الخطيب يؤكد أن استعادة الهوية السورية شرط ترميم الدولة ويدعو إلى قانون عادل واقتصاد وطني وحوار مفتوح بين المكونات
أكد أحمد معاذ الخطيب، في مقابلة بودكاست على منصة «سوريا الآن»، أن سؤال الهوية السورية لا يزال في صلب التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد عقود الاستبداد التي رسخها النظام البائد، معتبراً أن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يكتمل من دون إعادة تعريف الهوية الوطنية على نحو جامع لكل المكونات، إلى جانب إرساء قانون شفاف واقتصاد وطني منتج يعيد للدولة توازنها ويمنع تفكك المجتمع تحت ضغط الانقسامات والمصالح الضيقة.
واستهل الخطيب حديثه بالتأكيد أنه لا ينظر إلى نفسه باعتباره سياسياً محافظاً بالمعنى التقليدي ولا رجل دين دفعت به الظروف قسراً إلى الحقل السياسي فقط، بل رأى أن الإنسان في ظل الوضع السابق كان مضطراً إلى العمل على كل المحاور في وقت واحد، لأن شدة الضغط لم تكن تسمح بفصل حاد بين الدعوي والسياسي والاجتماعي، وقال إن السياسة لم تفسد على الناس دينهم بقدر ما نقلتهم إلى واقع جديد لا يستوعب كثيرون مفرداته، مضيفاً أن الثورة حققت إنجازاً عظيماً جداً، غير أن اكتمال المسار ما يزال يتطلب خطوات أخرى، وشدد في الوقت نفسه على أنه لا يبحث عن دور شخصي في مستقبل سوريا السياسي، بل يعمل وفق ما تفرضه الضرورة المحيطة به لا وفق هدف ذاتي يتعلق بمنصب أو موقع.
الهوية السورية بين التآكل التاريخي وفرصة الاستعادة
ورأى الخطيب أن الأولوية الأولى أمام السوريين اليوم هي إعادة تعريف الهوية الوطنية بشكل واضح يضم كل مكونات الشعب السوري، على أن تترافق هذه الأولوية مع قانون واضح وشفاف أمام الجميع، ومع اقتصاد يبني البلد فعلاً بدلاً من اقتصاد سلعي أو خدمي أو استثماري هش مرتبط بجهات لا جذور حقيقية لها في البلاد ويمكن أن تغادر عند أول عائق، وأوضح أن الاقتصاد المطلوب هو اقتصاد وطني حريص على الصناعة الوطنية، الكبرى منها والصغرى، وقادر على تثبيت المجتمع لا على استنزافه.
وفي شرحه لمفهوم الهوية، قال إن الهوية هي مجموعة المكونات التي تختص بها جماعة بشرية معينة، وإن المشكلة السورية لا تحل بترحيل التوترات بين المكونات أو بتغطيتها بطبقة من المجاملة العلنية فيما تستمر تحت السطح مشاعر الحذر أو الكره أو العدائية، وأكد أن الأوطان لا تبنى بهذه الطريقة، لأن بقاء العلاقات بين المكونات في مستويين، أحدهما معلن والآخر مكتوم، يعني بقاء أسباب الانفجار قائمة، ولذلك لا بد من شيء جامع يعيد بناء الثقة بين الجميع، وشدد على أن الهوية السورية لم تكن وهماً طارئاً، بل كانت موجودة بالفعل وبقوة، غير أنها تعرضت لاحقاً للتآكل والإجهاض.
واستدل الخطيب على ذلك بالمرحلة التي أعقبت عام 1920، حين قال إن خيرة الشخصيات الوطنية والإسلامية في بلاد الشام عملت لمدة سنة ونصف لإنتاج دستور وصفه بأنه من أميز الدساتير حتى الآن، قبل أن تأتي السلطات الفرنسية وتجهض هذا الجهد بعد خمسة أيام فقط من خلال احتلال سوريا.
وأضاف أن مقاومة الاحتلال الفرنسي لم تكن عملاً خاصاً بمكون واحد، بل شاركت فيها كل مكونات الشعب السوري، وكذلك صياغة الدستور، بما يعكس وجود هوية جامعة في تلك اللحظة، وتابع أن السوريين لم ينعموا بالاستقرار بعد ذلك، إذ استمر الاحتلال الفرنسي حتى عام 1946، ثم جاءت أول انتخابات في عام 1947 وسط ما وصفه بتدخل أمريكي فج شمل، بحسب قوله، حتى انتخابات مخاتير القرى.
