من المطالبة بالإصلاح إلى الإسقاط … الثورة السورية من الشرارة الأولى حتى فجر الحرية 
من المطالبة بالإصلاح إلى الإسقاط … الثورة السورية من الشرارة الأولى حتى فجر الحرية 
● محليات ١٨ مارس ٢٠٢٦

من المطالبة بالإصلاح إلى الإسقاط … الثورة السورية من الشرارة الأولى حتى فجر الحرية 

لم يكن الطريق الذي سلكته الثورة السورية قصيراً ولا بسيطاً، كما لم يكن خطها مستقيماً منذ يومها الأول، فقد اختلفت الروايات حول المكان والتاريخ الدقيقين لأول مظاهرة خرجت ضد النظام المخلوع، بين منتصف شباط، و15 آذار، و18 آذار من عام 2011، إلا أن هذا الاختلاف لا يحجب حقيقة ثابتة، وهي أن السوريين خرجوا منذ اللحظة الأولى حاملين مطالب واضحة تتصل بالإصلاح، واستعادة الحقوق، والتمسك بالحرية والكرامة، قبل أن يتطور مسار الأحداث سريعاً تحت وطأة القمع والعنف إلى ثورة شاملة غيّرت وجه البلاد.

البدايات الأولى… هتافات الإصلاح التي تحولت إلى مطلب إسقاط النظام

في الأسابيع الأولى، عبّر الشارع السوري عن مطالبه عبر هتافات ركّزت على الكرامة ورفض الإذلال، وارتفعت شعارات من قبيل: “الموت ولا المذلة”، و”الشعب السوري ما بينهان”، و”الشعب يريد إصلاح النظام”، و”حرية.. حرية”، قبل أن تتسع رقعة المظاهرات يوماً بعد آخر.

ومع اتساع الحراك، أصبح يوم الجمعة محطة أسبوعية ثابتة لخروج المحتجين، حيث كان الناشطون يتوافقون على اسم خاص لكل جمعة، في تقليد حمل بعداً تنظيمياً ورمزياً في آن واحد. 


ومنذ البداية، واجهت أجهزة أمن النظام تلك التظاهرات بالضرب والعصي والقنابل المسيلة للدموع، ثم بالرصاص الحي، غير أن القمع لم ينجح في وقف تمدد الاحتجاجات، بل أسهم في رفع سقفها السياسي، فانتقلت المطالب خلال فترة قصيرة من الدعوة إلى الإصلاح، إلى المطالبة بإسقاط النظام، ثم إلى الحرية الكاملة، وصولاً إلى المطالبة بمحاكمة رأس النظام.

أربعة عشر عاماً من التحولات… من السلمية إلى المعارك المفتوحة

امتدت الثورة السورية على مدى أربعة عشر عاماً، وتحوّل شكلها أكثر من مرة خلال هذه الرحلة الطويلة، إذ بدأت كتظاهرات سلمية في الشوارع والساحات، ثم دخلت مرحلة محدودة من التسلح عبر ضباط وعناصر انشقوا عن جيش النظام، قبل أن تتوسع إلى مواجهات على شكل حرب عصابات، ثم إلى معارك للسيطرة على مدن وبلدات، ثم إلى تحرير محافظات ومناطق واسعة، لتدخل لاحقاً في مرحلة أصبحت فيها البندقية والمدفع والطيران أدوات حاضرة في يوميات المشهد السوري.

وفي هذا المسار الطويل، مرّت الثورة بتحولات سياسية وعسكرية ومجتمعية عميقة، تركت أثرها على بنية البلاد وعلى طبيعة الفاعلين فيها، وعلى شكل التحديات التي واجهت السوريين في كل مرحلة.

2011 المظاهرات في مواجهة الرصاص

مع بداية عام 2011، بدا الإرهابي الفار بشار الأسد واثقاً من أن ما حدث في تونس ومصر لن يتكرر في سوريا، وعبّر عن ذلك صراحة حين قال في مقابلة مع صحيفة “وول ستريت جورنال” إن الثورة لن تصل إلى سوريا، لأنها “ليست تونس أو مصر”، وقد عكس هذا الموقف قناعة لدى النظام بأن أدوات القمع التي بناها طوال عقود كافية لإبقاء السوريين تحت السيطرة.

