تبرير ارتكاب الجرائم بحجة تنفيذ الأوامر العسكرية… ما بين القانون والرفض المجتمعي
تبرير ارتكاب الجرائم بحجة تنفيذ الأوامر العسكرية… ما بين القانون والرفض المجتمعي
● مجتمع ٣٠ أبريل ٢٠٢٦

تبرير ارتكاب الجرائم بحجة تنفيذ الأوامر العسكرية… ما بين القانون والرفض المجتمعي

شهدت الفترة الماضية تكثيفاً في جهود الأجهزة الأمنية السورية لملاحقة عدد من رموز النظام السابق، المتورطين في ارتكاب انتهاكات وجرائم بحق السوريين خلال سنوات الثورة، ويُعدّ إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم بارتكاب مجزرة التضامن، من أبرز هذه العمليات التي نُفذت مؤخراً.

وفي سياق هذه العمليات، يتكرر نمطٌ بات مألوفاً عقب إلقاء القبض على متهمين بارتكاب انتهاكات، يتمثل في صدور تبريرات على لسان بعض ذويهم أو المقربين منهم، غالباً ما تُرجع الأفعال إلى تنفيذ “أوامر عسكرية” أو تحميل المسؤولية لجهات أعلى. 

وقد برز ذلك عقب اعتقال أمجد يوسف، حيث ظهرت شقيقتاه في مقطعٍ مصوّر تُبرِّران ما قام به، معتبرتَيْن أنه كان ينفذ أوامر صادرة عن قياداته، ومُحمِّلتَيْن المسؤولية لبشار الأسد ورؤساء الأفرع الأمنية، في طرحٍ يعكس جدلاً متكرراً حول حدود المسؤولية الفردية في مثل هذه القضايا.

ولا يقتصر هذا النمط على حالة أمجد يوسف، إذ تظهر أمثلة أخرى تعكس تكرار ذات التبرير، حيث نشرت وزارة الداخلية السورية مقطعاً مصوراً يتضمن اعترافات لعدد من الطيارين في قوات النظام البائد، من بينهم ميزر صوان، الملقب بـ "عدو الغوطتين"، الذي أقر بأن أوامر القصف كانت تصدر من قيادات عليا، وأنهم كانوا ينفذونها دون معرفة الأهداف أو القدرة على الرفض. 

وتأتي هذه الشهادات لتسلّط الضوء على تكرار رواية “تنفيذ الأوامر” في قضايا الانتهاكات، وما تثيره من جدل حول حدود المسؤولية الفردية ودور المنفذين في تلك الجرائم.

وفي ضوء هذه التبريرات المتكررة، يبرز تساؤل جوهري حول الموقف القانوني من هذه الأفعال، وكيف ينظر القانون السوري إلى المتورطين في قتل مدنيين وارتكاب انتهاكات بحق أبرياء، كما تُطرح إشكالية مدى إمكانية التذرّع بتنفيذ الأوامر العسكرية كسبب للإعفاء من المسؤولية، وما إذا كان تنفيذ الأوامر غير المشروعة يُعد التزاماً واجباً، أم أنه لا يبرر ارتكاب أفعال مجرّمة قانوناً ومرفوضة أخلاقياً.

الاستثناءات القانونية… حدود ضيقة للمساءلة

وقال الأستاذ باسل محمد موسى، المحامي المسجّل لدى نقابة المحامين في دمشق، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه في ظل تزايد التساؤلات حول حدود المسؤولية الجنائية في جرائم القتل، يحدّد القانون السوري موقفاً واضحاً يستند إلى مبدأ أساسي، مفاده أنه لا يُعفى من العقاب إلا ضمن أضيق الاستثناءات التي نصّ عليها القانون صراحة.

