عودة العمال السوريين تدفع شركات تركية للتفكير بالإنتاج داخل سوريا
أفاد تقرير ميداني نشرته إذاعة فرنسا الدولية أن عودة أعداد متزايدة من العمال السوريين من تركيا إلى بلادهم، بدأت تُحدث أثرًا اقتصاديًا مباشرًا على الشركات التركية، ولا سيما في المدن الصناعية القريبة من الحدود مع سوريا، في وقت ترحب فيه الحكومة التركية وقطاع واسع من الرأي العام بمغادرة اللاجئين.
وقال التقرير إن السلطات التركية تؤكد أن ما يقارب مليون لاجئ سوري ممن كانوا يقيمون في البلاد عادوا بالفعل إلى سوريا، وسط تصاعد مشاعر العداء الشعبي تجاه وجود أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ، وهو ما عكسته استطلاعات رأي أشارت إلى أن غالبية المواطنين الأتراك يرحبون بعودة السوريين.
وأوضح التقرير أن هذه العودة، التي تُستقبل سياسيًا وشعبيًا بالترحيب، تحولت في المقابل إلى مصدر قلق حقيقي لآلاف أصحاب الأعمال الذين يعتمدون على العمالة السورية بوصفها ركيزة أساسية لاستمرار نشاطهم الاقتصادي.
وفي مدينة غازي عنتاب الصناعية، القريبة من الحدود السورية، نقل التقرير صورة ميدانية من داخل شركة “إنجي بويا”، إحدى مئات الورش والمصانع الصغيرة المنتشرة في المدينة، حيث يعمل نحو عشرين عاملًا على رش مئات قطع الأثاث يوميًا، ضمن ساعات عمل طويلة وفي بيئة يغلب عليها الغبار والأعمال الشاقة.
وذكر التقرير أن العمال السوريين يشكلون نسبة كبيرة من القوة العاملة في هذا النوع من المصانع، كما هو الحال في كثير من منشآت غازي عنتاب الصناعية.
وأوضح مالك الشركة، خليل ياراباي، بحسب ما نقلت عنه إذاعة فرنسا الدولية، أنه غير قادر على إيجاد عمال من أبناء مجتمعه المحلي للعمل في هذا القطاع، مشيرًا إلى أن العديد من أصحاب الورش والمصانع يواجهون المشكلة نفسها.
وأضاف ياراباي أن التغيرات الاجتماعية تلعب دورًا أساسيًا في ذلك، موضحًا أن الشباب الأتراك باتوا ينظرون إلى العمل اليدوي في مهن مثل صناعة الأثاث أو الميكانيك على أنه عمل دوني، ويعتبرونه فشلًا اجتماعيًا في نظر العائلة.
وفي مقابل هذا الواقع، قالت الإذاعة إن السلطات المحلية في غازي عنتاب تؤكد أن نحو مئة ألف سوري غادروا المدينة بالفعل، بينهم عدد من العاملين في شركة “إنجي بويا”. وخلال استراحة عمل داخل المصنع، أشار التقرير إلى أن الحديث عن العودة إلى سوريا بات حاضرًا بقوة بين العمال، ومن بينهم أحمد حاج حسين، الذي عمل في الشركة لأكثر من خمس سنوات ويُفكر جديًا بمغادرة تركيا.
ونقلت إذاعة فرنسا الدولية عن حسين قوله إن كثيرين من معارفه عادوا بالفعل إلى سوريا، مشيرًا إلى أن لديه قريبًا يعيد عائلة سورية إلى البلاد يوميًا، وأن رغبته بالعودة نابعة من ارتباطه العميق بمدينة حلب التي عاش فيها خمسة وثلاثين عامًا، حيث لا يزال أصدقاؤه وشقيقاته الثلاث، ولم يرهم منذ أربعة عشر عامًا.