غير أن المشهد تبدّل سريعاً، وبدا كأن جدار الخوف الذي شيده النظام على مدار خمسين عاماً قد انهار دفعة واحدة، فقد أطلق ناشطون سوريون على موقع “فيسبوك” صفحات عدة منها "شبكة شام الإخبارية" و “الثورة السورية ضد بشار الأسد 2011”، وبدأت الصفحات بنشر دعوات تعبئة وتحفيز للخروج في مظاهرات سلمية ضد النظام.

وسرعان ما استجاب الناس لتلك الدعوات، لتخرج أولى المظاهرات في دمشق، وتحديداً في سوق الحميدية، حيث هتف المتظاهرون للحرية، بعد تجمع عدد من الناشطين أمام الجامع الأموي عقب صلاة الظهر يوم الثلاثاء 15 آذار، ثم تحركوا باتجاه منطقة الحريقة، لينضم إليهم آخرون في الطريق.

وفي الوقت نفسه تقريباً، كانت درعا تشهد حراكاً أكثر زخماً، وما هي إلا أيام قليلة حتى بدأت المظاهرات تتوالى في محافظات عدة، وسط قبضة أمنية شرسة ظهرت منذ النداءات الأولى للحرية، إذ سارعت قوات النظام إلى مهاجمة التظاهرات وفضها بالقوة واعتقال المشاركين فيها.

وفي 18 آذار، أطلقت قوات الأمن النار على مظاهرة خرجت في درعا البلد وتوجهت نحو ساحة الجامع العمري، حيث طالب المتظاهرون بالحرية، وإلغاء قانون الطوارئ، وبدء عملية سياسية في البلاد، إضافة إلى الإفراج عن الأطفال الذين اعتقلتهم قوات النظام بعد كتابتهم عبارات مناهضة له على جدران المدارس. وفي ذلك اليوم، سقط أول شهيدين في الثورة السورية.

الناشطون والتنسيقيات… ولادة الإعلام الثوري

في هذه المرحلة، برز “الناشط” بوصفه واحداً من أهم العناصر الفاعلة في المشهد الثوري، إذ لم يكن مجرد مشارك في التظاهر، بل أصبح ناقلاً للحدث وشاهداً عليه ووسيطاً بين الشارع السوري والعالم الخارجي، ومن هنا نشأت ظاهرة “المواطن الصحفي”، التي فرضها غياب الإعلام الحر واحتكار النظام للمعلومة والمنبر.

حمل كثير من الشبان هواتفهم المحمولة وكاميرات بسيطة، وخرجوا لتوثيق المظاهرات والانتهاكات والاعتقالات والقتل، كما دخل بعضهم في مداخلات هاتفية مع القنوات العربية والدولية، لينقلوا ما يجري أولاً بأول، وقد انتهى المطاف بعدد كبير منهم إلى الاعتقال أو الاغتيال أو الاستشهاد تحت التعذيب.

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، لم يعد النشاط الميداني فردياً فقط، بل بدأ يأخذ شكلاً أكثر تنظيماً مع ظهور “التنسيقيات” المحلية في المدن والبلدات والأحياء الثائرة. وقد أدارت هذه التنسيقيات جوانب مهمة من الحراك، من تحديد نقاط التجمع ومسارات التظاهر، وتنسيق الهتافات، وتوحيد أسماء الجمع، وكتابة الشعارات واللافتات، وتوثيق الانتهاكات، وتأمين التواصل بين المناطق، وصولاً إلى إنشاء شبكات اتصال عبر “سكايب” و”فيسبوك”، شكّلت لاحقاً النواة الأولى للإعلام الثوري.

رواية النظام… المؤامرة والفتنة بدل الاستجابة للمطالب

كما احتكر النظام السلطة ومفاصل الدولة، احتكر الإعلام أيضاً، واستخدمه مبكراً لمهاجمة الثورة وتشويه صورتها، فكررت قنواته الرسمية أوصافاً مثل “مندسون” و”جماعات مخربة” و”عملاء”، مستندة إلى الخطاب الرسمي الذي عبّر عنه بشار الأسد في كلمته أمام مجلس الشعب في 30 آذار.

فقد وصف ما يجري بأنه “مؤامرة” وليس ثورة، واعتبر أن أدواتها “الفتنة الطائفية” و”العالم الافتراضي” و”الفوضى”، كما قال إن بعض من خرجوا للتظاهر فعلوا ذلك بحسن نية، وأن الدولة مطالبة بمحاربة هذه الفتنة. وانتهت كلمته من دون أن يقدم أي استجابة فعلية للمطالب التي كانت قد اتسعت، بينما كانت المظاهرات تسجّل مزيداً من الضحايا والمصابين في درعا وحمص وريف دمشق وغيرها.

