أن التوعية المجتمعية والقانونية تلعب دوراً رئيسياً في الحد من تفاقم ظاهرة جرائم الشرف، من خلال نشر الوعي ابتداءً من المدارس والجامعات ومنظمات المجتمع المدني وكافة المؤسسات، ومن خلال الإعلام المرئي ووسائل التواصل الاجتماعي، على أن تمتد هذه الأنشطة إلى كافة المناطق، خاصة الريفية والنائية والبعيدة عن مراكز المدن الرئيسية.
ويشدد على أهمية نشر التوعية القانونية من خلال مراكز الإرشاد القانوني والاجتماعي، والمراكز الاستشارية للناجين من العنف والمعرضين له، والعمل من خلال كافة المؤسسات للوصول إلى أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع، وينوه في ختام حديثه إلى إمكانية إنشاء مراكز توجيهية لتقديم النصح والإرشاد للنساء والأسر، وتقديم نصائح قانونية وإرشادات حقوقية، وآليات الإبلاغ وطلبات الحماية للناجيات من العنف الجنسي أو التحرش أو الاستغلال الجنسي.