تحقيق أممي يشيد بخطوات الحكومة ويرصد انتهاكات الساحل والسويداء وقسد
أكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، في تقريرها المرفوع إلى الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان، أن البلاد دخلت مرحلة انتقالية شديدة التعقيد عقب سقوط رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد، في مسار يتداخل فيه تثبيت الأمن مع إعادة بناء المؤسسات وتحقيق العدالة الانتقالية وإنعاش الاقتصاد واستعادة السيادة وسط وجود عسكري أجنبي وتراكم هائل لانتهاكات تعود إلى سنوات الحرب وحكم النظام البائد.
وأوضحت اللجنة أن التقرير يغطي الفترة الممتدة من 8 كانون الأول 2024 حتى 31 كانون الثاني 2026، وأنه استند إلى أكثر من 500 مقابلة وتحليل وثائق وصور ومقاطع فيديو وصور أقمار صناعية، مع الإشارة إلى أن الحكومة السورية أتاحت لها الوصول إلى البلاد لأول مرة منذ عام 2011، غير أن اللجنة نبهت أيضاً إلى أن ما ورد في التقرير لا يمثل جميع الانتهاكات، بل ما تمكنت من التحقق منه وفق معيارها الإثباتي وفي ظل قيود ناجمة عن أزمة سيولة موازنة الأمم المتحدة  .
إشادة بالحكومة السورية الجديدة وانتقادات لثغرات المرحلة الانتقالية
وقالت اللجنة إن الحكومة السورية الجديدة حققت خطوات أولية إيجابية ومهمة في مسار التحقيق والمساءلة، تمثلت في تشكيل هيئتين وطنيتين للعدالة الانتقالية والمفقودين، وإشراك شخصيات حقوقية سورية، بينهن نساء، في عضويتهما، وبدء مشاورات مع منظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية، إلى جانب الإعلان عن مشروع قانون للعدالة الانتقالية.
كما أشادت بإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس النظام السوري البائد وعدد من كبار مسؤولي جيشه وأجهزته الأمنية بتهم ترتبط بانتهاكات حقوقية وفساد، وباعتبار توقيف شخصيات من أركان النظام البائد خطوة أسهمت في كبح نزعات الانتقام ومنع الضحايا من أخذ القانون بأيديهم  .
وأضافت اللجنة أن الحكومة اتخذت إجراءات رأت فيها مؤشرات على تفكيك إرث النظام البائد، من بينها رفع ملايين قرارات منع السفر، وإنهاء التجنيد الإجباري المرتبط بأجهزة ذلك العهد، وتوسيع هامش الحريات الإعلامية وتجدد نشاط المجتمع المدني، وهو ما قالت إنه بدد جانباً من خوف ملايين السوريين من الاعتقال التعسفي وساهم في عودة أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ ونازح داخلي منذ كانون الأول 2024.
كما أشارت إلى نجاح الحكومة في الدفع نحو رفع عقوبات قطاعية كانت تثقل البلاد، وإلى توقيع الرئيس السوري أحمد الشرع إعلاناً دستورياً بعد مؤتمر الحوار الوطني، نص على مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات .
لكن التقرير أشار بوضوح إلى أن الانتقال السياسي ما يزال هشاً، وأن هناك رؤى متنافسة حول شكل الدولة المقبلة، مع اعتراضات صدرت من الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي وبعض قادة السويداء على الإعلان الدستوري وبنية السلطة الجديدة، بدعوى أنها لا تعكس بصورة كافية التنوع السوري وأن السلطة التنفيذية تركزت بيدها صلاحيات واسعة في ظل رقابة مؤسسية محدودة.
كما سجل التقرير ملاحظات على محدودية التمثيل النسائي في مواقع القرار، إذ لم تُعيَّن سوى امرأة واحدة وزيرة، ولم تُنتخب سوى ست نساء فقط حتى ذلك الوقت في البرلمان، مع بقاء انتخابات السويداء والحسكة والرقة مؤجلة، وعدم اكتمال تشكيل البرلمان الجديد وقت إعداد التقرير .
وفي تقييمها للمؤسسات العدلية والأمنية الجديدة، قالت اللجنة إن الحكومة رفعت رواتب القضاة، وأبعدت قضاة شغلوا مناصب سياسية في حزب البعث ومجلس الشعب، وأحالت قضاة من محكمة الإرهاب المنحلة إلى التحقيق، وأنشأت لجنة قضائية متخصصة لمراجعة أحكام المحاكم الاستثنائية، لكنها تحدثت في المقابل عن مخاوف تتعلق بتعيين بعض الأشخاص في مواقع قضائية من دون المؤهلات القانونية المطلوبة، وهو ما يثير تساؤلات حول استقلال القضاء الجديد وصلابة بنائه المؤسسي.