ومع إغلاق الساحات العامة في أيام الجمع، وتطويقها من قبل الأمن والشبيحة، خرجت التظاهرات في بلدات ومدن وقرى بشكل متفرق، وإن كانت بعض الساحات الكبرى قد احتضنت حشوداً ضخمة، كما حدث في ساحة العاصي في حماة وساحة الساعة في حمص.

رفع المتظاهرون شعار “ما رح نركع ما رح نركع.. جيب الدبابة والمدفع”، في إشارة واضحة إلى أن القمع لن يثنيهم عن مطالبهم، لكن النظام اختار المضي في القمع، فأدخل الآليات العسكرية إلى الشوارع والساحات لفض الاحتجاجات.

وفي 19 نيسان، فضّت قوات النظام اعتصاماً واسعاً في ساحة الساعة وسط حمص، بعدما تحوّل تشييع شهداء إلى اعتصام شارك فيه آلاف المحتجين الذين بقوا مطالبين بالحرية وإسقاط النظام. وقد استخدمت القوات الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي، ما أدى إلى سقوط ضحايا وجرحى في وقت كانت فيه إمكانات التوثيق والنقل ما تزال محدودة.

وفي حماة، شهد صيف 2011 واحدة من أكبر التظاهرات في تاريخ الثورة، حين احتشد مئات الآلاف في ساحة العاصي، في مشهد أعاد إلى المدينة ذاكرتها الثقيلة مع النظام. أما في بانياس، فقد خرجت مظاهرات كبيرة في أحيائها، ولا سيما البيضا ورأس النبع، قبل أن تتعرض لحملات أمنية وعسكرية هدفت إلى منع انتقال الحراك إلى الساحل.

وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، سجلت السنة الأولى من الثورة ما لا يقل عن خمسة آلاف ضحية، من بينهم 384 طفلاً و256 سيدة.

المواقف الدولية الأولى والانشقاقات وبداية العمل العسكري

على المستوى الدولي، بدأت بعض العواصم الغربية والإقليمية تراجع مواقفها من النظام. فقد طالب أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي الرئيس باراك أوباما بدعوة بشار الأسد إلى التنحي، معتبرين أنه فقد شرعيته بسبب قمعه العنيف للمظاهرات. وفي المقابل، نصح رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان الأسد، خلال اتصال هاتفي، بوقف حملة القمع والبدء بإصلاحات عاجلة، مع وضع جدول زمني سريع لتنفيذها.

لكن الأسد واصل تجاهل المطالب، وخرج في خطاب آخر خلال حزيران ليكرر رواية المؤامرة ويصف المتظاهرين بـ”الجراثيم”، قبل أن يدعوه أوباما بعد شهرين إلى التنحي، مؤكداً أن مستقبل سوريا يجب أن يحدده السوريون، وأن الأسد يقف في وجه هذا المستقبل بينما يعتقل شعبه ويعذبه ويقتله.

في موازاة ذلك، بدأت الانشقاقات تظهر داخل الجيش السوري، حيث أعلن عدد من الضباط والجنود انحيازهم إلى الشعب. وكان المقدم حسين هرموش من أوائل من أعلنوا انشقاقهم في حزيران، قبل أن يعلن العقيد رياض الأسعد انشقاقه في تموز، ويؤسس الجيش السوري الحر الذي تعهد بحماية المظاهرات السلمية والتصدي للقوات التي يرسلها النظام لقمعها.

وعلى الصعيد السياسي، تأسس المجلس الوطني السوري في إسطنبول في 2 تشرين الثاني، برئاسة برهان غليون، بوصفه إطاراً جامعاً للمعارضة، هدفه إسقاط نظام الأسد وإقامة دولة ديمقراطية.

2012 المجازر الكبرى ومحاولات الالتفاف السياسي

لم يتوقف نظام الأسد البائد منذ بداية الثورة عن السعي إلى جرّ الحراك الشعبي نحو المواجهة المسلحة، مستفيداً من تفوقه العسكري الهائل في مواجهة شعب أعزل، وفي الوقت نفسه كان يعمل على تسويق رواية مفادها أن ما يجري ليس ثورة شعبية، بل مجموعات مسلحة تهدد أمن البلاد واستقرارها.

