إلى متى سيبقى حق المعلّم مؤجلاً؟
رغم مرور أكثر من عام على تحرير سوريا وبداية مرحلة جديدة من بناء الدولة، لا يزال آلاف المعلمين في الشمال السوري يعانون من ظروف معيشية صعبة وأجور متدنية، وسط صمت رسمي ووعود لا تزال حبراً على ورق.
ويبلغ متوسط راتب المعلم في المناطق المحررة نحو 120 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات عشرة أيام فقط، وفق ما يؤكده معلمون في محافظتي إدلب وحلب، يأتي ذلك في ظل موجة تضخم حادّة وارتفاع أسعار السلع الأساسية، ما يدفع بالكثيرين منهم إلى التفكير جدياً في ترك مهنة التعليم والبحث عن بدائل أكثر مردودية، كالتطوع في الشرطة أو الجيش.
إضرابات واحتجاجات... بلا جدوى
نفّذ المعلمون عدة إضرابات ووقفات احتجاجية خلال الشهور الماضية أمام مديريات التربية، مطالبين بتحسين أوضاعهم وزيادة رواتبهم بما يضمن حياة كريمة، إلا أن الاستجابة الرسمية جاءت دائماً على شكل وعود غير مُجدية، وكان وزير التربية قد صرّح في أكثر من مناسبة بأن زيادة الرواتب "قريبة"، غير أن شهر شباط بدأ دون أي قرار فعلي يلامس تطلعات المعلمين.
رسائل تطمين من المحافظين
في محاولة لامتصاص الغضب، وجّه كلٌّ من محافظ إدلب، محمد عبد الرحمن، ومحافظ حلب، المهندس عزام الغريب، رسائل مباشرة إلى الكوادر التعليمية، وقال المحافظ عبد الرحمن: "رسالتكم وصلت بوضوح، وتحسين أوضاعكم أولوية لا تحتمل التأجيل"، مشيراً إلى متابعة يومية للملف بالتنسيق مع وزارتي التربية والمالية.
من جانبه، شدد الغريب على أن صبر المعلمين هو "وقود الاستمرار"، واعداً بأن "الفرج قريب جداً" وأن الجهات المختصة في حالة انعقاد دائم لوضع الحلول.
نزيف الكوادر... التعليم في خطر
وسط هذا الجمود، يشهد قطاع التعليم نزيفاً متواصلاً في الكوادر، حيث بات المعلمون يعزفون عن الاستمرار في المهنة لصالح وظائف تتيح دخلاً أفضل، ويخشى مراقبون من أن استمرار هذا التوجه سيؤثر بشكل مباشر على جودة العملية التعليمية، ويهدد مستقبل الأجيال القادمة.
بين التصريحات والفعل... فجوة تتسع
مما لا شك فيه أن المعلم السوري لا يطالب برفاه، بل بحقوق أساسية تضمن له كرامة العيش، وفي وقت تدعو فيه الحكومة إلى تعزيز التعليم باعتباره ركيزة النهوض الوطني، يبقى تجاهل معاناة المعلمين تناقضاً صارخاً مع هذه الشعارات.
قضية وطنية لا تحتمل التأجيل
لقد أثبت المعلم السوري صموده في أحلك الظروف، من تحت القصف إلى قاعات الصفوف المؤقتة، ومن غياب الأمن إلى غياب الراتب الكافي، واليوم، آن الأوان لأن تُترجم الوعود إلى أفعال ملموسة تعيد الاعتبار لهذه الشريحة الحيوية، فإلى متى سيبقى حق المعلم مؤجلاً؟ سؤال بات بل قضية وطنية بامتياز تتطلب قراراً سيادياً عاجلاً يليق بمكانة المعلّم في سوريا الجديدة.