عنف الساحل والسويداء يضع الحكومة تحت الاختبار
قالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا إن البلاد شهدت خلال عام 2025 موجتين كبيرتين من العنف ضد المدنيين؛ الأولى استهدفت العلويين في المناطق الساحلية والوسطى الغربية خلال كانون الثاني وآذار، والثانية طالت الدروز والبدو في محافظة السويداء خلال تموز.
وأوضحت اللجنة أن أكثر من 1400 شخص قُتلوا في موجة العنف الأولى، بينهم نحو مئة امرأة، ومعظمهم من المدنيين العلويين في اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، وذلك عقب هجمات أولية شنتها جماعات مسلحة مرتبطة بفلول النظام البائد وما أعقبها من صدامات.
أما في السويداء، فقالت اللجنة إن أكثر من 1500 شخص قُتلوا في تموز، بينهم مدنيون دروز وبدو، مشيرة إلى أن الانتهاكات ارتكبها، بحسب ما وثقته، عناصر من القوات المسلحة الحكومية، وجماعات مسلحة درزية، ومقاتلون عشائريون، في سياق نزاع مع الجماعات المسلحة الدرزية، وأن هذه الوقائع تنطوي على جرائم حرب، وقد ترقى، إذا استكملت عناصرها القانونية، إلى جرائم ضد الإنسانية.
وأضافت اللجنة أن أنماط العنف في الحدثين حملت طابعاً قائماً على الانتماء الديني والإثني والعمر والنوع الاجتماعي، إذ تحدثت عن اقتحام منازل، وقتل رجال وفتيان بعد إخراجهم قسراً، وقتل نساء وأطفال صغار خلال المداهمات، إلى جانب نهب منازل وممتلكات وإحراقها وتدميرها، ما تسبب في تهجير واسع للسكان.
وفي هذا السياق قالت اللجنة إن جميع البدو تقريباً أُجبروا على النزوح من محافظة السويداء الخاضعة لسيطرة جماعات مسلحة درزية، وإنهم ظلوا ممنوعين من العودة من قبل هذه الجماعات وقت إعداد التقرير.
وفي ما يتصل بملف النساء خلال أحداث السويداء، قالت اللجنة إنها وثقت عنفاً جنسياً ضد نساء درزيات، شمل الاغتصاب والتعري القسري وعمليات تفتيش مهينة وتهديدات جنسية خلال الاقتحامات وعمليات تفتيش المنازل، كما تحدثت عن احتجاز أو خطف نساء درزيات وبدويات على يد فاعلين مسلحين.
وأضاف التقرير أن 11 امرأة درزية وأربع فتيات خُطفن ثم أُفرج عنهن بين تموز وتشرين الثاني 2025، بينما ظلت ثلاث نساء بدويات وفتاة واحدة محتجزات لدى الحرس الوطني في السويداء وقت كتابة التقرير.
كما وثقت حالات حرمان لمصابين علويين وبدو من الرعاية الصحية أو تعرضهم لمعاملة تمييزية في مستشفيات بحمص وحماة واللاذقية والسويداء بسبب انتمائهم المجتمعي، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى الوفاة.
وفي هذا السياق، سجلت اللجنة للحكومة أنها أنشأت لجنة وطنية للتحقيق في أحداث الساحل وأخرى للتحقيق في عنف السويداء، وأتاحت للجنة الدولية نفسها الوصول للتحقيق في تلك الوقائع.
كما أشارت إلى بدء محاكمة 14 متهماً في قضايا ترتبط بعنف الساحل في جلسات علنية حضرها مراقبون مستقلون، مع توقيف مشتبه بهم على صلة بأحداث السويداء.
غير أن اللجنة شددت على أن مسؤوليات القيادات العليا والضباط لم تتضح بالكامل بعد، وأن الثقة بين المجتمعات المحلية والسلطات ما تزال بحاجة إلى جهد أوسع بكثير.
ولم يقتصر التقرير على القتل المباشر، بل توسع في رصد الانتهاكات التي مست البيوت والأرض والممتلكات.
نزاعات السكن والملكية
وأشار التقرير إلى أن نزاعات السكن والأرض والملكية التي خلفها النظام البائد فجرت أعمال انتقام وتهجير في حمص وحماة واللاذقية وطرطوس ودمشق وريفها والسويداء، وفي بعض الحالات شاركت فيها، بحسب التقرير، عناصر من القوات الحكومية أو مجموعات مسلحة مرتبطة بها.