ومضى الخطيب في سرد مسار التآكل، مشيراً إلى أن البلد دخل لاحقاً في سلسلة من الضغوط والانقلابات العسكرية، وقال إن سوريا شهدت خلال سنتين فقط خمسة انقلابات، الأمر الذي جعل الاستقرار شبه مستحيل، رغم بقاء النفس الوطني حياً بقيادة شخصيات مثل شكري القوتلي وخالد العظم، إلى جانب عدد كبير من رجالات سوريا.
وأضاف أن الضغوط الغربية ذات الأبعاد الاقتصادية والسياسية دفعت البلاد إلى تغيير اتجاهها السياسي، وصولاً إلى تجربة الاتحاد مع مصر، وهي تجربة قال إنها أخفقت لأسباب كثيرة وأرهقت الجسم السوري، ثم جاءت مرحلة الانفصال، قبل أن يستولي حزب البعث على السلطة ستين عاماً في ظل وضع قوض ما تبقى من البنية الوطنية، وترك البلد في حالة اهتراء شديد.
وأشار أيضاً إلى أن الاستعمار الفرنسي حاول تقسيم سوريا إلى خمس دول، وفي أحد الاحتمالات إلى ثماني عشرة دولة، غير أن تحرك السوريين في الساحل وجبل العرب ودمشق وحلب ومناطق أخرى لإفشال المشروع برهن، بحسب قوله، على وجود روح سورية لم تكن قد انطفأت، وإن كانت قد تآكلت لاحقاً.
وأكد الخطيب أن الهوية السورية لم تتبلور بالقدر الكافي، لكنها كانت تتشكل بصورة واعدة، ولا سيما في مرحلة الخمسينيات وقبل الوحدة، حين كانت سوريا أولوية في وجدان الناس وكانت الخلافات الحزبية محدودة، فيما لم تكن المكونات في حال صراع معلن.
وأضاف أن الإنسان حين يتوتر ينكفئ إلى الهوية الأصغر، لكن الهوية الكبرى لا تذوب تماماً، بل تبقى كامنة عند أهلها وتظهر عند توفر الظروف المناسبة.. وقال إن السوريين، رغم ما أصابهم، ما زالوا يحملون صفات الكرم والتسامح والتعاون والقدرة على الإبداع والعمل والنشاط، وإن حضورهم في بلدان اللجوء والاغتراب ترك بصمات واضحة في الصناعة والتجارة، ما يدل على رصيد حضاري متراكم في الشخصية السورية.
المكونات واللغة والدين بين الجامعة الوطنية والاستقطاب الأيديولوجي
وحذر الخطيب من محاولات بعض التيارات حصر المكون السوري كله داخل سياق أيديولوجي ضيق، سواء أتت هذه المحاولات من تيارات إسلامية تنظر إلى الحدود الراهنة بوصفها نتاجاً لاتفاقية سايكس بيكو فتتعامل معها بنفور، أو من تيارات قومية أو شيوعية فعلت الشيء نفسه من زاوية أخرى.. وقال إن مثل هذا الحصر يؤدي إلى تقزيم الهوية بدلاً من توسيعها، في وقت تمضي فيه دول متقدمة نحو توسيع فضائها الهوياتي لا تضييقه.
وفي ما يتعلق بالمكون الكردي، أكد الخطيب أن الأكراد هم ورثة هذه الحضارة أيضاً، وأن الهوية السورية تجمع الجميع، مستشهداً بالنموذج الفرنسي الذي يضم قوميات ولغات متعددة تحت مظلة وطنية واحدة ولغة رسمية جامعة، مع الاعتراف بلغات أخرى على المستوى الثقافي، وأوضح أن أحداً من المكونات السورية لم يكن يبحث في الأصل عن الابتعاد عن الهوية الكاملة، لكن دخول التيارات اللاحقة والمصالح السياسية وسياسات التهجير وقضم الحقوق هو الذي أيقظ الهويات الأصغر وأبعد السوريين عن بعضهم، واستحضر في هذا السياق دور محمد كرد علي في الدفاع عن العربية، معتبراً أن ذلك جرى في إطار هوية جامعة لم تكن تثير الخوف لدى أحد.
وعند تناوله مسألة التنوع، قال الخطيب إن هذا التنوع تحول من مصدر غنى إلى مصدر ضعف بسبب النحت المستمر فيه وتفكيكه بخطابات الجهل والمصالح، واستشهد بشخصيات وطنية مثل سلطان باشا الأطرش، الذي قال إنه خاض عشرات المعارك ضد الفرنسيين وكان من أكثر المتحمسين للثورة السورية وحماية قادتها، محذراً من خطورة إسقاط أدوار هذه الشخصيات من الذاكرة الوطنية، لأن ذلك يعني إلغاء الاعتراف بمكونات كاملة ودفعها إلى النظر إلى الآخرين بحذر.
