شبكة شام الإخبارية… صوت الصرخة الأولى وذاكرة الثورة السورية
شبكة شام الإخبارية… صوت الصرخة الأولى وذاكرة الثورة السورية
● آراء ومقالات ١٨ مارس ٢٠٢٦

شبكة شام الإخبارية… صوت الصرخة الأولى وذاكرة الثورة السورية

لم تكن الثورة السورية في أيامها الأولى تمتلك منابر كثيرة تعبّر عنها، ولم يكن في متناول السوريين إعلام حر قادر على نقل ما يجري في الشوارع والساحات والبلدات الثائرة كما هو، بعيداً عن رواية نظام الأسد البائد وأكاذيبه. 


في تلك اللحظة الحرجة، حين كانت الكلمة تُلاحَق كما يُلاحَق المتظاهر، وحين كان توثيق الحقيقة فعلاً محفوفاً بالخطر، برزت "شبكة شام الإخبارية" بوصفها واحدة من أهم المنصات التي التقطت الصرخة الأولى، وحملتها من الداخل السوري إلى الفضاء العربي والدولي.

منذ البدايات، لم تكن “شام” مجرد صفحة تنقل خبراً أو مقطعاً مصوراً، بل كانت أشبه بغرفة نبض يومية للثورة السورية، لقد ظهرت في وقت كان فيه الإعلام الرسمي يصف المتظاهرين بالمخربين والعملاء، ويحاول دفن الحقيقة تحت سيل من التحريض والتضليل، بينما كانت شبكة شام تفتح نافذة واسعة على ما يجري فعلاً في الميدان، وتنقل أسماء المدن، وهتافات الساحات، وصور الشهداء، ووجع الأمهات، وصوت السوريين المطالبين بالحرية والكرامة.

تكمن أهمية "شبكة شام الإخبارية" في أنها لم تواكب الحدث فقط، بل كانت جزءاً من بنيته الإعلامية الأولى، ففي السنوات الأولى للثورة، حين كانت المؤسسات الإعلامية العربية والدولية تبحث عن مصادر موثوقة وسريعة من داخل سوريا، تحولت الشبكة إلى مصدر رئيسي للمعلومة والصورة والخبر العاجل. 


كثير من القنوات والوكالات والصحف اعتمدت على ما تنشره “شام”، لأن الشبكة نجحت في بناء حضور ميداني واسع، مستند إلى ناشطين ومراسلين ومصادر محلية، شكلوا معاً واحدة من أوائل البنى الإعلامية الثورية المنظمة.

ولعل ما ميّز “شام” في تلك المرحلة أنها أدركت مبكراً أن المعركة ليست في الشارع وحده، بل أيضاً في الرواية، فالنظام لم يكن يقتل المتظاهرين فقط، بل كان يحاول قتل الحقيقة معهم، ويعمل على احتكار السردية وتقديم نفسه ضحية “مؤامرة”، بينما كان السوريون يُقتلون لأنهم قالوا كلمة حرية، هنا لعبت الشبكة دوراً محورياً في كسر الحصار الإعلامي، وفي نقل الثورة السورية من كونها حدثاً محاصراً داخل الحدود إلى قضية رأي عام يتابعها الملايين.

لم يكن هذا الدور سهلاً ولا منخفض الكلفة، فالعمل الإعلامي في بدايات الثورة كان واحداً من أخطر أشكال المواجهة مع النظام، كثير من الناشطين والمراسلين الذين عملوا ضمن البيئة الإعلامية الثورية تعرضوا للاعتقال أو التهديد أو الاستهداف المباشر، ومع ذلك استمرت شبكة شام في أداء دورها، وتوسعت، وراكمت الخبرة، وتطورت من منصة ناشئة تعتمد على جهد الناشطين إلى رقم إعلامي صعب في المشهد السوري.

ومع مرور السنوات، لم تفقد الشبكة موقعها رغم تعقّد المشهد وتعدد المنصات وتزاحم الفاعلين الإعلاميين، بل حافظت على مكانتها من خلال التكيف مع التحولات الكبرى التي مرت بها الثورة السورية، من الحراك السلمي إلى المراحل اللاحقة من الحرب في سوريا، ومن تغطية المظاهرات والهتافات الأولى إلى متابعة المعارك، والملفات السياسية، والانتهاكات، وقضايا المعتقلين، والنزوح، واللجوء، وتطورات الداخل السوري بكل تفاصيله.

لقد أصبحت “شام” بالنسبة لكثير من السوريين أكثر من مجرد وسيلة إعلام، إذ تحولت إلى أرشيف حي لذاكرة الثورة، وإلى مساحة احتفظت بالكثير من التفاصيل التي حاول النظام طمسها أو تشويهها. 


ومن يتابع مسار الثورة السورية يدرك أن حضور الشبكة لم يكن عابراً، بل كان ممتداً وعميقاً، لأنها حافظت على صلتها بالناس، وبالحدث، وبالهوية الأولى للثورة، حين كانت الحرية هي الكلمة الأوضح، وكانت الكرامة هي المعنى الأكثر حضوراً.

وفي جانب آخر، فإن قيمة شبكة شام لا تُقاس فقط بما نشرته، بل أيضاً بما أسهمت في تكوينه، فهي ساعدت في ترسيخ مفهوم الإعلام الثوري المهني، ودفعت باتجاه بناء خطاب إخباري ينحاز إلى الحقيقة، ويستند إلى الميدان، ويواجه ماكينة التضليل الرسمية التي اعتمدها نظام الأسد البائد طيلة سنوات، كما أنها منحت كثيراً من الناشطين والإعلاميين الشباب فرصة للتشكل والتدرب والانخراط في عمل إعلامي منظم، ما جعلها مدرسة فعلية في واحدة من أكثر البيئات خطورة وتعقيداً.

إن الحديث عن الثورة السورية لا يكتمل من دون التوقف عند دور المنصات التي حفظت صوتها في بداياتها، وفي مقدمة هذه المنصات تأتي شبكة شام الإخبارية، لقد كانت شاهداً على الصرخة الأولى، ووسيطاً لنقلها، ومؤسسة لعبت دوراً حقيقياً في تثبيت الرواية السورية الحرة في مواجهة رواية القمع والاستبداد. وهذا وحده كافٍ ليجعلها جزءاً أصيلاً من تاريخ الثورة، لا مجرد منصة غطّت أحداثها.

اليوم، وبعد كل ما مرت به سوريا، تبدو الحاجة أكبر إلى استذكار هذا الدور، ليس من باب الحنين فقط، بل من باب الإنصاف أيضاً، فالمؤسسات التي تقف في اللحظات التأسيسية الكبرى، وتدفع كلفة الموقف، وتبقى وفية لرسالتها رغم كل التحديات، لا تُقرأ بوصفها مجرد وسائل إعلام، بل بوصفها جزءاً من الحكاية نفسها، وشبكة شام الإخبارية كانت، ولا تزال، واحدة من أبرز هذه العناوين.

الكاتب: أحمد نورالرسلان
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