وأضاف أن قانون العقوبات السوري يحدّد حالات استثنائية يُعفى فيها الفاعل من العقوبة، من أبرزها: الدفاع المشروع، وحالة الضرورة، والجنون أو انعدام الإدراك، إضافة إلى القوة القاهرة، وأكد أن هذه الحالات محددة بدقة ولا يجوز التوسع في تفسيرها أو القياس عليها، إذ يبقى الأصل هو المساءلة والعقاب.

وأشار إلى أن الدفاع عن النفس يُعدّ حقاً مشروعاً، لكنه يخضع لشروط صارمة، إذ لا يتحقق الإعفاء الكامل من العقوبة في جرائم القتل إلا إذا كان الخطر حقيقياً ومحدقاً، وتعذّر اللجوء إلى السلطات، وكان القتل الوسيلة الوحيدة لدرء الاعتداء، أما في حال تجاوز هذه الحدود، فيُصنّف الفعل ضمن إطار تجاوز حدود الدفاع المشروع، ما يؤدي إلى تخفيف العقوبة دون إلغائها.

ونوّه موصى إلى أن القانون راعى الروابط العائلية، فأجاز في حالات محددة إعفاء بعض الأقارب من عقوبة إخفاء المجرم أو مساعدته على الفرار، غير أن هذا الإعفاء لا يمتد بأي حال إلى من شارك في ارتكاب الجريمة أو حرّض عليها.

تنفيذ الأوامر لا يعفي من المسؤولية الجنائية

وأكد لـ "شام" أن القانون السوري لا يعدّ تنفيذ الأوامر مبرراً لارتكاب الجرائم، إذ إن الأمر غير المشروع، ولا سيما ما يتعلق بقتل المدنيين، لا يعفي المنفّذ من المسؤولية، ولفت إلى أن المنفّذ يُحاسب كفاعل مباشر متى كانت الجريمة واضحة وغير مشروعة.

وأوضح أن القانون يميّز بين الأوامر المشروعة وتلك التي تُعد جرائم صريحة، إذ تُصنّف الأوامر التي تستهدف مدنيين أو جرحى على أنها غير مشروعة ظاهراً، ولا تحتاج إلى تفسير أو اجتهاد لإدراك خطورتها.

وذكر المحامي باسل أن المشرّع السوري يكرّس مبدأً واضحاً لا لبس فيه، وهو أن المسؤولية الجنائية شخصية، ولا يمكن الاحتماء بالأوامر أو الضغوط لتبرير إزهاق الأرواح، إذ يضع الواجب القانوني والأخلاقي حماية الإنسان فوق أي اعتبار وظيفي أو عسكري.

وشدّد موسى على أن القضاء السوري يتعامل بصرامة مع مبدأ التناسب في حالات الدفاع المشروع، ومع وضوح عدم مشروعية الأوامر في السياق العسكري، ما يجعل الإعفاء من العقوبة في جرائم القتل أمراً نادراً للغاية، يخضع لتدقيق شديد ولا يُقبل إلا ضمن شروط ضيقة ومحددة.

 في المقابل، على الصعيد المجتمعي، أثارت هذه التبريرات حالة من الاستياء الواسع بين السوريين، ولا سيما لدى أهالي الضحايا والمفقودين والمتضررين من تلك الانتهاكات، إذ اعتبرها كثيرون محاولة للتنصل من المسؤولية.

 وقد انعكس ذلك بوضوح في تعليقات المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، حيث شدّد ناشطون على ضرورة محاسبة جميع المتورطين وعدم القبول بتبرير الجرائم تحت أي ذريعة.

وفي ظل تكرار تبريرات “تنفيذ الأوامر” في قضايا الانتهاكات، يتعزز الجدل حول حدود المسؤولية الفردية، بين ما يطرحه البعض من مبررات، وما يحسمه القانون من قواعد واضحة لا تبيح ارتكاب الجرائم تحت أي ظرف، وبين هذين المسارين، تبقى مطالب الضحايا وذويهم بالمحاسبة حاضرة بقوة، بوصفها شرطاً أساسياً لتحقيق العدالة ومنع تكرار الانتهاكات.

 

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