العيد بأقل التكاليف.. كيف تدير السوريات فرحة العيد في ظل الغلاء..؟
تعيش آلاف الأسر في سوريا أوضاعاً اقتصادية قاسية، تجعل تأمين الاحتياجات الأساسية تحدياً يومياً مستمراً، ومع اقتراب عيد الفطر، تحاول كثير من النساء التوفيق بين محدودية الإمكانات والحفاظ على أجواء المناسبة، عبر ترتيب مستلزماته بأقل التكاليف الممكنة، دون أن تنعكس هذه الظروف على شعور أفراد العائلة بفرحة العيد.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في حالة فقر، كما أن واحداً من كل أربعة يعاني من البطالة، في حين تشير التقديرات إلى أن اقتصاد البلاد يمكن أن يستعيد مستواه قبل الصراع خلال عقد من الزمن، في حال تحقيق معدلات نمو قوية.
وفي ظل هذه الظروف، تعتمد كثير من السيدات على استراتيجيات مختلفة للتوفير والتكيّف مع الإمكانات المتاحة، بما يتيح لهن الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، فعند شراء الملابس مثلاً، تتجه بعضهن إلى أسواق “البالة” أو البسطات الشعبية بدلاً من المحال التجارية التي تعرض بضائع أعلى سعراً، بينما تكتفي أخريات باستخدام ملابس مستعملة بعد تنظيفها وترتيبها لتبدو مناسبة للمناسبة.
وفي حالات أخرى، تضطر بعض الأمهات إلى توزيع الأولويات داخل الأسرة، فتشتري ملابس العيد لعدد من الأبناء، على أن تؤجل تلبية احتياجات الآخرين إلى مناسبة لاحقة، في محاولة للتخفيف من الأعباء المالية، كما تميل كثير من النساء إلى تفضيل أبنائهن على أنفسهن، فيحرصن على تأمين مستلزماتهم أولاً، مقابل الاستغناء عن شراء ما يلزم لهن.
وفي الوقت ذاته، تحرص النساء على ادخار المال تدريجياً قبل قدوم العيد، ويبدأن عملية الشراء بشكل مبكر لتجنب ارتفاع الأسعار، ويجرين جولات واسعة في الأسواق للاستفسار عن الأسعار واختيار الأصناف التي تجمع بين الجودة والقدرة على تحمل التكلفة.
أما فيما يتعلق بحلويات العيد، فتتجه العديد من الأسر إلى إعداد كميات محدودة من الكعك أو المعمول غيره من الأصناف، بحيث تكفي لإدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال، دون تكبد تكاليف إضافية لا يمكن تحملها.
وفي جانب آخر، تكتفي بعض العائلات بتنظيف المنازل وترتيبها دون شراء زينة، على خلاف ما كان شائعاً في السابق، بينما تلجأ أخريات إلى اقتناء زينة بسيطة ومنخفضة التكلفة من الأسواق الشعبية، وفي هذا السياق تؤكد نساء أن إضفاء أجواء العيد داخل المنزل لا يتطلب إنفاق مبالغ كبيرة، بقدر ما يعتمد على الذوق وحسن التنظيم.
لكن في الوقت ذاته، تشعر بعض النساء بضغط نفسي مع اقتراب العيد، نتيجة الحسابات المتكررة لتأمين الاحتياجات بأقل تكلفة ممكنة، ومحاولة حماية الأطفال من الإحساس بالحرمان أو شعورهم بالنقص مقارنة بأقرانهم، مع تجنب الحرج الاجتماعي أمام الجيران والأقارب إذا لم تتمكن المرأة من توفير مظاهر العيد المعروفة، ما يجعل العيد عبئاً إضافياً عليهن.
أحياناً تحظى عائلات بمساعدة من الآخرين تسهّل عليهم عملية التحضيرات، سواء من قبل أفراد العائلة أو الأصدقاء أو الأقارب، وتشمل غالباً تحويلات أو مساعدات مالية، ما يساهم في تمكين الأسر من إتمام التحضيرات دون القلق من الأعباء المالية، ما يخفف الضغوط الاقتصادية والنفسية ويمنح أفرادها فرصة للاحتفال بالعيد كما يرغبون.
وتعكس الطرق التي تتبعها النساء لتأمين احتياجات العيد بأقل التكاليف العديد من الدلالات المميزة، أبرزها حرصهن على إدخال أجواء الفرح والاحتفال للمنزل رغم الظروف الاقتصادية، والسعي لحماية الأطفال من الشعور بالحرمان أو الفرق عن أقرانهم، كما تظهر قدرة النساء على التخطيط المالي وتنظيم الاحتياجات ضمن الإمكانات المتاحة، ما يدل على مهاراتهن في مواجهة التحديات الاقتصادية.
إضافة إلى ذلك، تعكس هذه الممارسات الحفاظ على التقاليد والتراث العائلي، فالالتزام بتحضير الحلويات والاحتفال بالعيد على الرغم من الصعوبات يظهر تمسك النساء بالثقافة العائلية والموروثات الاجتماعية ونقلها للأجيال القادمة، وتعبر عن إيمانهن بأن الفرح ممكن رغم التحديات والظروف القاسية التي تعاني منها الأسرة.
يشكل التجهيز للعيد عبئاً بالنسبة للأسر محدودة الدخل، ما يدفع النساء إلى البحث عن طرق توازن بين متطلبات المناسبة والإمكانات المتاحة، ورغم الصعوبات، تبقى أجواء البهجة حاضرة داخل المنازل، فيما تُحافظ العائلات على طقوس العيد وتراثه، للتأكيد أن الاحتفال ممكن حتى في ظل الظروف الاقتصادية القاسية، وأنه يمكن إدخال الفرحة إلى الأسرة دون تحمل مصاريف تتجاوز القدرة المالية.