وأضاف أن سلطان باشا الأطرش رد ألف ليرة ذهبية أهداها له الجنرال كاترو، وأن هويته الأساسية كانت ممتدة عروبياً وعابرة للحدود الضيقة، كما أشار إلى دعم الشيخ أمين الحسيني له، وإلى تجربة الشيخ عز الدين القسام والشيخ صالح العلي، معتبراً أن بلاد الشام كانت كتلة واحدة في الوجدان والعمل، وأن التعاون بين رموزها كان قائماً ضمن هوية أوسع، واستعاد كذلك ما أورده الدكتور محمد حرب فرزات عن احتفال أقامه شكري القوتلي لصالح العلي ورفض الأخير لأي منصب، فضلاً عن واقعة قال إنها وردت في محضر جمعية التمدن الإسلامي عام 1938 حين رد صالح العلي إنجيلاً أُهدي إليه وأخرج مصحفاً قائلاً إن هذا كتابه.
ودعا الخطيب إلى حوار وطني حقيقي ومفتوح “حتى العظم”، على حد تعبيره، يجلس فيه عقلاء السوريين معاً لمناقشة الإشكالات من دون مواربة، محذراً من الاستغراق في متاهات تاريخ قال إن أكثر من سبعين بالمئة منه غير صحيح أو مزور.. وأضاف أن المطلوب ليس التطابق بين السوريين بل البحث عن المشتركات، مشيراً إلى أن الجغرافيا نفسها تظهر دوائر تشابه اجتماعي من شرق حلب إلى بغداد ضمن حوض الفرات، وأن المشتركات ليست قليلة كما قد يبدو.
المفاوضات مع روسيا وإيران: حقن الدماء تحت سقف الضرورة السياسية
وأوضح الخطيب، في معرض حديثه عن كواليس اتصالاته الخارجية، أنه خاض تواصلاً مباشراً مع موسكو وطهران انطلاقاً من ما وصفه بضرورات العمل السياسي الهادف إلى حقن دماء السوريين وتخفيف معاناتهم، رغم علمه الكامل بالأدوار العسكرية التي لعبها الطرفان في دعم النظام البائد.
وقال إن الجانب الروسي أبلغه صراحة، في ست أو سبع مناسبات، أنه “لن يخرج من سوريا ولو قامت حرب عالمية ثالثة”، الأمر الذي دفعه إلى التعامل مع موسكو باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي مسار للحل، ولا سيما أنه كان يرى أن وجودها جرى برضا الولايات المتحدة وضمن تفاهمات مشتركة بينهما.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن مجموعة “سوريا الأم” التي شارك فيها قدمت عدة مقترحات أدرجت ضمن الملف السوري، مؤكداً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرأها شخصياً وأبدى ملاحظات إيجابية عليها، وأن من بين أبرز ما طرح في تلك المرحلة مبادرة تقضي بخروج رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد مع خمسمئة عائلة، مقابل وقف القتل وفتح باب التهدئة.
ودافع الخطيب عن هذا المسار بالقول إن أصول العمل السياسي الصحيح تقوم على “عدم قطع الحبال مع أحد” وعلى التواصل مع جميع الأطراف، مع الفصل بين مقتضيات السياسة من جهة والجرائم المرتكبة من جهة أخرى، باعتبار أن المسؤولين عن تلك الجرائم يجب أن يخضعوا للمحاسبة.
وفي ما يتعلق بإيران، كشف الخطيب أنه التقى وزير الخارجية الإيراني الأسبق علي صالحي مرة واحدة فقط، موضحاً أن هدف اللقاء كان منع انزلاق الصراع السياسي في سوريا إلى صراع اجتماعي مفتوح، ومشدداً على أن تواصله مع طهران لم يكن تراجعاً عن موقفه من دورها، إذ وصف موسكو وطهران معاً بأنهما “يشربان من دماء السوريين”، لكنه رأى مع ذلك أن التواصل السياسي معهما قد يكون مدخلاً لتخفيف المأساة.