ومن هنا، استخدم تسليح الجيش السوري الحر ذريعة لاقتحام البلدات والمدن على مرأى العالم، معتمداً على القصف المدفعي والصاروخي، فيما شهد ذلك العام أولى الطلعات الواضحة للطيران المروحي الذي استخدم في استهداف المناطق الثائرة.

وقد ارتبط عام 2012 في الذاكرة السورية بمناطق منكوبة ومجازر دامية، من بابا عمرو في حمص إلى الحولة في ريفها، إلى داريا في ريف دمشق، حيث ارتكبت قوات النظام عمليات قتل ممنهجة بحق المدنيين.

في 3 شباط، شنّ النظام حملة عسكرية عنيفة على حي بابا عمرو في حمص، استمرت قرابة أربعة أسابيع من القصف قبل اقتحامه مطلع آذار، وقد وثقت منظمات حقوقية مقتل مئات المدنيين خلال تلك الحملة.

وفي 25 أيار، وقعت مجزرة الحولة التي عُدت من أبشع مجازر ذلك العام، حيث وثقت الأمم المتحدة مقتل 108 أشخاص، بينهم 49 طفلاً و34 امرأة، مع الإشارة إلى أن معظم الضحايا جرى إعدامهم ميدانياً بعد قصف المنطقة.

أما داريا، فقد تعرضت لهجوم واسع بدأ في 20 آب، وبعد أيام من القصف والاقتحام، كُشف في 25 آب عن مئات الجثث، وتمكنت الجهات المحلية من توثيق ما لا يقل عن 700 ضحية من رجال ونساء وأطفال، أُعدم معظمهم ميدانياً ودفنوا في مقبرة جماعية.

وفي تلك المرحلة، احتد النقاش بين من رأى أن عنف النظام لا بد أن يُقابل بالقوة، ومن تمسك بسلمية الثورة، بينما كان النظام يوسّع اعتماده على قوات النخبة، وفي مقدمتها الفرقة الرابعة، إلى جانب الميليشيات الإيرانية و”حزب الله” اللبناني.

سياسياً، عُرف العام بأنه عام المبادرات الفاشلة، فقد طرح كوفي عنان، المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية، خطة “النقاط الست”، التي تضمنت وقف العنف والإفراج عن المعتقلين والبدء بمسار سياسي تقوده الأطراف السورية، لكن الخطة لم تحقق أي اختراق فعلي. كما حاول الأخضر الإبراهيمي لاحقاً إحياء المسار السياسي، غير أن النظام كان قد دفع البلاد إلى مرحلة أكثر دموية وتعقيداً، مع اتساع المواجهات وتراجع فرص التهدئة.

2013 احتدام المعارك والكيماوي الذي هزّ العالم

خلال هذا العام، بدأت فصائل الجيش السوري الحر تظهر بمستوى أكبر من التنظيم، وانضم إليها مئات المتطوعين، وانتقلت من الدفاع إلى الهجوم على أهداف استراتيجية للنظام، شملت المطارات والقطع العسكرية ومستودعات السلاح والحواجز التي كانت تفصل البلدات والقرى عن بعضها.

وعلى المستوى السياسي، تأسس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بقيادة معاذ الخطيب، قبل أن يشغل لاحقاً مقعد سوريا في جامعة الدول العربية بصفة ممثل للمعارضة.

ورغم كثرة المبادرات الدولية والتصريحات المطالبة برحيل بشار الأسد وانتقال السلطة سلمياً، بقيت تلك المواقف بلا أثر حقيقي، بينما كانت المعارك مشتعلة في تخوم دمشق وفي محافظات عدة، وتمكنت الفصائل من السيطرة على مدينة الرقة لتصبح أول مركز محافظة يخرج بالكامل من قبضة النظام.

وفي خضم هذا المشهد، ألقى بشار الأسد كلمة في دار الأوبرا بدمشق، قال فيها إن ما يجري ليس مواجهة بين السلطة والمعارضة، بل “بين الوطن وأعدائه”، وقدم ما سماها مبادرة للحل، لكنها قوبلت برفض واسع، واعتُبرت محاولة جديدة للمراوغة بينما استمرت آلة القتل دون توقف.