كما تحدث عن إخلاءات قسرية وتخريب لمساكن ومحال، ولا سيما في السومرية والزَّهريات بدمشق، بما أثار مخاوف من تغيرات ديموغرافية طويلة الأمد ومن عجز السلطات عن حماية العائدين أو تسوية هذه الملفات وفق القانون.
خطف النساء
وفي ملف النساء والفتيات، خصص التقرير مساحة ثقيلة اللهجة للحديث عن عمليات خطف طالت 21 امرأة وفتاة، معظمهن من العلويات، في دمشق واللاذقية وطرطوس وحماة وريف دمشق وحمص.
وقالت اللجنة إن ثماني مختطفات على الأقل تعرضن لعنف جنسي، بما في ذلك اغتصاب جماعي وزواج قسري، وإن ثلاث ناجيات عدن وهن حوامل، كما تحدثت عن تفاوت استجابة الأجهزة الرسمية، بين فتح تحقيقات لم تستكمل، أو تثبيط عائلات الضحايا عن المتابعة، أو حتى توقيف ناجيات بعد تحريرهن في قضيتين بدعوى مخالفات أخلاقية، وهي واحدة من أكثر النقاط التي حمل فيها التقرير انتقاداً مباشراً لفعالية الاستجابة الرسمية.
هجوم على قسد وانتهاكات موصوفة بالخطيرة
وفي الشمال الشرقي، جاء التقرير شديد القسوة على ميليشيا قسد، إذ قال إن اللجنة وثقت استمرار انتهاكات مزمنة مرتبطة بالاحتجاز، شملت الاعتقال التعسفي، والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، والاختفاء القسري، والوفاة تحت الاحتجاز، بما في ذلك توقيف أشخاص على خلفية سياسية لمجرد احتفالهم بتغيير السلطة في دمشق أو تأييدهم للرئيس السوري أحمد الشرع.
كما تحدث عن حالات قتل ومدنيين متضررين في دير الزور، وعن استمرار تجنيد الأطفال على يد قسد و”الشبيبة الثورية” رغم التعهدات السابقة بوقف ذلك.
وأضاف التقرير أن نحو 27 ألف شخص، أكثر من تسعين في المئة منهم نساء وأطفال، ظلوا محتجزين حتى نهاية 2025 في مخيمي روج والهول بسبب صلات عائلية مزعومة بتنظيم الدولة، من دون مراجعة قانونية فردية أو دورية، في حين بقي نحو 9 آلاف رجل وفتى محتجزين في ظروف وصفها التقرير بالمروعة داخل منشآت أخرى في الشمال الشرقي.
واعتبرت اللجنة أن هذا الاحتجاز الجماعي على يد قسد يشكل حرماناً غير مشروع من الحرية، وأن ظروفه قد ترقى إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية، بل وقد تصل في بعض أوجهها إلى جرائم حرب.
كما قالت اللجنة إن السيطرة على مخيم الهول انتقلت إلى الحكومة السورية في كانون الثاني 2026 وسط ظروف فوضوية، مع بقاء مخيم روج تحت سيطرة قسد وقت كتابة التقرير، وإن نقل 5704 محتجزين إلى العراق، بينهم 3526 سورياً و157 طفلاً من 61 دولة، أثار مخاوف عميقة من الإعادة القسرية الجماعية. وربط التقرير ذلك كله بمشهد أكثر اتساعاً من الفوضى القانونية والإنسانية في هذا الملف.
توصيات التقرير
وخلصت اللجنة إلى أن الحكومة السورية الجديدة اتخذت، خطوات ملموسة وإيجابية أولية لتحقيق العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب ورفع بعض القيود الخانقة التي فرضها عهد النظام البائد على الحريات الأساسية، لكنها شددت على أن هذه الخطوات لا تزال غير كافية، وأن البلاد تحتاج إلى مؤسسات دولة جديدة قائمة على سيادة القانون، وبرلمان تمثيلي، وقضاء مستقل، وأجهزة أمنية محترفة خاضعة لرقابة مدنية، مع مسار عدالة انتقالية شامل يشمل الحقيقة والإنصاف والجبر والمحاسبة ومنع التكرار.
كما دعت إلى دعم مالي وفني عاجل للحكومة السورية، وإلى تمويل إعادة الإعمار والاستجابة الإنسانية، مشيرة إلى أن 16.5 مليون سوري ما يزالون بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأن الفقر واليأس الاقتصادي قد يغذيان موجات عنف جديدة إذا لم يُعالجا سريعاً  .