وأقرّ حسين، بصعوبة الواقع الاقتصادي داخل سوريا، موضحًا أن العودة تتطلب توفر المال لدفع الإيجار ووجود فرصة عمل، وهو ما لا يبدو متاحًا على نطاق واسع، مستشهدًا بتجربة شقيقه الذي عاد إلى حلب ليجد أن الحركة التجارية بطيئة للغاية.
وذكر التقرير أن ابن حسين، إبراهيم، الذي ترك المدرسة وبدأ العمل في المصنع قبل عام، ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، إذ قال إنه نشأ في تركيا وأصبحت بالنسبة له وطنًا ثانيًا، موضحًا أنه قدم إليها في سن الثانية ولم يعد إلى سوريا منذ ذلك الحين، ولا يرغب بالعودة في الوقت الراهن.
وفي سياق أوسع، أوردت إذاعة فرنسا الدولية تحذيرات أطلقها محلل الشؤون الاقتصادية التركية في شركة “غلوبال سورس بارتنرز”، أتيلا يشيلادا، الذي قال إن نحو تسعمئة ألف سوري يعملون في المصانع والورش الصغيرة في مختلف أنحاء تركيا، مؤكدًا أنهم شغلوا غالبية الوظائف ذات الأجور المتدنية.
وأضاف أن أصحاب الأعمال يحذرون من الإفلاس في حال فقدان هذه العمالة، التي أسهمت في إبقاء تكاليف الإنتاج منخفضة.
وربط يشيلادا هذه الأزمة بما وصفه بالقنبلة الديمغرافية التي تواجهها تركيا، موضحًا أن معدل المواليد في البلاد انخفض إلى 1.5، وهو أقل بكثير من معدل الإحلال السكاني البالغ 2.1، محذرًا من أن هذا التراجع مستمر منذ عشرين عامًا ولا توجد حلول سهلة له، مستشهدًا بتجربة الصين.
وأشار التقرير إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دعا مؤخرًا العائلات إلى “خدمة الأمة” عبر إنجاب ثلاثة أطفال على الأقل، فيما قالت وزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية إن نحو نصف العائلات التركية لا تنجب أطفالًا. كما لفت إلى أن الحكومة خففت خلال العام الماضي قيود التأشيرات وتصاريح العمل لجذب عمال من دول آسيا الوسطى الناطقة بالتركية.
وعلى أرض الواقع في غازي عنتاب، بدأت آثار مغادرة العمال السوريين تنعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، إذ قال ياراباي إن أجور العمال ارتفعت من عشرة آلاف ليرة تركية أسبوعيًا إلى ما يصل إلى خمسة عشر ألفًا، في ظل منافسة بين أصحاب العمل للاحتفاظ بالعمال المتبقين.
وتجاوزت التداعيات، وفق التقرير، حدود الورش الصغيرة، إذ نقلت إذاعة فرنسا الدولية عن المدير التنفيذي لشركة “تات هولدنغ”، صالِح بالتا، قوله إن شركته، التي تنتج الأثاث والحلويات ومنتجات أخرى، تدرس خيار نقل جزء من إنتاجها إلى سوريا.
وعلّل بالتا ذلك بقرب سوريا الجغرافي من غازي عنتاب وبإمكانية خفض تكاليف الإنتاج والتصدير بنسبة تصل إلى خمسة وثلاثين بالمئة، مضيفًا أن عضوية سوريا في جامعة الدول العربية تتيح التصدير دون رسوم جمركية إلى سبعة عشر بلدًا عربيًا بموجب اتفاقيات التجارة الحرة، ومؤكدًا أن دول الخليج تمثل سوقًا أساسية لشركته.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن غازي عنتاب، إلى جانب مدن تركية أخرى، شهدت خلال السنوات الماضية احتجاجات ضد وجود السوريين، وأن استطلاعات الرأي أظهرت رغبة شعبية واسعة بعودتهم، محذرًا من أن هذه الرغبة قد تتحول إلى سلاح ذي حدين، مع تصاعد الألم الاقتصادي الذي تواجهه الشركات التركية نتيجة فقدان العمالة السورية التي اعتمدت عليها لسنوات.