بين الانتقال السياسي وإشكالية التمثيل… هل تُحسم معركة سوريا في بنية الحكم؟
بين الانتقال السياسي وإشكالية التمثيل… هل تُحسم معركة سوريا في بنية الحكم؟
● آراء ومقالات ٢٤ فبراير ٢٠٢٦

بين الانتقال السياسي وإشكالية التمثيل… هل تُحسم معركة سوريا في بنية الحكم؟

في ظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا بعد سقوط النظام السابق، تتكاثر النقاشات حول قضايا خدمية واقتصادية وإدارية، غير أن الجدل الأعمق – المتعلق ببنية النظام السياسي الجديد – ما يزال، بحسب الباحث أحمد أبازيد، خارج دائرة التداول العلني المنظم، رغم حضوره اليومي في أحاديث السوريين.

يرى أبازيد أن جوهر الإشكالية لا يكمن في القرارات الإدارية أو التغييرات الوزارية، بل في طبيعة توزيع السلطة وهيكلها العام. ويشير إلى استمرار هيمنة هيئة تحرير الشام على مفاصل أساسية، مقابل محدودية التمثيل السياسي والاجتماعي لقوى أخرى، إضافة إلى ما يعتبره وصاية على الحياة المدنية والسياسية عبر الأمانة العامة للشؤون السياسية، واحتكار سردية “التحرير” و”بناء الدولة” ضمن إطار فصيل واحد.

وبحسب رأيه، فإن التركيز الإعلامي والشعبي على قضايا جزئية – مثل قرارات وزارية أو تعيينات أو سياسات استيراد – لا يمس البنية السياسية العميقة، التي تشكل أساس أي إصلاح حقيقي. 

فالمشكلة، كما يراها الباحث، تتعلق بحدود المشاركة في صنع القرار، وضيق المجال المتاح أمام شخصيات وقوى سياسية قد تكون راغبة في الانخراط، لكنها تجد نفسها أمام منظومة مغلقة أو محدودة الصلاحيات.

ويذهب أبازيد إلى أن هذا الخلل البنيوي ينعكس على ملفات كبرى ما تزال عالقة، مثل ملف المفقودين، والعدالة الانتقالية، وأرشيف النظام السابق، فالتعثر، في تقديره، لا يرتبط فقط بضعف الإمكانات التقنية، بل أيضاً بصراعات حول إدارة هذه الملفات، وندرة الكوادر المؤهلة ضمن الإطار السياسي القائم، إضافة إلى استبعاد خبرات أخرى لاعتبارات تتعلق بالانسجام السياسي.

ويبرز ملف التمثيل الدبلوماسي مثالاً إضافياً على هذه التعقيدات، إذ لا يزال شاغراً في عدد من الدول، في ظل تحفظات متبادلة حول طبيعة التعيينات، ما يعكس – وفق هذا الطرح – صعوبة المواءمة بين الاعتبارات السياسية الداخلية والمتطلبات المهنية والدولية.

أما الحديث المتداول حول إعادة منصب رئيس الحكومة أو إجراء تعديلات وزارية، فيعتبره أبازيد خطوة قد تغيّر الأشخاص، لكنها لا تمس جوهر توزيع السلطة الفعلي بين مراكز النفوذ، ولا تعيد التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية.

ويشير إلى أن نموذج إدارة إدلب توسّع ليشمل الدولة السورية الجديدة، مع إنشاء مؤسسات جديدة استجابة لتوازنات داخلية، من دون أن يترافق ذلك مع توسيع فعلي لتمثيل القوى السياسية والاجتماعية الأوسع، التي قامت عليها شرعية الحكم الجديد، ويرى أن هذا الواقع أفضى إلى تفاوت في التمثيل بين مناطق وأخرى، وأثار انتقادات متزايدة في بعض الأوساط.

حتى على المستوى الأمني والعسكري، ورغم عمليات دمج الفصائل، يلاحظ أبازيد استمرار حساسية مرتبطة بمستويات التمثيل القيادي والرمزي، ما يعكس – في نظره – أن عملية الاندماج لم تُستكمل على نحو يبدد الشعور بعدم التوازن.

في بدايات المرحلة الانتقالية، جرى تبرير هذه البنية السياسية شبه الأحادية بضرورة حفظ الاستقرار ومنع الفوضى، غير أن أبازيد يرى أن استمرارها بالشكل ذاته قد يؤدي إلى استنزاف تدريجي لشرعية الحكم، سواء لدى الحواضن الثورية المسيسة أو لدى فئات اجتماعية أوسع متأثرة بالأوضاع المعيشية والاقتصادية. 

ويشير إلى أن التوجهات الاقتصادية نحو الخصخصة ورفع الدعم قد تزيد من حدة الضغوط الاجتماعية إذا لم تقترن بإصلاحات سياسية تعزز الثقة، ويستدل بتزايد الوقفات الاحتجاجية والإضرابات في مناطق عدة، بما فيها مناطق تعد من الحواضن التقليدية للحكم الجديد، مع تراجع ملحوظ في الخطاب المدافع عنه، كمؤشرات على احتقان متراكم وشعور متنامٍ بضعف التمثيل.

مع ذلك، يؤكد أبازيد أنه لا يدعو إلى معارضة جذرية أو شيطنة السلطة، بل إلى إعادة الاعتبار للسياسة بوصفها مجالاً للحوار والتعددية، ويرى أن الاعتراف بوجود إشكالية في بنية الحكم هو الخطوة الأولى نحو معالجتها، وأن المدخل الأساس يتمثل في تعزيز التمثيل الشعبي، وإعادة تفعيل سلطة تشريعية منتخبة، واحترام مبدأ فصل السلطات وتحديد الصلاحيات بوضوح، إلى جانب فتح حوار وطني صريح حول شكل النظام السياسي ومستقبل البلاد.

ويخلص إلى أن بناء الثقة بين المجتمع والسلطة لا يمكن أن يتحقق عبر معالجة القضايا الهامشية فقط، بل عبر إصلاحات بنيوية تضمن المشاركة والشفافية والكفاءة، وتحوّل المرحلة الانتقالية من حالة إدارة مؤقتة إلى تأسيس مستدام لدولة تمثل مختلف مكوناتها.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