النشيد الوطني الجديد يفجّر جدلاً واسعاً: انتقادات لآلية الاختيار ودعوات لتأجيل إقراره
النشيد الوطني الجديد يفجّر جدلاً واسعاً: انتقادات لآلية الاختيار ودعوات لتأجيل إقراره
● محليات ١٨ مارس ٢٠٢٦

النشيد الوطني الجديد يفجّر جدلاً واسعاً: انتقادات لآلية الاختيار ودعوات لتأجيل إقراره

أعلنت وزارة الثقافة، إطلاق مسابقة لتلحين النشيد الوطني السوري الجديد، بعد اختيار سبعة نصوص شعرية مرشحة، في خطوة وصفتها بأنها جزء من مشروع وطني لإنتاج نشيد يعبر عن هوية السوريين وقيمهم الجامعة.

غير أن هذه الخطوة، التي تبدو في ظاهرها ثقافية، سرعان ما تحولت إلى محور نقاش واسع، كشف انقساماً واضحاً بين المسار الرسمي ورؤى نخب ثقافية وحقوقية ترى أن المسألة تتجاوز اختيار كلمات ولحن، إلى سؤال أعمق يتعلق بكيفية إنتاج رمز سيادي في مرحلة انتقالية معقدة.

من مسابقة فنية إلى قضية رأي عام

الانتقادات التي طالت النصوص المختارة لم تقتصر على الجانب الفني، بل اتخذت طابعاً أوسع، حيث اعتبر الكاتب الصحافي محمد منصور أن ما نُشر "فاجعة للذائقة الثقافية"، منتقداً ضعف المستوى الشعري وغياب التجديد.

وفي السياق ذاته، رأى الصحفي محيي الدين اللاذقاني أن النصوص "لا ترقى إلى مستوى نشيد في سبيل المجد"، معتبراً أن النشيد يمثل "إرثاً جامعاً للهوية الوطنية".

هذه المواقف تعكس انتقال النقد من مستوى "النص" إلى مستوى "العملية"، إذ لم يعد الاعتراض مقتصراً على جودة القصائد، بل امتد إلى آلية الاختيار ومعاييرها وشفافيتها.


إشكالية التوقيت: هل المرحلة مناسبة؟

برزت أيضاً دعوات للتريث، إذ دعا الإعلامي موسى العمر إلى تأجيل اعتماد نشيد جديد خلال المرحلة الانتقالية، معتبراً أن المسألة تحتاج إلى وقت أطول ونقاش أوسع، كما طرح الصحفي "عبد الرحمن الحاج"  فكرة ربط اعتماد النشيد بقرار صادر عن برلمان منتخب، بوصفه الجهة الأقدر على منح الشرعية لرمز سيادي بهذا الحجم.

ويعكس هذا الطرح توجهاً متزايداً يرى أن التوقيت لا ينفصل عن الشرعية، وأن إنتاج الرموز في لحظات غير مستقرة قد يؤدي إلى نتائج عكسية. 

النشيد كأداة في العدالة الانتقالية

من زاوية تحليلية، قدّم "فضل عبد الغني" مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قراءة تربط المسألة بسياق العدالة الانتقالية، مشدداً على أن الرموز الوطنية لا ينبغي أن تُفرض بشكل متسارع، بل يجب أن تنبثق من مسار تشاركي يضمن التمثيل والتوافق.

وفي الإطار ذاته، أشار الصحافي والكاتب "ماجد عبد النور" إلى أن صياغة النشيد في المراحل الانتقالية تمثل اختباراً لقدرة الدولة على إنتاج رمز جامع، لافتاً إلى أن التعجيل قد يحول النشيد إلى نقطة خلاف بدل أن يكون أداة توحيد.

كما عبّر ماجد في طرح آخر عن تفضيله الإبقاء على نشيد "في سبيل المجد" بشكل مرحلي، إلى حين توافر ظروف أكثر ملاءمة لإنتاج نشيد جديد يعكس التحولات العميقة في المجتمع.

مقارنة دولية: كيف وُلدت الأناشيد؟

بدوره، استعرض الصحفي "علي عيد" نماذج دولية لتجارب نشوء الأناشيد الوطنية، مشيراً إلى أن كل نشيد وُلد في سياق تاريخي مختلف، من الثورة إلى الحرب أو الوحدة أو حتى التعدد الثقافي.

ويُفهم من هذه المقارنات أن الأناشيد ليست نتاج لجان فقط، بل انعكاس للحظة تاريخية مكثفة، ما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت اللحظة السورية الراهنة قد أنتجت بعد سرديتها الجامعة.

ثنائية "الثورة" و"الدولة" في النص المقترح

في سياق النقاش، دعا الناشط السياسي بسام أبو عدنان إلى تضمين رمزية الثورة في النشيد الجديد، باعتبارها جزءاً من الذاكرة الوطنية التي لا يمكن تجاوزها.

في المقابل، تتجه آراء أخرى إلى التركيز على قيم مدنية أوسع، وهو ما يتقاطع مع ما طرحه ماجد عبد النور حول ضرورة أن يعكس النشيد مفاهيم الحرية والكرامة والتنوع، بعيداً عن الطابع التعبوي التقليدي.

هذا التباين يعكس صراعاً ضمنياً حول تعريف الهوية الوطنية: هل تُبنى على حدث سياسي مفصلي، أم على منظومة قيم جامعة تتجاوز اللحظة؟

إشكالية الآلية: من يكتب النشيد؟

كما انتقد أستاذ اللغة العربية إياس غالب الرشيد مستوى النصوص المختارة، معتبراً أن ذلك يعكس أزمة أعمق في الذائقة الأدبية.

وتتقاطع هذه الانتقادات مع دعوات متزايدة لإعادة النظر في آلية إنتاج النشيد، عبر تشكيل لجان مستقلة متعددة الاختصاصات، تضم شعراء وملحنين وخبراء قانون وممثلين عن المجتمع، بما يضمن الحد الأدنى من التوازن بين الكفاءة الفنية والشرعية التمثيلية.


مآلات الجدل وآفاق الحسم

تكشف النقاشات الدائرة أن قضية النشيد الوطني تحولت إلى اختبار متعدد الأبعاد: فني، سياسي، وثقافي.

وفي ظل هذا التعقيد، لا يبدو أن الحسم السريع ممكن دون كلفة، ما يجعل مسار التوافق التدريجي خياراً مطروحاً بقوة، خاصة إذا ما أُريد للنشيد القادم أن يكون تعبيراً حقيقياً عن جميع السوريين، لا عن جهة دون أخرى.

الكاتب: فريق العمل - محمد نور
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