وأضاف أنه لم يُقدم على هذه الخطوة إلا بعد سلسلة مشاورات مع شخصيات إسلامية وسياسية وازنة، من بينها عصام العطار في ألمانيا الذي حذره من أن الغرب يسعى إلى تدمير العالم السني بالشيعي ثم القضاء على الشيعة، كما استشار الشيخ سرور زين العابدين حول جواز التواصل مع الإيرانيين لحل المشكلة، فجاءه الجواب، بحسب روايته، بأنه “لا يوجد مانع سياسي ولا شرعي”، فضلاً عن استشارته رئيساً سابقاً للجمهورية لا يزال على قيد الحياة ووزير خارجية أفغانياً سابقاً، وكلاهما شجعه على المضي في هذا المسار فوراً.
وربط الخطيب هذه التحركات كلها بسياق دولي قال إنه كان قائماً على قرار بعدم إسقاط الأسد في تلك المرحلة، مستشهداً برفض تزويد المعارضة بصواريخ “ستينغر” لمواجهة الطيران، ومؤكداً أن هدفه من هذه الاتصالات كان كسب مختلف الأطراف ومراعاة مصالحها سعياً إلى حل يوقف نزيف الدم السوري، بعيداً عن حملات المزايدة التي اتهمته بمجرد التواصل مع هذه القوى بالانحياز إليها.
الدولة والعدالة والخطاب الديني والعدالة الانتقالية
وفي حديثه عن بناء الدولة، قال الخطيب إن مجرد وجود السلطة لا يكفي لضبط المشهد، بل لا بد من بناء ثقافي واضح عند المواطن قائم على العدل الحقيقي، وأشار إلى أن أهل الجزيرة السورية يعيشون فوق بحر من الثروات الزراعية والنفطية، لكنهم كانوا من أكثر الفئات تهميشاً خلال ستين عاماً، مضيفاً أن المنطقة أخذت من النفط، بحسب وصفه، الغبار والسرطان فقط، فيما بقيت الثروات بعيدة عن أهلها، وقال إن الأمن يجب أن يكون وسيلة لحماية مكونات المجتمع لا غاية قائمة بذاتها، وإن وجود عدل واستقرار قد يجعل مؤسسة صغيرة كافية لإدارة المشهد.
كما شدد على أن الهوية الوطنية ليست مجرد شعار، بل هي حصيلة تنشئة متقاربة وقانون يحميها، ولهذا رأى أن وزارات الثقافة والإعلام والأوقاف تتحمل مسؤولية مباشرة في هذا المجال، وحذر من خطابات التكفير على المنابر، معتبراً أنها خطيرة لأنها تفضي إلى المحاصرة الاجتماعية واستباحة الأموال والأعراض، وفي ملف الحقوق اللغوية، قال إن تنظيم هذا الأمر يجب أن يتم عبر مؤسسات الدولة واللوائح الناظمة، من دون إنكار لوجود لغات متعددة، ولكن مع الإبقاء على عنصر جامع يلتقي عنده الناس جميعاً.
وفي تناوله لطبيعة الدولة، أكد الخطيب أنه لا توجد دولة دينية بالمعنى الذي يتصوره البعض، معتبراً أن الإسلام دولة مدنية وأن القرارات التقنية، كما في جائحة كورونا، مرجعها أهل الاختصاص، واستشهد بما وصفه بحجم التسامح والاستيعاب في الدولة الأموية، وبموقف الإمام الأوزاعي في الدفاع عن المسيحيين، مضيفاً أن فقه الدعوة شيء وفقه الدولة شيء آخر، وأن الدستور الأول في سوريا شاركت فيه كل المكونات، كما قال إن استحضار التجربة الأموية يأتي من كونها منحت دمشق مكانة حضارية استثنائية وأثبتت قدرة على الاستيعاب، لا من باب فرض نموذج مغلق على الحاضر، لأن أي مكون لا يمكن إخضاعه بالقوة في العصر الحديث من دون أن تنشأ تحت الجرح توترات قابلة للانفجار لاحقاً.
وفي ما يخص الخطاب الإسلامي المعاصر، قال الخطيب إن الحديث عن “العقد الاجتماعي” ليس قفزة على التراث كما يظن البعض، بل إن وثيقة المدينة مثلت أول عقد اجتماعي في الإسلام، معتبراً أن جوهر العقد هو الاتفاق على سلامة المجتمع، وأضاف أن الخطاب الديني يحتاج إلى ثورة وعي، لأن الخلل فيه لا يتعلق فقط بنقص المعرفة الشرعية أحياناً، بل أيضاً بضيق الأفق، وضرب مثلاً بقضية الطلاق، داعياً إلى اشتراط الإشهاد فيه درءاً للمفاسد التي تصيب الأسر المهجرة، ولا سيما أن النساء في المخيمات كن، بحسب وصفه، البطلات الأوليات في الثورة السورية. كما دعا إلى تثبيت نسب الأطفال مجهولي النسب عبر البصمة الوراثية، منتقداً التعصب والانغلاق داخل المؤسسة الدينية، مع تأكيده أن شخصيات فكرية كابن تيمية نفسها كانت أوسع أفقاً مما يتصوره كثيرون.
