موسم القمح في سوريا بين التفاؤل الحذر والتحديات المناخية
تشير التوقعات الرسمية إلى أن موسم القمح الحالي في سوريا يسير في اتجاه إيجابي نسبياً، وسط مؤشرات أولية تعزز احتمالات تقليل الاعتماد على الاستيراد، مع بقاء المخاطر المناخية عاملاً حاسماً في تحديد النتائج النهائية.
وفي هذا السياق، أكد مدير عام مؤسسة الحبوب المهندس حسن عثمان أن البلاد قد لا تحتاج إلى استيراد القمح هذا العام كحد أدنى، استناداً إلى التقديرات الحالية للإنتاج والكميات المتوفرة.
وأوضح أن الحاجة السنوية من القمح تُقدّر بنحو 2.55 مليون طن، في حين تصل الكميات المتاحة حالياً، بما في ذلك الإنتاج المسوّق والمتعاقد عليه، إلى نحو مليون طن، مع توقعات بارتفاعها إلى حوالي 1.5 مليون طن مع استمرار عمليات الحصاد والتوريد.
وأشار إلى أن جزءاً من الإنتاج لا يدخل ضمن عمليات التسويق المباشر، إذ يُستخدم كبذار للمواسم القادمة أو يُخصص للاستهلاك المحلي والصناعات الغذائية، ما يجعل أرقام الاستلام الرسمية مرتبطة بأنماط الاستخدام داخل السوق.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، شدد عثمان على أن التقديرات تبقى مرهونة بتطورات الطقس خلال الفترة المقبلة، خاصة ما يتعلق بالأمطار وتقلبات درجات الحرارة، مؤكداً استمرار المتابعة الميدانية لضمان استقرار عمليات الاستلام.
كما كشف عن تضرر مساحات زراعية تُقدّر بنحو 10 آلاف هكتار أو أكثر نتيجة عوامل مناخية، إلى جانب مخاوف من انتشار أمراض زراعية مرتبطة بهذه التقلبات.
في قراءة أوسع، وصف الخبير الزراعي أكرم عفيف الموسم الحالي بأنه اختبار مصيري للقمح السوري، باعتباره حجر الأساس في منظومة الأمن الغذائي.
وأوضح أن الوضع الحالي جيد نسبياً في المناطق المروية والبعلية، إلا أن التغيرات المناخية، وارتفاع الرطوبة، وتذبذب درجات الحرارة، قد تفتح المجال أمام أمراض مثل صدأ القمح وتعفن الجذور، ما يجعل الموسم أشبه بسباق مع الزمن والظروف الجوية.
وأشار إلى أن تأثير القمح لا يقتصر على الأمن الغذائي المباشر، بل يمتد إلى قطاع الثروة الحيوانية، حيث يؤدي أي تراجع في الإنتاج إلى ارتفاع أسعار التبن والأعلاف، وبالتالي زيادة أسعار اللحوم ومشتقات الحليب، ما ينعكس على مجمل الواقع المعيشي.
وفيما يتعلق بإمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي، اعتبر عفيف أن ذلك هدف ممكن، لكنه مشروط بإعادة بناء منظومة دعم زراعي متكاملة، تشمل توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، وتأمين البذار المحسن والأسمدة والمحروقات، إضافة إلى تقديم قروض ميسّرة للمزارعين.
كما شدد على أهمية اعتماد سياسة تسعير عادلة تضمن هامش ربح مستقر للفلاح، بما يشجعه على التوسع في زراعة القمح و لفت إلى أن إدخال تقنيات حديثة، مثل الطاقة الشمسية والري عبر الآبار والمعدات المتطورة، ساهم في خفض التكاليف في بعض المناطق، إلا أن الاستفادة منها لا تزال غير متكافئة بين المزارعين، ما يعكس فجوة في الإمكانيات والدعم.
هذا ويقف موسم القمح في سوريا أمام معادلة دقيقة تجمع بين التفاؤل بإمكانية تعزيز الإنتاج المحلي وتحقيق درجة أعلى من الاكتفاء، وبين تحديات مناخية واقتصادية تتطلب إدارة مرنة ودقيقة. ورغم المخاطر، فإن المؤشرات الحالية تعطي إشارات إيجابية بإمكانية تأمين جزء كبير من الحاجة المحلية، ما قد يخفف الضغط على الاستيراد ويعيد للقمح السوري مكانته ضمن أولويات الأمن الغذائي الوطني.