غير أن الحدث الأبرز والأثقل في ذلك العام كان هجوم الكيماوي على الغوطة الشرقية في 21 آب، حين تعرضت مناطق عدة في الغوطة لقصف بغاز السارين، في واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ الثورة. وقد تصدرت صور الضحايا، وخصوصاً الأطفال، المشهد العالمي، وبدا أن ضربة دولية ضد النظام باتت وشيكة، إلا أن الأمر انتهى إلى صفقة بين واشنطن وموسكو قضت بتسليم الترسانة الكيماوية المعلنة للنظام مقابل تجنيبه الضربة.

2014 صعود داعش وتعدد الجبهات

لم تعد المواجهة في سوريا خلال هذا العام مقتصرة على فصائل الثورة وقوات النظام، فقد برز تنظيم “داعش” لاعباً ثالثاً قوياً، وتمدد في الشرق والشمال، قبل أن يعلن “الخلافة” من مدينة الرقة.

هذا التطور أعاد تشكيل المشهد بالكامل، إذ دخلت فصائل الثورة في قتال مع التنظيم، فيما باتت مناطق واسعة من البلاد موزعة بين النظام والثوار و”داعش”، وفي الوقت نفسه تشكل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وبدأ ضرباته ضد التنظيم داخل الأراضي السورية.

ومع تعدد الجبهات، تراجع حضور الحراك الأول وشعاراته في عدد من المناطق، وحلّ مكانه واقع أكثر تشابكاً استنزف السوريين وأعاد ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية.

وفي موازاة ذلك، كانت مناطق جوبر وحرستا والغوطة الشرقية وداريا ومعضمية الشام تشهد معارك قاسية على تخوم دمشق، وسط صمود لافت لمقاتلي الثورة، ما دفع النظام إلى زيادة استخدام البراميل المتفجرة وتطبيق سياسة الأرض المحروقة لإجبار السكان على النزوح وكسر قدرة الفصائل على الصمود.

2015 تحرير إدلب والتدخل الروسي المباشر

في ربيع 2015، كانت الفصائل المقاتلة في إحدى أقوى مراحلها، حيث شكّلت غرفة عمليات مشتركة تحت اسم “جيش الفتح”، وبدأت سلسلة عمليات بارزة كان أولها تحرير مدينة إدلب، ثم فك الحصار عن الأحياء التي كانت تسيطر عليها الفصائل في حلب.

وضم جيش الفتح سبع مجموعات رئيسية هي: أحرار الشام، وجبهة النصرة، وجند الأقصى، وجيش السنة، وفيلق الشام، ولواء الحق، وأجناد الشام. وقد تمكن هذا التحالف من طرد قوات النظام من إدلب، ما مهّد لاحقاً للسيطرة على معظم الحدود الإدارية للمحافظة، التي تحولت لاحقاً إلى خزان بشري وعسكري للثورة وملاذ أخير للثوار.

لكن هذا التقدم قابله تطور حاسم لصالح النظام، إذ جاء التدخل الروسي المباشر في 30 أيلول بعد طلب رسمي من نظام الأسد، ومع بدء الغارات الروسية من قاعدة حميميم، أصبحت السماء السورية عاملاً حاسماً في قلب موازين المعارك.

وقد أدى التدخل الروسي إلى استعادة قوات النظام وحلفائه أجزاء واسعة من الأراضي، فيما واصل تنظيم داعش توسعه، وفي هذه المرحلة تشكلت قوات “قسد” بدعم أميركي لمواجهة التنظيم، وتلقت أسلحة ودعماً جوياً مكّنها لاحقاً من السيطرة على مناطق واسعة في الجزيرة السورية.

2016 التهجير من ريف دمشق وسقوط حلب الشرقية

ساهم التدخل الروسي المباشر مع كثافة قصف قوات النظام واستمرار الحصار المفروض على غوطة دمشق في إنهاك الفصائل المقاتلة واستنزاف قدراتها، لتبدأ بعدها مرحلة التهجير المنظم، وكانت داريا أولى المحطات الكبرى في هذا المسار، حين أُجبر مقاتلوها وسكانها على الخروج برعاية أممية باتجاه الشمال السوري، وتحديداً إلى إدلب.

وقد شكلت داريا بداية سلسلة طويلة من عمليات التهجير التي طالت مدناً وبلدات ثائرة حول دمشق، لتصبح حافلات الإجلاء جزءاً من استراتيجية النظام لتفكيك الثورة في محيط العاصمة.

