بين الألم والتكلفة… علاج الأسنان خيار مؤجل لدى كثير من السوريين
أمام الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها آلاف السوريين، وفي ظل وجود أعداد كبيرة من العائلات تحت خط الفقر، تحوّلت الرعاية الصحية، بما فيها علاج الأسنان، إلى عبء إضافي على كاهل الأهالي.
ومع ضعف الإمكانات المادية وارتفاع كلفة العلاج، يضطر كثيرون إمّا إلى تأجيل زيارة الطبيب، أو مراجعة عيادات خاصة رغم تكاليفها المرتفعة، أو انتظار دورهم في المراكز المجانية، فيما يلجأ آخرون إلى حلول مؤقتة لتسكين الألم، ما يفاقم المشكلات الصحية ويزيد من تعقيدها مع مرور الوقت.
وفي هذا السياق، روت إحدى السيدات، في حديث لـ شام أنها اضطرت إلى معالجة أحد أضراسها عبر سحب العصب وتلبيسه، فيما أجّلت علاج ضرسٍ آخر يعاني من المشكلة ذاتها، بسبب عدم قدرتها على تحمّل كلفة العلاج كاملة، على أمل أن تتحسن ظروفها المادية لاحقاً.
وتتفاوت إجراءات علاج الأسنان بين ما هو بسيط وروتيني، مثل التنظيف والحشوات، وما هو أكثر تعقيدًا، كعلاج تقويم الأسنان، وزراعة الأسنان، وقلع ضرس العقل، إضافة إلى تلبيس الأسنان وتركيب الجسور، التي تختلف بدورها بحسب نوع المواد المستخدمة وعدد الأسنان المعالجة، ما يجعل كلفة العلاج متفاوتة من حالة إلى أخرى.
ضعف الوعي الصحي وأخطاء يومية تفاقم مشكلات الأسنان
وقالت طبيبة الأسنان هبة تركماني، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن شريحة واسعة من المجتمع، من مختلف الفئات العمرية، تعاني من مشكلات سنيّة متكررة، مشيرةً إلى أن ذلك يرتبط إلى حدّ كبير بضعف الوعي الصحي في مجال العناية بالأسنان لدى كثير من الناس.
وأضافت أن طبيب الأسنان لا يقتصر دوره على تشخيص وعلاج أمراض الفم والأسنان فحسب، بل يشمل أيضاً الوقاية منها، إلى جانب نشر التوعية حول مخاطر إهمال الصحة الفموية وما يترتب عليها من مشكلات صحية.
ونوّهت إلى أن من أبرز الأخطاء الشائعة لدى الأهالي تأخير أول زيارة للطفل إلى طبيب الأسنان، مؤكدةً أن الزيارة الأولى يُفضّل أن تكون عند عمر السنة أو مع ظهور أول سن، وليس عند الشعور بالألم فقط، كما حذّرت من السماح للطفل بالنوم مع قنينة الحليب، لما يسببه ذلك من ما يُعرف بـ"تسوس الرضاعة"، الذي يؤدي إلى تضرر الأسنان الأمامية بشكل سريع.
وأشارت تركماني إلى أن من بين الأخطاء الشائعة أيضاً الاعتقاد بأن الأسنان اللبنية غير مهمة، موضحةً أن تسوسها قد يؤثر في الأسنان الدائمة، ويتسبب بمشكلات في النطق والمضغ. كما لفتت إلى ممارسات خاطئة في تنظيف الأسنان، مثل التفريش بعنف، أو لمدة تقل عن دقيقتين، إضافة إلى إهمال تنظيف اللسان.
وذكرت لـ "شام" أن بعض الأشخاص يستخدمون الأسنان كأداة لفتح العلب أو كسر المكسرات، ما يؤدي إلى تضررها أو كسر الحشوات، لافتةً أيضاً إلى إهمال استخدام الخيط الطبي ضمن العناية اليومية بالفم، رغم أهميته في الوقاية من مشاكل الأسنان واللثة.
وتطرّقت تركماني إلى أسباب إهمال مراجعة طبيب الأسنان، مشيرةً إلى أن من أبرزها الخوف من الألم أو من تجارب سابقة غير مريحة، إلى جانب ارتفاع التكاليف، خاصةً أن كثيرين يؤجلون العلاج حتى تتفاقم المشكلة، ما يجعل التدخل لاحقاً أكثر تعقيداً وكلفة.
كما يلعب ضيق الوقت دوراً في تأجيل المراجعات إلى حين حدوث حالة طارئة، إلى جانب انتشار بعض المفاهيم الخاطئة لدى البعض، مثل الاعتقاد بأن "سحب العصب يضعف السن" أو أن "تنظيف الأسنان يضر بطبقة المينا"، وغيرها من المعلومات غير الدقيقة.
نصائح أساسية للوقاية… العناية اليومية والفحوص الدورية مفتاح صحة الأسنان
وأكدت هبة تركماني أن من أهم النصائح للأهالي الحرص على تفريش الأسنان مرتين يومياً لمدة دقيقتين، صباحاً وبعد آخر وجبة، مشددةً على ضرورة قيام الأهل بتفريش أسنان أطفالهم حتى عمر 7–8 سنوات، كما أوصت باستخدام الخيط الطبي مرة يومياً لدوره في الوقاية من تسوس ما بين الأسنان، والذي يُعد من أخطر أنواع التسوس، إضافة إلى التقليل من تناول السكريات، ولا سيما الأنواع اللزجة.
وأشارت إلى ضرورة الالتزام بمراجعات دورية كل ستة أشهر، حتى في حال عدم وجود ألم، لما لذلك من أهمية في التنظيف والكشف المبكر عن المشكلات، كما أكدت أهمية استخدام "فلوريد صديقك" معجون أسنان يحتوي على الفلورايد، واعتبرته عاملاً أساسياً في الوقاية، لافتةً إلى إمكانية تطبيق جل الفلورايد لدى الطبيب للأطفال الأكثر عرضة للتسوس.
وشدّدت على عدم إهمال الأسنان اللبنية، لكونها تحافظ على المسافة اللازمة لظهور الأسنان الدائمة، إذ إن فقدانها المبكر قد يؤدي إلى تزاحم الأسنان والحاجة إلى تقويم مستقبلاً.
ويشير مختصون إلى أن أزمة العناية بصحة الأسنان في سوريا لم تعد مسألة فردية فحسب، بل باتت انعكاساً مباشراً للواقع الاقتصادي والمعيشي، حيث يدفع ضعف الإمكانات المادية كثيرين إلى تأجيل العلاج إلى مراحل متقدمة، ما يحوّل المشكلات البسيطة إلى أعباء صحية معقدة، مشددين على أن تعزيز الوعي الصحي وتوسيع خدمات الرعاية الوقائية يمثلان خطوة ضرورية للحد من تفاقم هذه الظاهرة.
وبين واقع اقتصادي قاسي وضعف في الوعي الصحي، تتجه شريحة من الأهالي إلى تأجيل علاج الأسنان، رغم ما قد يترتب على ذلك من تدهور تدريجي في الحالة الصحية مع مرور الوقت.