وفي ملف العدالة الانتقالية، قال الخطيب إن إنصاف الأكثرية السنية لا يتم بالشعارات، بل عبر دستور واضح وبرلمان يمثل الجميع ومعايير دقيقة للمحاسبة تميز بين من توغل في الدماء ومن كان مجرد عنصر ضمن مؤسسة، وعند سؤاله عن فك الارتباط بين إرث رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد والطائفة العلوية، قال إن الطريق يبدأ بالاعتراف والمصارحة والمكاشفة، مضيفاً أن السني عانى وأن العلوي عانى أيضاً، ومشيراً إلى وجود ثمانين ألف أرملة في طرطوس، بحسب ما ذكر.
واتهم النظام البائد باستخدام الجميع في مواجهة بعضهم بعضاً، وقال إن رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد أوحى للطائفة بأن السنة سيذبحونهم، فيما لم يُبقِ حافظ الأسد، بحسب تعبيره، رأساً في الطائفة العلوية، معتبراً أن ما سماه “العلوية السياسية” احتكرت القرار بينما كانت الدولة تستخدم أبناء الطائفة أداةً في صراعاتها. ودعا إلى بناء جسور المواطنة ونزع فتيل التحريض، محذراً من استخدام فتاوى ابن تيمية للتحريض خارج سياقاتها الخاصة، ومستشهداً برسالته إلى ملك قبرص التي طالب فيها بإطلاق أسرى اليهود والنصارى قبل المسلمين لأنهم من أهل الذمة.
السويداء والتدخلات الخارجية ورسالة الختام
وفي حديثه عن السويداء، قال الخطيب إن الدروز عرب أقحاح وإن فيهم تياراً وطنياً صافياً، لكنه اتهم إسرائيل باستغلال الأخطاء والتسلل إلى المشهد، مضيفاً أن التيار الموالي لها تصدر الساحة. وتناول ما سماه تعاطي ميليشيات الهجري، قائلاً إنه كان، بحسب وصفه، راقياً، وكاشفاً عن مبادرة اقترحت ذهاب مشايخ إلى السويداء لتقديم اعتذار معنوي والمساعدة في حل المشكلات. وأكد أن السوريين يجري اللعب بهم لدفعهم إلى كراهية بعضهم، وأنه لا مخرج لهم إلا بالالتئام مجدداً، لكنه شدد في المقابل على أن الكلام الطيب وحده لا يكفي، بل لا بد من مؤسسة تتبنى تجريم الخطاب الطائفي وتفتح ما وصفه بـ”هايد بارك” وطني للحوار الحر بلا إكراه.
وفي الشق الخارجي، وصف الخطيب الوضع مع إسرائيل بأنه معقد، مؤكداً أنه لا يقبل بسلام يحرمه من بناء القوة، وأن الأمن يجب أن يكون متبادلاً وعلى قاعدة الندية. وقال إنه عُرض عليه ضمان أمن إسرائيل مقابل بديل سياسي ورفض ذلك، كما أشار إلى أن الروس أبلغوه أنهم لن يخرجوا من سوريا ولو قامت حرب عالمية ثالثة، وأن هناك قراراً دولياً بعدم إسقاط النظام البائد، مضيفاً أنهم رفضوا تزويد المعارضة بصواريخ “ستينغر” لمواجهة الطيران. كما كشف أنه التقى وزير الخارجية الإيراني علي صالحي مرة واحدة في محاولة لحقن الدماء، معتبراً أن التواصل مع مختلف الأطراف من أصول العمل السياسي الصحيح، وقال إنه استشار في ذلك عصام العطار والشيخ سرور زين العابدين، وإنهما لم يعترضا سياسياً أو شرعياً.
وعند سؤاله عن مقالته الشهيرة “هل ستشرق الشمس من موسكو”، قال الخطيب إن المقالة كانت استفهامية في أصلها، وإن من وصفهم بالمفترين حذفوا كلمة “هل”، مضيفاً أن شمس الحرية لن تشرق إلا بأيدي أبناء سوريا. وختم برسالته الأخيرة إلى السوريين، مستعيداً العبارة التي قال إنه وجهها منذ اليوم الأول، ومفادها: “أيها السوريون.. أحبوا بعضكم”.