وفي العام نفسه، تمكن النظام من التقدم في مدينة حلب، مستفيداً من ضعف الفصائل والخلافات التنظيمية بينها، ومع تدخل تركي غير مباشر في الشمال وتفاهمات ميدانية، جرى التوصل إلى اتفاق أفضى إلى خروج المدنيين والمقاتلين من الأحياء الشرقية، لتسقط حلب الشرقية بالكامل بيد النظام.

وبنهاية عام 2016، تقلصت مساحة مناطق الثوار بشكل كبير، وأصبحت إدلب الملاذ الأكبر والأخير، وسط أحاديث كثيرة عن مستقبلها واحتمالات التسوية أو الحرب الشاملة فيها.

2017 أستانة وخفض التصعيد

في هذا العام، وصل مسار جنيف إلى طريق مسدود، بعدما فشلت المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين النظام والمعارضة تحت رعاية الأمم المتحدة في تحقيق أي تقدم جدي، في ظل غياب الإرادة الحقيقية لدى النظام وحليفه الروسي.

وميدانياً، ومع انحسار المعارك الكبرى واقتصارها على مواجهات متفرقة على تخوم إدلب وريفَي اللاذقية وحماة، انتقل ثقل الملف السوري جزئياً من جنيف إلى أستانة، حيث أطلقت روسيا وتركيا وإيران مساراً جديداً أفضى إلى إنشاء “مناطق خفض التصعيد”.

وشملت هذه المناطق محافظة إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي وريف اللاذقية الشرقي، وريف حمص الشمالي، والغوطة الشرقية، إضافة إلى جنوب سوريا في درعا والقنيطرة.

ورغم أن الاتفاق بدا في ظاهره محاولة لتخفيف العنف وتجميد الجبهات، إلا أن الوقائع اللاحقة أظهرت أنه تحوّل في كثير من الأحيان إلى مرحلة مؤقتة سبقت حصاراً أو قصفاً أو تهجيراً، كما كرّس بصورة أوسع خرائط النفوذ والانتقال من خطاب إسقاط النظام إلى خطاب إدارة الحرب في سوريا وتثبيت خطوط التماس.

2018 عام التهجير الواسع وخسارة الجنوب

بذات السيناريو تقريباً، وبعد حصار طويل، هجّرت قوات النظام أهالي ومقاتلي الغوطة الشرقية، ثم اتسعت العمليات إلى ريف حمص الشمالي ومناطق من القلمون، حيث كانت الحملات تبدأ بالقصف والحصار وتنتهي باتفاقات إخراج نحو إدلب أو ريف حلب الشمالي.

وشهد هذا العام كذلك اتفاق المدن الأربع، الذي شمل الفوعة وكفريا في ريف إدلب من جهة، والزبداني ومضايا في ريف دمشق من جهة أخرى، وجرت الترتيبات بوساطة إيرانية وتركية وتحت إشراف أممي، لتنتقل مجموعات من السكان والمقاتلين إلى الشمال.

وفي درعا، مهد الثورة، دخلت قوات النظام وحلفاؤها إلى الجنوب السوري عبر ما سمي “اتفاقات تسوية”، بعد سنوات من خروجه عن السيطرة، ليُطوى بذلك فصل رمزي وعسكري بالغ الأهمية في تاريخ الثورة. كما حصل أمر مشابه في ريف حمص الشمالي، مع ضغوط روسية ونظامية على الأهالي لإخراج من تبقى من المقاتلين أو تسوية أوضاعهم.

وهكذا خسرت الثورة خلال عام واحد محيط العاصمة والجنوب وآخر جيوبها في حمص، وانحصرت الجغرافيا الخارجة عن سيطرة النظام إلى حد كبير في الشمال الغربي.

وفي الوقت نفسه، شهدت محافظة حلب تبدلاً آخر في الخريطة العسكرية، إذ تقدمت فصائل الجيش السوري الحر إلى جانب القوات التركية في عفرين خلال عملية “غصن الزيتون” ضد “قسد”، وانتهت العملية بالسيطرة على المنطقة.

وفي ظل هذا التراجع الكبير للفصائل، بدأ النظام، مدعوماً بغطاء جوي روسي، التمهيد للتقدم نحو إدلب، مستفيداً من الخلافات الفصائلية والخسائر المتتالية، لكن تركيا، التي أصبحت لاعباً رئيسياً في الملف العسكري، توصلت مع روسيا إلى اتفاق سوتشي، بهدف تجنيب إدلب عملية عسكرية واسعة.

