قاضٍ منشق يرفض تعويضات مرسوم الإعادة ويكشف "تفريغاً" لمضمونه
كشف القاضي المنشق حسين حمادة أنه تلقّى اتصالاً من معاون وزير العدل القاضي مصطفى قاسم قبل صدور المرسوم رقم /70/ بتاريخ 4 حزيران 2025، أُبلِغ خلاله بأن الوزير مظهر الويس أعدّ مسودة لإعادة القضاة المنشقين إلى عملهم، موضحاً أن اسمه سيكون في مقدمتهم، مع الإيحاء بضرورة تقديم طلب إحالة على التقاعد قبل رفع المرسوم إلى رئيس الجمهورية.
ملاحظات قانونية على الإجراء
أوضح حمادة أنه أدرك من ذلك أمرين أساسيين، أولهما أن وجوده في السلطة القضائية الجديدة غير مرغوب فيه، وثانيهما وجود خلل في فهم القواعد القانونية، باعتبار أن الإحالة إلى التقاعد ترتبط ببلوغ السن القانونية ولا تحتاج إلى طلب، مشيراً إلى أنه قدّم الطلب رغم ذلك تفادياً لأي جدل.
تفسير المرسوم والحقوق المستحقة
بيّن حمادة أن الأسباب الموجبة للمرسوم /70/ تنص على معالجة أوضاع القضاة المنشقين من حيث المراتب والرواتب، ما يعني قانوناً اعتباره قائماً على رأس عمله منذ انشقاقه عام 2012 وحتى إحالته على التقاعد عام 2025، الأمر الذي يترتب عليه صرف كامل رواتبه خلال تلك الفترة، واحتساب خدمته القضائية الممتدة من عام 1982 وحتى 2025، إضافة إلى استحقاقه راتباً تقاعدياً كاملاً.
قرارات إدارية مثيرة للجدل
أشار إلى أنه فوجئ باتجاه مديرية التنمية الإدارية في وزارة العدل لاعتماد تفسير مغاير، يتضمن صرف تعويض مالي محدود لا يتجاوز 700 دولار، وراتب تقاعدي بحدود 100 دولار، مع عدم صرف الرواتب عن فترة الانشقاق وعدم احتسابها ضمن سنوات الخدمة، واعتبار خدمته منتهية منذ قرار العزل عام 2013.
موقف ورفض رسمي
أعلن حمادة استنكافه عن قبض هذه التعويضات، معتبراً أنها تشكّل إهانة له كقاضٍ منشق، مؤكداً أن هذا التفسير يُفرغ المرسوم من مضمونه ويخالف الغاية التي صدر من أجلها، مطالباً بأخذ تصريحه على هذا الأساس.
نموذج يختصر معاناة القضاة المنشقين
وكان سلّط موقع "زمان الوصل" الضوء على قضية القاضي أحمد النعيمي، بوصفها نموذجاً يعكس واقع عدد كبير من القضاة المنشقين الذين عادوا إلى وظائفهم ليجدوا أنفسهم ضمن منظومة لم تتغير جوهرياً، وتحت سلطة قضاة من النظام البائد الذين كانوا جزءاً من محاكمة الثوار سابقاً.
مسيرة قضائية وتضحيات كبيرة
يُعدّ النعيمي من أبرز القضاة في سوريا، إذ خدم في السلك القضائي لمدة خمسة وثلاثين عاماً، وتولى منصب رئيس النيابة العامة في حلب، قبل أن يعلن انشقاقه عام 2012 رفضاً لتسييس القضاء، في خطوة كلّفته ضغوطاً قاسية ومعاناة امتدت لنحو ثلاثة عشر عاماً من اللجوء، شملت فقدان ممتلكاته واستقرار عائلته.
عودة بلا إنصاف
عاد النعيمي إلى سوريا بعد صدور مرسوم إعادة القضاة المنشقين، إلا أنه فوجئ بتعيينه في موقع "مستشار" ضمن محكمة لا يملك فيها صلاحيات فعلية، بينما يرأس المحكمة قاضٍ من منظومة النظام البائد، ما أثار تساؤلات حول آلية إعادة ترتيب السلك القضائي.
تساؤلات حول العدالة والتراتبية
طرحت هذه الحالة تساؤلات جوهرية حول كيفية إعادة قاضٍ منشق وأقدم رتبة ليكون أدنى موقعاً من قضاة ارتبطوا بالنظام السابق، ووضعه تحت سلطة من كانوا جزءاً من منظومة القمع القضائي، في مشهد اعتبره مراقبون تناقضاً مع مبدأ الإنصاف.
من التكريم إلى التهميش
أشارت المعطيات إلى أن ما يفترض أن يكون تكريماً لتجربة النعيمي وتحمله تبعات الانشقاق، تحوّل إلى حالة تهميش، إذ وجد نفسه في موقع لا يتناسب مع خبرته وتاريخه، ضمن بيئة قضائية لم تشهد تغييراً حقيقياً في بنيتها.
إشكالية العدالة الانتقالية
أكدت القضية أن تحقيق العدالة الانتقالية لا يقتصر على إصدار مراسيم إعادة، بل يتطلب إعادة هيكلة حقيقية للمؤسسات، تضمن وضع الكفاءات في مواقعها المناسبة، والتمييز بين من خدموا العدالة ومن ارتبطوا بممارسات النظام البائد.
جرس إنذار لإصلاح القضاء
مثّلت قضية النعيمي، إلى جانب حالات أخرى مشابهة، مؤشراً على تعثر مسار إصلاح القضاء، حيث لا تزال الإجراءات أقرب إلى المعالجة الشكلية، دون تحقيق قطيعة حقيقية مع إرث النظام البائد، ما يضع إرادة الإصلاح أمام اختبار فعلي في المرحلة المقبلة.