ونص الاتفاق على إنشاء منطقة منزوعة السلاح بين المعارضة وقوات النظام، وسحب السلاح الثقيل والمتوسط من خطوط التماس، وإبعاد الفصائل المصنفة متشددة عن المنطقة، مع تسيير دوريات ومراقبة مشتركة.

2019 إدلب في قلب النار

بعد تراجع مناطق المعارضة، أصبحت إدلب وريفا حماة وحلب المحيطان بها الجبهة الأبرز. وخلال هذا العام شهدت المنطقة حملات عسكرية واسعة وقصفاً مكثفاً وموجات نزوح كبيرة.

تقدمت قوات النظام في عدة محاور، وسقطت لاحقاً بلدات ومدن مفصلية على خطوط التماس، فيما تحولت إدلب إلى الملاذ الأخير لملايين المدنيين والمهجرين، وذلك بعد عام من إعلان اتفاق سوتشي الذي لم يطبَّق كما ورد في بنوده، مع استمرار خروقات النظام ورفض بعض الفصائل لبنود منه، مع تنفيذها عمليات محدودة في ريفي حماة واللاذقية.

وفي العام نفسه، أقر الكونغرس الأميركي قانون “قيصر”، الذي حمل اسم المصور العسكري المنشق الذي سرّب عشرات آلاف الصور لضحايا التعذيب في سجون النظام، وشكّل القانون أداة عقوبات جديدة على النظام بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها بحق المدنيين.

2020 اتفاق موسكو وبداية الجمود العسكري

مع خسارة المعارضة مساحات واسعة في إدلب، وما رافق ذلك من موجات نزوح ضخمة نحو الحدود التركية، تدخلت تركيا بشكل مباشر للمرة الأولى في مواجهة قوات النظام، مستخدمة وحدات برية وطائرات مسيرة من نوع “بيرقدار”، ما أدى إلى وقف الحملة العسكرية.

وانتهى التصعيد إلى اتفاق جديد بين أنقرة وموسكو في آذار 2020، ومنذ ذلك الوقت لم تعد خرائط السيطرة تشهد التحولات الكبيرة التي طبعت السنوات السابقة، بل دخلت البلاد مرحلة تثبيت خطوط التماس، مع استمرار القصف المتقطع والخروقات على أكثر من جبهة.

وفي الوقت نفسه، عادت المظاهرات في بعض المناطق المحررة لتؤكد التمسك بهدف إسقاط النظام، وللمطالبة بعودة النازحين إلى قراهم ومدنهم التي سيطرت عليها قوات النظام وروسيا، كما وجه المحتجون رسائل إلى الفصائل العسكرية والضامن التركي والمجتمع الدولي للعمل من أجل عودة آمنة للمهجرين.

وفي الجنوب، بدا المشهد أكثر تعقيداً مع عودة نشاط تنظيم داعش وزيادة التوغل الروسي، الذي أصبح الراعي الأول لاتفاقات التسوية والتهجير بعد أحداث 2018، وعمل على تأسيس الفيلق الخامس.

2021 – 2023 جمود الجبهات ومحاولات تعويم النظام

خلال هذه السنوات، بقيت خرائط السيطرة شبه مستقرة، وتركز الحديث على الطرق الدولية “إم 4” و”إم 5”، وعلى إمكانات تطوير التفاهمات القائمة، في وقت أخذ النظام يروج لعمليات تسوية وعودة بعض السكان إلى المناطق التي استعادها، كما تحدث عن مشاريع لإعادة الإعمار.

سياسياً، أعاد النظام علاقاته مع بعض الدول التي نظرت إليه بوصفه الجهة المنتصرة، وسعت في الوقت نفسه إلى الحد من تجارة الكبتاغون التي ارتبط اسمه بها. كما طرحت تركيا علناً فكرة اللقاء مع رأس النظام وضرورة الوصول إلى تسوية، وعُقد لقاء ثلاثي في موسكو بين وزراء دفاع روسيا وتركيا والنظام.

وفي هذا السياق، تمادى بشار الأسد في رفض الوساطات، ولا سيما التركية، إلى درجة السخرية من فكرة لقائه بالرئيس أردوغان، كما خرج من عزلته الدولية تدريجياً، فزار روسيا، ثم الإمارات، وشارك لاحقاً في القمة العربية في السعودية.

كما استثمر النظام آثار الزلزال الذي ضرب جنوبي تركيا وشمال سوريا في شباط 2023 لإعادة تنشيط الاتصالات السياسية واستقبال وفود عربية، قبل أن تتسلم المملكة العربية السعودية أوراق اعتماد سفير سوريا لديها.

لكن الحدث الأبرز في هذا السياق كان انتفاضة السويداء في صيف 2023، التي أعادت إحياء روح الثورة السورية، بعدما تحولت المطالب المعيشية إلى حراك سياسي واضح رفع شعار إسقاط النظام ووحدة السوريين، ولم تبق أصداؤها محصورة في الجنوب، إذ شهدت إدلب وريفها مظاهرات تضامنية واسعة رأت في حراك السويداء امتداداً مباشراً لثورة 2011.

وفي الفترة نفسها، كان لمعركة “طوفان الأقصى” في غزة أثر على الداخل السوري، ولا سيما في دمشق ومناطق النفوذ الإيراني، حيث كثفت إسرائيل ضرباتها ضد مواقع مرتبطة بإيران و”حزب الله”، ما ساهم في إضعاف الحضور الإيراني داخل سوريا، ودفع “حزب الله” إلى إعادة الانتشار والانسحاب نحو لبنان.

2024 عام الحسم وسقوط النظام

منذ بدايته، بدا عام 2024 ثقيلاً على السوريين، مع تفاقم الأزمات الاقتصادية وتصاعد الضربات الإسرائيلية داخل سوريا ضد مواقع مرتبطة بإيران، في وقت تمسك فيه الأسد بتحالفه مع طهران و”حزب الله”، ما بدد آمال بعض الدول العربية والغربية التي كانت تراهن على انفتاح سياسي منه.

وفي الشمال السوري، وخصوصاً في المناطق المحررة، تضاعفت معاناة السكان مع استمرار خروقات النظام وعودة مخاوف النزوح على امتداد خطوط التماس.

وبينما كان العالم منشغلاً بالحرب في غزة وامتدادها إلى لبنان، سعى الأسد إلى انتزاع مزيد من الاعترافات السياسية التي تعيد تعويمه، وفي الوقت نفسه كان يروّج عبر خطاباته وإعلامه لفكرة أن الهجوم على إدلب بات قريباً.

في المقابل، عملت الفصائل في إدلب والشمال السوري على تطوير تفاهمات ميدانية فيما بينها، وأعلنت تشكيل غرفة عمليات مشتركة، كانت مهمتها في البداية الرد على القصف والتجاوزات المستمرة من قبل قوات النظام، التي واصلت استهداف المدن والبلدات بالقصف المدفعي والطائرات المسيّرة، فيما استمرت الطائرات الروسية في تنفيذ ضربات على مواقع في المنطقة.

وفي 27 تشرين الثاني، أعلنت إدارة العمليات العسكرية إطلاق معركة “ردع العدوان”، في تطور عكس حجم الهشاشة التي وصلت إليها قوات النظام، وأثار دهشة أطراف إقليمية ودولية كانت لا تزال تسعى إلى إعادة تطبيع العلاقات معه.

وبالتوازي مع ذلك، واصل المقاتلون ملاحقة ما تبقى من قوات النظام، في وقت سارع عدد من القادة العسكريين والمسؤولين إلى الهرب من مواقعهم، إلى أن انهار النظام المخلوع بالكامل، وفرّ الإرهابي الفار بشار الأسد إلى موسكو في 8 كانون الأول 2024.

خاتمة: ثورة غيّرت سوريا وكتبت فصلها الأهم

منذ الشرارة الأولى وحتى سقوط النظام، قطعت الثورة السورية مساراً بالغ التعقيد، واختبرت أشكالاً متعددة من المواجهة، من الشارع السلمي إلى ميادين القتال، ومن الهتاف إلى التوثيق، ومن الحصار إلى التهجير، ومن المجازر إلى لحظة الحسم.

ولم تكن تلك السنوات مجرد تعاقب أحداث سياسية وعسكرية، بل كانت زمناً كاملاً أعاد تشكيل وعي السوريين وهويتهم الجمعية، ورسخ معاني الحرية والكرامة في وجدان أجيال كاملة، لتبقى الثورة السورية، بكل ما حملته من تضحيات وتحولات، واحدة من أبرز المحطات في تاريخ سوريا الحديث.

المصدر: شبكة شام الإخبارية - صحيفة الثورة السورية الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 
الكلمات الدليلية:

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